04‏/02‏/2010

يكتب الشعر ليطعم به البحر


زيان وزيري

بداخله ولا ينفضه إلا شعره الجميل اذكر أني سمعت له قصيده عن الحزن ومدي الارتباط بين ذلك المخلوق والعشب الأخضر وأصبت بدهشة الموقف التي حددت لدي انطباع عن هذا الشخص إنه وحسب يعيش شاعر كتابة وسلوكا كان يلقي الشعر وأنا أنظر إليه وكأنه طائر لا يطلب منك إلا أن تسمعه كي تعينه علي نفض ذاك القفص المتناهي في احتوائنا وعندما تسمعه لن يراك وأنت تصفق له لأنه موكل بملاك لا يعلم إلا كتابة الشعر وإلقائه بمنتهي العذوبة بإخراج الكلمات من مناطقها الأصلية بارتباط وثيق مع لغته الجسدية الواعية بكل ما يقول لا يوجد انفصال بين شعره وجسده فبشعره الجميل يستطيع أن يحرك جسدك أيضا كما يقوم بتحريك أعضاءه الكامنة في جسده لا بد وأن تسمعه وهو يلقي (يا أيها المزمل) وعندما تسمعها لن تقول رأيك فيها لأنك وبمنتهي البساطة ستذهب في عالم جميل يقودك فيه ذاك الأمير صاحب الحروف الموكلة بتطبيب القلوب .

هل رأيته وهو يصارع ذاك الطاعون الذي اضمر عقولنا حتى انه ركب حصانه وامسك بقلمه ونظارته المصغرة والتي بها فقط يستطيع أن يقوم بافتراس الطاعون الذي يضع ساقا فوق الاخري وينظر للسماء وتركناه وحيدا علي جزيرته يصارعه حتى خرج إلينا بكتاب جميل يحمل رأس الطاعون وهو ينبض بالحياة ويقدمه إلينا بسلسلة تتكون من أربع جولات ليصل إلينا بالقاتل التسلسلي ويوهمنا انه اتخذ مقعده السلبي بفضيلة النوم يقول _ في النوم، أهرب من الطاعون، يحبوعلي الأرض، طاعون في طرقات المستشفي، طاعون في العناية المركزة، في السوق، في الحافلة، في استراحة المسافرين، في حقائب الديناصورات الصغيرة. سألته عن ماهية المراجع التي ذيل بها هذا الطاعون المقتول رد مقتضباً: بها تكونت ثقافتي، إذًا نحن أمام شاعر تكونت ثقافته بالقرآن الكريم، صحيح البخاري، النسبية لأينشتاين، الأعمال الكاملة لمارسيل خليفة وعمر خيرت، ماذا تنتظر إذًا من تلك التركيبية التي تؤلف ملاكا ليسحرك بكلماته التي غلف بها كتابه _ نحن أحباب الله، ودعنا كراريسنا في غفوة الظهر، وركبنا النهر دون أن يدري، دون أن يهتم آباؤنا بمقاعدنا الفارغة، أمام شباك بنت الجيران……. عندما صدر له (ثقب في الهواء بطول قامتي)، (قوم جلوس وحولهم ماء) وكتابه (مديح الغابة) كان لا بد أن يطل علينا بالديوان الجميل (طاعون يضع ساقا فوق الأخري وينظر للسماء) ليحملنا إلي عالمه الذي قام بتكوينه لنا ليقوض تلك الحياة التي نعاني من نموها علي تلك الحال ويرسم طريقا لقارئه يقوده من خلاله الي جزيرة الطاعون المقتول. شاعرنا الذي يحاول أن يتبرأ من كونه أميرا يقود حقبة المدعوين علي طاولته اللامتناهية يذكرنا بدور الساحر الطيب الذي يمسك عصا بيضاء يحركها نحواليمين فينبت عشبا اخضر ويحركها ناحية الشمال ليبعدنا عن مبارزة الطاعون ويمسك بعصاه ليطعم بها البحر المالح ليسقي بعذوبة شعره وتشرب كل الكائنات نعم إنه يكتب الشعر ليطعم به البحر وطينا فرصة الارتواء بعد معاناة مع النفس.

صديقي القارئ عندما تبدأ في قراءة هذا الشاعر فلا بد من فتح جميع نوافذك كي تتمكن من استقبال مفاجئات الكتابة وحينها فقط ستدرك أنك أمام حالم بدنيا لا تستمر بقوانيننا الوضعية يقول ..

ابتسموا في وجوه الأقزام

حتى يحلقوا في السماء

في اطراف طائراتهم الورقية

لوحوا لهم تضامنا معي

لونوا الفضاء حولهم بالتنهدات والأدعية

قولوا لهم أن الأرض لا تستحق

سنوات قربهم منها

ولا القرابين التي قدمت للمسلات الطويلة

عندما قرأت هذا النص الجميل علي مدونته (مزيكا حزايني شوية) وجدت نفسي أكتب له في تعليق علي تأثري بحلمه الجميل.

الشاعر الجميل محمد أبوزيد:- من اليوم سنرفع القبعات للأقزام وسنروي يوما ما قصة الديناصورات التي تشارك العصافير حبوب القمح - من أجلك فقط.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نشر في ديوان العرب

"طاعون يضع ساقا فوق الأخرى وينظر للسماء" لمحمد أبو زيد الإنصات إلى روح الشعر وحرمته

محمد العشري

بعنوان لافت، وإهداء سردي من "الخلود" لميلان كونديرا، يفتتح محمد أبو زيد تجربته الشعرية الجديدة "طاعون يضع ساقا فوق الأخرى وينظر للسماء" الصادر حديثاً في القاهرة، لدى دار "شرقيات" للنشر. محاولة للدخول إلى رأس القارئ من خلال تفاصيل يومية بسيطة، تجعل الشعرية مطروحة ببساطة وتلقائية، وتمكّن هذا القارئ من التوحد معها، والتغني بها، لأنها تمسه من الداخل، وتدفعه إلى الدهشة، والرغبة في رؤية نفسه في مرآة الشعر، يقدمها الشاعر هنا، في: "كوبري ستانلي"، "عشيقة جيدة لدراكولا"، "كلمني شكراً"، و"قاتل تسلسلي".

تأتي قصائد المحتوى الأول: "كوبري ستانلي" محملة حساً عالياً، وولعاً لرصد الذات في علاقتها بالآخر، وتفاعلها مع ما حولها بكامل كيانها، من دون أن تتخلى تلك الذات عن بحثها الدؤوب ورغبتها في عبور الحد الفاصل بين الخيال والواقع، بتشكيل أسطوري يستفيد من "ألف ليلة وليلة"، بتكوينها التراثي، ودمجه في الصورة العصرية، التي يعيشها الشاعر، وينغمس فيها عن وعي: "بصرخة واحدة أنزل المطر/ بإشارة من إصبعي الصغيرة / أوقف الحرب / بنظرة أبعد الموت عن أمي/ وبابتسامة واحدة،/ واحدة فقط/ سأزوج العاشقات/ المنتظرات في المترو".

التأرجح بين الكوني والذاتي يمنح الشاعر مساحة أوسع للبوح بتلقائية، والإمساك بمفردات يومية من مرحلة الطفولة، تُشكل ثراءً ومخزوناً حكائياً فريداً: "الحياة تبدأ حيث تذهب الطائرات الورقية/ حيث يضيء اللؤلؤ أسنان سارة/ ويبتسم النرجس/ في كُمّ سعاد".

تلك الروح التي تحلق في فضاء القصائد كملاك ينثر الورد على أرواح متعبة، تظل على ثباتها في مواجهة الواقع بكل سطوته، وجبروته، ودحضه للأحلام، وللحياة: "ابتسامات كثيرة على يسار فمي/ أخبئها عن عيونكم/ لكنني في الخريف القادم... سأسقي الزهور على قبري/ مياها غازية". وقبل أن ينهي أبو زيد قصائد الجزء الأول من المجموعة، يأتي بقصيدة ميلودرامية، تعبر عن حال الشتات المسيطرة على الذات، ورغبتها في تجاوز ذاتيتها، من أجل قيمة ما، تدفعها الى مواصلة الحياة، حتى لو كانت تلك القيمة هي القتال: "القتلى يذهبون للحرب/ حتى يلوحوا لكاميرات التلفزيون/ وهم يرقصون هربا من دوار البحر / ففي الحرب فقط/ يشعرون بآدميتهم".

يمكن القارئ أن يلاحظ سيطرة الحالة الوجدانية على المحتوي الثاني من قصائد المجموعة، بعدما مرت الذات الشاعرة بمرحلة إختبار لمدى صلابتها، في تحمل ضربات متتالية من دون أن تتخلى عن لحظات تقتات فيها الفرح، وتسعى الى العشق: "عيناك /تشبهان حقل جدي/ لكنه منذ سبع عجاف/ توقف عن الإخضرار/ وصدرك المزاحم للهواء /نسيته على طاولة المقهى المرتفعة وانصرفت، / ويدي في يدك". تمرّتلك اللحظات الإنسانية المرهفة، تفاصيل حياتية تؤدي إلى التشبع، من دون اللجوء إلى فلسفة ما، لتفسير تلك الحالة: "اليقين: خيانة الشك /الشك خيانة اليقين/ لذا/ لم أعد أحب الحكماء".

وحين تتخطى الذات تلك الحالة الوجدانية، وتبتعد المسافات بين العاشقين، تظهر الهوة السحيقة في عدم التواصل، أولى علامات الالتفاف على الداخل، والتقوقع في عزلة تامة، وذلك ما يظهر جلياً في قصائد المحتوى الثالث من المجموعة: "كل شيء يضيع يا محمد/ ينسل نقطة نقطة". ولا ينسى محمد أبو زيد وهو في ألقه الشعري، وقبضه على روح قصيدة النثر، أن يتمسك بشعريته، واختياره الفني في الشكل الملائم لها، وإصراره على المضي فيها، في الوقت الذي تجد فيه تلك القصيدة النثرية معارضة صارخة من أجيال شعرية تخلت عن شعريتها، وصلبتها على المقاعد الوثيرة، وأعمدة الصحافة الإستهلاكية، وباتت بلا خلق، وعلى رغم ذلك تصرّ على محاربة كل الأجيال الجديدة من أجل الحصول على إمارة زائفة: "فقط أريد أن أنبه/ إلى أن هذه القصيدة لها حرمتها/ فلا ترصوا الورد بجانب الجثث/ في غرفة المعيشة".

وهو بذلك يؤكد أن الحداثة الشعرية ترفض القوالب الشعرية الجاهزة، وتنتهج نهجاً خاصاً في بناء هيكلها، وسلّمها الموسيقي، بعيداً عن مبررات النقاد، مما يجعله يصادق روح الشعر، ويدعوها إلى بيته، ويترك لها حرية أن تنطلق من دون أن يقيد أجنحتها بدبابيس التحنيط: "مساء الخير يا أمي، أنا محمد، ابنك، الذي يظل ينكش فوق الورق كدجاجة، ينتهى القلم، فأكتب بأصابعي، بذراعي، بأطرافي، بجسدي، أنتهي ولا تنتهي الكتابة، أنا محمد يا أمي، يا أمهات المؤمنين". ذلك ملمح مهم، يسعى إلى تأكيده محمد أبو زيد في قصائد الجزء الرابع من المجموعة.هذه بعض ملامح شعرية ناعمة، تهدر بصخب إذا ما أحسنّا الإنصات إلى موسيقاها، في المجموعة الشعرية المبتكرة "طاعون يضع ساقا فوق الأخرى وينظر للسماء" لمحمد أبو زيد بداية من العنوان، ومروراً بالمتن، وانتهاء بإضافة أسماء المراجع التي ساهمت في بناء ذلك المشروع الشعري، مثل: "القرآن الكريم"، "صحيح البخاري"، "ألف ليلة وليلة"، وغيرها. وهو بذلك يضيف لمحة شعرية مضيئة إلى تجربته الشعرية، ومجموعاته الأربع السابقة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نشر في النهار اللبنانية

'طاعون يضع ساقا فوق الأخرى وينظر للسماء' لمحمد أبو زيد: قصيدة النثر محتفية بالرموز الروحية الخاصة



محمود قرني

كثيرا ما شغلتني فكرة 'إنسانية النص الإبداعي' ويبدو أن هذه الخصوصية أكثر إلحاحا في الشعر دون غيره من الفنون، ربما لأن إرثه التاريخي ـ كأول الفنون ـ يتصل اتصالا وثيقا بالأنشطة الروحية للأماكن بما يحمله ذلك من خصوصية وفرادة، وربما أيضا باعتباره حالة رمزية من حالات إعادة انتاج الماضي، فهو يتغذى على فكرة اللا زمنية بكوابيسها المبهجة أحيانا والمقبضة في معظم الأحايين.

ففي بداية التسعينيات، مع موجة الصعود الواسع لقصيدة النثر، كان ثمة مواصفات محددة، على الشاعر أن يسير بمحاذاتها، لا يسبقها، ربما كانت تسبقه دائما.

لذلك ورثنا ـ بسرعة البرق ـ أطنانا من الدواوين التي كتبتها إرادات فردية انتهت إلى صوت واحد، يغرد أو يتخبط داخل النمط نفسه، أقصد القفص الجميل الذي أخذناه عن سوزان برنار ومدرسة 'شعر'، ولم يؤثر في إرادة هذا الصوت، الذي تحول الى صوت جماعي، قيام كل شاعر بكتابة قصائده في خلوته المعتادة، مع كائناته الخاصة وحكاياته المنفردة، فالاندفاع الى الانتظام في الصفوف كان يمثل رغبة محمومة، رغم أنه فعل من أفعال التكيف التي يقاتل الشعر من أجل الخروج على طوقها.

كان استثمار المرجعية الأوروبية، واستحلاب النصوص المؤثرة فيها، ثمنا لا بد لكثيرين أن يدفعوه، وكانت نداءات حارقة ـ هنا وهناك ـ حول حتمية التخلص من الخصوصية المحلية، باعتبارها جزءا من ميراث الدولة القومية التي شارفت على الرحيل، او رحلت بالفعل، باختصار هي ميراث الثوار الذين مضى عهدهم، هؤلاء الملاعين الذين لا يكفون عن استبطان الغناء لأوطانهم.

ويبدو اننا نكتشف الآن حجم الجريمة التي ارتكبناها ـ نحن الشعراء ـ في حق أهلنا، ديوان محمد أبو زيد يقول ذلك، ربما لم تكن جريمة كاملة ومدبرة تمتلك أركانها، إنها أحيانا جريمة جهل بسيط وأحيانا جريمة جهل مركب، وفي معظم الأحايين كانت تمثل الطريق الخطأ الى الشعر، فقد قرأنا شعراء يكتبون عن المطبخ الأمريكي والطائرات الورقية على شواطئ الراينو وهم يسخرون من عطن حاراتهم وأوجاع أمهاتهم، ويشترون وردات حمراء بلاستيكية من أجل حبيبات سيأتين حتما من وراء الأطلسي.

وعندما قرأت ديوان 'قوم جلوس حولهم ماء' للشاعر محمد أبو زيد، وهو الديوان الوحيد الذي قرأته له قبل ديوانه الجديد، أدركت انني لم اكن وحيدا، ثمة انسيابات شعرية جارفة، عبر لغة شديدة الطزاجة، تتشكل في مناخات سحرية، تكتظ بروائع الأم والإخوة والفقر والأصدقاء والتسكع في الشوارع والنضال من أجل القيم الرفيعة، التي كانت موضع سخرية ما بعد الحداثة.

كان الديوان شارة مخلصة تقول للأنبياء الكذبة: كفوا عن هرائكم، لقد أخطأتم الطريق إلى الشعر.

منذ ذلك الحين شعرت أنني أنتمي لهذا الشاعر، وأنه ينتمي إليّ، فربما كانت أمه هي أمي، وربما كانت القرى الدارسة التي ينعيها هي قراي، باختصار احتضنت شعرية محمد ابو زيد بفرح غامر، وأسعدني بقدر ما أمضني ألمه الإنساني النبيل، الذي يفيض عن حاجة الديوان، واستشعرت قيمة جديدة تتشكل في ظلال ما ناضل كثيرون من أجله.

وها هو الشاعر يفاجئنا بديوانه الجديد 'طاعون يضع ساقا فوق الأخرى وينظر للسماء 'ليستكمل حلقة جديدة من تجربته، حيث تتشكل عناصر أساسية، وتتجسد بشكل أكثر جلاء، فثمة رغبة في التهكم والسخرية، رغبة في امتهان الخوف، إنه يضع كل الطواطم التي تخيفه على المنضدة، يحولها الى أجساد من لحم ودم، ليقتلها، ربما لذلك يتبدى الموت والعنف كأعلى مفردتين في الديوان، يتجلى ذلك منذ الإهداء المأخوذ عن 'الخلود' لـ'كونديرا' انتهاء بآخر قصائد الديوان 'مشنقة متحفزة كمن يمارس عمله لأول مرة'.

لنتأمل عنفه المتواتر عندما يقول: 'افرحوا بالفيضان، ارقصوا للعواصف ابعدوا البكاء عن النار'، من قصيدة 'سأقابل الله، وأشكوكم له'، وقوله 'أمي زرعت فوق قبري صبارة قبل أن تموت ثم حكت لي حكاية للنوم من تسعة أجزاء، عن دراكولا الطيب، دراكولا الذي لايستعمل معجون الأسنان' 'من قصيدة عبدالله البري يكره عبدالله البحري، والجوى حائر بينهما'، ثم يتحدث عن الموت بإنسانية مفرطة كأنه رفيق ويقول: كيف لا تعرفون الموت، كيف لا تحبون لون عينيه، ولا تتركون اولادكم يلعبون معه في الظهيرة، أنا الذي أراه كل يوم، أستند على يده في صعود السلم' من قصيدة 'أنا القبطان' لا، أنا السفينة'، ثم يصل القارئ مع شاعره الى اقصى حالات تَشَيُّئه في قصيدة قصيرة ودالة هي 'محاولة للتآمر على الملونين'، يقول محمد أبو زيد: 'الأطفال الذين بلا ملامح الذين يوجعون قلوبنا من شدة التأثر ـ ستناديهم أمهاتهم بأرقامهم ـ تعالى يا ولد يا ثلاثة عشر ـ اذهب يا ولد يا أربعة عشر'.

إذن بقي لدينا عالم مفرط في موته وعنفه الطقوسي، العالم الذي تبكي يده اليسرى ليلا على ما فعلته يده اليمنى نهارا، يذكر إدوارد سعيد أنه قبل عقود قليلة كانت تعتبر النشاطات القومية والإنسانية في مجتمعات أصيلة وعريضة مناهضة لنشاط المستعمر، وكانت الامبراطورية البريطانية تعتبر ان المقاومين في مصر والهند حفنة من الضباط الطامحين الصاعدين المدعومين ببعض المثقفين الذي ولعوا بقراءة أعمال لامارتين، فما الذي يفعله الشاعر إذن في مواجهة مثل هذه التفكيكات العنصرية سوى السخرية من الموت ومواجهة العنف بالكثير من الامتهان؟

إن الشاعر هنا يستعيد لامارتين نفسه، لا يستعيد موته حتى لو تكللت صورته بالكثير من الرومانسية، يتجلى ذلك في تلك السخرية الأعظم والأشد عمقا والموجهة للشاعر نفسه، والشعر معه، هذا الهيكل المقدس الذي تعامل مع نفسه دائما باعتباره الشكل الأعلى للكلام، يقول الشاعر: 'هذا ميعاد مناسب لتحطيم الشعراء وتعليق الفأس على كتف كبيرهم ـ كبيرهم الذي سيبص من بين الغبار ويدمع كآنسة في آخر عربات العمر ـ يتمخط في ذيل جلبابه' هذه صورة الشاعر في قصيدة 'إنهم يأكلون البنجر فوق السلالم' لقد تحول الشعر هنا الى وسيلة للمعرفة، وسيلة لإعادة صياغة مصير الإنسان الذي مل من بلاغة القرن العشرين ومن إحاطته رموزه بامتلاك المصير الإنساني، ومن ثم امتلاك الشكل الأعلى للطوطمية، أو عبادة البلاغة بمعناها اللغوي والإنساني معا، إن فعل السخرية من الشاعر يبدو للوهلة الأولى مسرفا في الإضحاك، لكنه يبدو كذلك تحولا مفاهيميا وإنسانيا يدفع الشاعر لركل كل قداسة حتى لو كانت تصب في حجرة، حاملة تناقضات الماضي، وهو في الإجمال فعل تحرير كامل، وهي رسالة الشعر الأولى كما يراها السرياليون، والشاعر هنا لا يصدر عن إرادة فردية، فجميعنا يحتاج الى السخرية من الشاعر، ذلك الملعون الآبق الذي غرر بنا وبالتاريخ واحتكر الكهانة، لذلك كان يقول لوتريامون 'إن الشعر يجب أن يصدر عن الناس جميعا لأنه بالأساس يدافع عن صفائه كما يدافع الإنسان عن حريته'، إن الرغبة هنا تكمن في حتمية نزع القداسة عن هذه الطواطم ـ وثمة فرصة لأن يستعيد الإنسان صوته عبر صوت الشاعر، ذلك الذي بات 'يتمخط في ذيل جلبابه'.

إن الشعر هنا يلخص موقفه في أنه مطالب بأكثر من أي وقت مضى، بأن يدافع عن الإنسان كما دافع لامارتين، والمتنبي، والغزالي، وابن حزم، وبودلير، وسان جون بيرس، وأبي حيان، وابن خلدون'، والكلمة وحدها يمكن فهم إمكاناتها وغفران تطاولاتها وتحولاتها في الروح.

الكلمة لدى الشاعر هنا غصن شائك يثور على فصاحة القرن وكثرة أحاجيه والتباساته، حيث تحولت الحياة الإنسانية الى نشاز تدعمه أصوات المدافع ويكلله العار.

إن مناخات الإدانة التي تكلل قصائد الديوان تتجاوز ـ عبر وعي الشاعر ـ كونها موقفا أيديولوجيا، بل هي تنأى بعيدا عن قراءة من هذا النوع، لذلك حققت شرطها الإنساني الأوسع، أقصد تأكيد المعنى الذي أشرت إليه في المقدمة، الذي يخلص إلى ضرورة إمعان النزر في مقولة ما بعد الحداثة، التي تنتهي الى كيفية ومعنى 'تدويل الرمز المحلي' بالمعنى السياسي، و'الخفض من شأن الخطاب الأيديولوجي' في تجليه الثقافي. كيف يمكن تحقيق هذه المزاوجة إذن؟

أي كيف يكون النص مفتوحا على الجرح الإنساني بعامة، دون أن يقمع أو يستهين بالرموز الروحية التي ينتمي إليها، أظن أن عددا من القصائد القصيرة والفاتنة التي يضمها الديوان تجيبنا على هذا السؤال.

'كلمني شكرا' هو الجزء الذي تتخلق بداخله هذه القصائد، حيث تتبدى استجابة الشاعر ما بعد الحداثي لرمزه الثقافي الجديد 'الإنترنت' الذي يتحول من كونه رمزا لثورة العقل الى كونه تجليا رمزيا لإنسانية الفعل المعرفي، ولنتأمل تلك العلاقة العميقة التي تنشأ عبر كابلات الألياف الضوئية بين الشاعر وبين 'رايان' في قصيدة 'أنا رايان من أمريكا' حيث يقول: 'أبي ميت ـ أمي مصابة بالشلل ـ أختي ماتت منتحرة ـ جدتي تخيفني بحكايات قبل النوم' ثم تنتهي القصيدة بين 'رايان' والشاعر على هذا النحو 'عيد ميلاد سعيد يا رايان ـ قلبي مصفاة للفرح يا محمد ـ أنا لا أفهم الفرنسية يا رايان ـ وأنا قعيدة يا محمد ـ كيف أنهي القصيدة إذن؟'، ثم يتبعها الشاعر بقصيدة أكثر إيلاما هي 'رايان مصابة بالـ'CANCER' يقول الشاعر: 'كيف يغني مرضى السرطان في أعياد الميلاد؟ كيف يرقص ذوو الأقدام المقطوعة ـ وهم لا يحفظون اللحن؟' ثم نكتشف في بقية القصيدة تهاوي جسد رايان أمام السرطان، ويتوالى بتر أعضائها ومع ذلك لا زالت تملك قوة الفرح وقوة الأمل عندما تقول 'غدا سأعود آدمية ـ لي ساق وأصدقاء ـ وبيت لا يشبه المستشفى'.

ثم تأتي قصيدة 'رايان تقابل نيكولاس كيدج في غرفة الإنعاش' وتتوالد عبرها ذكريات طفلية حميمة تبدو تحت تأثير المخـــدر، وتنتهي القصيدة بالشاعر الذي يدافع وحيدا عن رايان وهو يقول 'العالم سيئ جدا في الخارج يا رايان ـ وأنا لم أعد أحتمل ـ أحاصر اعداءك ـ أقتلهم في القصائد فحسب ـ أغسلهم بالسل والدرن والكوليرا ـ ثم ألقي بجثثهم من القطار ـ القطار الذي يشق الظلام بي وحيدا ـ ولا يعرف وجهته'.

إن تلك العلاقة التي تتفتق بهذه الروحية قادرة على صنع مشتركات إنسانية مفرطة رغم تباعد المسافات واختلاف اللغات والثقافات والمرجعيات، في وقت ظل الشاعر فيه حفيا بخصوصيته الروحية، بقيت ملامح الرمز الثقافي والمكاني شاخصة وبقيت اللغة الشعرية الرهيفة والهشة، وبقيت كذلك قوة الشاعر المهزوم المتألم، الذي يملك خياله فحسب، فقد جرده عنف العالم من مدركاته الطبيعية، لذلك فإن عداءه مع هذا العالم هو نوع من الاستبصار لإعادة صياغة في إطار الحلم الإنساني القديم بتحقيق العدل والحرية بعيدا عن الأيديولوجيا، وخطابات السياسة وشراكها وتلفيقاتها، وهكذا تتحقق أعلى قيمة الإنسانية في النص الشعري بحيث تصبح ماسة بكل الألوان والأجناس دون أدنى فروق.

بقي لدي ملاحظة حول الديوان الخامس للشاعر محمد أبو زيد، إنه حقا الديوان الخامس الذي بين أيدينا، أي أن شاعرنا ـ كما تنبئ بطاقة تعريفه ـ يمضي لا زال في عامه الثامن والعشرين وقد أصدر خمسة دواوين، ولست أعرف ما إذا كان هذا العدد من الدواوين يكفي للتوقف وإعادة التأمل من جديد، لقد صنعت مثل هذه الأعداد من الدواوين شعراء كباراً، فلماذا يتعجل الشاعر أمره، فلو أن الشاعر توقف من دواوينه الأولى أمام الكثير من إنشائيته وتقريريته لاستبعد كثيرا من قصائده.

فثمة قصائد تحتاج فعلا الى جرأة، تلك القصائد التي يتغلب فيها ضمير المخاطب، وتحضر الذات بثقل كبير، يعزز النزوع الفردي، وتتكاثر الغنائية حتى تقع بقصيدتها في الرطانة، مما يدفع الى الاعتقاد بضرورة الاقصاء والاستبعاد، يبدو ذلك في العديد من قصائد الديوان.

وفي ديوان 'قوم جلوس'، هذا فضلا عن الإسراف أحيانا في مجاوزة الصورة الشعرية حد الاحتمال وأحيانا حد الاستهلاك مثل: صراخ منزوع الدسم، التراب فقط يلعب دور الشبكة في كرة اليد، السلم نايلو ف نايلو، درجاته متساوية كشواهد القبور، صوت محمد عبدالمطلب الذي يغني للهوتميل، أكاد أشك في أم كلثوم لأني أكاد أشك فيك وأنت مني، أنت جميلة كمقبرة رجل مؤمن'، ومع ذلك تظل شعرية محمد أبو زيد واحدة من الشعريات الفريدة وسط شعراء جيله، بل وسط شعراء قصيدة النثر بحيث يمكننا أن نعول على مشروع شعري قادم لا محالة.

وبالقطع سوف يكون الطريق لإنضاج ما هو نيئ في هذه التجربة واضحا وملموسا لدى الشاعر الموهوب، حتى لو التبست بعض المضامين أو الأشكال، ومن منا لا يلتبس عليه الشعر، ولعلي أذكر نفسي في الختام بقول أندريه جيد 'يحدث ذلك دائما، فالدافع الخفي لأفعالنا يفلت منا' فمن يعيدنا الى الصواب؟!.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نشر في جريدة القدس العربي

11‏/01‏/2010

Good will Hunting

أنت مجرد طفل. ليس لديك الفكرة الأكثر تردداً لتتحدث عنها

لم تخرج من بوسطن قط

لذا إذا سألتك عن الفن ، من المحتمل أن تعطينى نبذة ، عن كل كتاب عن الفن قد كُتب ، مايكل أنجلو ؟ أنت تعرف الكثير عنه أعماله , التطلّعات السياسية ، عن نفسه و عن البابا ، التوجيه الجنسى ، كل الأعمال, أليس كذلك ؟ لكن أراهنك أنك لا تستطيع أن تخبرنى ماذا يبدو ما هو بداخل كنسية السيستاين أنت لم تجلس هناك قط لتنظر بالأعلى لهذا السقف الجميل

إذا سألتك عن إمرأة ، من المحتمل أن تعطينى منهجا دراسيا عن مفضلاتك الشخصية ، ربما قد نمت مع إحداهن بضع المرات ، لكن لا يمكنك أن تخبرنى كيف يبدو شعورك ، لأن تستيقظ بجانب إمرأة ، و تشعر بالسعادة الحقيقية

إذا سألتك عن الحرب, من المحتمل أن تلقى شكسبير تجاهى, أليس كذلك ؟ لكنك لم تكن بالقرب من حرب من قبل ، لم يسبق لك أن تمسك برأس أفضل أصدقائك فى المعمل و تشاهده و هو يلفظ آخر أنفاسه و هو ينظر لك من أجل المساعدة

إذا سألتك عن الحب ، من المحتمل أن تقتبس لى قصيدة ، لكنك لم تنظر إلى امرأة من قبل ، و شعرت أنك حساس تجاهها كليةً ، لم تعرف واحدة بإمكانها أن تجعلك تنظر إليها طوال اليوم ، وتشعر أن الله وضع ملاكا على الأرض فقط من أجلك ، من بإمكانه أن ينقذك مِنْ أعماقِ الجحيمِ ، و أنت لا تعرف كيف يبدو ملاكها الخاص ، لتحظى بحبك لها

أنت لا تعرف شيئا عن النوم فى وضع رأسى فى حجرة بالمشفى لمدة شهرين و أنت تمسك بيدها ، لأن الأطباء بإمكانهم أن يروا بعينيك "أن شروط "ساعات الزيارة لا تُقدّمْ إليك

أنت لا تعرف شيئا عن الخسارة الحقيقية ، لأنها تحدث فقط عندما تحب شيئاً أكثر من ذاتك

أشك أنك قد جرحت مرة لأن تحب شخصا بكثرة

أنا أنظر إليك. لا أرى أى ذكاء

أيها الرجل الواثق

أنا أرى مغروراً

طفلا خائفا

لكنك عبقرى يا ويل

ليس بإمكان أى أحد أن يفهم أعمق أعماقك

لا أحد يُنكر هذا

لكنك فزع مما قد تقوله

دورك الآن يا رئيس

روبين ويليامز

من فيلم Good will Hunting

01‏/10‏/2009

هل أنقذ الله اليونسكو من الفنان فاروق حسني ؟

على مدار سنوات عمري لم أعرف أن لمصر اسما آخر غير اسمها الذي ينادونها به في المنتديات الدولية " مصر " وأحيانا في الأغاني يدللونها ب " أم الدنيا " ، لذا كنت مذهولا عندما عرفت أن مصر خسرت في اليونسكو ، وليس فاروق حسني هو الذي خسر لأسباب انتخابية بحتة ، ولم أعرف حتى الآن متى أصبحت مصر تحمل اسم فاروق حسني ، ولا متى أصبح فاروق حسني يحمل اسم مصر ، وإلا كان من حق كل وزير في الوزارة أن يحمل نفس الاسم سواء كان فاسدا أو طالحا أو لصا ، أو فاشلا .
الذين يتحدثون عن أن مصر هي التي خسرت في الانتخابات قد لا يعرفون أن مصر لم تترشح أصلا ، هي نفسها لم تعرف أنها داخلة الانتخابات ، مصر كانت وقتها تقف في طابور الخبز لأولادها الذين ماتوا من الجوع والبطالة والأكل المروي بمياه المجاري ، والسؤال الأهم هنا : هل فاروق حسني هو الشخص الأمثل للتعبير عن ثقافة مصر وحضارتها وتاريخها للترشح للمنصب ، وهل كونه ظل في كرسي الوزارة رغم أنف آلاف المثقفين مبررا لذلك .
والذين يتحدثون عن مؤامرة وتربيطات لم يتعودوا على انتخابات شفافة بعيدة عن انتخابات الحزب الوطني ذات الصناديق " المتقفلة " مسبقا ، و" خد نص خمسين جنيه وانت داخل تصوت والنص التاني وانت خارج " ، فاروق حسني نفسه مارس في انتخابات اليونسكو لعبة التربيطات والضغوط ، أم أن الأمر حلال علينا حرام على غيرنا ، لسوء الحظ فاروق حسني أنه لم يكن مرشحا باسم الحزب الوطني ، ولم يكن من يقود له الحملة الانتخابية هو كمال الشاذلي ،ولم يهتف أمامه أحد " الأسفلت مولع ليه ، علشان فاروق ماشي عليه " ، لسوء حظه أنه خاض انتخابات عادية نزيهة فخسر كنتيجة متوقعة ، لكننا لم نتحمل هذا فأخذنا نروج لنظرية المؤامرة .
الشيء الذي يدعو للسخرية هو مانشيتات الصحف القومية التي تهاجم أمريكا وحوار الحضارات ، أليست هذه الصحف هي التي تروج لهذا الخطاب طوال الوقت ، وعندما فاز محمد البرادعي بمنصب الوكالة الدولية للطاقة الذرية ـ وهو أهم ـ دو ترشيح من الحكومة ـ لحسن حظه ـ لماذا لم تتحدث الصحف عن المؤامرة واللوبي الذي يتآمر ضد مصر ، الشيء الاكثر مدعاة للسخرية عندما تخرج صحيفة قومية تتباكي لأن الوزير المسلم لم يفز في الانتخابات ، مع أن فاروق حسني لا يحمل خطابا إسلاميا ، بل هو طول الوقت يفخر بعلمانيته ، ولا هو خطاب الصحيفة التي تفخر بنفس الشيء وتنتقد طوال الوقت الثوابت الإسلامية .
على مدار 22 عاما هي عمر الوزير فاروق حسني في وزارته ، لم يتوقف يوما عن إثارة الغبار والمشاكل ، ودفع المثقفين إلى حظيرته ، ومصادرة الكتب ، وارتداء زي الشيخ تارة ( في أزمة الثلاث روايات ) وزي الوزير العلماني تارة أخرى ( أزمة وليمة لأعشاب البحر ) و التصريح بما ليس هو موضوعه ( أزمة الحجاب ) والتراجع عن نفس التصريحات ( نفس الأزمة ) وحرق المثقفين ( حريق قصر ثقافة بني سويف ) والترغيب والترهيب والمنح والإبعاد ( ازمة جوائز الدولة كل عام ) الفساد المؤسسي ( أزمة حبس مساعده محمد فودة ) فضح المثقفين على يد موظفيه ( أزمة سكرتيره محمد عبد الواحد وكتابه مثقفون تحت الطلب ) انهيار آثار مصر (حريق المسافرخانة ونهب وسرقة منابر وأبواب المساجد التاريخية ) . .. هل نقول كمان ؟ ، إذن مع كل هذا النجاح الذي استمر 22 عاما ، كيف فكر الوزير الفنان أن يحمل اسم مصر مع كل هذه الإنجازات إلى اليونسكو دون أن يخسر ؟
السؤال الذي يجب طرحه الآن ، هل خسرت اليونسكو كثيرا بعدم فوز فاروق حسني بمنصب مديرها العام ، أم أن الله كان رحيما بها فأنقذها من براثن الوزير الفنان ؟
عزيزي القارئ : ارمي ورا ضهرك !!

25‏/08‏/2009

الهروب الكبير

أكثر من 60 مسلسلا رمضانيا ، وعشرات البرامج ، أي أنك إذا قررت أنك ستقاطع النور وستظل مستيقظا طوال ال24 ساعة ، وأن توقف عن العمل والسير في الشوارع والصلاة ، وأن تتفرغ فقط المسلسلات ، فإنك لن تشاهد أكثر من 24 مسلسلا على اعتبار أن هناك مسلسلا يعرض كل ساعة ، أي أنك في النهاية لن تتابع حتى ربع ما يقدم على الفضائيات
تحول التليفزيون في رمضان إلى عذاب للصائمين الذين أصبحوا يفكرون في إنهاء أعمالهم مبكرا ، والهرولة للحاق بحلقة جديدة من مسلسل جديد ، وفي ظل شعر الحصري ، تمت محاصرة المواطن الغلبان ، ولم يستطع فكاكا ، وفي حين ترفع قناة شعار " ما فيش حاجة حصري " ترفع قناة أخري " لأ .. فيه حاجات كثير حصري " ، وكنت أنتظر أن ترد قناة ثالثة عليهما بأنه " علي النعمة ما فيه حاجة حصري " ولا عزاء للمواطن المحصور.
لا أعرف كيف تحول رمضان إلى شهر درامي ـ نسبة إلى المسلسلات الدرامية ـ لكني أذكر أنه في صباي ـ كنا ننتظر الإفطار لنسمع بوجي وطمطم ، ثم فيما بعد بكار ، ثم أحد برامج الوكالات الإعلانية على القناة الثانية مثل كلام صريح جدا الذي كانت تقدمه منى الحسيني ، وكانت أية جملة تقال تصبح إفيها على لسان الجميع ، أو برنامج بدون كلام ، الذي تحول إلى لعبة شعبية في أوقات الفراغ ، أو مسلسلات من نوعية قط وفار ، وناس وناس و انت عامل إيه ، ثم نذهب لصلاة التراويح لنعود لنشاهد فوازير شريهان أو نيللي أو حتى نادين التي غنت " شلبية جارتي عاملة ، جلابية بارتي كاملة ، الكل معزوم فيها من الأسد للنملة " وألف ليلة وليلة ، ويمكن لمن يسهر أن يشاهد مسلسل يحيي الفخراني من ليالي الحلمية إلى نصف ربيع الآخر ، أو يسرا في حياة الجوهري ، .. ثم ننام ، وفي السحور يمكنك أن تشاهد المسحراتي والمسلسل الديني " القضاء في الإسلام " .
لم يكن الامر يتجاوز هذا كثيرا ، لكن ذكرياتي عن الدراما في رمضان ـ والتي كان البعض ينظر إليها على اعتبار أنها موسم جيد لعرض المسلسلات والإعلانات والبرامج ، من الممكن أن تتحول إلى نكتة في ظل ما يحدث الآن ، والذي لا يمكن أن نصفه إلا بما وصف سيد أبو حفيظة به برنامجه " الكابوس ".
هذه الحرب ، حرب داحس و الغبراء ، لا ، بل أشد ، أقصد حرب المسلسلات ، أشهدكم ، وأعلن أمامكم ، ومنذ بداية الشهر الفضيل ، قرارانسحابي منها مهزوما مدحورا ،بكامل إرادتي ، فلا ناقة لي ،ولا جمل ، ولا مسلسل ، ولا برنامج ، و لا سيت كوم ، أفر بجسدي فرار السليم من الأجرب ، وأعلن أنني أترك كل هذا الهراء ورائي رحمة بما تبقى من عقلي .

26‏/07‏/2009

لا تغتالني بالربو



ولد يبيع الفحم للموتى
بنت تبيع البائعين
فطر البياض سيختفي خلف الجدار ..
يصيح بي :
يا أيها الخجل انتفض
النائمون الجائلون سيحملون ..
السكر في أفواههم
وجنونهم فوق النبيذ الطازج
يتعلقون بسقف حجرات الملوك ..
ليأكلوا أرزا وفئرانا يتيمة
حابي يبيع النهر ..
يشتم من يعارضه
ويرقص للحديقة ..
للشتاء ..
لجزء عمَّ ..
وللسواقي ..
لا يشي في "زهرة البستان" بالأسرار ..
عن حيض المقطم
لا يحارب "راسبوتين"
ويخرج الكبريت كالحاوي ..
ويصرخ ها أنا وحدي ..
فمن دوني يلوم اللائمين ..
ويحتسي الطاعون والأعداء .. ،
قالوا قديما ..
أن ماء الغيم كان مشاغبا ..
عرّى البنات اللابسات الحسن ..
ألبسهن طاووسا ..
وجندا قاتلوا دَمِّي
بحمالات أثداء ومالٍ ..
وانتماء ..
فقلن لي
قد قُطعت أظفارنا ..
ونريد نايا لا يضاجعه الخرس .
النار نار لا تبل سواحلي بالماء ..
إلا بعد بقشيش السعاة .
الشمس ماتت بالبروستاتا .
خلف النهار وقفت أحصي الحدآت ..
وفجأة ضحك المنادي :
يا بلادا تشتهي شبق الزهايمر والردى
خوضي حروب الغسل بالعسل المجنح
مشطي شعري بماء النار .
قد أبكي
يا يوسف الصديق هذا السجن ضيق
يا يوسف الصديق هذا الكون أضيق
من لا يراودني أراوده
وإذا يراودني أقاتله
قطعت طريق الحلم ..
قُبَّرَة تبيع النهد ..
فانتهز الفرص .
الأكل مسموم كصندوق البريد
كل الأَسِرَّة قَانِطة .
جاري حزين ..
لا ينير الورد للأيتام ..
يسقيهم صلاة يائسة .
فافرش رداءك في الطريق وبع "لدافنشي" ..
اغتصاب الناسكين .
قل للنحاة :
أنا وحيد كالحقيقة
لا الأهل أهل لي ..
ولا بنت ستقرأ في القصيدة دمعها ..
ستقول لي :
ارجع .
وطني رصاص يشتهي قلبي /
رمادى
فأعد إلي أنا ولا تغتالني بالربو
كتب التوجس والطرافة لن أسامرها
سأمازح البنت التي ..
أدمنتها
حتى تصب الحزن لي ، لدمي
لأعواد من الكبريت
لا تهوى الرتابة

15‏/07‏/2009

An Unfinished Life


ـ جريف قالت لي أنك حلمت أنك تطير
ـ نعم
لقد إرتفعت للغاية يا إينار
و رأيت السماء عندما تتحول من الأزرق إلي الأسود
من فوق يمكنك أن تري كل شيء
و ستعرف أن هناك سببا لكل شيء
من فيلم An Unfinished Life

12‏/06‏/2009

أثر النبي

يفاجئني رشوان أن القصص حرام ، فأحدق فيه مذهولا ، رشوان الذي غضب حين مازحته أن أقصى أمنياتي أن أشترى جلبابا أبيض قصيرا كالذي يرتديه وقال في صرامة : الموت في سبيل الله أقصى أمانينا يا أخى .
ربما كان قيام زلزال 1992 هو السبب في انقطاعي فترة عنه ، لكن الأستاذ جمال مدرس الانجليزي فاجأني برسالة منه تطمئني على أحواله حين رددت عليها بأخرى وجدته يكلمني في أمور الدين ، الرسالة الثالثة رددت عليها بأنني أوافق على طلبه وأقبل الانضمام إلى الإخوان المسلمين ، البداية لم تكن هكذا يا زينب أنا القروي الصغير الذي فوجئ في أول يوم له بعد انتقاله من القرية إلى المركز للدراسة في الصف الأول الإعدادي بالذي يعلق في جيبه ميداليه عليها سيفان متعانقان ومصحف ، وكلمة "وأعدوا " ، أساله ذاهلا : هو د ه مش رمز ..
قاطعني : وطي صوتك ، وسألني عدة أسئلة ، ثم قال : هعـرفك على واحد حيفيدك قوى .
يوم الجمعة أذهلني وأنا عائد من الحقل أسوق أمامي حماره البرسيم وأرتدى فانلة مقطوعة عند الكتف وبنطلون جينز مخفف كتب عليه بالانجليزية رامبو بكلام جارنا عبدالجليل ، وأن هناك ضيوفا ينتظروني ، كانت هذه هي الزيارة الأولى له لي في البيت ، والتي يعرفني فيها على عبدالرازق الذي هتف عندما رأى رواية " قلب الليل لنجيب محفوظ بين كتبي : هو أنت منهم ، يابنى د ى القصص حرام
كدت أندب : يانهار أسود ، حرام ؟
ـ طبعا لأن عندنا من القصص التاريخية التي بها مواعظ وحكم ، ما يغنينا عن تأليف القصص ، والضحك على ذقون الناس ، ألا يعد تأليف القصص اختلاقا والاختلاق كذب والكذب حرام ؟
عيناي المتسعتان بالدهشة حاولتا إثناءهما عن الرحيل المبكر بعد صلاة العصر وجارنا عبد الجليل الذي هرول بأكواب الليمون إلى باب المسجد ظل يذكرهما بعد ذلك طويلا.
حين كنت أسير معه كان يجب على نساء الشارع أن يتوارين من أمام عيني وعلى داود عبد السيد ومحمد منير وكونديرا أن يلموا أمتعتهم ويرحلوا من ذاكرتي أن تنضم كتب بديلة إلى كتبي القليلة عن عذاب القبر وسكرات الموت ورسائل حسن البنا ، وحكم حلق اللحية .
كان على الولد المراهق داخلي أن يختبئ خجلا كلما قابلته ، وان أبدو صالحا أصلى التهجد كل ليلة ، لا اقرأ روزا ليوسف ولا صباح الخير ولا أحب جريدة الدستور ولا سعاد حسنى ، لا أراقب أفخاذ راقصات أوبريتات الأفلام الأبيض والأسود ، أن يقتلني الإحساس أنه يزرع في شعري جهاز تنصت ، أنه يرسل من يراقبني انه يعرف كل ذنوبي الصغيرة ، أن أحفظ ( الله غايتنا والرسول إمامنا والقرآن دستورنا ، والجهاد سبيلنا ، والموت في سبيل الله أحلى أمانينا) .
أن أتخلى عن وجهي ، وأن ارتدى وجها آخر، أحاول جاهدا أن اظهر في جبهته علامة الصلاة بالإكثار من السجود وحك الجبهة بالأرض ، ألا أخطئ حتى لا أفقد الصديق الذي انتشلني من الوحدة التي أكلت روحي ، الوحدة التي فرضتها على طقوس القراءة والكتابة والكآبة .
حين انتوينا أن نصدر مجلة أسميناها النذير كتبناها بخط اليد وصورناها ووزعناها على الأصدقاء ، حذرني من أن تسقط في يد أحد الوكلاء أو المدرسين لأنهم ( شغالين ) في أمن الدولة ، كان الوحيد الذي يضع اسمه على المجلة هو عبد الرازق ، عبد الرازق الذي صرخ في وجهي ذات يوم : بذمتك صليت الصبح النهارده .
حينها تركته وهرولت مبتعدا غاضبا ، وربما هربا من الإجابة على السؤال ، بعد يومين سمعت أنه ( اتاخد )..
كانت كلمة جديدة في قاموسي ، مرعبة وقاسية ، لأول مرة أشعر بخطورة ما أنا منهمك فيه ، قال لي رشوان يومها : ولا يهمك ، كل معركة وليها شهداء ، وبعدين أنا حذرتكو من الوكيل الزفت ده ، المجلة دي إزاي وقعت في إيده.
الأستاذ جاد مدرس الانجليزي فاجأني بكتاب صغير اسمه الدعوة الفردية أو كما قال : " د. ف " الكتاب ده باعته ليك صاحبك .
حين قابلته عرفت أن الكتاب يعلمنا كيف نستقطب الآخرين إلى صفوف الجماعة في سبع خطوات ، وضحك وهو يضيف : لكن إنت عملته معاك في تلات خطوات بس ، عشان كنت عضو جاهز .
وحين فشلت في ضم أي صديق طلب منى رسائله التي أرسلها لي حتى يقوم بحرقها ، ومجلات الاعتصام واللواء الإسلامي والدعوة التي أعارها لي ، وصرخ في وجهي : مش عارف تجيب أخ واحد ، أنت مش نافع في أي حاجة .
كانت المرة الأولى التي أراه فيها غاضبا ويداه تر تعشان في عنف ، نفس الارتعاشه التي كان يرتعشها ونحن في صلاة التهجد وهو يدعو: (يا من ذل كل شيء لعزته ، يا من انقاد كل شيء لخشيته ، يا من تشققت الجبال من مخافته يا من قامت السموات والأرض بأمره سبحانك لا اله إلا أنت) .
لم تكن قدماي تحتملان الوقوف كثيرا ، فكنت أجلس في إثناء الصلاة ، وأجلس معه كثيرا فلا يستطيع إقناعي بكراهية عبد الناصر ولا استطيع إقناعه بكراهية السادات ، كان يقول لي : أنا حاسس انك بتنفلت من بين صوابعي ، إنت الوحيد اللي مش قادر أتحكم فيه ، إنت الوحيد اللي بيناقشني .
الأستاذ جاد استدعاني ذات مرة وقال لي : صاحبك أتقبض عليه .
أهرول معه إلى مقر أمن الدولة في ( طما ) لأرى عربة السجن تتأهب للانطلاق ووجهه يبص علىّ من نافذة العربة المسورة .. عيناه تضيئان بينما يرفع إصبعي يده اليمنى بعلامة النصر.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فصل من رواية بنفس الاسم تصدر قريبا لمحمد أبو زيد

01‏/04‏/2009

إطلاق موقع الكتابة


بملف عن واقع الكتابة العربية الآن ، ومجموعة من النصوص والحوارات دشن موقع الكتابة ، أول موقع ثقافي مصري ، مع بداية شهر إبريل .
الموقع الذي يحمل اسم " الكتابة " وشعار ، موقع الكتابة العربية الحديثة ، ويتم تحديثه بشكل يومي ، ويرأس تحريره الشاعر محمد أبو زيد حفل في انطلاقته الأولى بمجموعة النصوص الشعرية للشعراء جمال القصاص وعاطف عبد العزيز وعلي عطا و محمد حلمي الريشة ، وقصص لكل من الطاهر شرقاوي ، وأسما عواد ،وعلاء أبو زيد ، وسارة مطر ، ومحمد العشري ، كما ضم الموقع ملفا بعنوان الكتابة الآن تصدرته دراسة وافية للناقد يسري عبد الله حول عدد من الروايات الأخيرة ، بعنوان " الكتابة الجديدة .. غواية الهامش ورؤية العالم " ، كما ضم المف شهادات حول واقع الكتابة الآن لطارق إمام ، وشريف الشافعي ، و الطاهر شرقاوي ، ومحمود الغيطاني ، ومحمد صلاح العزب ، كما ضم الموقع ملفا آخر حول أحد كتاب الجيل الروائي هاني عبد المريد وروايته الأخيرة كيرياليسون ، حوى حوارا معه حول الرواية ودراسات لعبير سلامة وعلاء الديب وعمار علي حسن ومحمد عبد النبي وأحمد عامر ورجاء علي .
كما يضم الموقع صفحة خاصة بالسينما وأخرى بالتدوين تضم تدوينات لنهى محمود وعمرو عزت وساسو وثالثة بالحوارات حوت حوارا مع الشاعر الكبير محمد عفيفي مطر .
ويعرف الموقع نفسه بأنه موقع ثقافي مصري يتخذ شعارا له عبارة " موقع الكتابة العربية الجديدة " لا يدعي الموقع انحيازه إلى نوع ، أو شكل معين من الكتابة لكنه ينحاز فقط إلى الجمال في الكتابة ، الجمال بكافة صوره ،الجمال بكافة تعريفاته ، الجمال رغم مزايدات المزايدين .، وأنه يسعى إلى أن يكون صوتا لكتابة مهمشة ، لكتابة جديدة ، لكتابة جادة ، أن يلقى الضوء على أصوات لم يسمعها أحد بعد لكنهم يساهمون بقدر ما في تجديد دماء الكتابة هذا لا يعني أن الموقع سيكون منقطعا عن الأجيال السابقة ، فالجدة والتجديد في الكتابة متاحة للجميع ، لا يحدها سن أو لون ، ولا شكل معين ، كما يأمل الموقع أن يصبح بعد سنوات أرشيفا لجيل من الكتاب الشباب يتشكل في الوطن العربي ، قادر على الحلم ، قادر على التغيير ، قادر على أن يخلق كتابة خاصة به ، ويسعى إلى ذلك ، يأمل أن يؤرخ لحركة الكتابة الآن التي ستنجح لا ريب في تغيير الساحة الثقافية إلى الأفضل.

عنوان الموقع : http://www.alketaba.com/
لمراسلة الموقع editor@alketaba.com