28‏/07‏/2006

شيلوا الميتين اللي هنا


كنت قد انتهيت من مناقشة مضنية مع أحد الأصدقاء حول ضرورة وحدة الصف العربي ، والتوقف عن جلد حزب الله ، ومساندته إن لم يكن عسكريا ، فسياسيا على الأقل ، في طريق عودتي إلى البيت ، كان صوت نشرة أخبار منتصف الليل يحمل لي من البقالة التي على يميني صوت المذيع وهو يتحدث عن لوم مصر والسعودية لحزب الله ، عن اتفاق وزراء الخارجية العرب في اجتماعهم على ألا يتفقوا ، عن الفشل في عقد قمة عربية ، عن الموقف المخزي للحكام العرب ، اعتصرت المرارة حلقي فأدرت وجهي إلى الناحية الأخرى لأجدلافتة معلقة على احد المساجد " تبرعوا لشراء عربة دفن الموتى " .

20‏/07‏/2006

تقويم لأسنان سارة


(1)

لماذا ذهب وحده ،
الغريب
ليلة الكريسماس
ليشترى من بائع الأرواح
ثلاث وردات وتقويم
وحين سألته عربات الأطفال المارة
لمن هذا يا عم ؟
قال : هذا تقويم لأسنان سارة

(2)

اطرقى الباب برفق
وادخلى
أنا فى الداخل أفكر وأدخن
وأتحول إلى ميدوسا

(3)

وكان يقول :
الشاى هذا ، من روحى
ولما رأوه يعبر
لم يكن أطول من الترام
ولا أحزن من مصاب بالجدرى
ولا أفقر من ساكنى فنادق باب الحديد
ورغم ذلك
قالوا له :
إلى أين يا عم ؟
وقال :
إلى سارة .

(4)
لا يتوقف عن لوم النافذة
ولا الطريق
ولا الولد الذى دهن له الشقة
ببياض كفيه
واختفى داخل قصر
يشبه سماء ثرثارة
فلم يحس بالمطر الذى كحت جلده
حتى لما صرخ فيه الرعد :
ألن ترتجف يا عم ؟
يقولون أنه
لم يبتل

(5)
كقصيدة
يمكنك أن تستريحى قليلا على الكنبة
فيما أسخن الشاى
نحن الذين لا نحب الخمر
ولا الكوليرا
ولا المكرونة المحروقة
ولا علامات المنازل التى تضيع
لما تأتينا ضيفة
- أبدا –
لا نقدم لها الشاى باردا.

(6)
لم تقبله حتى بين عينيه
وخرجت كأى طائر ساذج
من الشباك
ناسية – فقط – ظلها على الحائط
يثرثر مع الملائكة
والناموس
وألبوم الصور
حتى باغتته الشمس
فذاب صارخا
يقولون أنهم سألوه :
ومن هم يا عم
يقولون أنه قال :
كنت أسميها " المائية " وكانت تضحك .


(7)

لغريب يا سارة يتسكع الأن فى الشوارع
كحافلة
يجر خلفه قططا ضالة
ويجرى فوقه سحابا
يزرع الأرحام بأطفال ملونين
فى يده تقويم فضى
لماذا – إذن – يسأله الناس
- إلى أين يا عم -
وهم يعلمون
أن القصيدة أنتهت

نشرت هذه القصيدة في جريدة القدس العربي اللندنية

اللوحة المصاحبة للفنان سلفادور دالي

14‏/07‏/2006

محمد منير .. ليه ؟


في منتصف التسعينيات كنت في بورسعيد في زيارة لأحد أقربائي ، ابنته التي كانت تفضل سماع الأغاني الحديثة والسريعة ، والتي كانت تدرك جيدا أنني غريب الأطوار أحب أشياء غريبة ، أشاهد أفلاما لا تفهم منها شيئا ، وأنغمس طوال النهار في قراءة كتب لا تفهم أسماءها ، قررت أن تنتقم مني بأن تهديني شريطا اشترته عن طريق الخطأ اسمه " من أول لمسة " لمطرب مجهول بالنسبة لها اسمه محمد منير .
هل أستطيع أن أقول أنه منذ ذلك الوقت بدأت علاقتي بمنير ، أم أنها كانت قبل ذلك عن طريق أغان متفرقة تذاع متفرقة في إذاعة شمال الصعيد أو في القناة الثامنة ، وإن كانت أغان محددة ، فور سماعي الشريط الذي تخلصت منه " ابنة قريبي " ، وجدت نفسي أسقط في هوى هذا الصوت ،ووجدتني في المقابل أبحث عن بقية أعمال منير ، أو الكنج كما يسميه محبوه ، في شريطه من أول لمسة اكتشفت صوته ، وحزنه ، و اغترابه ، كل هذه الأشياء التي تشبهني ، والتي تشبه جيلي بأكمله ، " لا الناس ولا امبارح ، ولا الزمان جارح ، فين قلبك الشاطر ، يزرع غنا وشموع ، انسى اللي فات وامشي ، امشي على كفي ، لو ضحكة من قلبنا ، حتفيض وحتكفي " و " أنا عمر عيني ما دمعت إلا على كل شيء غالي " و " مش كل شيء بيفوت في عمرنا بيجرح ،قلب الحياة مليان حاجات وبتفرح " بعد هذا جاءت الاكتشافات المذهلة مع بقية الألبومات " علموني عنيكي ، بنتولد ، الطول واللون والحرية ، شبابيك ،اتكلمي ، وسط الدايرة ، شيكولاته ، الملك هو الملك ، يا اسكندرية ، بريء ، افتح قلبك ، ممكن، المصير ، في عشق البنات الفرحة ، مدد ،أحمر شفايف ، أنا قلبي مساكن شعبية ، امبارح كان عمرى عشرين ، لأكتشف أنه يغني للحياة ، حياتي ، وحياتكم


محمد منير ليه ؟
اسمعوه وستعرفون لماذا

محمد منير .. ليه ؟
لأن أحد أصدقائي سألني هذا السؤال وأنا في الصف الثالث الثانوي ، فأرسلت له خطابا طويلا في عشر صفحات ، آثرت ألا أتكلم معه ، كتبت له أغنيات منير ، وشرحت له لماذا كمن يبشر بأمر جلل .

محمد منير .. ليه ؟
لأنه هو الذي يجعلني أبكي عندما أسمع " ساح يا بداح يا سؤال جراح ، ما الذي كان وما عادشي وراح ، إيه اللي اتكسر ، فص اللولي ولا المرمر " لأنه هو الذي غنى لي خصيصا ذات يوم حين كنت أقاوم رغبات الانتحار " فينك أنا من غيرك أنا مش عاقل ولا مجنون، أنا مطحووووووووووون، والدنيا دي رحاية " ،لأنه غنى لاسكندرية " يا اسكندرية فيكي الغلابة ع الرزق يسعوا ولا يناموش ، نزل شبكهم في بحر طامي ، طلع شبكهم على فاشوش " ، لأنه غنى للبحر " أمانة يا بحر ، تسقيني بالأمانة ، أحبابنا يا بحر ، في عيونك أمانة " .

محمد منير .. ليه ؟
لأنني حين ثُقِب قلبي كنت أغني معه " لما النسيم بيعدي بين شعرك حبيبتي باسمعه بيقول أهات " لأنه غنى للوطن " قلب الوطن مجروح ، لا يحتمل أكتر ، نهرب وفين هنروح لما الهموم تكتر " لأنني حين قررت أن أعمل " إيميلا " لأول مرة في حياتي أسميته " برج حمام " لأني كنت أحب صوته وهو يغني " أنا قلبي برج حمام ، هج الحمام منه ، يا اللي عنيكي كلام ، ليه الضلوع أنوا " لأنه يشعرني بأني مختلف حين أغني " ساعات بحب حاجات ، ما يحبهاش غيري ، في الرايحة و الجايات، أغني مع طيري " لأنه ليس عمرو دياب ، ولا محمد فؤاد ولا كاظم الساهر ، نجوم تلك المرحلة التي عرفته فيها ، ولأنه يغني " علي صوتك بالغنا ، لسه الأغاني ممكنة " ،ولأنه من أغني له في المظاهرات " طفي النور يابهية ، كل العسكر حرامية " ، ولأني كنت أسهر في الثانوية العامة وصوته يغني معي " باسهر الأوتار يطلع علينا نهار، واحنا مع المشوار عدينا بحور وجبال ، يا ليل يابوالمجاريح ،ماشي في حضن الريح ، أزرع أنا التفاريح "، ولأني حين أتذكر أمي أغني " دوامة الدنيا خدتني ، ورجعت أقول يا اماي" ولأني حين كنت أقدم على الخروج من الحياة مرارا كنت أتذكر " يا عذاب النفس ، يا عذاب نفسي ، واخدني لفين ، يا عذاب نفسي " ،لأني حين يقتلني الحنين أغني " يا ليلة عودي تاني ،يا ليلة كوني تاني " .

محمد منير .. ليه ؟
لأنه هو من استقبلني حين انتقلت من الصعيد للقاهرة بأغنيته " إيه يا بلاد يا غريبة ، عدوة ولا حبيبة " وعندما صدمتنا الحياة عرفنا أغنيته "لفوا بينا ، قالوا لينا ، قالوا بينا ع المدينة ، لما جينا ، التقينا ، كل شيء فيها ناسينا " ، ولأني كنت أفرح وهو يغني لاسم بلدتي في الجنوب في أغنيته " تعالى نلضم أسامينا ، الفلة جنب الياسمينة " لأنه غنى لسناء محيدلي " أتحدى لياليك يا غروب ، و اتوضى بشهدك يا جنوب ، وأصلي الفرض الحطيني ، واكتبلك عمري المكتوب " ولأنه غنى لفلسطين دون أي ضجيج " جينا نصبحكم بالخير يالعمارة العمارة ، واحنا نغني بكل مكان أغني الشعب وثواره " لأنه غنى لاغترابي الدائم في المكان والزمان " قول للغريب حضنك هنا ، دربك قريب من دربنا ، بيتك هنا ، أهلك هنا ، حزن البشر ده حزننا " لأنه غنى للحزن " سؤال بسألك إيه آخرة الأحزان ، وسهر الليالي وكل ليلة ف حال " ، لأنه غنى للصيادين " شبك شبك حبيبي ، شابك في جلابيبي ، وشبك ونا ونصيبي ، وهيلا ..هيلا هيلا هيلا "، لأنه غنى لأختي وهي ذاهبة إلى المدرسة " يا بنت يا ام المريلة كحلي يا شمس هالة وطالة م الكولة ، لو قلت عنك في الغزل قولة ، ممنوع علي ولا مسموح لي " ،لأنه غنى أجمل أغنية للبلد " يا عروسة النيل يا حتة من السما ، ياللي صوتك جوه قلبي ملحمة " ، لأنه يغني كلمات شعراء أحبهم : فؤاد حداد ، وصلاح جاهين، وعبد الرحيم منصور وعبد الرحمن الأبنودي وجمال بخيت ، ولأنه يغني لأحمد منيب و هاني شنودة وحميد الشاعري ، لأنه يعبر عني ، ولأن صوته حزين مثلي ، ولأني أشعر أن ملامحه من تراب هذا الوطن، لا يريد أن يغيرها بنيولوك مختلف ، أقول لكم : لأن صوته يشبه حزني

محمد منير .. ليه ؟
لا أعرف ، حقا لا أعرف

هناك براءة تنام خلف هذه الحيطان مرعوبة من وحدتها يا ناس


الكلام الذى يتجمد أمام فمه
كلما قال
- أنا غريب
فى رفق يخلخله من الهواء
ويعود به – فى جيبه
أخر الليل
ليضعه فى ركن الغرفة

بعد عدد من السنوات
كانت الغرفة قد امتلآت
يفتح الباب ويقول :
- انا غريب
فتنطلق الجملة من تلقاء نفسها
لتقعد
جوار إخوتها
على الأرض

آخر مرة
لما لم يجد لها مكانا
لفها فى ورقة جورنال جيدا
ووضعها فى الشارع البردان
أسفل عامود مظلم


فى الصباح
لما مرت
عربة دفن الموتى
وجدت جملة تنام
مقرفصة
أمام سور الجامع المقابل

04‏/07‏/2006

إضاءة خافتة بعض الشيء





ماتت جدتي
قبل انهيار الاتحاد السوفيتي
بثلاث سنوات
كانت في أيامها الأخيرة
كثيرا ما تبتسم وتقول
أنها ستسلم الأمانة
كنت طفلا
أفرح بعلب دوائها الفارغة
ألعب بها كبجعة
فتبتسم بحزن كمحارب قديم
بلا أسلحة
فأبكي

ماتت جدتي
بعد يسوع بأقل من ألفي عام
وكانت تقول
إن صالة المغادرة تتأهب
لتوديع أناس جدد
فأصرخ:جبار أنت أيها الموت
أريد أن أهزك
وأخنقك من ربطة عنقك الأنيقة..
كمشنقة

ماتت جدتي
بعد انتفاضة 77بعشر سنوات
كانت ترفض أن تصورها
حتى لا نضع صورتها في المندرة
نمصمص شفاهنا في البداية باكين
ثم نتعود على الجدران الصامتة فيما بعد
فننسى موعد البكاء اليومي
فلا تلفت الصورة انتباهنا
إلا في الأعياد
حين ننفض من عليها النسيان والأتربة
ونعدل وضع الشريط الأسود
وقد ننظر للحظة
وقد ندمع

ماتت جدتي
بعد عبد الناصر بسبعة عشر عاما
فتوقفت بموتها
عن أن تصنع لي حصانا من القش
وملائكة من البهجة
وضحكات صافية
وألبستني قميصا من الصلب
أمزقه كل يوم لأتذكرها

ماتت جدتي
ولم تنس بعد هذه الأعوام
أن تبتسم لي
وتمنحني قصيدة

من ديواني "ثقب في الهواء بطول قامتي " الاول

28‏/06‏/2006

حبلُ غسيلٍ مصلوبٌ دمُه يُنَقِّط على المارة



نعم ،أحب الورد
لأنه يذكرني بالموت
وأكره الميادين الواسعة ، وأخافها
مرة : تهت
ومرة:لم أجدني في صفحة الوفيات
إلا بعد ثلاثة أيام
المرة التالية
أخذت حذري
طرت فوق الميدان بسرعة
خائفا
من أن تثقب دموعي
أدمغة المارة


أريد أن أبكي منذ ثلاثة أيام
ولم أجد وقتا لهذا
في الماضي
كنت أُصَفِّف شعري
من المنتصف
أما الآن
فسأقاطع الجرائد
والأجنحة
وسهرات القناة الأولى


أقول لكم
منذ ثلاثة أيام أريد أن أبكي
لكنني تحجرت
ولم أعد أُمَيِّز بين التوائم
أمس
لم تُفَرِّق جارتي
بين التمثال القديم
في مدخل الشقة
و بيني
لكني حين رفعت عيني
اكتشفت كم هو رائع هذا الصمت
الذي يذكرني بالورد

" الورد جميل
" جميل الورد
فلا تبتسموا ولا تغنوا
الأحزان معلقة على الحائط
كأوسمة قتلى الحرب
و صوت عقارب الساعة
لم يزل يوقظني
الشاطئ بعيد
و السفينة مثقوبة
لم أكتشف هذا إلا الآن
أما صرختي في المقهى
فلم تكن إلا لتأكيد فرحتي
بالغرق
.

خزانة الذكريات

لبائعي ألبومات الصور الرخيصة ، صينية الصنع ، في الحافلات العامة ، أن يقولوا أنهم حافظو الذكريات للمارة ، أنهم بائعو الخزائن التي تحفظ لقطة اختطفت من سياق الزمن وتم تسجيلها في صورة ، أنهم القابضون على الذكريات ، وحافظوها ، لتصبح فيما بعد دليلا على حياة مرت ، بحلوها ومرها ، وفرحها وترحها ، بكل ما مر فيها .
ربما لا يخلو بيت في العالم ، من ذلك الكائن البلاستيكي صغير الحجم المسمى بألبوم الصور ، ذلك الذي يحفظ بين دفتيه صورا عديدة لمراحل مختلفة من العمر ، ذكريات لأيام ماضية ، حفلات زواج ،وأعياد ميلاد ، ورحلات مع زملاء الدراسة ، وإجازة قصيرة على شاطئ البحر ، و ميلاد ابنة لأبوين طال انتظارهما لها ، ولقطة أخذت على حين غرة لشخص يبتسم في بلاهة ، وآخر مات بقى من قصة حب فاشلة ، وصور للذين تركونا وهاجروا ، أو خانونا ، أو ربما ماتوا .
يبدو من المفيد أحيانا للإنسان أن يقلب دفتر ذكرياته ، ألبوم صوره ، لكي يتذكر أصحابه ،وأعداءه ، و يلجأ الكثيرون للألبوم في أوقات المحن ، وأحيانا في أوقات الحنين ، ويحرص المرء عندما يكبر أن يجمع أولاده حوله لكي يقول لهم: هذا عمكم فلان ، وهذا الشخص عملت معه ستة أعوام ، وهذا الرجل أتذكر ملامحه ولا أتذكر اسمه، وقد ينظر لزوجته من تحت نظارته ويهمس لبناته ، وهذه المرأة الجميلة كدت أتزوجها قبل أمكم لولا النصيب الغلاب ، ثم يقلب صورة أخرى ويقول : وهذا جدكم ، ثم يقلب صورة أخرى ويقول لابنته المتزوجة ،وهذه صورتك وأنت طفلة ، كنت لا تكفين عن البكاء ، لم تتغيري أبدا رغم مرور ثلاثين عاما ، وعادة فإن من يرث الألبوم هو أقرب شخص إلى الراحل ، ربما لأن ألبوم الصور يعتبر من أشد الأشياء قربا إليه .
يختلف الألبوم باختلاف الطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها صاحبه ، فبائعو الألبومات الرخيصة في الحافلات العامة ، يدركون أن زبائنهم يشبهونهم ، وأن هذه الألبومات ستوضع فيها صور لابن يعمل في إحدى دول الخليج في مهنة شاقة ، أرسل صورته لأهله لطمأنتهم ، أو صورة وحيدة لأب قبل أن يرحل ، صورة بالأبيض والأسود ، بهتت بفعل الزمن ، وتنقلت من بيت لبيت ومن ابن لابنة ، أو صورة لعرس أحد الأصدقاء وقد تراص حوله شباب الشارع ، بائعو هذه الألبومات ، يعرفون أن لها مشترييها ، وهم حتما يختلفون عن الباحثين عن ألبومات غالية السعر لتوضع فيها صور حفلة في فندق خمسة نجوم حضرها أحد المطربين شبه المعروفين ، يستطيع الألبوم في أحيان كثيرة التعبير عن طبقة صاحبه الاجتماعية ، لكنه في كلتا الحالتين ، لا بد أنه سيحمل نفس الذكريات المؤلمة والمفرحة .
مع مرور الزمن ومع توالي الصور تبدو الحياة أشبه بمسرح ، لا يضحك ولا يبكي ، ليس تراجيديا ولا حتى كوميديا ، فقط هو جدير بالتأمل والتفكير ، فما كان يضحك بالأمس يبدو اليوم جديرا بالحزن ،وما كان يؤلم يجعلنا نشعر بالبهجة ،وترف على شفاهنا ابتسامة ،وقد تبدو ألبومات الصور مبررا لتعبير " الزمن الجميل "، الزمن الذي أبكانا وحين نتذكره الآن في ألبومات الصور نشعر بالحنين الشديد إليه .
في كل ألبوم عشرات الصور ، ولكل صورة حكاية ، كل لقطة اختطفت من قبضة الزمن لها قصة تستحق أن تروى ، أحيانا ننسى التفاصيل ، لكن تظل تلك الصورة ،وهؤلاء الأشخاص عالقين بأذهاننا ، الذين يخبئون صورة يخبئون معها شيئا آخر ، ربما يبدو لهم أكبر من قاماتهم ، البعض قد يحذف صورة من ألبوم صوره لكنها تظل عالقة في ذهنه ، ترتبط بذكرى مؤلمة داخله ، أو فرحة لكنه يخشى أن يعرفها أحد .
لا شك أن ألبومات البعض تحوي الكثير من قصص الحب الفاشلة ، آخر ذكرى من حلم مجروح ،ودموع ، و زجاجتي كولا على الكورنيش ، ورحلة في مركب بين ضجيج الأغاني الزاعقة ، وحلم ببيت صغير لم يتحقق ، كل هذا يذهب أدراج الرياح ، ولا يتبقى منه سوى صورة عرض ذات يوم مصور متجول عليهما التقاطها ، لتنضم في نهاية المطاف إلى ألبوم أحدهما
الولع بالاحتفاظ بالصور ، يجعل البعض يحول حافظة نقوده إلى ألبوم صغير ، أحدهم ذات مرة أراني صور عائلته وأصدقائه بين دفتى حافظة نقوده ، فهو كما قال لي يعتبر حمل الصورة نوعا من التقدير لهذا الشخص ، لكن أكثر حاملى الصور ، وأصحاب أكبر ألبومات في الدنيا لا ريب أنهم المصورون الصحافيون ، وإن كان قد قضى على فكرة ألبوم الصور بالنسبة لهم " الكاميرا اليجيتال " تلك التي تحفظ الصور على الكومبيوتر مباشرة ، قد يخلق البعض الألبومات لصوره على الكومبيوتر ، لكن لا ريب أن للملمس الورقي مغزى آخر .
أكثر الناس ارتباطا بألبومات الصور هم كبار السن ، بعد خروجهم على المعاش، ومللهم من الجلوس غير المفضي إلى شيء على المقهى ، تصبح عادة الهروب إلى ورق الصور القديم ذا الرائحة القديمة، متعة وحيدة ، بعد أن انتفت الكثير من المتع ، ويصبح الجلوس في صحبة هذه الصور وتذكر الراحلين والباقين ، المواقف الحلوة والمرة ، سلوى لاحتمال الأيام الباقية في الحياة .
ألبوم الصور هو الذي قد يشفي جراح الفراق أحيانا ، أصدقاؤنا الذين سافروا ، آباؤنا الذين ماتوا في حرب لا ترحم ، أمهاتنا اللائى لم يودعننا ورحلن في صباح غاشم ، قصص حبنا الفاشلة ، مع مرور الزمن تتحول الصورة إلى مائدة من المن والسلوى ، السلوى الوحيدة في طاحونة الحياة التي لا ترحم ، السلوى التي تترك عجلة الحياة تسير بدون جراح أكثر ، السلوى التي سيلجأ إليها الكثيرون في أوقات الشدة فيذرفون لديها الدموع ، ألبومات الصور ، تلك الكائنات الصماء ، في أحيان كثيرة تحمل بين جناحيها شفاء لأمراض الفرقة والوحدة والوحشة .
"صورة صورة صورة ، كلنا كده عايزين صورة ، صورة للشعب الفرحان تحت الراية المنصورة " هذه الكلمات كتبها الشاعر الراحل صلاح جاهين ليغنيها عبد الحليم حافظ ، لكن ترى لو نظرت الدول العربية الآن في البوم ذكرياتها خلال القرن الماضي ، ترى أي جراح التقطتها عدسة الزمن ، لتتذكرها ، أي أفراح ، وأي جراح ، وأي فواجع ، و هل ستغني مجددا مع عبد الحليم " صور يا زمان ، صور يا زمان "
وأنت ؟ ، ماذا يحوي ألبوم صورك ، أي قصص للنجاح والفشل والفرحة والحزن ، الرفض والرضا ، البكاء و الضحك قصص نضال وحكايات حب فاشلة ، أي حكايات يحويها ألبوم صورك ، أقول لك ، فتش بنفسك.

23‏/06‏/2006

مديح الغابة


كل شيءٍ كعادته
قميصه الرمادي الذى يجعله
أكثر طولا
قُبلةٌ لم يمنحها فى زحام الباص
منديلٌ ملونٌ
يطل من جيبه كقطة خائفة
زجاجة الكولا
على حافة المنضدة
.....
.....
لماذا إذن
حين لمح الوردة ارتعش ؟

أشهر 10 مشاهد للحب في مصر


أشهر 10 مشاهد للحب في مصر


حين أتأمل قصص الحب الحالية ، أكتشف في أيان كثيرة أننا أكثر كلاسيكية من قصص الحب القديمة ، ومن الأفلام العربي ، الأبيض والأسود التي نسخر منها ، أكثر كلاسيكية من سعاد حسني وحسن يوسف وفاتن حمامة وعبد الحليم ، المشاهد التالية تتكرربصورة دائمة ، إن لم يكن أمامنا، فداخلنا على الأقل :
1 - " أحمااااااد .....منااااااااااااا " النداء الشهير في فيلم عربي قديم لا أتذكر اسمه ، بين ولد وبنت ، يحدث دائما في قصص الحب الملتهبة عندما يتقابل الحبيبان ، صدفة في مكان ، وكل واحد يقف في ناحية ، ثم يهرول كل منهما في اتجاه الآخر وهو يهتف باسمه .
2 - عندما يكون البرد شديدا ، ويسير الولد والبنت تحت المطر الشديد ، و ينظر إليها فيجدها ترتعش ، فيما تصطك أسنانها ببعضها ، فيهمس " إنتي بردانة " فتهز رأسها دون أن تجيب ، وبحركة عنترية يقوم الولد بخلع الجاكت الواقي من المطر ويضعه على كتفيها ، غالبا ينتهي هذا المشهد بدور برد شديد للولد طبعا .
3 – أغنية عبد الحليم حافظ " بحلم بيك أنا بحلم بيك " تدور في الكاسيت الأسود الصغير بجوار الكوميدينو ، بينما البطلة تحتضن المخدة مستحضرة وجه " لبنى عبد العزيز " في فيلم الوسادة الخالية ، وغالبا تنام وهي محتضنة الوسادة ، وصوت عبد الحليم ينسحب لتحل محله نشرة منتصف الليل من إذاعة القاهرة الكبرى .
4 – يحدث هذا المشهد عندما تسألك والدتك ، أو والدك عن شيء ما ، حصل للتو ، وتنسى الإجابة ، أو أن تخرج وتنسى كشكول المحاضرات ، ساعتها ستفاجئك الجملة السرمدية التي تقال في هذه المواقف " إنت بتحب جديد " ساعتها فقط ستكتشف " أن سرك انكشف يا فالح " .
5 – عندما تكون ماشيا بسرعة ، وهي تسير مسرعة في الاتجاه المقابل ، وفجأة تخبطان بعضكما ، فتتبعثر مفاتيحك وسجائرك، أويتبعثر ورق محاضراتها ، وعندما تميل لتجمع الأشياء المبعثرة ، تميل هي أيضا ،وعما ترتفعان تلتقي عيونكما في نظرة طويلة .. لقد بدأ الأستاذ كيوبيد عمله .
6 – هذا المشهد رأيته في ميدان رمسيس منذ عامين : الولد يرتدي جاكت جلدي أسود يبدو في السنة الأخيرة من الجامعة ، يحمل كتبا وكشاكيل محاضرات ، يضع الهاتف المحمول على أذنه ويصرخ في التي تسمعه من الناحية الأخرى : مش معقول ، مش ممكن ، يصمت لحظة بينما عيناه تغليان ، ويتابع في مرارة : ووافقتي على الخطوبة ؟
7 - هذا المشهد خاص بالمتزوجين : عندما يقوم الزوج بارتكاب خطأ أو خيانة ، وتفاجئه زوجته بأنها تعرف الحقيقة ، لحظتها تضربه بقبضتي يديها على صدره صارخة " بكرهك بكرهك " أو " طلقني طلقني " ثم تنهار باكية على صدره ، فيما يغمره إحساس كبير بأنه جبان .
8 - عندما تكتشف نفسك متلبسا بتتبع أخبار فتاة ما ، تسأل عن أخبارها ، وعن أصدقائها ، وعلاقاتها السابقة ، وعندما يقول لك أحد أنك مهتم بها أكثر من اللازم ، تجاهد في إنكار ذلك ، وأنت تبدو مرتبكا ، لكن عيونك ، يا روميو، تقول غير ذلك .
9 – هذا المشهد يحدث الآن بكثرة ،عندما يقرر بطلانا أن يخرجا عن كل ما حولهما أن يقولا ما بداخلهما للمجتمع كله ،عندها تأتي قبلتهما على كورنيش النيل لتشهد بداية علاقة .
10 - " بابا أنا مش هتجوز غير أحمد " ،" ماما أنا بحب منى ، ومش ممكن أرتبط بحد غيرها " عندما تصل الأمور إلى هذه الدرجة ، تكون قصة الحب قد بدأت في دخول رهان التحدي ، ورغم أن هذا المشهد يحتوي واحدا فقط من الحبيبين ، إلا أنه أشهر مشهد للحب ، يتكرر يوميا .


الصورة للفنانة راندا شعث

16‏/06‏/2006

ذات يوم ستقرأ سوزان هذه القصيدة




















الوجوه التى نقابلها فجأة
فى الشارع
فى المقهى
فى الحافلة
الوجوه التى نحبها – هكذا –
من أول مرة
سنحكى لها عن همومنا
عن أطفال قطة الجيران
عن الجير الذى أسقطه جدار الصالون
سنحكى لها عن كونديرا
وفيروز
وعبد الناصر
وقرانا الطيبة البعيدة
سننصت جيدا
محدقين فى ناس عيونهم
نرقب حزنهم
والأشجار التى نمت فى بئر السلم
وجداتهم قارئات الكف
وعدم حاجتهم لقدمهم اليسرى
فى لحظة الوداع
لن ننسى أن نسألهم عن أسمائهم
أن نقول : فرصة سعيدة

بعد أن ننصرف
سنسير مهمومين بهم
نفكر فيهم على طاولة العشاء
فى أثناء القراءة
وصنع القهوة السادة
فى الثالثة صباحا
سنحاول ان نطردهم من تفكيرنا
كى ننام
حين نفعل
سننتظرهم فى أحلامنا
ولا نستيقظ
سننتظرهم ... ولا يجيئون

هاجس الموت

كأننا والماء من حولنا


رمالٌ ميتةٌٌ
موجٌ نذلٌ
مراكب محطمة
صيادون غرقى
هلب تخنقه الطحالب
أسماك مسممة
سفينة مشروخة
جثث بحارة فقراء وعمال عمي
نفط سائل يلتهم أحشاءك
غربان تنعق فوقك
وقمر يُخيفك بفضته


كل هذا
وتقول إنك وحيد يا بحر ؟

الجهاد في سبيل الكرسي



عندما أعلن مهاتير محمد رئيس الحكومة الماليزية السابق منذ قرابة العام والنصف أنه اكتفى من الحكم ، وأن 22 عاما ظل فيها فوق المقعد أكثر مما ينبغي ، عندما قرر التنحي وترك المقعد على الرغم من أنه أشرف على قيادة بلاده في مسيرة نهضة تنموية واقتصادية وسياسية وثقافية غير مسبوقة في جنوب شرقي أسيا والعالم الإسلامي خلال السنوات المائة الأخيرة ، بدا مهاتير محمد بالنسبة للسادة الحكام الرؤساء والملوك والأمراء والسلاطين العرب ، واحدا من المستحيلات الأربع ، بجوار العنقاء والرخ والخل الوفي ، خاصة وأن الوصول إلى الكرسي ليس بالأمر السهل بالنسبة لهم ، حتى يفرط فيه هكذا ، فالمقعد بالنسبة لهم لن يحول بينه وبينهم إلا هازم اللذات ومفرق الجماعات ، وأحيانا أبناءهم حينما ينقلبون عليهم ، ويمكن هنا أن نذكر هذه الحكاية : سأل أحد الصحفيين المفكر الأميركي امرسن (1803-1883) سؤالا غرائبيا مقصودا: -هل تعتقد بان الفيل يرضى أن يحكم العالم؟ فأجابه بعد لحظات من التفكير: لا، لأن للفيل أخلاقا رفيعة تمنعه من ذلك ، إذن تحول أخلاق الفيل دون الجلوس على كرسي العرش ، هذا الذي نسمع كل يوم عن حكايات التقاتل عليه ، كما أنه ربط بينه وبين الأخلاق ، أخلاق الحاكم ، التي ستحول دون الوصول إليه كما لا يحدث لدينا .
يتجاوز الكرسي في العالم العربي كونه مقعدا بأربعة أقدام ، ليصبح هدفا أسمى للحياة ، رمزا للسلطة والتحكم ، وأصبح الوصول إليه أيا كان نوعه ، هو الطريق الذي يسقط فيه عشرات القتلى والجرحى ، تمتلئ الأرض حوله بعشرات الجثث ، بمخلفات الحرب ، برائحة الجثث المتعفنة ، بألغام تمنع أي شخص من الاقتراب ، وليس مهما هنا هل الكرسي هو كرسي العرش الذي " ينام عليه الحاكم " ، أم كرسي صغير في مصلحة حكومية حقيرة في منطقة نائية ، أم كرسي بجوار بائع شاي في ميدان عام يتدافع المارة للجلوس عليه ، أم كرسي في أتوبيس نقل عام ، والذي قد يمثل الصراع على الكرسي في أوضح صوره .
بعض الحكام يفضلون الكراسي " التيفال " اللاصقة ، والتي لا تخرج من الجسد إلا بالدم ، أو بالروح ، يضعون حولها سور عال ، وسماء صعبة الاختراق ، بعد سنوات طويلة من الجهاد في سبيل الكرسي والوصول إليه ، يستريح القائد المناضل ، تمر عليه السنوات ، التي يكون خلالها قد نسي الحياة خارج الكرسي ، معظم الحكام العرب يفضلون أن يموتوا فوق الكرسي ، الأكثر منهم يموتون وهم يحكمون ، لو اقتربنا من كراسيهم ، سنشم رائحة الموت ، وقد نرى ملك الموت يحمل بقاياهم ، قد نشم رائحتهم ، بعد أن عجز الكرسي عن أن يمنعها من الظهور ، ففاحت حولهم ، لذلك نرى قراراتهم الديكتاتورية تخرج من أفواههم بطريقة أوتوماتيكية .
الجهاد أنواع ، لكن ما يعرفه السادة الحكام العرب نوع واحد ، هو الجهاد في سبيل الكرسي فقط ، ويمكننا ببساطة إذا استعرضنا التاريخ العربي منذ أيام الجاهلية وحتى الآن أن نكتشف – ببساطة أيضا – أن معظم الحروب التي اندلعت –لو استثنينا فترة الفتوحات الإسلامية - ، والانقلابات كانت جهادا في سبيل الكرسي ، في سبيل الديكتاتورية.
يمكننا القول بكل بساطة أن معظم الحكام العرب ، أو الأنظمة الحاكمة العربية ، جاءت إلى كراسيها عبر انقلابات ، وفي أغلب الحيان فهي تنقلب على أنظمة انقلبت على أنظمة قبلها ، وأحيانا تأتي الأنظمة إلى كراسيها بعد ثورات ضد المحتل الغاشم ، لتجلس هي على كرسيه وعلى فمها ابتسامة واسعة ، وأحيانا تكون الأنظمة جمهورية ، لكن لو أعلنت أنها ملكية لكان أفضل ، حتى لو لم يكن الحاكم يملك أن يورث أبناءه لأمور خارجة عن إرادته ، فالكرسي التيفال ، والبطانة الفاسدة تؤمن له جنازة رائعة تليق بفخامته تنطلق من تحت كرسيه ، بفضل النسبة العربية الشهيرة 99.99 في المائة .
لورصدنا الصراعات على الكرسي في العالم العربي فهي كثيرة ، آخر صراع كان ذلك الذي حدث في الكويت بعد رحيل الملك جابر والذي انتهى بتنحي الامير الشيخ سعد العبد الله السالم الصباح وتسمية الشيخ صباح الاحمد رئيس الوزراء اميرا، سبقه بأشهر قليلة الصراع أو الانقلاب الذي حدث في موريتانيا ، حين قرر الرئيس الموريتاني معاوية ولد الطايع السفر للمشاركة في تشييع جثمان العاهل السعودي الراحل الملك فهد بن عبد العزيز ، ليفاجأ أثناء وجوده في السعودية بانقلاب عليه.، لكن الانقلاب عليه ، والصراع على كرسي الحكم في موريتانيا ليس هو الأول فخلال ربع قرن جرى في موريتانيا خمسة عشر انقلابا عسكريا من بينها عشرة انقلابات فاشلة. الانقلاب الأول الناجح في تاريخ البلاد السياسي تم في العاشر من يوليو 1978 ، و خلال 6 سنوات شهدت البلاد ثلاثة انقلابات ناجحة وانقلابا آخر فاشلا، فبعد أن أطاح العقيد المصطفى ولد محمد السالك بنظام حزب الشعب اجبر أعضاء اللجنة العسكرية متزعم أول محاولة انقلابية في تاريخ البلاد على التنحي. استقال ولد السالك قبل أن يكمل سنة في القصر الرئاسي ليخلفه العقيد محمد محمود ولد لولي، الذي اضطر بدوره في انقلاب على انقلاب إلى ترك منصبه لرئيس الوزراء وعضو اللجنة العسكرية محمد خونا ولد هيدالة، قلم أظافره. جاء ولد هيدالة، وهو عقيد في الجيش يتحدر من الشمال إلى القصر ومعه عائلته، حاول خلالها ضباط تساندهم المغرب الإطاحة به، وفشلت المحاولة وأحيل الانقلابيون إلى محكمة عسكرية قضت عليهم بالإعدام و لم يمنع ذلك قائد الجيش الضابط معاوية ولد الطايع من الإطاحة به في انقلاب ابيض تم والرئيس يمثل بلاده في قمة لمنظمة الوحدة الافريقية في بوجوبورا عاصمة جمهورية بوروندي الواقعة في غرب افريقيا .أما أول انقلاب عسكري ، وصراع على الحكم حدث في دولة عربية فكان انقلاب بكر صدقي في العراق عام 1937 الذي أطاح بحكومة الهاشمي المنتخبة على الرغم من بقاء الملك غازي في منصبه.وهناك الانقلاب الذي قاده العقيد حسني الزعيم في سورية في 30 مارس (آذار) 1949. ورغم مضي أكثر من 55 سنة على هذا الانقلاب، فإنه ما زال يلقي بظلاله على الحياة السياسية العربية حيث رسخ لشرعية الانقلابات. ففي عام 1949 حدثت ثلاثة انقلابات عسكرية في سورية وحدها. وتشير الاحصاءات إلى أنه خلال الفترة من عام 1952 وحتى عام 1986 حدث حوالي 34 انقلاباً عسكرياً ناجحاً في العالم العربي، تمثل 23% منها في العالم الثالث، وأن 53% من الانقلابات ـ ناجحة أو فاشلة ـ كانت من نصيب العرب. وفي سورية وحدها وقعت حوالي 50 محاولة انقلابية منها 9 انقلابات ناجحة، وهو ما لم يحدث في أي دولة عربية أخرى.، ومن أشهر انقلابات سورية انقلاب العقيد الزعيم، وانقلاب سامي الحناوة في 14 (آب) 1949 وانقلاب أديب الشيشكلي في 19 يناير (كانون الأول) 1949 والانقلاب ضد الشيشكلي في 25 (شباط) 1949 والانقلاب ضد الوحدة والتي انفصلت فيها سورية عن مصر، وكان ذلك في 28 سبتمبر (أيلول) عام 1961 وانقلاب 28 مارس عام 1962 حيث بدلت حكومة بأخرى وانقلاب 8 مارس حيث جاءت بموجبه حكومة ضمت حزب البعث والناصريين وانقلاب 23 فبراير (شباط) 1966 ومحاولة انقلاب فاشلة من سليم حاطوم 8 سبتمبر 1966. ولو بدأنا من مصر فأول انقلاب كان بقيادة جمال عبد الناصر في 23 يوليو (تموز) 1952 ـ سمي ثورة فيما بعد ـ على الحكم الملكي بقيادة الملك فاروق، أسفر عن تحويل مصر إلى جمهورية برئاسة محمد نجيب . وفي عام 1954 قام عبد الناصر بتنحية محمد نجيب وأصبح هو رئيساً لمصر، ويمكننا أن نذكر قبل هذا أن (فاروق الأول) ملك مصر، غادر كرسي الحكم بعد أن حكم مصر منذ عام 1936م، وتنازل عن العرش بعد الثورة ، بالرغم منه ، لولده الملك أحمد فؤاد ووقع وثيقة التنازل في قصر رأس التين في 26 (يوليو) عام 1952م وغادر إلي إيطاليا علي متن الباخرة (المحروسة) وتوفي هناك عام 1965م ودفن في مسجد الرفاعي بالقاهرة ، أما الملك (احمد فؤاد) الذي حكم مصر بين 26 (يوليو) عام 1953م و18 (يونيو) عام 1953م، فقد تنازل عن عرشه بعد اعلان الجمهورية في التاريخ المذكور أما آخر تنازل عن الحكم فقد كان قرار الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر (بالتنحي) عن منصب رئيس الجمهورية عقب هزيمة يونيو عام 1967م، لكنه عاد إلي منصبه بعد أيا ، وفي و15 مايو 1971 قام السادات بانقلاب سلمي ـ سماه حركة تصحيح ـ أطاح فيها بمن سماهم الحرس القديم التابع لجمال عبد الناصر .
في ليبيا، قام العقيد معمر القذافي في الفاتح من سبتمبر عام 1969 بانقلاب أبيض على الملك محمد ادريس السنوسي، وألغى الملكية والدستور وأعلن الجمهورية، وحكم البلاد مجلس قيادة الثورة بعد أن حل المجالس الاقليمية ، ولا يزال يحكم حتى اليوم ، أما السودان فبعد أن حصل على استقلاله عام 1956 تحت نظام حكم مدني برئاسة اسماعيل الأزهري وعبد الله خليل رئيساً للوزراء، أطاح انقلاب عسكري بكرسي الجنرال ابراهيم عبود وظل الحكم العسكري قائماً حتى أطاحت به سلسلة من الاضرابات والمظاهرات أجبرت عبود على التنازل عن مقعده وتولي الصادق المهدي (حزب الأمة) رئاسة الدولة، ومحمد أحمد المحجوب (حزب الاتحاد) وفي 25/5/1969 أطاح انقلاب عسكري بقيادة جعفر نميري بالحكم المدني وأقام حكماً عسكرياً حتى عام 1985 عندما أطاح به عصيان مدني جعل الجيش بقيادة الجنرال عبد الرحمن سوار الذهب يتدخل ويعزل نميري ويقيم حكماً انتقالياً برئاسته لمدة سنة واحدة. وفي عام 1989 أطاح انقلاب عسكري بقيادة عمر البشير بحكومة الصادق المهدي. وفي 24/9/2004 أعلنت وزارة الداخلية السودانية أنها أحبطت محاولة انقلاب دبرها حسن الترابي ضد الحكومة عقب صلاة الجمعة، وذلك بعد اعلانها أيضاً عن احباط انقلاب آخر للترابي وحزبه المؤتمر الشعبي في 29/4/2001.
في الجزائر جاء فرحات عباس إلى الحكم عام 1962 عبر انقلاب عسكري، ثم جاء أحمد بن بيلا عام 1963 بانقلاب آخر، وفي 19 (حزيران) 1965 تزعم قائد جيش التحرير هواري بومدين انقلاباً عسكرياً أطاح بأحمد بن بيلا ، وفي العراق، قاد عبد الكريم قاسم عام 1958 انقلاباً عسكرياً عجل بسقوط الملكية بعد أن قتل الملك فيصل الثاني وخاله عبد الاله ورئيس الوزراء نوري السعيد ثم أعلنت الجمهورية، لكن حزب البعث في 8 فبراير 1963 قاد انقلاباً على عبد الكريم قاسم، وأصبح عبد السلام عارف الذي لم يكن بعثياً رئيساً للعراق، وفي 17 يوليو 1968 قاد حزب البعث بالتنسيق مع بعض العناصر غير البعثية انقلاباً ناجحاً بقيادة أحمد حسن البكر الذي أصبح رئيساً جديداً للعراق إلا أنه أجبر عام 1979 على الاستقالة ليخلفه صدام حسين. وفي لبنان، وقعت حالات عديدة للانقلابات والعزل بالقوة، أشهرها ضد فؤاد شهاب بقيادة الضابطين شوقي خير الله وفؤاد عوض وبمساندة الحزب السوري القومي الاجتماعي لكنها باءت بالفشل. وفي اليمن عام 1948 قاد عبد الله بن أحمد الوزير، وهو من الأشراف الهاشميين ثورة مسلحة على أسرة الأئمة الزيديين، وتولى الحكم، لكن أسرة الإمام استعادت الحكم بعد فترة لم تتجاوز الأسابيع الثلاثة. وفي عام 1955 استولى على العرش عبد الله بن يحيى شقيق الإمام أحمد ولكنه استعاد العرش بعد خمسة عشر يوماً. وتعرض أحمد لمحاولة اغتيال عام 1961 نجا منها لكنه أصيب إصابات بالغة، توفي على إثرها عام 1962 وخلفه ابنه الإمام محمد البدر الذي لم يمكث في السلطة سوى 8 أيام فقد أطاح به انقلاب عسكري بقيادة عبد الله السلال الذي أعلن الجمهورية والذي عزل بالقوة عام 1967، كما عزل خلفه عبد الرحمن الإيرياني عام 1974. وفي جزر القمر، قاد أحمد عبد الله انقلاباً عسكرياً مدعوماً من فرنسا وجنوب أفريقيا عام 1978 واستولى على الحكم، لكنه اغتيل عام 1989 على يد محمد جوهر الذي بقي على رأس السلطة حتى عام 1995 وهو العام الذي حدث فيه انقلاب أطاح به بقيادة المرتزق الفرنسي بوب رينارد ولم ترض الحكومة الفرنسية عن انقلاب رينارد، فحركت بعض جنودها في أكتوبر عام 1996 وألقت القبض عليه ونظمت انتخابات استطاع تقي عبد الكريم الفوز بها. وفي عام 1999 قاد الكولونيل عثمان غزالي انقلاباً عسكرياً هدف منه إلى اعادة توحيد الجزر الثلاثة. وفي سلطنة عمان عزل السلطان سعيد والده تيمور عام 1932 وظل يحكم حتى عام 1970 عندما عزله ابنه قابوس الذي يحكم عمان حتى اليوم.
يمكننا قبل هذا أن نذكر الاستثناءات الطفيفة ، ففي 17 يوليو الفائت أعلن الرئيس اليمني علي عبد الله صالح عزمه على عدم الترشح للانتخابات الرئاسية المقررة في سبتمبر من العام الجاري ، وقال في كلمة ألقاها أمام حشد من رجال الدولة وقادة الأحزاب والتنظيمات السياسية ورؤساء البعثات الدبلوماسية في اليمن في احتفال في ذكرى مرور 27 على توليه الحكم: لن أترشح في الدورة الانتخابية الرئاسية القادمة المقررة في سبتمبر من العام المقبل ، و" أدعو الأحزاب والتنظيمات السياسية إلى اختيار الكفاءات والشباب من الوطنيين الشرفاء لأن الوطن مليء بالكفاءات من الشرفاء ويحتاج إلى دماء جديدة " ، كما قال في مجال آخر " كرسي الحكم نار لمن لا يشعر بالمسئولية " ، ويبدو على عبد الله صالح استثناء في الآونة الأخيرة فالحكام العرب لا يقومون من أماكنهم إلا بالاحتلال كما حدث في العراق، وما آل إليه مصير صدام حسين أحد أهم أسبابه عشق الكرسي التيفال .
منذ فترة حدث شيء يشبه هما فعله علي عبد الله صالح حينما حدث انقلاب على جعفر نميرى وأُنيطت السلطة بثنائي عسكري ـ مدني هو الفريق أول عبد الرحمن سوار الذهب والجزولي دفع الله. وعندما تعهَّد هذا الثنائي بتسليم الوديعة إلى الأحزاب بعد فترة انتقالية لا تتجاوز السنة الواحدة ورغم غرابة الوعد ، إلا أن الذي حدث مع انتهاء اليوم الأخير من المدة المحددة هو أن سوار الذهب قال لزعماء الأحزاب السودانية " ان الشعب ترك في عهدتي أمانة وها أنا أعيدها اليكم. ، حدث ما يشبه هذا أيضا حين تولى نجيب ميقاتي رئاسة لبنان، و قال انه لن يرشح نفسه للانتخابات ، وبقي اللبنانيون في حال من الترقب إلى حين تم تحديد مواعيد الانتخابات ولم يرشح ميقاتي نفسه . ما يلفت الانتباه في كل ما مضى أن الحكام في العالم العربي يبذلون قصارى جهدهم في الوصول إلى الكرسي الذي يصبح في كثير من البلدان بعد وصولهم رمزا للديكتاتورية والتعفن السياسي و عدم القدرة على إدارة الأمور ن رغم أنهم يصلون إلى هذه الكراسي بعد صراع مرير انقلابا كان او صراعا داخليا أو حربا ضد المحتل ، أو ، وبعد شعارات كبيرة مرفوعة من قبيل " في سبيل الشعب والوطن و تداول السلطة " ، وبمجرد أن يصلوا يتخلوا عن كل هذا ليبدءوا في تثبيت أقدامهم هم ، ما لفت انتباهي خلال بحثي في رحلة الحكام العرب خلال النصف قرن الأخير إلى مقاعدهم ، أنهم يأتون إليها في الأغلب بالقوة ،وبالرغم من إرادة الشعوب في رحلات تضارع رحلات سندباد في بلاد واق الواق رافعين شعار الجهاد في سبيل الكرسي ، وأنهم يرحلون منها أيضا بالقوة عبر انقلابات أبناءهم وتلاميذهم عليهم ، أما الشعوب ، فلها الله
.

دم شعري هادئ



هذا مقال نشره الروائي الجميل محمد العشري
في جريدة النهار عن ديواني الأخير قوم جلوس حولهم ماء
في جريدة النهار اللبنانية
يوم الأربعاء 14 يونيه 2006
وأعاد نشره في مدونته
قــــوم جــــلوس حــــــولــهـم مــــاء
لمــحـــــمــد أبـــــو زيــــد
دم شــــعــري هــــادئ
الدم الشعري الهادىء الذي يكتب به الشاعر المصري الشاب محمد أبو زيد قصائد ديوانه الجديد، "قوم جلوس حولهم ماء"، الصادر منذ أيام لدى "دار شرقيات للنشر"، بعد مجموعتين شعريتين، "ثقب في الهواء بطول قامتي" في 2003، و"نعناعة مريم" في 2005، يبث في القارىء حالاً من الهدوء النفسي، ويجعله يجلس بلا حراك، متأملاً أجواء القصائد القريبة من متناول يده، يداعبه صوت سردي، هو في الغالب "موقت"، لأنه غير قادر على فعل شيء، سوى أن يستسلم للحزن. يتقمص دور الراهب، ويحوّل زهده ونسكه قصائد، تطير مع الروح، تاركة الجسد بلا حياة: "حزين لأني لا أبرىء الأكمة/ ولا الأبرص ولا أحيي الموتى/ لا أخبىء الديناصورات في حقيبتي من العواصف/ ليس لي جيوب أربي فيها المطر/ ولا عيون أعيرها للعُمي". يقسم أبو زيد ديوانه ثلاثة نطاقات شعرية، في النطاق الأول: "كأننا والماء من حولنا"، يجرب أن يمسك باللحظة الراهنة، ويمزج ذاته فيها، يحركها ويوجهها أينما شاء، محاولاً القبض على الشارد منها، وإرغامه على ارتداء القصيدة من دون أن تفلت منه جزالة الشعر، وهي قصائد تختلف تماماً في مضمونها ومحتواها عن قصائد النطاق الثاني من الديوان، "جثث قديمة"، والتي ألبسها الشاعر ثوب الماضي، واعتبرها من الأموات، حين تهب عليه رائحتها من وقت الى آخر، يغض الطرف عنها، ويواريها التراب. لذلك لا ينسى أن يضع عليها شاهد قبرها، وتاريخ موتها، فيذيلها بالتاريخ (1999 - 2000). على عكس القصائد الأولى، التي تسكنها الرغبة في اقتناص الحياة، وممارستها بكل نزقها، وإن كانت بعيدة المنال: "أقول لكم/ منذ ثلاثة أيام أريد أن أبكي/ لكنني تحجرت/ ولم أعد أميز بين التوائم". لكن الرغبة شيء، والفعل أو الإقدام عليه شيء آخر، سنجده يقف متحجراً، عاجزاً بلا أطراف تحمله خارج صمته. يجرب محمد أبو زيد في قصيدة "فستان حمل لسيدة شبه متزوجة"، أن يجلس في قلب المشهد، يزرع عينيه في تفاصيل دقيقة، تبدو بلا ملامح للوهلة الأولى، يتفحص حال السيدة، التي مات زوجها في الغربة. وهنا أظن أن القارىء سيقف ليتساءل من أين يأتي الشعر؟، وهل يخلق الموت ملائكته؟، وقبل أن يخرج من باب التساؤل، يدرك أن لا شيء يحدث بترتيب مسبق. فقط تتوارى المرأة في خلفية القصيدة: "سافرت/ تاركة خلفها/ ثلاجة كريازي/ ونقوداً مستوردة/ ومحبة مصابة بالسكر"، لتصبح القسوة عاملاً مهماً في تشكيل أعمدة القصائد، وتزداد الذات الشاعرة تفتتاً وانقساماً، بين رغبتها في الخروج من أزمتها، وصراعها من أجل أن تتمسك بروح إنسانية، تمنحها القدرة على تذوق طعم الحياة، من دون أن تتحول إلى ملاك: "لم نعد بشراً بما يكفي/ سنصطدم/ في زحفنا بالدمامل والقيح". في هذا النطاق يكشف أبو زيد عن الوجه، الذي حرره من انغلاقه على نفسه، ومنحه الرغبة في الجموح، والقبض على الجذوة مشتعلة. إنها ميرفت عبد العزيز، وسيتساءل: "كم جناحاً لك يا ميرفت"، وسيتساءل الأشرار عنها، ويتبعون خطاها المنقوشة بحذاء سندريلا الأحمر، في ممرات الأوبرا، ومسرح الهناجر، وشارع وادي النيل، وأفلام يسري نصر الله: "لم ينادوها يوماً (يا ميرفت)/ وكنت أسميها المائية/ قلبها يبين تحت البلوزة/ به شوارع وآباء يتامى/ ومراكب من أوراق الصحف". هكذا يعرّفها لهم الشاعر في نهاية قصيدتها: "التي نادتها إيزابيل الليندي/ يا بولا" .في قصائد النطاق الثاني، "جثث قديمة"، بنى محمد أبو زيد قبوراً للأرواح التي تتلبسه وتهيمن عليه، أو لروح الشاعر القروي المتصادمة مع المدينة، وحالة العزلة التي تتقمصه وتطبق عليه بشراسة، ليذكّرنا بقصائد صلاح عبد الصبور في "الناس في بلادي - 1957"، وأحمد عبد المعطي حجازي في "مدينة بلا قلب -1959"، مع اختلاف واضح بين مفردات جيلين شعريين وثقافتهما، يفصل بينهما ما يقرب من نصف قرن، تبدلت الحياة تماماً، وأمعنت الروح الشاعرة في غربتها وتشظيها: "فقط أريد أن أشتري/ بعض الخبز لفمي/ وبعض التثاؤب/ كي أستطيع أن أرقد/ على أرصفة/ لا تشتهي العصافير".يترك أبو زيد مساحة واسعة للهذيان، في النطاق الثالث للديوان، "سوف أهذي"، ليفتح مجالاً لأن تتحقق رغبته العارمة في ممارسة الحياة بحب، من خلال تحرر الروح والجسد، على الأقل في داخل القصيدة، ليخلق عالماً متوازناً، يحتل فيه الموت صدارة المشهد الشعري، في ما يواجهه الشاعر من أزمات، مثل: قصة الحب الفاشلة مع ميرفت، بعدما هيأت كل حواسه للحياة، وتركته وحيداً يقتات الذكرى، ويمارس حبه الشارد في جسد القصائد: "تذوقت لسعة الحب/ وثقبت قلبك/ حتى تفرغه تماماً من النبض". ويلقيه تحت قدميه جثثاً بلا روح، حتى أن البعض ينادونه في الشارع "يا ميت"، فتدرك الذات الشاعرة أن أزمتها مع نفسها، فتحاول أن تستعير من الشعر جناحيه، كي تتجاوز محنتها، ويعصر الموت ويقطر منه بعض قطرات مياة، يبلل بها مساراته، وفضاءه الواسع، وإلا لماذا إذاً يكتب الشعر؟
//
محمد العشري