14‏/03‏/2012

السياسة قلة أدب بوجه عام



هل نحن شعب قليل الأدب؟

ما هي قلة الأدب أصلا؟ هل هي الشتم والسب؟ ومشاهدة الأفلام الإباحية؟ ونقل النكات الجنسية عبر البلاك بيري والفيس بوك؟ السؤال الذي يجب أن نسأله هنا: هل هذه حالة تخص الشعب المصري؟ ألا يحدث هذا في كل الدنيا؟ السؤال التالي: لماذا إذن ازداد اتهام الثورة، والثوار في الفترة الأخيرة بقلة الأدب، وأن ثورتنا نظيفة؟ فضلا عن أننيلا أعرف معنى "الثورة النظيفة"، هل هي الثورة التي تسير على سطر وتترك سطرا، أم أنها الثورة التي ترتدي بدلة وكرافت؟ وماذا يفعل الثوار مع بذاءات الساسة والقتلة والمجرمين؟

بعض الدراسات تقول إن أصل معظم الشتائم الموجودة حاليا فرعوني، وهو ما يعني أننا شعب قليل الأدب أبا عن جد، طيب ربما يسمح لنا هذا إذن، بفضل علم الوراثة أن نقدم في هذه الملف، بعض ما أثير مؤخرا عن الشتيمة وقلة الأدب.


موقعة الحمار والبردعة وبائع الجرجير

فجأة تحول مثل شعبي، قاله النائب البرلماني زياد العليمي، إلى معركة قامت الدولة بكاملها من أجلها، وانشغل البرلمان الذي انتخبه المصريون بهذه القضية، وأرسل المجلس العسكري خطاب عتاب رئيس مجلس الشعب، والتف النواب حول زميلهم في محاولة لإقناعه بالاعتذار عن المثل الشعبي.

البداية كانت في بورسعيد، في مؤتمر لنصرة بورسعيد، وذكر فيه زياد العليمي المثل الشعبي "نسيب الحمار ونمسك في البردعة"، وهو ما اعتبره البعض إساءة إلى المجلس العسكري، ورغم أن العليمي أكد أكثر من مرة أن ما قاله هو مجرد مثل شعبي، وغير مقصود به الإساءة إلى المشير طنطاوي، إلا أن الأزمة تصاعدت خاصة بعد أن قام المجلس العسكري بإرسال رسالة مطولة إلى الدكتور الكتاتني يعلن فيها انتظاره نتيجة التحقيق مع العليمي.

لكن أزمة العليمي مع المشير لم تكن هي الوحيدة، فقد نشبت أزمة أخرى، مع الشيخ حسان، عندما تساءل العليمي عن "الراجل أبو جلابية اللي عاوز يجمع أموال المعونة من بائعة الفجل والجرجير"، وهل بائع الجرجير سيصرف على الحكومة، وتعبير بائع الفجل للشيخ حسان، وهو ما اعتبره البعض إساءة له

زياد العليمي، الذي اعتذر في وقت سابق للشيخ محمد حسان، في مكتبه في قناة الرحمة، لا زال يواجه أزمة أخرى، مع المشير طنطاوي، ومجلس الشعب، خاصة بعد أن وجهت هيئة مكتب مجلس الشعب برئاسة الدكتور محمد سعد الكتاتنى استدعاءً جديدًا له للمثول أمامها ولسماع أقواله فيما بدر منه من تصريحات اعتبرتها سبا وقذفا، بعد أن اعتذر عن الحضور أمامها فى جلسة ـ الأربعاء ـ بدعوى وجوده خارج القاهرة.

المشكلة الحقيقية فيما أعلنه مجلس الشعب عن تلقيه، 5 آلاف برقية تلقاها رئيس المجلس لمحاسبة العليمى، إضافةً إلى طلب موقع عليه من 52 عضوًا من البرلمان لإحالته للجنة القيم تمهيدًا لمواجهة النائب بها وسماع أقواله قبل اتخاذ قرارها النهائى .

المثير للدهشة أن هناك نائبا آخر في البرلمان هو مصطفى بكري سب مواطنا آخر هو الدكتور محمد البرادعي، وقال إنه خائن، ومع ذلك لم نسمع أحدا يطالب بالتحقيق ولا بالمحاكمة.

لماذا تحول "البيض" من وجبة إفطار إلى حالة وطن؟

لا يعرف آباؤنا، واجدادنا في الغالب، معنى كلمة "البيض"، عندما نقولها، واصفين، موقفا، أو مرشحا رئاسيا، أو رد فعل حكومي، أو حالة وطن، فالبيض بالنسبة لهم، هو ذلك الطبق اللذيذ، الذي من الممكن أن يكون أومليت، أو عيون، أو مسلوق، في بعض الأحيان، ويحبون تناوله، في الصباح، إلى جوار الفول، أو عليه.

لكن البيض لم يعد، في المفهوم الجديد، قاصرا على مائدة الطعام، بل أصبح حالة وطن بأكمله، حالة جيل لا يعرف كيف يتصرف مع ما يحدث، يشعر بالعجز، وبالانفجار، وأصبح الشيء الوحيد الذي من الممكن أن يصف هذه الحالة هو البيض، بجميع مشتقاته.

البيض أنواع، هناك بيض الفراخ، وبيض النعام، وبيض الجمال "هل الجمال تبيض أصلا"، فضلا عن "بيض التنين"، وهو الحالة العامة، التي يمكن أن نصف بها ما يحدث الآن، فالتنين هو الكائن الوحيد، الذي قد يحتمل ما يحدث، وقد لا يحتمل، ويواصل انقراضه، ومن الطريف أن هناك موقعا باسم ويكيبضيا، على غرار موقع ويكيبديا الشهيرة، يقدم تعريفات مختلفة للأشياء.

لكن موقع ويكيبديا يقدم تعريفا مختلفا للبيضان، فهو يقول "البيضان: اسم يطلق محلياً على الذين يتكلمون الحسانية من العرب والبربر البيض ومن لحق بهم من السود، في موريتانيا، والصحراء الغربية، وغرب مالي، وجنوب الجزائر وشمال السنغال، وهذه المنطقة هي المعروفة بتراب البيظان، وتتركز مجموعة البيظان الكبرى في موريتانيا واليها يعود اصل في هذه التسمية، ويخضع مجتمع البيظان لتقسيم طبقي هرمي صارم يعكس واقع الحياة التقليدي لدى البيظان وتوزيع الأدوار لدى مختلف شرائحهم".

إذن فالبيضان كلمة صحيحة، ولغة موجودة، حتى لو كانت غير التي ننطقها، ومن مشتقاتها، "مبضون"، وهو الذي يقع عليه "البضن"، وهناك كلمة في اللغة الفرنسية اسمها bidon , تنطق "بيدون" الكلمة لها أكثر معنى على حسب الجملة, بس المعنى الشائع هو صعب وسخيف، أو كما جاء في الترجمة الانجليزية "That’s a load of bull".

لكن العجيب، أن لفظة البيض لم تعد مقصورة على الرجال فقط، وأصبح طبيعيا أن تجد بنتا تكتب على تويتر أنها "مبضونة بضنة السنين"، مع أن البعض يعترض على تأنيث اللفظة، ويرى أن الأنسب، أن تقول إن عندها "تكيس مبايض"، فذلك أدلق بيولوجيا.

"البيض"، وصل إلى السينما، لا أقصد، أن السينما أصبحت "بيض"، فحسب، لكن إفيهات البيض هي التي ظهرت، ولعل أشهرها، ما قاله، تهامي باشا في فيلم "سمير وشهير وبهير"، "إنت فقعتهالي"، مضيفا "المرارة".

الثورة النظيفة VS الثورة البذيئة

انتشر خلال الفترة الأخيرة، فيديو على موقع يوتيوب، إثناء اعتصام أمام ماسبيرو، لمجموعة من المتظاهرين، وهم يشتمون مسئولين في الحكم، وهو ما استثار آخرين رأوا أن الثورة كانت نظيفة، ويجب المحافظة على نظافتها.

طبعا هؤلاء المتحدثين عن النظافة، نسوا تماما أن هؤلاء المتظاهرين لا يملكون شيئا أمام المدافع الرشاشة، وأمام الرصاص الحي والخرطوش، سوى أن يصرخوا لا، بطريقتهم، حتى هذه يريدون أن يصادروها منهم.

ردا على اتهام الثوار بالبذاءة، تم تدشين مجموعة من الهتافات "المؤدبة"، تسخر من دعاة النظافة، تحت اسم "ثورتنا مؤدبة، وكيوت"، وأبرز هذه الهتافات: أونكل عنان أونكل عنان.. سيب الثورة في حالها يا مان، ويا مشير لأ لأ..إخص عليك ما لكش حق، ويا ولاد المش نضيفة..حركاتكم مش لطيفة، ويا طنطاوي يا حبيب حسني.. بليز بليز إوعى تدوسني، ويا اللي بتسأل إحنا مين.. إحنا كيوت وطيبين، مش هنخاف مش هنطاطي..سيب السلطة بقى وحياتي، وبالذوق بالرقة..هنقول للمجلس لأه، ويا مشير يا مشير.. أنا مقموص في التحرير.

الهاشتاج الذي حمل اسم #cleanrevolution ، "ثورة نظيفة" حمل عددا كبيرا من الهتافات المؤدبة، مثل الثورة… فلة، شمعه، منورة، ويا مجلس حكمك فستك… سيبها لحسن نضرب بالاستيك،كفاية يا مشير يا قاسي.. كفاية جرحت إحساسي، وآه يا شرطة عسكرية ده انتي اشقي م الداخلية، وقتلوا اخواتي وسرقوا قوتي.. اخص عليك يا مجلس نوتي، والإسفلت منور ليه .. عشان الجيش بيضربنا عليه، ويا طنطاوى ليه بتدوسني .. اخص عليك ده بدل ما تبوسني، ومن حقنا من حقنا ..نحلم برئيس مدنى يضُمنـا، ويا عسكري يابو بندقية تعالي سلم السلطة دية، وثورتنا ثوره نضيفه مغسوله بالصابونه والليفة، ويا مشير هس هس ...عجلة الانتاج بتفس، إيدي فى ايدك خليك جمبى . . احنا الشعب الخط البمبي.


لماذا تحول A7A إلى أشهر هاشتاج سياسي في مصر؟

إذا أردت أن تعرف ماذا يحدث في مصر، وتعليقات شباب الثورة الساخرة عليها، والمحللة لها بعمق، فما عليك إلا أن تدخل مباشرة إلى موقع تويتر، واختر الهاشتاج الحصري المصري #A7a .

A7A، في عرف شباب تويتر، ليست شتيمة، ليست كلمة "أبيحة"، ليست سبا ولا قلة أدب، هي فقط جملة اعتراضية على ما يحدث، يختمون بها تعليقهم على تصريحات الحكومة، والجدل المثار حول القضايا الكونية التي لم تحل رغم مرور عام وأكثر على الثورة، لا يقصدون بها الإساءة إلى أحد، لكنهم فقط، يقولون أنا أعترض بطريقتهم؟

إذا دخلت في أي يوم على هاشتاج #A7a، فأنت ستجد آخر الأخبار السياسية، وبجوارها التعليق، جولة واحدة ستعرف توجه الرأي العام، "اليمن قعدوا سنة فى الشارع عشان ينتخبوا نائب الرئيس بنسبه 99% ، هوه فيه حد بيكسب كده، ده مبارك كان بيكسبها ب 98% #a7a‏"، و"قال لك اسمه برلمان الثوره ‎#a7a‏"، و"بندفع تمن هبلنا و تصديقنا إن محاكمة مبارك وشلته محاكمات عادلة حترجع لنا الفلوس لا حاكمناه و لا رجعنا الفلوس ‎#a7a‏"، و"حسن نافعة يعلن ترشحه للرئاسة‎#A7A"، و"فريد الديب : واثق من براءة (النسر الجريح) يا كبد أمك يا ضنايا منه لله اللي منع البث و حرمني من اللحظة الرومانسية دي ‎ ‏ ‎#a7a‏"، "ومنع المواقع الإباحية هو الخطوة الأولى على طريق إسترجاع حق الشهداء .. عاش برلمان الثورة.. نعم لتسليم السلطة للكتاتني ‎#A7a"، و"عمر سليمان هينزل إنتخابات الرئاسة ونائب الرئيس إن شاء الله هيبقى حسني مبارك .. عادي ما إحنا قاعدين بنلعب كراسي موسيقية ‎#a7a"، "وواحد يقود الهتاف الآن أمام مدرية الأمن ببورسعيد بيقول سامع أم شهيد بتنادئ الجيش و الشعب ايد واحده بجد ‎#A7A‏ "، و"قالك نعم دكتور كمال الجنزورى رئيساً لمصر" لأ بجد ال ‎#a7a‏ مش معبرة"

لكن الهاشتاج أيضا يعلق على أمور تحدث خارج سياق السياسة، مثل: "أحلى حاجه في " توم & جيري " كانوا يبقوا قالعين طول الحلقه و أما ينزلوا البحر يلبسوا مايوه ‎#a7a‏ ‎‎" و "المصري زمان كانت الجيران يروحوا لبعض عشان يستلفوا طماطم او بطاطس دلوقتي الواحد ممكن يروح لجاره الفجرعشان يقولوا ؟ قفلت ام الراوتر ليه #A7A‏"، و"انا يائس ومحبط ومخنوق وزهقان ونفسي افهم ليه عملو فينا كده ؟؟كل ده علشان قلنا عايزين كرامه وحريه وعدل ‎#a7a‏"

لا تتوقف التدوينات على موقع تويتر طوال اليوم، تحت هذا الهاشتاج، تعلق على ما يحدث في دروب السياسة، وتغير معناها، ولم تعد تثير تلك الضجة التي أثارتها عندما قالها الفنان أحمد مكي قبل سنوات في فيلمه "اتش دبور".

حجب مواقع البورنو.. خطة البرلمان لحل مشكلات مصر

كان الخبر الأكثر إثارة للسخرية في مصر، هذا الأسبوع، هو دعوة عدد من نواب التيار السلفي في البرلمان الأسبوع الماضي إلى حجب المواقع الإباحية، بدا الأمر مستفزا، فالشعب المصري اختار نوابه، ووقف في الطوابير، من أجل أن يتم توفير الخبز والأنابيب والعيش الكريم له، من أجل محاكمة قتلة المتظاهرين، وتحقيق أهداف الثورة، وليس من أجل غلق المواقع الإباحية.

الخبر أثار حالة من السخرية والجدل بين شباب الفيس بوك وتويتر، حيث كتب بعضهم يقول "فكرة إن مجلس الشعب يناقش "المواقع الإباحية" في وقت لم تجف فيه الدماء، هو الإباحية في حد ذاتها"، وكتب آخر " احنا نغلق الشرطة ونعيد هيكلة المواقع الإباحية"، وعلق ثالث "هناك معارك سهلة ومعارك صعبة. فى مسألة المواقع الإباحية هناك معركة سهلة هى الإنترنت ، وهناك معركة صعبة جدا وهى العشوائيات وأكوام اللحم على سرير واحد"، وعلق البعض "بعد طلب غلق المواقع الإباحية: بعد كده كل ما تيجي تفتح موقع سكس هايطلعلك الكتاتنى يقول لك: اجلس مكانك أيها العضو".

ما حدث، يكشف أن السلفيين يسيرون في درب غير الدرب الذي يريده المصريون الآن، فنحن لم نحل كل مشاكلنا، وأصبحنا مرفهين لدرجة أننا لم يتبق أمامنا سوى أن نبحث غلق المواقع الإباحية، التي يبدو أنها تؤرق السلفيين وحدهم.


السياسة والسيس

لا بد أنك تذكر الهتاف الشهير أيام الثورة، "العيال السيس وقعوا الرئيس"، فقد تمكن بالفعل الشباب الذين كان ينظر المجتمع إليهم على أنهم "سيس"، من إزاحة النظام الذي ظل يجثم على صدر مصر لمدة 30 عاما.

كلمة "سيس"، من الممكن اعتبارها شتيمة، لكن كان الجيل كله يتعرض قبل الثورة للشتم، وكان المسئولون دائما في أحاديثهم يتحدثون عن "الجيل اللي مش نافع"، و"الجيل اللي قاعد طول النهار ع النت"، و"الجيل اللي بيشيت ع البلاك بيري"، و"الجيل اللي ماعندوش انتماء"، و"شوية العيال السيس"، لكن هذا الجيل، تجمع عن طريق الفيس بوك وتويتر وبلاك بيري، واتضح أنه أكثر وطنية وانتماء ممن صمتوا طويلا.

العيال الذين كان يتم النظر إليهم على أنهم "سيس"، أصبحوا هم بالفعل الرقم الصعب في معادلة السياسة المصرية، حتى بعد أن أستولى على السلطة من لم يقوموا بالثورة، حتى بعد أن تم اقتسام كعكة السلطة بين الصاعدين والمتسلقين والطامعين.

لم تعد كلمة "السيس"، بهذا الجيل، شتيمة، بل أصبحت تعني أن عن طريق تويتر، وفيس بوك، والبلاك بيري، ومظاهرات الميدان، والاعتصام، تستطيع أن تغير وطنك إلى الأفضل؟

28‏/12‏/2011

مدهامتان

عن دار شرقيات بالقاهرة، صدر ديوان "مدهامتان"، للشاعر محمد أبو زيد والذي يحلق من خلاله في أجواء صوفية، مستدعيا التراث الإنساني في كافة تجلياته، وخالقا قصيدة أقرب إلى البكائية لعالم يتهشم، تاركا الإنسانية عارية على الهامش، من التفاصيل الصغيرة ينطلق الشاعر في رحلة الرثاء للقصيدة المتمسكة بذاكرة الماضي، إلى القصيدة المفارقة للذات، وتشتبك بالآني الدامي والقاتل.

الديوان الذي يعد السادس للشاعر في مسيرته الشعرية، يشتبك من خلاله مع مفاهيم الشعرية المطروحة، وطريقة كتابة القصيدة الحديثة، وارتباطها بالهم بالعام والذاتي، ومفارقته للتراث الشعري العربي من أجل كتابة قصيدة مختلفة، وينقسم الديوان إلى خمسة أقسام، محمد ذهب إلى الحقل، فك رقبة، الخوارج، القصائد المرة، أحفر مقبرتي وأغني، القصيدة الأخيرة

محمد أبو زيد : شاعر وروائي مصري ، ولد في سوهاج (صعيد مصر ) عام 1980 ، حاز عددا من الجوائز الثقافية داخل مصر وخارجها، يرأس تحرير موقع الكتابة الثقافي ، صدرت له ستة دواوين شعرية ورواية: ثقب في الهواء بطول قامتي 2004هيئة قصور الثقافة ، قوم جلوس حولهم ماء 2005 عن دار شرقيات للنشر ، نعناعة مريم 2006 ديوان للأطفال عن كتاب قطر الندى ، مديح الغابة 2007 الهيئة المصرية للكتاب ، طاعون يضع ساقا فوق الأخرى وينظر للسماء 2008 دار شرقيات ، أثر النبي (رواية) 2010، دار شرقيات.

ومن أجواء الديوان :

أصبحت أخاف

الكلاب الساكنة والمراهقين

أهتم بالنظارات وقياس الكوليسترول

بمصادقة طبيب عظام جيد

بأسعار المقابر في صحف الصباح

أصبحت الأشياء العادية مستحيلة

وكوب الشاي أبعد من المطبخ

رتيبة كاهتزاز القطارات الفقيرة

مُرٌة كفقدان الأحبة كل أسبوع

بعيدة ..

بعيدة كالحياة

07‏/12‏/2011

الطفولة ..خزانة الكتابة


طفل صغير ينطلق على دراجته ، الزرقاء صينية الصنع ، كل يوم من قريته الصغيرة في وسط الصعيد إلى المدينة لاستكمال دراسته الإعدادية ، و لشراء الكتب القديمة ، ومبادلتها ، أو استئجارها باليوم ، قصص تنابلة السلطان وكابتن ماجد ، وسلاحف النينجا ومجلة كابتن سمير ومغامرات عم دهب ، وقصة علاء الدين والمصباح السحري التي كانت مقررة علينا في الخامس الابتدائي ، وأهل ، أصدقاء ، ووجوه طيبة، وغيطان خضراء ، ومقابر تحتضنها البيوت ، وسكة حديدية يمر قطارها وهو يطلق صافرته المميزة ،وذكريات عن رصاص يتطاير في الهواء وطلقات تقطع صمت الليل في عمليات ثأرية بين عائلات متناحرة ، وسور أولى من القرآن الكريم أبدأ في حفظها ، وموت أقارب ، وسينما قديمة متهدمة ، وكسر في الذراع اليسرى لم يختف أثره بعد ، وساقية تدور كل أسبوعين ، وموسم قطف القطن ، وأغان للريس حفني ناصف والشيخ ياسين التهامي ، وأول قصيدة تنشر في مجلة محلية ، والعودة إلى البيت طائرا من فوق الدراجة ، وتفاصيل أخرى كثيرة أسترجعها الآن ، لم تمح من الذاكرة ، بل أصبحت زادا للكتابة، للتأمل ، للهروب من الواقع في أحيان كثيرة .

أدرك الآن أننا ككتاب أبناء لطفولتنا ، لذكرياتنا ، المرتبطة دائما بمرحلة عمرنا التي اختزنا فيها خبرات كثيرة ، لم نكن ندرك ذلك وقتها ، لم نفعل ذلك قاصدين ، ومن أين لنا أن نعرف ، لم نكن ندرك أن تلك الأيام التي تنقضي رويدا رويدا ، أن الأحداث العادية فيها ، الابتسامات الصغيرة ، الهزائم العادية ، الصداقات الطفولية , السهرات العادية ، ستضحي زادا لا ينتهي للكتابة ، ودليلا من جهة أخرى على البراءة .

لماذا يلح علي الآن أن معظم الكتاب المجيدين سواء كانوا في القصة أو الرواية أو الشعر هم أبناء لقرى أو مدن بعيدة عن العاصمة ، ربما لم يكسر القاعدة سوى نجيب محفوظ الذي تربى في العاصمة الفاطمية ـ فولكلورية الملامح ـ أما البقية الباقية فهم أبناء لقراهم ، لمدنهم ذات البعد الإقليمي أيضا ، أبناء لسماء تظهر واضحة جلية ، لصحراء شاسعة تقول الكثير ، لنيل يحكي لمن يسمع ، لأرض خضراء وصفراء ، وتحمل ألوان قوس قزح ، لماذا لم تنجب المدينة كتابا لها إذن ؟ هل لكونها مدينة آلية تحول من فيها إلى ماكينات دخل في ذلك ؟ ، هل أبراجها العالية التي تكتم على الأنفاس ، هذا ما أحسه ، زحام شوارعها ، سرعتها الجنونية ، تمنع الإبداع ، أم أن قرانا ، بالبراح أمامك ، بالتاريخ ، والحكايات التي تسمعها ، والقصائد التي تراها منحوتة على وجوه الناس هي التي تعطيك الفرصة للإبداع و الكتابة .

أعتقد أن القرية ، لم تغادر أيا من الكتاب الذين غادروها ، يعودون إليها كلما افتقدوا أنفسهم ولو كتابة ، يكتبونها ، أم تراها تكتبهم ، يخلدونها ، كما خلدتهم من قبل ، يهربون إليها عندما يشعرون بالوحدة ، ربما ليتحدوا بها المدينة ، لتعضدهم في التحدي .

في قصيدة لي بعنوان "جثث وحيدة " نشرتها في ديوان " قوم جلوس حولهم ماء " " قلت " " أيها الغرباء ، أحسنوا ضيافة حزني ، فهو طيب كحمامة ، هادئ كصنم ، مسالم كمَيِّتٍ " كنت أتعامل مع أصحاب المدينة أنهم الغرباء ، هم الغرباء بالتأكيد عني ، لكن بعد فترة يصبح البون شاسعا ، أصبح أنا الغريب الذي يهرب من غربته إلى قصيدة في مديح الطفولة ، أو في هجاء المدينة ، لذا تكمل القصيدة "" إذن ، حاولوا ألا تتذكروا أولادكم ، ولا غبار شارعكم، ولا نكتة ألقاها جنى، فضحكتم عليها حتى الصباح ، ولا القلق ينبت في أعينكم ، وأنتم تنتظرون ، خروج زوجاتكم من غرف الولادة ، حاولوا ألا تتذكروا مقهى بلدتكم ، ولا حلاقها الذي يجرحكم متعمدا ، فتنزفون ضحكا ، أيها الغرباء ، أشعلوا في ذاكرتكم النسيان "

تصبح التفاصيل الصغيرة ، أبسط التفاصيل دليلا على الحنين والهروب ، نبتسم عندما نجد شخصا ينطق حروفه بالجيم المعطشه ونسأله على الفور " إنت منين ؟ " ، وفي البداية نرفض شراء الطبعات الأولى من الجرائد ليلا لأننا تعودنا على قراءتها صباحا ثم ينتهي كل شيء بعد سنوات "" لا تشتروا جرائد الغد الآن ، ففي بلادكم تقرؤونها في موعدها ، وليس في الليلة السابقة ، حاولوا ألا تركلوا السيارات ، فهي عنيفة كذئب ، وانتم طيبون ، طيبون كسحابة ، سرقت منها الأجنحة "

كلما ابتعدت في العمر عن فترة الصبا ، كلما اشتقت إليها أكثر ، وكلما حاولت المدن الأسمنتية أن تأخذنا من طفولتنا ومن قريتنا ، من براءتنا ، كلما اقتربنا منها أكثر ، الكتابة تجسيد لهذه البراءة .

في أحيان كثيرة أتساءل وأنا أتصفح موقع يوتيوب ، أو موقع الفيس بوك عن هذا الكم الكبير من المجموعات التي تعيد نشر مقاطع فيديو لفترة الثمانينات ، سواء كانت أغان أو كارتون أو برامج ، حيث عشنا طفولتنا ، وهذا الإقبال الكبير عليها ، هل هو الحنين ، هل هي النوستالوجيا لزمن براءة نفتقده ، أم هو عدم قدرة على التعايش مع معطيات الوقت الراهن ، فنضطر للهرب .

شذرات صغيرة ستجدها في ديواني الأول " ثقب في الهواء بطول قامتي " عن الطفولة والقرية، ربما لأنني كنت وقتها قريبا منها ،فلم أكتبها جيدا ، لكني لما ابتعدت عنها ، صارت معظم شخوصا أبطالا في ديواني الثاني " مديح الغابة " ، وديواني الثالث " قوم جلوس حولهم ماء " ، سواء كان بالتلميح أو التوضيح . عندما أرى أمام كتاب في الطريق لدى باعة الكتب القديمة ، قرأته وأنا صغير ، أتوقف ، أتوقف طويلا ،أشتريه وأعيد قرأته ، حتى لو لم يكن له قيمة كبيرة ، لكنه بالنسبة لي يمثل جزءا من ذاكرتي .

قريتي قد لا تبين لها معالم واضحة في قصائدي ، لكنها تلعب دور المحرك للقصائد ، تلعب بعاداتها وتقاليدها ، وحكاياتها ومآسيها دور عين الصقر الذي يرى الواقع الآن ويعلق عليه ، دور الراوي الذي لا يقوم بدور في الرواية لكنه يعرف كل شيء ، ما مضى وما جاء وما سيحدث .

ديواني الأخير ، لم استطع أن أكتبه في المدينة ، كلما حاولت الكتابة أفشل ، كنت أستغل فترات سفري القصيرة للعمل في مناطق مختلفة خارج القاهرة ، في أماكن مفتوحة ترى السماء تشبه قريتي جاءت قصائد الديوان هجائية لتغول المدينة داخلي ومرثية لطفولتي ولي .

الآن ، أبتسم عندما يسألني قاهري عن مكان ما وسط العاصمة الواسعة الشاسعة ، وأجيبه كواحد منها ، لكني في الحال أعود إلى شوارع ترابية وبيوت صغيرة مبتسمة ، أعود إليها فقط وقت الكتابة ، أردد مع من لست أذكر اسمه بيني وبين نفسي " ردني إلى بلادي " .

26‏/11‏/2011

وسعوا من وش العقلاء..في العباسية


لا تحلموا بعالم سعيد، فخلف كل قيصر "يخلع"، قيصر جديد. المجلس العسكري ما زال يسير على خطى مبارك، الذي تربى في كنفه، بالمسطرة، رئيس وزراء من عهد مبارك، ومظاهرة لتأييده من أنصار مبارك أيضا.
لا تحلموا بمجلس عسكري يأخذ قرارات ثورية أو يحل الأزمات بطريقة حاسمة، فالعسكري قرر أن يحل أزمة حكومة الإنقاذ الوطني بأن جاء بكمال الجنزوري، رئيسا للوزراء من على الرف الذي تركه مبارك، رافضا أن يأتي بالبرادعي الذي طلب صلاحيات "رئيس وزراء" حقيقية، لا أن يكون مجرد "سكرتارية" للمجلس.
المجلس العسكري ما زال يسير على خطى مبارك، ليس في قتل المتظاهرين، أو اختيار وزراء مبارك رؤساء لوزاراته فحسب، وإنما في حشد أنصاره، ليعلن أن له مؤيدين، لكنه قرر أمس أن ينقلهم من ميدان مصطفى محمود، إلى ميدان العباسية، بما يحمله ذلك من معان، ربما لقربه من المنشآت العسكرية، التي تواجهها عددا من المباني الحكومية، منها على سبيل المثال لا الحصر، مستشفى العباسية للأمراض النفسية.
المفارقة التي تؤكد أن المجلس العسكري يسير على خطى مبارك، هي أن من كانوا يؤيدون مبارك، أصبحوا يؤيدون العسكري الآن بدلا منه، ف"نزلاء" ميدان العباسية أمس، الذين رفعوا شعارات "إحنا آسفين يا عسكري"، لم يختلفوا كثيرا في عددهم الضئيل عن الذين رفعوا قبلهم، شعارات "إحنا آسفين يا ريس"، هي نفس الوجوه التي كانت تدين بالولاء لمبارك، ولكنهم قرروا هذه المرة أن ينقلوا أماكن تواجدهم من "شقة واحد صاحبهم"، ومن ميدان مصطفى محمود إلى ميدان العباسية، صغير المساحة ، والذي لا يصل حتى إلى نسبة 5 في المائة من مساحة ميدان التحرير.
هذه المساحة الصغيرة، والعدد الضئيل "لمرضى" الحكم العسكري، في "العباسية"، لم تشفع للتليفزيون المصري حتى يقول الحقيقة هذه المرة أيضا، بل أصر على مواصلة انحنائه لمن يملك، وتزييفه للحقيقة، حيث قسم الشاشة إلى نصفين، نصف للتحرير بدت فيه الصورة بعيدة غير واضحة المعالم، ونصف للعباسية، قامت الكاميرات بتقريبه، حتى يبدو عدد مريدي "العسكري"، كبيرا وواضحا، ومهولا.
الأمر لم ينته عند الصورة التي ينقلها التليفزيون المصري، فالمتحدثون والمراسلون، ظلوا يتحدثون عمن في العباسية، وكأنهم صوت العقل، الذي يريد الاستقرار، وهو ما يستدعي إلى الأذهان أوبريت العقلاء، في فيلم إسماعيل ياسين الشهير، الذي يقول "وسعوا من وش العقلاء".
ورغم العدد الضئيل لمحبي "العسكري"، في العباسية، فقد تردد، أن عددا كبيرا منهم، ما هم إلا بعض الجنود والمتقاعدين من العسكر الذين يرتدون زيا مدنيا، الذين يسكنون، بالمناسبة أيضا، في عمارات "الجيش"، القريبة من العباسية، وهو ما يذكر بما يفعلونه أيضا في مباريات طلائع الجيش، التي يرتدي فيها الجنود، ملابس مدنية، ويجلسون في المدرجات لتشجيع "زملائهم".
المشهد الذي بدت عليه مصر أمس، في ميداني التحرير، والعباسية، وأصر التليفزيون المصري على تأكيده، يؤكد أن مصر تسير إلى انقسام، بدأه المشير طنطاوي حين أكد في خطابه أنه قد يدعو إلى استفتاء حتى يرحل عن الحكم، واكتمل المشهد أمس بانقسام مصر إلى فريقين، واحد في "التحرير"، والثاني في "العباسية". وربما يكون لكل ميدان نصيب من اسمه.

25‏/11‏/2011

"مش فاضل حاجة" .. عدودة في رثاء الحياة

محمد أبو زيد

مثل عدودة جنوبية محملة بالحزن والفقد والألم، يأتي ديوان الشاعر محمود فهمي الأخير "مش فاضل حاجة"، الصادر أخيرا عن "دار العين"،عدودة للحياة، يرثي فيها الطفولة، والعمر، والأصدقاء، والذات، والحلم.

فكرة العدودة تتبدى أول ما تتبدى في الدلالة التي يعطيها اسم الديوان، الانتهاء، لا شيء متبق، قد يكون الذي انتهي هو العمر، قد يكون هو الذكريات، والحنين لزمن ماض يراه الشاعر جميلا، قد تكون الطفولة التي لم يتبق منها سوى قصائد يكتبها الشاعر، "مش فاضل حاجة"، قد تشمل أيضا "مش فاضل حد"، فتبرر وحدة الشاعر في قصائد الديوان، وربما يكون الذي قد انتهى هو أغنيته، التي تشبه ما ضاع منه كما يستدل بفؤاد حداد، فالشاعر الذي يعاني من الوحدة والانعزالية، يكتبها في قصائده، وربما تكون امتدادا لديوانه الأول الصادر قبل سبعة أعوام باسم "لوحدك"، حالة الديوان التي رصدها الديوان الأول، استمرت في الديوان الثاني وإن كانت بنضج أكبر، فالشاعر الذي يواجه العالم، الذي لم يتبق منه شيء، يواجه منفردا وحيدا، بقصائده، كفارس يحارب منفردا طواحين الهواء

يشعر قارئ الديوان من الوهلة الأول أن كاتب الديوان رجل في آخر أيام عمره، يترك مرثيته لهذا العالم، في قصيدة، وفي قصيدة أخرى يتشبث بالطفل الذي كان بداخله، لينقذه، لينقذ أحدهما الآخر، بل هو يتلبس هذا الطفل، عبر حالة من الحنين ، والشجن المؤلم.

الديوان قسمان، الأول اسمه "ريحة البن اللى جايه م الماضى"، يبدو فيه الشاعر كعجوز في غرفة مظلمة، يبحث فيها عن مخرج بالذكريات "ماسك فى ديل الطفولة، خايف تروح منى"، الطفولة هنا، ليست مجرد مخرج، بل هي الذاكرة التي تشعره أنه لا زال حيا، الطفولة هي الأم، التي يمسك في ذيل ثوبها، تماما كما يفعل الطفل مع أمه في سوق كبير يخاف أن يضيع منها، بالضبط تبدو حالة الشاعر هنا، تمسكه بالحياة ذاتها هو تمسكه بتفاصيل هذه الطفولة، بحلوها ومرها، الطفولة هي التفاصيل التي لا تنسى، العالقة في الذاكرة كشمس تطل من السماء فتنير "فرحان بمنظر لمة الكتاكيت/ على السطوح / والشمس فى يناير/ والراديو داير ع الاغانى /وصوت/عبد الحليم طالع من المنور/ماتغرقينى فى دنيتك اكتر" هذه الغنائية الجميلة في هذه القصيدة تكشف عن مدى فرحة الشاعر باستعادة هذه التفاصيل، هذه الطفولة، والغناء لها.

الذكريات التي يسترجعا محمود في القسم الأول من الديوان يدرك في الجزء الثاني منها أنها انتهت ، وإنه "مش فاضل حاجة"، كما يسمي القسم، الذي يبدأه بقصيدة غاية في الإيجاز، والتكثيف و الجمال "ليه /دايماً باحس بغربه / والمترو / بيسيب الرصيف/ وبيبعد"، فليست الطفولة وحدها هي التي تترك الشاب العجوز، بل هو المترو، الذي قد يكون محملا بالذكريات، والصورة التي يرسمها محمود بهذه القصيدة، هي صورة شخص واقف في محطة المترو، ولا أحد سواه، فيشعر بالغربة، الغربة تجاه هذا العالم الذي تركه وحيدا، وانصرف، العالم الذي بلا طفولة ولا ذكريات حقيقية، هذه الذكريات التي ضاعت في قصيدة أخرى" بعد مااتشال مترو مصر الجديدة / واتشالت محطة القياده المشتركة / ومعاها / أكوام من الذكريات/ اللى سبناها عليها".

الذكريات في القسم الأول، تتحول إلى إغراق في التفاصيل في القسم الثاني، وإقامة علاقة مع هذهالتفاصيل ، حتى لو كانت كلمة مكررة مثل "مساء النور"، مثلما في قصيدة مطلوب فتاة العمل، وانسحاب تفصيلة من هذه التفصيلة، قد يهدم كل تفاصيل الحياة التي غزلها، والصورة التي التقطها.

يركز محمود على تفاصيل الحياة الصغيرة، يرسم عالما ومكانا قبل أن يبدأ الكتابة ، فأنت ترى تفاصيل المنزل الذي يسكنه، أو تسكنه الروح الطفلة، أو تسكنه شخوص النصوص"الاوضة الضلمة / اللى فى بير السلم / يخبى جواها الكشاكيل"، والسينما "الدرجة التالتة / اللى بتعرض اربع أفلام"، و "وانت داخل من باب الشقه / هتلاقى على شمالك أوضتين/ سيبك م الاوضه الاولانيه / الاوضه المقفوله ع الصالون المدهب / خليك فى الاوضه التانيه/ الاوضه الصغيرة / اللى فيها بلكونه / فى ركن منها هتلاقى الزرع"، هو يسحب القارئ من يده ليدخل معه عالمه الخاصة، ويحذره بحميمية "ماتقعش / بسبب سلمه مكسورة /مابين الدور التالت والرابع / متهيألى / انك / حفظت أماكن القطط/ اللى نايمين ع السلالم / فبلاش تقلقهم"

محمود قد لا يكتفي بأن يلتقط صورة، ويغزل منها عالمه الشعري، أحيانا يخلق هذه العالم ويرسمه كما في قصيدة " لوحة ناقصة"، حيث "رسمت شارع / وميدان واسع / ورصيف طويل / مشيت عليه بنات حلوين جداً / وقعدت على القهوه اعاكس فيهم / لحد ما واحده منهم ابتسمت لى / نسيت احاسب الجرسون / وفضلت ماشى / ماشى / ماشى / لحد ما خلصت الصفحه".

وفي القصيدة التي تحمل اسم الديوان، يتأكد هذا المعنى، فالبيت القديم ، الذي يحمل ذكريات الطفولة يتحول إلى شاهد قبر، وحكاية الحب القديمة، وكل التفاصيل الصغيرة التي يرويها لا يتبقى منها سوى "سور حديد لجنينه اتردمت "، والحديقة التي تعبر كلاسيكيا عن عالم جميل ، تم ردمها، تماما كميت يدفن، ثم يغطى بالتراب.

الديوان في مجمله يبدو قصيدة حب غير مكتملة، لحبيبة غائبة تماما، يراها الشاعر ويتحدث معها، لكنها لا تتحدث أبدا، يصفها الشاعر في قصائده، لكنها لا ترد، لا تظهر، لا تتحرك، "جوه بحور العطر من صوتك/ حتى سكوتك /يشبه الاحلام"، لكنه يعيش هذه الحالة من الحلم الدائم في قصة الحب غير المكتملة، التي تبدو من طرف واحد في كثير من الأحيان، "ليه بسمة البنت الجميله/ الصبح/ ربكتنى ؟؟/ خلتنى أبدأ نهار / ماهوش معقول"، لكن هذا الطرف الآخر لا يتحرك إلا في الحلم، فيتحول هو إلى حالة الثبات "باحلم على حجرك انام/ وتفردى شالك غطا/ وتفردى كفك يمام/ شدينى من وسط الزحام/ ودينى دنيا بتبتدى بيكى الربيع"، هذه الحالة من التشبث بالحبيبة، بالوطن، بالطفولة بالأم، يبررها في نهاية قصيدة جنة الحواديت "انا مش هاضيع/ لوحضنك الدافى الوسيع/ بيضمنى وقت البكا".

الحبيبة لدى محمود "بنوته تشبه للقمر / بنوته تشبه للصباح/ تفتح ضلام الشباكين/ تطلق عصافير الغنا"، والحب يرتبط بالحنين إلى الماضي، بحكايات ناقصة "انا اللى سرحت روحى/ مع ريحة البن اللى جايه م الماضى"، وربما هو الإحساس بالعمر الذي يضيع، وينفلت من اليد "صوت خطوة البنت ع الاسفلت/ خلانى لـيه انشـغلــت/بلحن لغنوه منسية"، قصة الحب ليست لفتاة واحدة فهو "واقف ع الرصيف/ استنى البنات / اللى خارجين م المدرسه الثانوى/ يمكن تكون فيهم بنت / بتشبه لايناس"، و "البنت / اللى باتعمد اسيب كل الاماكن /اللى فى المترو/ واقف قدامها/وهى بتتكلم مع صاحبتها / وبتحاول تهرب بعنيها / من نظراتى".

الاحتفاء بالحب بهذا الشكل في الديوان، يكشف عن شعور عارم بالوحدة في بقية الديوان، وهذه الوحدة، ترتبط بحالة البرودة، والاحتفاء بالشتاء في معظم القصائد" ازاى راح اوصف ؟/ طعم الصباح الدافى/ فى نص يناير البردان"، فالشاعر المهزوم، الذي يقف بردانا تحت مطر يناير، إذا وجد حبيبته قد تتغير القصيدة، قد تتحول العدودة إلى غنائية "شعرك/غطايا/دفايا /حضنك بيت"، لذا فهو يوجه لها سؤالا "شايفك ندى / حاسك خضار / باحلم دفا / وقنديل ودار / سايبانى/ ليه تحت المطر ؟؟"، والشتاء هو الجو المناسب للموت والانتحار أيضا "نطيت مابين /مية مطر / بيغرق الدنيا / وف ثانيه / لقيتنى ع الكوبرى القديم / بافرك ايديا/ وبانتظر / لو لحظه تيجى تشدنى / أصبح غريق"، أو قوله : " طعم المراره جوا قلبى بينكسر/ وانا باستمع صوت المطر"، البرد يحضر في قصيدة ديسمبر، مع الأسئلة المريرة، ومع اكتشاف الشعر أنه هرم فجأة، فيحاول عقد مقارنة بينه وبين صوره طفلا فلا يستطيع، لأنه أصبح شابا عجوز، لا يفعل شيئا سوى أن يكون "واقف فى البلكونه/ لوحده / فى عز البرد"

واللافت هنا هو أن نهاية الشتاء، ونهاية المطر، تعني عند الشاعر عودة الحياة، ونهاية حالة الوحدة والرغبة في الموت والانتحار "سكت المطر / رجعت أغانى البياعين / والايدين / رجعت تدوَّر ع الايدين / والفوانيس نورت / وبينفرط عنقود دموع / على حافة الكوبرى الحديد"،

الشاعر في هذا الديوان صعلوك يسير في الشوارع، في "يناير البردان"، يتفقد شارعه القديم ، يقف في محطة الاتوبيس، يسير في الشارع، يذهب إلى العمل، لكنه في كل هذا يصف الناس، علاقته بالناس وبالأشياء من منطق الرؤيا، عيناه كاميرا فوتوغرافيا تقيم العلاقات مع الناس من هذا المنطق، وتصف المشاعر، وتقيمها بناء على هذه الصور التي تلتقطها عيناه طوال الوقت، حتى أحاسيس الخيانة والحب، قائمة على هذه الصور الملتقطة طوال الديوان

مع هذه العلاقات غير المكتملة، تتولد فكرة الخيانة، " شايفك هناك / بتواربى فى الشباك / وبتضحكى لغيرى"، فالخيانة هنا تتقاطع مع فكرة الحبيبة غير المكتملة، وقصص الحب القائمة على الرؤية، وهي العين الموجودة طوال الديوان، لترصد وترى، وتكتب، لكن فعل الخيانة كما أراد له عنوان القصيدة أن يكون هو مواربة الشباك، والذي يعني غياب الرؤية، والنظر، والضحك للآخرين، و الثلاثة أفعال الموجودين في الديوان يكشفان طبيعة العلاقة "عاشق لا يفعل سوى النظر، وحبيبة توارب الشباك / تكاد أن تغلقه في وجهه/ وتفتحه في اتجاه أحد آخر، والفعل الثالث هو الضحك لآخر.

في الديوان دائما بيت قديم، وهناك دائما نافذة، والنافذة لدى محمود في هذا الديوان تفصل بين زمنين، وبين حالتين، حالة الحب والخيانة كما في قصيدة "خيانة"، وحالة الصبا والطفولة، كما في قصيدة "تحت شباك الحنين"، "من هنا عدى الولد، من هنا عدى الحنين/من هنا عدى الشجن، الضرفتين مش مفتوحين، متعفرين ليه بالتراب، البنت راحت بس فين"، لكن الإحساس بالزمن يسقط ويصبح العمر يومين فقط، حين يرتد إلى الطفولة مرة اخرى، قبل أن يدرك الحقيقة "دى لسه كانت من يومين / دى لسه كانت من سنه / دى لسه كانت من سنين"، وقوله "فى الدور التانى / بنت / باشوفها واقفه فى الشباك / ومواربه الشيش / أنا فاكر /مره ابتسمت لى / ودخلت من غير ماتقفل الشباك"

يحضر الأب كقوة قاهرة في قصيدة اللحظة المناسبة، حيث يبدو على اعتبار أنه ربما النقطة التي تجعل الشاعر يفاضل بين حاله وطفولته " يرجع / بيجر ف أحزان الحب الاول / وبيجهز نفسه / لعصاية ابوه النايمه / تحت سرير / باربع عمدان"، هذا القهر يتبدى في قصيدة الأوضة اللي ما بقتش بتاعتي، فهو يحكي بحميمية شديدة عن كل تفاصيل غرفته، وكأنه يعيش فيها، ويحكي كل تفاصيلها، الزمانية والمكانية ، قبل أن يكتشف القارئ "إنه الإوضة دي " خلاص / مابقتش بتاعتى / من يوم ماطردنا ابويا من البيت /المكتب بعته / مالوش مكان فى الشقه التانيه / والسرير / مارضيش يسيبه / واداه لابنه"، هذا الإشكالية تحضر، مرة أخرى في قصيدة "حاجة ما اعرفهاش ، حث يتحدث عن علاقة مثالية بين أب وبنته وابنه، ثم نكتشف في نهاية القصيدة أن "كل الحاجات دى / ويمكن اكتر / هتحصل / لما يبقى عندى ولد وبنت / يمكن ساعتها اعرف / شكل العلاقة اللى مابين أب واولاده / العلاقة اللى ما اعرفهاش / مع انى ماكنتش يتيم".

الحياة طفولة يعقبها موت، والموت ربما لا يكون موتا حقيقيا بقدر ما هو موت معنوي، لكنه يقدم مبررات هذا الموت في قصيدة انتحار، فالشاعر يترك مبررات هذا الموت في قصيدة أو "جواب على حافة المكتب / ونازل"، ربما ليبحث عن الماضي ، وربما لهذا يبحث عن اسمه على مقعد المترو "بقالى اكتر من 13 سنة/ باحاول الاقى الكرسى /اللى كتبنا عليه اسامينا/ فى أخر يوم/ فى امتحان الثانوى/ وكإننا بننقش/ على شاهد قبر / لدنيا بتروَّح"، وربما يكون هذا هو التعبير الأمثل، فالشاعر يفتش عن الماضي كمن ينبش قبرا بحثا عن شيء يدرك أنه لن يجده، وابتعاد الطفولة هو المرادف للموت لديه، ومن ثم الموت الفعليفي قصيدة العيال "يا عيال انتوا فين يا عيال /انا قلبى مال للحزن وانتوا بعيد".

الشيء الوحيد الذي يمكن أن يقف أمام هذا الحزن وهذا الموت، أن يعود إلى طفولته مرة اخرى "أرجع ولد / بيلم أمطار الغنا / ويا العيال / والامهات م الشبابيك القدام / تنده لنا"، سر التمسك بهذه الطفولة تكشفه قصيدته التي يصبح العمر فيها غاربا، بينما تتواري الطفولة وذكرياتها بعيدا " الدنيـا وش غــروب / ولاعــادش فيها سطوح /ولاعــادش فيها جيران / ولا كحك ولا بسكوت / عالـم برىء بيغــيب / عالـم برىء بيمــوت"، فغياب هذا العالم ، الذي يصفه مرتين بالبراءة، يعني الموت".

ربما يبدو السؤال الأكثر إلحاحا هنا : لماذا ينحاز محمود إلى عالم الطفولة لهذا الحد ؟، لأن عالم الأطفال به "عيال كتير/ وبيضحكوا / وبيفرشوا الشارع غنا /وبيرسموا الحواديت جنان / ولا أى شىء بيهمهم / غير ماتش كوره فى الميدان / ولا عرفوا ايه معنى الالم / ولا عرفوا طعم الحزن ايه / ولا يعنى ايه بتكون وحيد / فى ركن منسى من الزمان"، في هذا المقطع يجيب الشاعر عن كل الأسئلة التي يطرحها الديوان، وربما يصف حالته الآن المكونة: من الوحدة ، والحزن كما يقارن بين العالمين.

قصيدة العيال، يقدمها ببيت شعر دال لرجب الصاوي " مليانه يادنيا العيال بالهنا"، وفيها يكشف الشاعر، أو يكشف المأزق الحياتي له ولجيله بأكمله" انا محمود الجديد / اللى مايشبهش محمود القديم خالص / نزلوا العيال يلعبوا / وانا كنت ماشى ع الرصيف بانهج / حاطط ايديا فى جيوبى / واقف اتفرج / واعدل النضاره / انا لسه واقف على أول الحاره / صبح يوم العيد / لكنى خالص مش سعيد"، هذه القصيدة الجميلة المليئة بالشجن تلخص حالة الديوان بالكامل، حالة الصراع بين محمود الطفل، ومحمود الذي كبر مع الحياة، لكنه ما زال يبحث عن طفولته، لذا فهو لا يشعر بالسعادة يوم العيد، يستعيد كل تفاصيل الطفولة، لكنه لا يستطيع أن يستعيد ذاته.

هذه القصيدة تجرنا للحديث عن الموسيقى في ديوان محمود، فمحمود يكتب قصيدة التفعيلة والنثر، لكنه يبدو أكثر انحيازا لقصيدة التفعيلة، وربما لأنه صدر ديوانه بمقطع لفؤاد حداد يقول "غنوتى شكل اللى ضاع منى"، والذي يعبر كثيرا عن مضمون الديوان، فهو قد كشف عن غير قصد عن حرصه على الغنائية في ديوانه، الغنائية التي قد تصل إلى حالة العدودة، في بعض القصائد، وإلى الغناء الراقص في بعض القصائد.

يرفض محمود ارتداء عباءة فؤاد حداد، التي ارتدتها أجيال كاملة تأثرت بحداد، لكن محمود يفضل أن يكون له صوت الخاص، في لغة عذبة سلسة، بسيطة، تحمل في مضمونها طاقة شعرية هائلة، وتختصر صورها البسيطة حالات شعورية كاملة.

يمتزج الغناء بالسرد، تماما كما يفعل المعني الشعبي، لكن محمود يقبض على نهايات الحكايات، ويترك قارئه يفكر في النهاية، التي يدرك بعدها، إنه مش فاضل حاجة، تنتهي الحكايات حكاية وراء اخرى، كأن الحياة تنتهي "بتخلص الحواديت / كإنى بانزل سلالم/ وبارد باب البيت"، الحكاية جنة في رأي الشاعر، لأنها تعيده طفلا مرة أخرى "ماتدخلينى جنة الحواديت، وترجعينى طفل من تانى"، وفي قصيدة حواديت زمان، التي يبدأها بلزمة الحكي، المرتبط بعالم الطفولة، يكشف محمود عن مأزق السرد لديه "كان ياما كان / ليه القصيده بتبتدى بحواديت زمان؟"

هذا الغرام بالتفاصيل والذكريات يبدو واضحا جدا في قصيدة "الاوضه اللى مابقتش بتاعتى"، التي تبدو مرثية لعمر مضي، الديوان كله يبدو مرثية لمحمود فهمي، ولجيله بأكمله، مرثية جميلة، وحزينة، تجعلك تعيد قراءة الديوان مرة ومرة، مرثية تكشف عن شاعر حقيقي ، وديوان جميل.

ــــــــــــــــــــــــ

*نشر في أخبار الأدب