02‏/01‏/2017

عن تراجع الشعر المصري والجوائز وقصيدة النثر

ثمة إقرار بسيط، يجب أن يفكر فيه المهتمون بالشعر في مصر، إذا أردنا أن نتجاوز عدداً من الإشكاليات التي تجاوزها العالم من زمن لكننا لا زلنا عالقين فيها، مثل الاعتراف بـ"شرعية" قصيدة النثر. الإقرار، هو أن حضور الشعرية المصرية المعاصرة أقل من حضور الشعرية في دول المغرب العربي، ولبنان والشام، وحتى بعض دول الخليج.
قد يكون هذا الإقرار صادماً لكثير من الشعراء المصريين، وقد يرد بعض المنحازين لفكرة "الريادة"، بالدور الذي لعبته مدرسة البعث والإحياء في الشعر العربي الحديث، والدور الذي قام به البارودي من تطوير للقصيدة العربية، أو قد يُذَكّر البعض بدور الشعراء المصريين في تطوير الشعر في بدايات القرن الماضي، ويستشهد بما قدمته مدرستي أبوللو والديوان، أو بأن "إمارة الشعر" كانت لشاعر مصري هو أحمد شوقي، لكن الحقيقة هي أن أزمة الشعر المصري بدأت بعد ذلك.
وبعيداً عن الصراع التاريخي حول نشأة قصيدة التفعيلة، وهل بدأت على يد العراقية نازك الملائكة، أم المصري محمود حسن إسماعيل، فقد كانت تلك اللحظة هي المحك الحقيقي للشاعرية المصرية، ففي حين توقف الشعراء المصريون عند هذه اللحظة لسنوات طويلة، سارع الشعراء في لبنان وسوريا إلى تجاوز هذه التجربة إلى تطور آخر هو "قصيدة النثر"، وبرزت ملامحها مع العدد الأول من مجلة "شعر" اللبنانية، مع أسماء محمد الماغوط، وأدونيس، وخليل حاوي، وأنسي الحاج، وشوقي أبو شقرا وخالدة سعيد، وغيرهم.
وفي الوقت الذي كانت تتطور فيه قصيدة النثر في الشام، وفي المغرب العربي الذي عرف قصيدة النثر مبكراً مع شعراء فرنسيين رواد لها مثل شارل بودلير ورامبو وملاراميه، غرقت مصر في قصيدة التفعيلة، التي شهدت انتكاسة عقب هزيمة يونيو 67، دفع ثمنها جيل السبعينيات شعراً، فغرقت القصائد في الغموض والتقوقع على الذات والإغلاق.
ربما لم تعرف مصر قصيدة النثر بشكل صحيح إلا مع جيل الثمانينات، الذي أسس لها مصرياً، ودفع ثمن ذلك بالتجاهل، ثم جاء جيل التسعينات ليعطيها الدفعة القوية، لتنطلق بعد ذلك.
تأخرت مصر ثلاثة عقود عن قصيدة النثر العربية، ويمكن أن نضيف إليهم عقدين آخرين من عصر مبارك، سقطت الثقافة فيها في فخ المؤسسة، فبدا شعراء قصيدة النثر متمردون خارجون عن السياق، مستبعدون من أية فعالية رسمية بشكل عام، فضلاً عن سبب آخر هو أنه في حين كانت بلاد المغرب العربي تمتح من الثقافة الفرنسية، وبلاد الشام تأخذ عن الثقافة الإنجليزية، شهدت الثقافة المصرية حالة من الانغلاق، حتى عن نظيرتها العربية، وبعد أن كانت مصر في الستينيات تصدر الثقافة، توقف الأمر تماماً، فتقدم الآخرون خطوات وظلت الثقافة المصرية ـ عموماً ـ مكانها.
لا ينفصل ما حدث في "ملتقى الشعر العربي" الأخير، الذي عقد بالمجلس الأعلى للثقافة، وموجة الاعتذارات عن الحضور، والصراع حول شرعية قصيدة النثر ـ بعد أكثر من 60 عاماً من كتابتها عربياً، عن ذلك. فالصراع ما زال قائماً، وتتضح معالمه في المعارك التي نسمع عنها في لجان المجلس الأعلى للثقافة. كما لا ينفصل عن عدم وجود جوائز مصرية لقصيدة النثرـ اللهم إلا جائزة أسامة الدناصوري، التي أطلقها أصدقاء الشاعر الراحل العام الماضي ـ سواء كانت جوائز من مؤسسة رسمية أو غير رسمية.

لكن رغم "التأخر النسبي" مصرياً، في قصيدة النثر ـ وهو ما قاله شعراء عرب كثيرون بالمناسبة ـ إلا أن هناك انطلاقة شعرية لافتة للانتباه، بدأت مع الانتشار الواسع لمواقع التواصل الاجتماعي، وعودة التقارب الثقافي العربي ـ فيسبوكياً على الأقل ـ وأنتجت عدداً كبيراً من شعراء النثر المصريين الشباب، الذين صاروا بفضل التكنولوجيا يقرؤون نظراءهم العرب في الدول الأخرى، ويعيدون قراءة ما كتب وترجم على مدار السنوات الماضية، وربما يكون بإمكان هذا الجيل إجبار المؤسسة ولجانها على إعادة قراءة ما يحدث ويثور ويتفاعل خلف جدرانها.
...............

ليست هناك تعليقات: