
سيكون طريفا حقا لو تم تأسيس جمعية أهلية مصرية تحمل اسم «جمعية المنتفعين بنجيب محفوظ»، وتضم في عضويتها عددا وافيا من الذين احتكروا، في الفترة الأخيرة، لأنفسهم حق الحديث عن أسرار نجيب محفوظ وأخباره، وأحياناً أدبه، ويمكن أن تعلن الجمعية مقرها من أي مقهى ثقافي في وسط القاهرة، من دون أن يستغرب ذلك أحد.
تبدت ظاهرة الانتفاع بنجيب محفوظ بشكل سافر، بعد وفاته، إذ خرج عدد من المثقفين والكتاب يريدون أن يستغلوا التركيز الإعلامي على الأديب العربي الوحيد الذي حاز جائزة نوبل للحديث باسمه وعنه، وعن خزائن أسراره التي يملكون وحدهم مفاتيحها. ووصل الأمر بالبعض إلى الحديث عن أسرار شخصية تخص محفوظ وأسرته مثل وصيته، وعلاقته ببناته وزوجته. كما وصل الأمر إلى نقل تفاصيل ما دار اثناء تغسيل جثته. أيضا ثمة من تجدهم يتحدثون عن محفوظ كلما فتحت جريدة، أو قناة فضائية أو أرضية أو إذاعة، على اعتبار أنهم كانوا مستودع أسرار الرجل. ثمة من احتكروا لأنفسهم هذا الدور، وأصبحوا بالتالي متحدثين رسميين باسم نجيب محفوظ، لدرجة أن البعض علق بأنهم صاروا أكثر شهرة من نجيب محفوظ نفسه، من كثرة ما ظهروا في وسائل الإعلام.
ثمة أسماء معروفة احتكرت هذا الدور، لكن الحقيقة أن المتاجرة بنجيب محفوظ بدأت قبل وفاته، وربما بعد الاعتداء الإرهابي عليه أوائل التسعينات، حين فقد القدرة على الحركة بشكل طبيعي. وهو ما جعل مجموعة من المثقفين، وغير المثقفين أيضا، تلتف حوله، بعضهم كتاب معروفون ولهم أعمال أدبية ويرتبطون بمحفوظ منذ فترة طويلة، وبعضهم لم يسمع بهم أحد من قبل، أو من ذوي المواهب الضعيفة. بدأ كل هؤلاء في الالتفاف حول الرجل والحديث باسمه ومنع الآخرين من الاقتراب منه. وأصبح وجود بعضهم في الحياة الثقافية مرتبطا بوجود نجيب محفوظ ذاته، وظهورهم في وسائل الإعلام يقتصر على الاحتفال بذكرى ميلاده، أو حصوله على نوبل، ومن ثم وفاته مؤخرا. وما كان يثير غضب العديد من المثقفين في الفترة الأخيرة، وقبل وفاة محفوظ، هو أنه بالرغم من تقدمه في السن وصعوبة حركته، إلا أن المحيطين به، كانوا مصرين على الظهور معه والالتفاف حوله، وإجباره، حسبما كان يردد البعض، على الخروج ستة أيام في الأسبوع في الوقت الذي كان يحتاج فيه إلى الراحة.
حين سألت الروائي يوسف القعيد أحد القريبين من مفوظ ، والمتحدثين عنه بكثرة ، بدا غاضبا، وحزينا من السؤال، وقال لي «أنا لم أنتفع من وفاة نجيب محفوظ بشيء، لأنني روائي لي كتبي وأعمالي التي تقدمني للناس، ولست محتاجا إلى وفاة محفوظ لكي أجني شيئاً»، وأضاف «عندما يكون لدي إبداعي الخاص لماذا أتمسح بإبداع الآخرين وشهرتهم؟». وقال القعيد «أتحداك أن تجد صورة واحدة لي في جنازة محفوظ، أنا كنت موجودا، لكنني رفضت الظهور في التلفزيونات التي كانت تصور، ولم أدل بتصريحات صحافية. وكنت أبتعد عن الكاميرات، ولست مثل الذين قاموا بعمل مؤتمرات صحافية على باب الجنازة، وعلى باب مسجد الحامدية الشاذلية الذي أقيم به العزاء. هات لي أي صورة ظهرت فيها، أو أي استغلال إعلامي مارسته باسم محفوظ؟»
وبغض النظر عن كون القعيد انتفع أم لم ينتفع ، ورغم أنه غضب مني ، إلا أن إجابته كشفت أن ثمة من انتفعوا بالفعل ، هؤلاء الذين أشار إليهم بقوله أنهم عقدوا مؤتمرات صحافية على قبر محفوظ ، إذن هل نطالب بكشف أسماء هؤلاء المتحدثين ، أذكر أنه منذ فترة كنت أتحدث مع الروائي محمد جبريل عن هذا الموضوع أيضا فقال لي أن المخرج توفيق صالح ، وهو أحد حرافيش محفوظ ، إنه اضطر الى أن يشتم بعض الذين يقتاتون من نجيب محفوظ في قلب المدفن، لدرجة أن أحدهم كان يتحدث ، ويفاخر بأنه شارك في غسل محفوظ ، ويحكي ما دار "، هل أجد لديكم تعليقا أكثر تهذيبا من الذي يدور في خاطري الآن .
بالنسبة لي فقد زرت محفوظ مرة واحدة ، وكنت فيها بصحبة وفد من الاصدقاء الصحافيين الألمان منذ عامين ، في العوامة التي تقبع على نيل العجوزة ، ربما لم أكتب انطباعاتي عن الزيارة من قبل ، لكن هذه فرصة مناسبة ، هل أقول أن الرجل بدا مجهدا ، متعبا ، هل أحكي عن الضجيج الذي كانت تصنعه زمرته حوله ، هل أتكلم عن هؤلاء الذين يظهرون في الصور حوله ، بينما هو لا حول له ولا قوة ، أذكر هنا أيضا أن الشاعر شعبان يوسف قال لي على جانب آخر من المنتفعين ، حين حكى لي عن الذين يتحدثون طوال الوقت باسم نجيب محفوظ، مثل محمد سلماوي الذي لا يضيع وقتا إلا ويتحدث فيه عن نجيب محفوظ، وإبداعه، شعبان قال لي وقتها " أن الصراع على تركة محفوظ سياسي في بعض جوانبه، فلم يكن محفوظ نجيب محفوظ في أيامه الأخيرة، قادرا على اختيار حوارييه وحرافيشه، ولا أعرف لماذا على وجه الخصوص، نجد أن سلماوي هو المتحدث باسمه، مع أنه لا علاقة لإبداع سلماوي بإبداع نجيب محفوظ، ولا علاقة لفكره بفكر نجيب محفوظ ، هذه علاقة غامضة ولها أسباب سياسية وليست ثقافية على الإطلاق. فسلماوي ليس من ورثة إبداع نجيب محفوظ، كما أنه ليس امتدادا حقيقيا له وقد يكون مكلفا من الدولة " .
الحقيقة أن الفكرة التي طرحها شعبان عن علاقة الدولة بمحفوظ جديرة بالتأمل ، خاصة مع الاحتفالية ، التي كانت بالرغم من كل شيء باهتة ، التي أقامتها الدولة حين رحيله ، ومحاولتها تبني شخصه ، وإبداعه ، مع أنه كان يحاول أن يكون بعيدا في حياته ، أما علاقة سلماوي وغيره ، ومحاولات الحديث باسم محفوظ ، واحتكاره ، ومنع الآخرين من الحديث عنه ، فهذا سيتكفل به الزمن ، لأننا سنذكر محفوظ فقط ، وليس المتحدثين به السؤال الذي يتردد الآن ، على استحياء، ويخشى الكثيرون الإجابة عنه ، حفاظا على صلاتهم الثقافية ، وعلى علاقاتهم ببعض المنتفعين ، وربما خوفا منهم أيضا هو من يملك حق الحديث باسم نجيب محفوظ، ومن يملك خزينة أسراره، ولماذا يتم فتح مقبرة نجيب محفوظ على الملأ والحديث عما فيها، هل تتوقف هذه الأمور بعد مرور وقت كاف ، أم أنها قدرنا الذي لم نعد نملك منه فكاكا ؟














