25‏/12‏/2008

عفاف عبد المعطي وسطوة الناقد

عفاف عبد المعطي : نحن نستورد من الغرب كل شىء .. حتى النظريات النقدية
واقعية القاع هى أنسب الأنواع الأدبية ملائمة لطبيعة هذا العصر
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بدأ المشروع النقدى للدكتورة عفاف عبد المعطى بإصدار كتابها الأولى" فتحى غانم قاصاً " ، وهو دراسة نقدية لقصص الكاتب فتحى غانم القصيرة ، ثم اتبعته بإصدار كتابها الثانى " المرأة العربية رؤى سوسيولوجية " وهو درس من قبيل علم اجتماع الأدب عبر نصوص عشر كاتبات على مستوى الوطن العربى يجسدن واقع تواجد المرأة فى هذا العالم ، ثم جاء إصدارها الثالث متمثلا فى تحقيق ودراسة ديوان الرائدة المصرية نبوية موسى التي عرفت بريادتها التعليمية ودورها المهم فى عصر النهضة ثم جاء إصدارها النقدى الرابع تحت عنوان " حاضر الرواية فى المغرب العربى " واستعرضت فيه التاريخ الروائى لدول المغرب العربى (تونس – المغرب – الجائر) وهو مما يحسب لناقدة من المشرق أن تكتب عن واقع روائى مغربى لم تعشه . ولها تحت الطبع كتاب عن المرأة والسُلطة ، كما ظهرت نصوص مترجمة للدكتورة عفاف عبد المعطى أهمها نص " فنان فى عالم عائم " للكاتب الإنجليزى (يابانى الأصل) كازو ايشيجوروا ، و هنا حوار مع عفاف عبد المعطي حول مشوارها الأدبي

- بداية ، ما حدود العلاقة بين المبدع والناقد في اعتقادك ؟ ومن الذى يوجه الآخر ؟
-- المبدع أولا ثم الناقد طرفا علاقة متوازية متضافرة ، فإذا التقيا معا فذلك بلا شك لصالح النص الأدبى ، ولا أعتقد أن أيا منهما يوجه الآخر فآلية التوجيه آلية مدرسية بينما علاقة الإبداع بالنقد علاقة تكامل المستفيد منها هو النص الإبداعى نفسه
-- لكن يثار دائما أن ثمة ازمة في النقد العربى وفيما يخص علاقة الطرفين , كيف ترين هذه الأزمة من موقعك كناقدة ؟
- أرى أنه لا توجد ازمة فى النقد العربى فمنذ زمن طويل والإبداع يتقدم انتاجه على النقد ، لأن الناقد بشر وليس من الضرورى أن يكتب الناقد عن كل ما يصدر من إبداع . وإن كنت تقصد بأزمة النقد تناول النقاد للمناهج الغربية عند التطبيق على النصوص العربية فهذا أمر طبيعى لأن العلوم الإنسانية متكاملة ولم يأت الزمن بعد الذى يمكن أن تكون فيه نظرية نقدية عربية تتلاءم مع النصوص المنتجة بالعربية ، ولا تنس أننا كما نستورد من الغرب كل شئ فلا غرابة أن نستورد منه النظرية النقدية التي نعمل بها.
· هل انتهى ز من الناقد الذى ينزل إلى الشارع كى يشترى رواية لمبدع لا يعرفه ثم يكتب عنها ؟
· لا لم ينته بعد ، فواجب الناقد الحقيقى البحث عن النص الإبداعى الجيد والكتابة عنه ، لكن زمن التكتلات الذى نعيش فيه هو الذى فرض نوعا من العلاقة النفعية بين طائفة من المبدعين والنقاد الجاهزين للكتابة فى كل الأنواع الأدبية حسب الصداقة والعلاقات العامة التي تفرض هذا النوع من التعامل ، وأنا لا أحبذ التعميم فلكل قاعدة شواذ فهناك المبدع الذى لا يريق ماء وجهه بحثا عن مقال وأيضا الناقد صاحب الرؤية العادلة الذى يكتب عن النص دون النظر إلى اسم المؤلف أو جهة عمله .
· رغم تميز فتحي غانم روائيا الا أنك اخترت لكتابك الأول موضوع قصص فتحى غانم القصيرة , لماذا ؟
· اخترت قصصه القصيرة أولا لأنها مجال غير مطروق نقدياً ثم إن فتحى غانم كاتب من طراز خاص حيث لم يسع يوما ما إلى الأضواء ولا إلى الشهرة ، اكتفى بالكتابة فقط وقد كانت رواياته خير دليل على كشف خبايا الصحافة المصرية وما يدور داخلها فى حقبتى الستينيات والسبعينات وعلاقات الصحافة الملتوية مع السلطة الحاكمة، أما عن قصصه القصيرة فقد كانت لا تقل أهمية عن رواياته وقد رسخ فتحى غانم بوصفه قاصاً عبر خمس مجموعات قصصية كتبها بدءاً من "تجربة حب" عام 1948 حتى عيون الغرباء عام 1993 قدم فيها الأساس الاجتماعى الطبقى للشخصية المصرية ، فضلا عن الأنماط البشرية المختلفة التي ضمن وصفها وتناولها بحسب وجودها الفعلى فى المجتمع ، كما تبلورت رؤيته الموضوعية للعالم الموصوف داخل السياق الاجتماعى والسياسى .
· جاء التنظير فى كتابك الثانى "المرأة العربية رؤى سوسيولوجية" حول مصطلح النقد النسوى ثم التطبيق على مجموعة من نصوص للكاتبات العربيات ، فهل هو تحليل بيولوجى اذن ،
· النقد الأدبى النسوى هو دراسة الحياة الاجتماعية والفلسفية بما يصحح انحرافات التحيز التي تؤدى إلى إحلال المرأة فى مكانة التابع (أى فى مكانة ثانوية) واستصغار شأنها وهو من أصعب الطرائق النقدية عند التطبيق على النص الأدبى وبالطبع النقد فيه لا يكون بيولوجياً ، فمصطلح النقد الأدبى النسائى يبحث فى خصوصية الأدب المكتوب من وجهة نظر المرأة والذى يظهر كلما تأزم وضع المرأة الاجتماعى خاصة مع اعتبار أن مشكلة الكينونة الاجتماعية هى التي تؤرق المرأة داخل مجتمعها
· حسنا , هل معنى أن هناك نقداً نسوياً أن هناك نقدا ذكورياً ؟
· لا يوجد نقد ذكورى لأن الرجل لم يكافح عبر تاريخه الاجتماعى لان يعامل بصورة تتسم بالشفافية مثلما كافحت المرأة .
· و هل يدور كتابك الجديد المرأة والسلطة فى السياق نفسه؟
· لا , المرآة والسلطة بحث فى الواقع السياسى والأدبى فى مصر من 1919 حتى 1981 يبدأ من الثورة التي قادها سعد زغلول وينتهى سياسياً عند اغتيال انور السادات ، ويدور حول الخطاب الإبداعى للمرأة فى ظل الواقع السياسى للمجتمع منذ أن شجعتها ثورة 1919 على الخروج من المنزل كى تعضد بدورها أهداف الثورة ثم يتبلور دورها الاجتماعى أكثر بدخول الفتيات إلى الجامعة وتخرجهن منها وخوضهن فى الكتابة السردية (سواء القصصية أم الروائية) . والسؤال الذى أجاب عنه هذا الكتاب هو هل اباحت السلطة السياسية بتباين توجهاتها للمرأة المصرية الكتابة والتعبير عن المسكوت عنه أم لا
· كتاباتك عن المرأة المبدعة وصورة المرأة داخل النص الإبداعى تجعلني اسألك : هل يمكن تحديد آلية واحدة للكتابة لدى المرأة العربية خاصة مع الدعاوى التي تقول بخصائص للكتابة النسوية ؟
· بالطبع لا لأنه فى واقعنا العربى هناك الكثير مما يخص المرأة فى المجتمع وما يبرر جزءاً من النظرة السائدة إلى مكانتها الاجتماعية ، وهذا ما يعكس قدراً من دورها فى المجتمع بايجابياته وسلبياته ، خاصة إذا ارتبط هذا الدور بدرجة فاعليتها فى المجتمع وانفعالها به ، والكاتبات العربيات (كلٌ على حِدة) يدركن هذا الدور ، ويحاولن عبر طرائق أسلوبية متباينة متجددة التعبير عن صورة تواجد المرأة داخل السياق الاجتماعى الذى تتعايش معه . فمن الصعب تحديد آلية واحدة يخضع لها إبداع المرأة لأن كتابة المرأة لا ترجع إلى أسباب خاصة فحسب ، وإنما نتيجة حساسية الرؤية التي تصدر عنها تجاه الواقع الاجتماعى الذى تكشفه .
o *وهل لهذا خصصت محورا للأدب النسائى فى كتابك عن الادب المغربي ؟
· اعتبر محور الكتابة النسائية فى المغرب الموجود فى هذا الكتاب ضرورياً ، فلقد كانت مرحلة التسعينيات من القرن المنصرم هى أولى المراحل التي أفردت فيها المرأة المغربية للكتابة الروائية جزءاً كبيراً من مشروعها الإبداعى مما جعل النصوص الروائية تتباين فى غاياتها منها على سبيل المثال لا الحصر "جسد ومدينة" 1996 لزهور كرام – "الجلادون" 1999 لربيعة السالمى – "هاجس العودة " لحليمة زين العابدين 1999 – "جراح الروح والجسد" 1999 لمليكة مستظرف "يوميات زوجة فى الأرياف " 1998 لدليلة حياوى .
· بالمناسبة , ما سبب فتور العلاقة بين الأدب المصرى والمغربى خاصة وان لك كتابا حول حاضر الرواية فى المغرب العربى ؟
· لا يوجد فتور أساساً فى العلاقة بين الأدب المصرى والمغربى وخير دليل على ذلك إقامة لقاء الرواية المصرية المغربية الذى يعقد بانتظام كل عامين ويتبناه المجلس الأعلى للثقافة ويُصدر كتابا يحمل مجموعة من الدراسات عن الروايات التي تناقش أثناء اللقاء سواء المغربية التي يدرسها نقاد مصريين أم مغربية يدرسها النقاد المغاربة وقد صدر كتابين حتى الآن آخرهما عام 2003 .
· الم يات كتابك اذن بقصد نقد ما يسميه البعض بالنظرة الاستعلائية المصرية تجاه الادب فى المغرب العربى" ؟
· بغض النظر عن هذا , أعتقد أن صدور كتابى حاضر الرواية فى المغرب العربى يعتبر إضافة أولا لمشروعى النقدى ثانيا يجسد هذا الكتاب تاريخ الرواية فى دول المغرب العربى (تونس-المغرب-الجزائر) محاولا تحقيق نوعاً من تجاوز الدراسات السابقة التي درست كل قطر على حدة وياتى التجاوز فى صورة طرح للماضى الروائى طبقا للواقع الديمغرافى لكل قطر ثم تم التطبيق على عدد من النصوص الروائية المنتقاة ممثلة لتيارات متباينة فى كل قطر. وقد سمح تناولي النصوص الحديثة الصادرة مؤخراً برصد تطور وتنامى الكتابة الروائية فى تونس أولا باعتبارها أولى البلدان المغرب فى إصدار الروايات حيث ظهرت رواية صالح السويسى (الهيفاء وسراج الليل) عام 1906 ثم تبعتها المغرب التي صدرت فيها الرواية فى الاربعينيات من القرن الماضى .
· هل اهتمامك بالرائدة نبوية موسى واكتشافك لديوانها ثم تحقيقك له هل يأتى فى سياق الاهتمام بالمرأة المبدعة أيضا ؟
· لا , لأن السيدة نبوية موسى عرفت بريادتها التعليمية فى مصر والتى ظلت تكافح فيها من أجل تعليم الفتيات والنهوض بعقولهن وقد كان ديوانها بالنسبة لى جديدا من حيث معرفة كونها شاعرة سطرت الشعر منذ 1904 حتى 1925 وقد صدر الديوان عام 1938 .
· لكن ألا ترين معي أن قصائدها تخلو من الشاعرية بالاضافة الى الصوت الذكوري الموجود في الديوان ؟
· عام 1904 الذى بدأت فيه نبوية موسى تقرض الشعر رحل محمود سامى البارودى رائد الإحياء فى الشعر العربى ثم ما لبث أن تسلم اللواء احمد شوقى وجيله وبرز حافظ ابراهيم واسماعيل صبرى وخليل مطران واستمر ذلك حتى العشرينيات من القرن الماضى الذى شهد أوج الإبداع الشعرى لتيار الإحياء وصعود جيل جديد من الشعراء عُرف بجماعة الديوان (العقاد- شكرى-المازنى) وقد كان هذا التيار هو الممهد الحقيقى لبزوغ الحس الرومانسى فى الإبداع الشعرى ، وقد كانت نبوية موسى تنظر إلى تلك النماذج الشعرية وتحاكيها فى جانب من قصائدها ، وإن غلب على الديوان القصائد التي قيلت فى الحوادث المهمة فى الحركة الوطنية . كما كتبت نبوية موسى فى أغراض شعرية كثيرة منها الشكوى من الزمان – المراثى(رثاء عائشة التيمورية وملك حفنى ناصف باحثة البادية) والمديح والتهانى .
· لك دراسة حول واقعية القاع فى الرواية المصرية والأميركية المعاصرة . لماذا اخترت هذا الموضوع وهل ثمة تماثل بين هذه الواقعية و الواقعية القذرة؟

· درست الاطروحة " واقعية القاع " بوصفها ظاهرة اجتماعية فى الرواية المصرية الأميركية المعاصرة لأن الواقعية – خاصة واقعية القاع التي تجسد صورة المهمشين والضائعين والشخصية غير السوية اجتماعياً – هى أنسب الأنواع الأدبية التى تلائم طبيعة هذا العصر المُعاش ؛ فهى تتحدث عن المهمشين فى عالم تموج أطرافه بشتى الصراعات والاضطرابات والقضايا ويخضع خضوعاً تاماً للمادة ، بل تتحكم فيه المادية السافرة وتوجه مساره وتدعمه . وعلى ذلك يتسم التعبير الأدبى بهذه السمة الواقعية حتى يصبح التعبير -المناسب- عن روح العصر.
· مصطلح واقعية القاع هو الترجمة الملائمة من وجهة نظرى للمصطلح الانجليزى Dirty Realism (الواقعية القذرة) الذى ظهر فى انجلترا فى مجلةGranta التى حاولت التأريخ لنوع جديد من الكتابة الإبداعية بدأ يظهر فى أميركا فى الثمانينيات من القرن الماضى .
· لماذا إذن اخترت تطبيق تلك الواقعية على الكتابة الروائية المصرية والأميركية مع تباين المجتمعين ؟
· شغلنى سؤال هو كيف يكون هناك نوعية من واقعية القاع فى مجتمع رأسمالى مثل الأميركى ؟ إن وجود واقعية القاع فى مجتمع من مجتمعات العالم الثالث (المجتمع المصرى) مُبرر نظرا للظروف الاقتصادية الطاحنة التي لابد أن تصنع الفقراء والمُعدمين لكن فى المجتمع الرأسمالى الأميركى جنحت الرواية الأميركية (حسب النصوص المدروسة لريتشارد فورد وبول أوستر) إلى صياغة بنية قائمة على تشخيص الواقع بالضرورة ، متبنية أطروحة مفادها تدمير مفهوم "الحلم الأميركى" الجميل الذى تُصدّره السلطة الأمريكية إلى العالم ، ومن ثم جعلت النص يشخص الواقع كما هو دون تجميل بل استدعت فى تناولها للواقع المشاكل النفسية والتهميش والانحرافات التي تطال أفراد المجتمع ، بينما قامت الرواية المصرية على تناول الظواهر غير السوية فى المجتمع ، مؤكدة على الفساد والانهيار والتراجع ، وكاشفة – على خلاف الرواية الأمريكية – عن البعد الطبقى الاجتماعى بين الطبقة التي تموت جوعا والأخرى التي تموت من التخمة ، ثم صعود الطبقة البرجوازية الطفيلية .
· هل يمكن باعتقادك إحالة المقارنة بين كتاب مصريين وأميركيين في هذه الدراسة لغرض سياسي ؟
· لا , لأن ظهور مصطلح "واقعية القاع " فى مجلة جرانتا بوساطة اسلوب كتابة جديد عند كتاب أميركيين هم ريموند كارفر وريتشارد فورد وجين آن فيلبس وغيرهم هو الذى فرض المقارنة حيث ظهر المصطلح وظهرت نوعية الكتابة فيه فى أميركا ، أما فى مصر فظهورها نتاج طبيعى عند عدد من الكتاب الذين يرقبون جيداً التردى الاجتماعى الواضح ومن ثم يكشفوه عبر النص .
· وماذا عن كتابات القاع عند الجيل الجديد خاصة وانك مهتمة بالأدب الذى يكتبه الشباب ؟
· استمرار الكتابات داخل نطاق واقعية القاع أمر طبيعى طالما أن هناك خلل اجتماعى ملموس ، لكن تجربة الكتابة لدى الشباب ينبغى أن تُثقل ، فليس من المهم أن ينتج الأديب الشاب نصاً بل المهم أن يكون للنص قيمة ما ودلالة . وعندما تنضج التجربة الإبداعية للكاتب ثق أنها سوف تجد مجال الدراسة والنقد أمامها مفتوحاً .
· انتهيت من ترجمة رواية "فنان من العالم العائم" للكاتب الانجليزى يابانى الأصل كاو ايشيجوروا هل هناك أسباب وراءاختيارك لهذا الكاتب ؟
· ربما لأن نصوص الكاتب (الكوزموبوليتان) كازو إيشجوروا ترجمت إلى نحو ثمانية وعشرين لغة . و حققت روايته " رفات يوم " شهرة عالمية وذاع صيتها بعد تحولها إلى فيلم سينمائى و المبيعات العالمية التي وصلت إلى مليون نسخة في اللغة الإنجليزية وحدها كما ترجمت إلى اللغة العربية. وعلى الرغم من أن الكاتب كازو ايشيجورو قد هجر اليابان وهو فى الخامسة من عمره ، إلا أن أجواء كتابات معظم رواياته تحمل تفاصيل واقع الحياة فى اليابان
· وماذا عن النص ؟
· فى هذا النص الذي يقع زمنه منذ أكتوبر 1948 حتى يونيو 1950 تظهر قدرة الكاتب على السرد الوصفي للدمار الذي حاق بمدينة هيروشيما من جراء الحرب العالمية الثانية ، وإن كان أكثر سرد الرواية فى تاريخ أكتوبر 1948 نظراً لأن هذا التاريخ يمثل أعقاب ما حدث لليابان بعد مأساة إلقاء القنبلة الذرية على هيروشيما فى 8أغسطس 1945 ، حيث سقطت قنبلة يورانيوم تزن أكثر من 4.5 طن وأخذت اسما هو " ليتيل بوي" أو(الولد الصغير) على هيروشيما وقد اختير جسر أيووي –الموصوف فى النص- وهو واحد من 81 جسرا تربط سبعة أفرع في دلتا نهر أوتا ليكون نقطة الهدف وهو الموصوف فى رواية ايشيجورو. وحدد مكان الصفر لإلقاء القنبلة. وفي الساعة الثامنة وخمس عشر دقيقة تم إسقاط القنبلة من إينولا جيي . وقد أخطأت الهدف قليلا وسقطت على بعد 800 قدم منه. في الساعة الثامنة وست عشر دقيقة وبمجرد ومضة سريعة كان 66000 شخصاً قد قتلوا بواسطة تفجير القنبلة التي ألقتها الولايات المتحدة– لتضع نهاية الحرب العالمية الثانية - التي دمرت الجزء الأكبر من المدينة تماماً . وفى هذا النص يقارن ايشيجوروا بين قدر الدمار الذى لحق بمن فى المدينة من بشر وحجر معاً وبين سابق عهدهم فى المدينة .
· دكتورة عفاف , فى رأيك هل هناك عوائق تمر بها الترجمة من اللغات الاجنبية إلى العربية ؟
· لا أعتقد ذلك , لأن وجود مؤسسات قائمة على إصدار الكتاب المترجم والمُرَاجع جيدا الغى فكرة وجود عوائق وإن كان هناك ثمة عوائق فهى فى الحصول على أمر النشر من الدار الاجنبية التي تُصدر الكتاب طبقا لقانون حقوق الملكية الفكرية.
· انت راضية إذن عن الترجمات العربية الصادرة مؤخرا ؟
· نظرة سريعة إلى أشكال الترجمات العربية الأدبية تضعنا أمام ثلاث نوعيات متباينة من هذه الترجمات ، يتصف بعضها بالأمانة والدقة و السعي نحو المحافظة على الخصائص اللغوية والأدبية للنص المترجم ومثال على ذلك ترجمات ثائر ديب النقدية لتيرى اجلتون ورواية " انجيل الابن " لنورمان ميلر ، وترجمات محمد عنانى لشكسبير وإبراهيم فتحى لكتاب "قواعد الفن " لبيير بورديو ومجاهد عبد المنعم مجاهد لمشروع رينيه ويلك النقدى، وترجمة احمد محمود لكتاب"التحالف الاسود". وإصدارات المجلس الوطنى بالكويت خاصة سلسلة إبداعات عالمية. والبعض الآخر يندرج فى إطار الترجمات الحرة التى تعنى بالمحافظة على المضمون فى النص الأدبي دون التقيد بالصياغة اللغوية للأصل ، وخير مثال على ذلك بعض ما يصدر عن سلسلة الألف كتاب بالهيئة العامة للكتاب مثل كتاب " نظرات فى الأدب الأمريكى "، وهناك النوع الأخير من الترجمات وهو ما يعرف بالترجمات الملخصة أو المقتضبة، وهذا النوع من الترجمات تتسم بالحرفية التى تضر بروح النص وخصائصه الأدبية من ذلك ما حدث بشأن كتاب ادوارد سعيد المهم " العالم والنص والناقد " وقد صدرت ترجمته غير الدقيقة عن منشورات اتحاد الكتاب العرب ، دون معرفة ادوار سعيد بذلك حسب ما تناهى إلى علمى .

هالة البدري وازدواجية المثقف

هالة البدري: ازدواجية المثقف أكبر داء يواجه الثقافة العربية
أستعيد أسطورة الفلاح المصري في كتابتي لأفهم ما يدور حولي الآن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عالم الأشياء البسيطة هو المنطقة الساحرة في معظم كتابات الكاتبة المصرية هالة البدري، وعلى الرغم من ان هذه المنطقة تبدو مراوغة ـ أحيانا ـ على السطح، إلا أنها تظل مشحونة في الأعماق بدلالات ورؤى متنوعة، تحتفي بالانسان في كينونته واسطورته التلقائية، وسعيه الدائب الى الحرية في ماضيه وحاضره ومستقبله.. عن رحلتها مع الكتابة، هذا حوار معها:

* بالرغم من وقوفك نقديا ضد ما يسمى بكتابة الجسد، الا ان بعض النقاد اعتبروا روايتك الأخيرة «امرأة ما» كتابة جسد، فما رأيك؟
ـ هناك خلط، أنا ضد الكتابة التي تستخدم وبلا ضرورة الجسد كمدخل للكتابة، وعموما أنا ضد أي كتابة تستخدم أي شيء بلا ضرورة سواء كان هذا الشيء «كتابة جسد» أو كتابة سياسة أو شعرية، انا ضد أي شيء لا ضرورة له. وفي روايتي «امرأة ما» لم أكتب بهدف الجسد، حتى وأنا معتقدة أن معرفة الجسد ضرورة. مثل بقية الأشياء لكن بشرط أن يكون هناك احتياج فني لهذا في سياق النص. وكنت من خلال الرواية أحاول أن أناقش اشكالية ازدواجية المثقف في العلاقة بين ما يؤمن به حقيقة ولا يستطيع اعلانه، وبين ما يمارسه فعلا ويستطيع اعلانه ولا يؤمن به، وذلك من خلال قصة حب بين رجل وامرأة يحاولان ان يقتربا من بعضهما، ولذلك فسر البعض العلاقة بينهما على انها كتابة جسد، مع انها بعيدة عن ذلك، ولقد نوهت الى ان الروح متصلة بالجسد في الرواية.

* تحدثت عن أزمة «وليمة لأعشاب البحر» وما ترتب عليها في سياق روايتك «امرأة ما»، ألا ترين ان هذا الحديث جاء تقريريا؟
ـ أزمة الوليمة حدثت اثناء كتابة الرواية، وأنا أكتب في صفحتها الأخيرة في المسودة النهائية، لأني أكتب الرواية في ثلاث أو أربع سنين، وكنت مشغولة بسؤال بطل الرواية، هل يخضع ويكتب رواياته بالصيغة المطلوب منه الكتابة بها، أم يكتب ما يريده، ما يشعر به، ما يحسه، ما يود التعبير به عن مكنونات نفسه بغض النظر عن امكانية نشر هذه الرواية من عدمه، فبطل الرواية كان في رحلة بحث عن اجابة لهذا السؤال الجوهري، وحين حدثت أزمة الوليمة وجدتها مرتبطة بشكل كبير بما يفكر فيه ويشغله وهو أن الكتابة حريته بالفعل.

* هل يعني هذا أنك تخضعين للمؤثرات الخارجية اثناء كتابتك اعمالك، بمعنى هل لو حدث حادث طارئ تدخلينه في سياق النص؟
ـ بالتأكيد. لأن المبدع لا ينفصل عن مجتمعه، ولا عن المؤثرات الخارجية التي تحيط به، لأنه كائن يعيش في محيط يؤثر ويتأثر ويستخدم الذين حوله، فما المانع اذا اعطيت الدلالات التي أريد توصيلها من خلال اشارة الى حدث كهذا، أنا أسأل نفسي، وهذه الأحداث تعطيني الاجابات التي أريد أن اعرفها، وأن أقدمها الى القارئ.

* اعتبر البعض روايتك «امرأة ما» رواية نفسية، تستند الى التحليل النفسي أكثر من استنادها الى سرد وقائع وأحداث فما رأيك؟
ـ اعتقد ان الرواية خليط بين اشياء كثيرة، بحيث يصعب القول ان هذه رواية نفسية، وهذه رواية دراما، وهذه رواية الغربة، وأنا قد أكون استند الى التحليل النفسي في هذه الرواية، لأن هناك بالفعل في الرواية شخصيات تتأمل نفسها في محاولة للوصول الى إجابات يطرحها النص، لكن هذا التحليل النفسي هو أحد روافد الرواية وليس كل روافدها، لذا يمكن القول ان الرواية تستند الى أشياء أخرى كثيرة غير التحليل النفسي.

* ناقشت أيضا من خلال الرواية ازدواجية المثقف، الى أي مدى ترين أن هذه الازدواجية موجودة في الواقع الثقافي المصري؟
ـ هي موجودة بكثرة، وقليل من المثقفين تمكنوا من الافلات من هذا الصراع، بين ما يجب ان نعلن عنه، وبين ما يجب ان نخفيه. هناك حالة من التواطؤ السري يجعل العلاقة بين الحالتين رمادية، وكلنا فينا هذا الداء، وأنا قد أكون تواطأت في مرحلة ما على السكوت وأعتقد ان ازدواجية المثقف هي أكبر داء يواجه الثقافة بوجه عام.

* لو انتقلنا الى بداياتك، قدم لك يوسف ادريس روايتك الأولى «السباحة في قاع قمقم»، وقال ان هالة البدري صعدت الى المسرح لتبقى بطلة. ماذا كان يمثل لك هذا في ذلك الحين؟
ـ قبل صدور روايتي «السباحة في قاع قمقم» كنت قد أصدرت ثلاثة كتب في موضوعات عامة منها كتاب عن تجربة الفلاحين المصريين في تملك أراضي عراقية في العراق في قرية الخالصة، وكنت مراسلة وقتها لمجلة «روز اليوسف» في العراق ولم أكن قد أصدرت كتبا أدبية، وكنت خائفة أصلا من الاقدام على تجربة اصدار أول عمل ابداعي لي، ولم أكن أتصور ان تصدر رواية لي، ولكن حدث أن أخذ أحد أصدقائي روايتي الأولى «السباحة في قاع قمقم» وقدمها الى دار الغد ليقرأها الشاعر كمال عبد الحليم الذي أعجبته وسارع بالاتصال بالروائي الراحل يوسف ادريس ليقرأها، الذي أعجبته وكتب لها المقدمة، وكانت مفاجأة بالنسبة لي لأني لم أكن أتصور اصلا ان ينشر عمل لي، فما بالك أن ينشر هذا العمل وبمقدمة لروائي كبير أحبه جدا، وأحب اعماله المتميزة، وهو يوسف ادريس الذي لم أكن أتصور ان يقدم لي أول عمل اكتبه، وأعتقد ان أي كاتب في بداية حياته يحتاج الى دفعة كهذه، من كاتب كبير.

* بالرغم من احتفاء يوسف ادريس بهذه الرواية وتقديمه لها، الا ان هذه الرواية لم تلق نجاحا نقديا، إلام يعود هذا في اعتقادك؟
ـ في الحقيقة كتب عنها بعض النقاد، لكن الذي حدث انه لم يكن أحد يعرفني من النقاد، في ذلك الحين، بالاضافة الى اني لم أرسل الرواية اليهم، ولم ينشر أي أخبار عنها، وأعتقد ان الكاتب في بداية حياته يحتاج الى معرفة النقاد به، وان يتابع رواياته بنشر أخبار عنها في الصحف والدوريات، وأدركت هذا في العمل الثالث لي، وعموما ستصدر الرواية مرة أخرى قريبا في طبعة ثانية، وآمل أن تلقى الاهتمام النقدي الذي لم تحظ به في طبعتها الأولى.

* ألاحظ اهتمامك بالتشكيل اللغوي في النص خاصة في مجموعتك القصصية «رقصة الشمس والغيم» عبر استخدام ادوات البلاغة من مجاز، وصور شعرية، وخلافه. أريد أن أسأل عن أهمية اللغة بالنسبة لك كروائية؟
ـ الأدب عموما يتعامل مع أرفع مستويات اللغة، وأنا اتعامل مع اللغة من هذا المنطلق، وقد يعود استخدامي لمفردات شعرية الى أني بدأت بكتابة الشعر، ولكن أحاول ألا أثقل في كتابة الرواية من هذه الصور، حتى لا تختل لأن اهتمام الرواية الأول بالسرد، وحتى لا تصبح كتابة في الفراغ لكن هذا لا ينكر ان اهتمامي الاساسي في كتابتي باللغة، وأحب اللغة لذاتها ولا أتركها، مع ذلك تسيطر على المواقف لأن الكتابة الدرامية تستلزم الدقة بجوار الشعرية، والرواية تضم كل الأنواع.

* في رأيك هل يمكن أن تعتبر روايتاك «منتهى» و«ليس الآن» كتابة تاريخية؟
ـ نوعا ما. فهذه الكتابة تستند الى التاريخ، بمعنى انها تنظر الى حقبة معينة مع مناقشة العوامل المؤثرة على البشر في هذه الحقبة، والبعض اعتبر الرواية رواية اجتماعية، والبعض اعتبرها رواية واقعية سحرية، وأنا لا توجد عندي أية مشكلة في تصنيف النقاد لكتاباتي، وربما هم صنفوها على انها رواية تاريخية لأن ابطالها عاشوا في فترة أثرت فيها الظروف التاريخية والسياسية على مجرى حياتهم، فكان هذا واضحا في مسارات حياتهم.

* تناولت في «منتهى» فترة الخمسينيات والستينيات، هذه الفترة التي قتلت كتابها، ماذا أضفت اليها؟
ـ ربما لا استطيع ان أحدد بالضبط ماذا أضفت لها، فهذه مهمة النقاد ولكن ما يمكنني قوله، انني كتبت الرواية، لأحاول ان أفهم ما الذي حدث في الريف المصري، وما هي التطورات التي حدثت وحول حياة الانسان وتوجهاته الى الاتجاه المضاد، أردت ان أفهم ما الذي حدث عبر نصف قرن من الصراع العربي الاسرائيلي من وجهة نظر ضابط جيش يحضر حربا طويلة تنتهي كما لا يشتهي، واعتقد أنني عبرت عن هذا الصراع الذي دار بداخلي في محاولة الفهم على صفحات الرواية.

* هل يعني هذا انك اخترت فترة الستينيات للكتابة، قبل تكون الفكرة المحورية للرواية؟
ـ أنا أعمل وفقا لمشاريع عامة، بمعنى أني بدأت مشروعا لمحاولة الفهم ما الذي حدث لنا كمصريين، وكيف وصلنا الى هذه الحالة، ومحاولة للاجابة عن الاسئلة التي تفجرت داخلي في نفس الوقت، أكتب لأحاول ان أفهم مع القارئ اسئلة تنمو حولنا يوما بعد يوم وتحيط بطريقنا، بالاضافة الى أني أبدو مشغولة بالانسان المصري اثناء تطوره مع الزمن على مستوى الجماعة والفرد، وأنتقي الشخصيات بحيث تكون قريبة مني في قوتها.

* وهل يبرر اهتمامك بتاريخ الانسان المصري على مر العصور، انشغالك بالمهمشين في «ليس الآن»؟
ـ لست مشغولة بالمهمشين، لأنه لا يوجد انسان غير مهمش، نحن كمثقفين مثلا أصبحنا فئة مهمشة، وعموما أنا أهتم بأبطالي، بنموذجي في الكتابة بغض النظر عن الهدف في أن يكون هذا النموذج مهمشا، أو غير مهمش، انما احاول ان أفهم من خلال هذه النماذج الظروف السياسية التي مرت بالبلد، فالكتابة عندي كتابة ودراسة، في نفس الوقت أحاول أن أدرس الشخصيات الاجتماعية والتاريخية والسياسية حتى أصل لأحكام ترضيني، أنا أكتب لأني أحاول ان أفهم ما يدور حولي بغض النظر عن ان الشخصيات التي أطرحها مهمشة أو غير مهمشة.

* هل يسوؤك أن يصنفك النقاد على أنك «كاتبة ريف»، وما رأيك في تقسيم الأدب الى أدب ريف أو مدينة، أو ما أشبه؟
ـ لا يسوؤني هذا، مع أنني لست كاتبة ريف، ولا يزعجني اطلاقا، أن يصنفني النقاد على هذا الاساس، مع اني لم أكتب سوى روايتين فقط عن أجواء الريف، وبعض القصص، وفي تصوري ان هذا التقسيم كلام فارغ، ولا يعني شيئا، لأن لي مطلق الحرية في أن اختار المكان الذي أريده، والزمان الذي أحب الكتابه عنه، وابطالي كما أود وأنا كتبت عن الريف لأني أحب الريف، مع اني من مواليد القاهرة، لكن الريف ظل في ذهني صورة حميمية لجدي الذي كنت أذهب اليه في القرية، وربما كتبت عن الريف لأن الانسان بطبيعته يجب أن يعود الى الأصول لكي يفهم، والمدينة لا تعطي ما يعطيه الريف عن الشعبيين، ولأنني لم أختلط بالأحياء الشعبية في القاهرة، ولذلك عبرت في روايتي الأولى عن أبناء الطبقة الوسطى، ثم عدت الى محاولة فهم التحول الذي حدث في الريف كمحاولة لفهم ما يحدث حولي، لأن الريف متكاتف أكثر من المدينة بكل طبقاته.

* كتبت عن الريف في «منتهى» و«ليس الآن» من منظور فولكلوري، وسؤالي هل دراسة الفولكلور والعادات والتقاليد والطقوس، تكفي لكتابة رواية ناجحة عن الريف المصري؟
ـ لا طبعا، لكن بالضرورة القراءة عن الفلاح وعن ملامح تحوله مهمة، ودراسة حياته وموروثه الشعبي جزء مهم من فلسفته في الحياة. وحين قررت الكتابة أدركت أني لا بد أن أعرف ميراثه الفلسفي، ودوافعه للتعرف حتى أتمكن من الكتابة عنه، وهذا موجود في تقاليده وعاداته فتوصلت الى خلطة استخدمت فيها الواقعية السحرية التي كانت قبل رواية منتهى بعيدة جدا عن العالم العربي.

* وهل لهذا السبب سعيت الى أن تكون بعض الشخصيات اسطورية مثل «محمود» الذي أرضعته كل نساء القرية؟
ـ أنا كتبت من منطلق الاسطورة التي صنعها الفلاح المصري، والتي جعلته يعيش كل هذا القهر على مدار سنوات طويلة، وحافظ في نفس الوقت على عبق الحياة، كان لا بد أن أفهم من أين جاء حبه للحياة رغم الفقر والظلم الذي تعرض له. كان لا بد أن أقترب منه عبر اقترابي من اسطورته، وشخصية «محمود» لو تلفت حولك ستجد الملايين مثله دخلوا الحرب، وعاشوا حياتهم كلها لصد عدوان عن أرضهم، وشكلتهم الحياة. «محمود» ليس اسطوريا، بل هو موجود بكثرة، رغم كل محاولات اخفائه ومسح ذاكرته بالقوة، وأنا أحاول أن استعيد اسطورته بالكتابة عنه، ان اعيد ذاكرته باستخدام اسطورته، بالكتابة التي هي محاولة لبناء الذاكرة.

* صدر لها في الأدب:
ـ السباحة في قاع قمقم «رواية» دار الغد 1988.
ـ رقصة الشمس والغيم «قصص» دار الغد 1989.
ـ أجنحة الحصان «قصص» هيئة الكتاب 1993.
ـ منتهى «رواية» هيئة الكتاب 1995.
ـ ليس الآن «رواية» هيئة الكتاب 1995.
ـ امرأة ما «رواية» روايات الهلال 2002 (ترجمت الى الانجليزية ضمن مشروع ترجمة الأدب العربي بالجامعة الاميركية بالقاهرة).

* كتب أخرى:
ـ حكايات من الخالصة، مكتب روز اليوسف في بغداد 1976.
ـ المرأة العراقية، بغداد 1980.
ـ فلاح مصري في أرض العراق، بغداد 1980.

خطاب القهر لدى بهيجة حسين


بهيجة حسين: خطاب القهر في رواياتي تجسيد لواقع مأزوم أمس واليوم وغدا
لا يوجد كاتب بدون توجه آيديولوجي ولا يوجد عمل يخلو من انحياز سياسي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تشكل عذابات الانسان واحباطاته على كل الاصعدة، البوصلة الاساس التي توجه وتنتظم حولها خيوط ومفردات الفضاء الروائي في أعمال الكاتبة بهيجة حسين، فالقهر يبرز في معظم هذه الأعمال وكأنه المحرك والمحرض على فعل الكتابة نفسه، وخاصة في روايتها الاخيرة «البيت». وكانت قد صدرت للكاتبة ثلاث روايات ومجموعة قصيرة:
هنا حوار معها:
* يربط النقاد عادة بين الخطاب الروائي في روايتك «البيت»، الذي يتم فيه تقسيم الادوار بين الجنسين، وبين القهر، هل قصدت هذا بالفعل؟
ـ قصدت هذا، ولم أقصده، قصدته لأن البيت هو الجدران الذي يحتوينا هو السقف الذي يظلنا، هو الحدود الجغرافية التي تحدنا، هو اللهجة التي نتفاهم بها، وهو التاريخ الممتد في عمق الزمن والضارب في أعماقنا هو العادات والتقاليد التي ورثناها عن اجدادنا، حتى لو لم نعشها او لم نعمل بها، لكنها داخلنا وقصدت أيضا ان الانسان الذي بلا بيت، هو انسان بلا وطن، بلا أهل، ولا بد ان يكون له بيت في النهاية، ولهذا عمدت ان تدور اغلب الرواية في بيت دكتور روبين الأرمني الذي فقد أهله ووطنه وبيته، وربما لأؤكد على انه ليس من حق أحد ان يسلب أحدا بيته او وطنه، وهذا ما حاولت ان اوصله من خلال سطور الرواية.
* قلت أنك لم تقصدي ايضا الربط بين البيت والقهر، ماذا تعنين؟
ـ أقصد انني عندما شرعت في الكتابة لم أضع هذه الخطة امامي تماما، ولكن خرج كل هذا أثناء الكتابة دون تعمد، وعادة حينما اكتب اترك مساحة للقارئ لكي يتصل معي وليفهم من خلالها ما يريد.
* لكن ألا ترين انك حين تربطين العنوان بموضوع النص «القهر قهر المرأة تحديدا بالبيت» فان هذا يقتل الرواية، بداية من مدخلها؟
ـ لم ارغب في هذا، لكن في روايتي هذه تحديدا، لم اتحدث عن قهر المرأة فحسب، بل عن قهر الرجل والمرأة معا، قهر الانسان اجتماعيا ودينيا وانسانيا، واقتصاديا وسياسيا، فهناك في الرواية مثلا علاقة الزوج «حلمي بك» بزوجته والتي تركها تحترق دون ان يتحرك لانقاذها، وهناك الفلاح الذي يسأل الدكتور روبين عن احتراق أحد الفلاحين «هل مات كافرا يا دكتور» وهناك الفقر الذي جاء بالكوليرا، وقهر الفقر الذي قتل فلاح القرية المصرية، وهو يعاني الجوع ويعاني المرض، وهناك قهر المستعمر التركي او الانجليزي للوطن بأكمله ولمواطنيه.
* يدرج البعض روايات صنع الله ابراهيم تحت عنوان «أدب القسوة» في رأيك، هل يمكن ادراج أعمالك الروائية تحت هذا المسمى؟
ـ أنا كتبت، وأنت قرأت، ومن حقك ان ترى ما تشاء، وان تسمي النص ما تشاء، وعموما بامكاني ان اقبل التسمية اذا كان هذا هو بالفعل ما وصل الى القارئ، من منطلق حق المتلقي المطلق في التلقي كما يشاء، حقه الحر في ان يحكم على العمل كيفما يشاء.
* يرى البعض ان الجزء السياسي في روايتك «البيت» تأتى عنها ولم يكتب الا لاعطاء الرواية ثقلا ما، ما رأيك؟
ـ ليس لي رأي في هذا، حاولت ان اقدم هذه الصورة من القرن الذي نعيشه في واقعنا حتى الآن، هذه الاحداث التي تتكرر يوميا في بلدان عربية شقيقة، فالقهر لا يتغير بل هو منذ الخليقة ولم يزل حتى اليوم، وربما اكون قد فشلت في ان اضع الجزء السياسي كما ينبغي في العمل ولكن حاولت.
* حسنا، اذا كان الواقع كما تقولين متشابها، لماذا اخترت هذه الفترة تحديدا؟
ـ اختياري للفترة له عدة أسباب. بداية الواقع الذي تفجر في السنوات العشر الاخيرة، وكان أحد أسبابه اعادة رسم الخريطة التي رسمها الاستعمار الانجليزي، او الفرنسي او التركي، والتي يرسمها الآن استعمار جديد مقنع، هو الاستعمار الأميركي الذي احتل العراق بالفعل تحت مسمى «اعادة الحريات»، وهناك ايضا اسباب اخرى شخصية، ربما تخص علاقتي أنا بهذا النوع من القهر، ولأول مرة سوف ابوح بها، فكرة حرمان انسان من قطعة من ترابه، فجرت عندي تقسيمات فلسطين ربما، والتقسيم الذي يسعون لحدوثه في العراق والتقسيم الاكثر واقعية والذي نعيشه الآن، كان في منطقة أرمينيا وقد سعيت من خلال الرواية الى وصف ما حدث فيها، والمشكلة ليست مشكلة أرمن فقط، وانما اخذت عند الكتابة نكتة فقط، ومجرد حلة لمناقشة القضية؟
* تحتوي الرواية رغم صغرها المتناهي على اربعة اجيال تستعرض تاريخ مصر في قرن كامل، هل سعيت من خلالها الى كتابة رواية اجيال بالفعل؟
ـ نعم. هي بالفعل رواية أجيال، وهكذا كتبت من دون قصد، وبعفوية تامة، ربما كان ينبغي ان أكتب فيها تفاصيل اكثر، او اوسع في المسافة السياسية والمسافة الاجتماعية، ولكن عندما كتبتها للمرة الأولى ثم المرة الثانية ثم المرة الثالثة، استقررت على هذا الشكل وهذا الحجم ، ولا اعرف لماذا.
* تبدو جميع الشخصيات في روايتك «البيت» القوية، والضعيفة، القاهرة، والمقهورة، مقيدة وغير قادرة على الحركة في الاتجاه السليم. لماذا؟
ـ القهر آلة تعيد انتاج القهر، فالمقهور يداس في هذا المجتمع، والقاهر يقهره آخر اقوى منه، اذن فالقهر سلوك وواقع وثقافة، وهناك مثل شعبي يقول: «ان الضابط ضرب العسكري فضرب العسكري زوجته»، وهناك آلية قهر تعمل باستمرار في كل زوايا الحياة، في اقسام الشرطة، في البيوت، في المستشفيات، في المدارس الخطاب السائد الآن على كل المستويات هو خطاب القهر والجميع يسعى لاستخدام آلياته لتنفيذ هذا الخطاب، والذي ليس عنده سلطات، يسعى ان تكون عنده سلطات لكي يملك هذه الآلية وهذا هو الواقع، وعندما ندرك اننا مقهورون بالضرورة سوف نثور على هذا القهر، وربما نقاوم.
* وهل تعتقدين اننا لا ندرك اننا مقهورن؟
ـ ندرك طبعا.
* لماذا لم نقاوم حسب نظريتك؟
ـ المقاومة تأخذ اشكالا متعددة وليس شكلا واحدا، ومن المستحيل ان يظل الوضع على ما هو عليه، والانسان ينزع دائما للأفضل ويسعى دوما للعدل والحرية والحق، وهذه المتطلبات هي المبرر الدائم لكل الثورات التي قامت في التاريخ بداية من ثورة العبيد حتى ثورة الشعب الفلسطيني ضد المحتل الاسرائيلي والتي تسمى انتفاضة ثورة دائمة على القهر، ومقاومة.
* حديثك عن القهر الاقتصادي، ألا يمكن ارجاعه الى توجهك الايديولوجي؟
ـ لا يوجد أي أحد بلا توجه آيديولوجي، ولا يوجد كاتب بلا موقف لأنه بدون ذلك لن يكون كاتبا، وستكون كتاباته بلا طعم لأنه يصفق لأي أحد، ويشتم أي أحد، وهو غالبا لن يفعل لأنه بلا موقف، اذن يجب على الكاتب ان يكون له موقفه المحدد ضد القهر والاستعمار والاستغلال، مع أو ضد، المهم ان يكون له رأي، وهناك اشكالية اخرى أننا قصرنا كلمة الآيديولوجياعلى الماركسية، مع ان الآيديولوجياهي الفكر الذي يتبناه الانسان ويحدد حياته أيا كان ماركسيا او رأسماليا، وتولستوي الروائي العظيم كتب عن فقراء روسيا ومعذبيها، كما كتب عن الطبقة الرأسمالية ولم يكن ماركسيا، وايضا ديستوفيسكي كان كذلك، ولا اريد ان اقول يوسف ادريس،لأن يوسف ادريس كان ماركسيا وهذا معروف، وهذا لا يعني تنصلي من كوني ماركسية، بالعكس فأنا كذلك بالفعل.
* لكن ألا ترين ان الآيديولوجية، والخطاب الآيديولوجي عندما يدخلان الى العمل الابداعي فانهما يقتلانه؟
ـ الاشكالية كلها في كيف تعبر عن ذاتك، ورؤاك، وانحيازك، وهمك السياسي في العمل، وكيف نصوغ كل هذا فنيا، وسوف أقبله في حالة الفن، أما ان تكتب هذا مثل منشور سياسي، او مقالة سياسية، فلن أقبله حتى لو قال اعظم الكلام، والفن ـ في اعتقادي ـ ان أفنن هذا التوجه، بحيث أقتنع بهذا الرأي السياسي، دون ان اعرف ذلك، ولا يوجد عمل أدبي يخلو من انحياز سياسي لشيء ما ولكن المهم كيف وظف هذا الانحياز في ثنايا العمل.
* لماذا لجأت الى اسلوب التنقل بين الضمائر في روايتك، بل الحديث بضيمر المتكلم بين العديد من شخوص الرواية، الا يعد هذا مشتتا للقارئ؟
ـ الرواية أيا كان مستواها هي عمل متعب بالنسبة للقارئ، او للكاتب وهي بالنسبة لي عمل مرهق جدا يصل لحد الوهن، وأنا عموما لا احب الكتابة السهلة، وأردت من خلال التنقل بين الضمائر في هذه الرواية ان تتحدث كل شخصية بلسانها هي، ولا احملها صوتي، ورغم وجود صوتي النسائي في الكثير من المقاطع، الا انني استخدمت الحيلة مع دكتور روبين حين جعلت لوحاته تتحدث لتقول ما اريد قوله من خلال هذه الشخصية، احساسها وتصورها للعالم ورعبها منه، واشفاقها عليه.
* دكتور روبين المسيحي الأرمني غير المصري، لماذا اخترته بالتحديد بطلا لروايتك، رغم انها تزخر بالعديد من الشخصيات الثرية فنيا؟
ـ ألا يستحق في تصورك؟ أنا أرى ان به كل النقاط التي اريدها في الشخصية، بالاضافة الى انه اضطهد، دينيا، وسياسيا واجتماعيا تماما كالشعب الفلسطيني، والشعب العراقي، وهو أرمني وطبيب ورسام ومسيحي، وعموما فأنا تعاطفي في النهاية مع الانسان وليس مع الجنس او اللون أو الدين، والرواية لا بد ان تكون في النهاية رواية جميلة تحدث نقلة وجدانية وفكرية وانسانية، سواء كانت تتحدث عن هموم الرجل أم المرأة، المصري أم الأرمني المسلم أم المسيحي، ان تكون في النهاية رواية بالفعل..
* يرى بعض النقاد أنك تناولت الفترة الماضية في رواية «البيت» بخفة، فلم يكن هناك أية اشارات زمنية الا قليلا، رغم وضوح الهم السياسي بها، ما رأيك؟
ـ - انعكست مهنة الصحافة عندي على الكتابة، أي الكتابة الصحافية السريعة الدالة، فكتبت بهذا الشكل، وعموما فان هذه اللغة، كانت لغة خطابي على الورق، ولم اسأل نفسي وأنا أكتب هل قصدت ما كتبت أم لا، ورأيي ان الرواية اخذت شريحة من الحياة، في الشوارع في الطين، في القرية، في السياسة، في حياة الفلاحين، لذا لم أتناول كل شيء بالتفصيل الذي تقصده.
* ارتبط خطاب المتكلم في الرواية، دائما بالحديث عن الطفولة وطفولة المرأة تحديدا، هل هذا اشارة الى الرغبة في كتابة سيرة ذاتية؟
ـ ربما، وربما لأني انهي الرواية بهذه الطفولة، عندما نكبر ونحمل تاريخنا امام هذه الطفولة، ماذا نفعل ولا يوجد في العمل الأدبي اجابة يقينية، انما اجابة محتملة وحمالة اوجه، ولأن الفن نفسه كالحياة، حمال اوجه.
* سأسأل سؤالي بصيغة اخرى.. لماذا عندما تكون هنا رواية لكاتب ما بضمير المتكلم يعتقد الكثيرون ان هذه الرواية سيرة ذاتية؟
ـ في البداية يدخل القارئ او الناقد الى أدب المرأة مسلحا باتهامات مسبقة، وحتى يؤكد لنفسه ان تهاماته صحيحة، فانه يلبس العمل ما يراه، حتى لو كان هذا التصور الذي يراه خطأ، ولذلك فهناك اسباب متعددة لهذا الظن، منها المجتمع وحداثة الاعتراف بالمرأة ككاتبة، والخوف احيانا منها، ومما ستكتب، فالمرأة هي حاملة القيم والعادات والتقاليد والاسرار، فماذا لو كتبت ، حتما ستفضح ما لا يريد فضحه، وستكشف ما لا يريد كشفه، لذلك فهناك حالة استنفار دائمة لما تكبته المرأة، وأنا لا انفي ان جزءا كبيرا مما نكتبه رجالا كنا أم نساء تمثل انفسنا وجزءا من تاريخنا الشخصي ومن خبرتنا، وقديما قال طه حسين: من يستطيع ان يمحو راسين من شعر رأسي، ومن يستطيع ان يمحو بيتهوفن من موسيقى بيتوفهن. اذا من يستطيع ان يمحو بهيجة حسين من أدبها أيا كانت قيمته.
* هل شهد خطاب القهر والذي يشكل هاجسا رئيسيا في روايتك الاخيرة «البيت» تناميا عبر اعمالك السابقة «رائحة اللحظات» و«أجنحة المكان» و«مرايا الروح»؟.
ـ خطاب القهر كان موجودا بالفعل في كل أعمالي السابقة، وربما يكون في رواية «البيت» بالتحديد قد وصل الى ذروته وليس الى منتهاه، حتى لا تعتقد انني أنهيت خطابي، وحديثي حول هذا التناول.
* ماذا اضافت في اعتقادك روايتك الاخيرة الى أعمالك السابقة على مستوى الوعي والواقع وتقنيات الكتابة؟
ـ اضافت لأعمالي اتساعا في فضاء الرؤية مختلفا وخرجت بي من الحدود الضرورية، الى حدود يتلمسها القارئ وتتجاوزني الى محيط الانسانية، رغم ان الحدود الفردية في حد ذاتها حدود انسانية في المقام الأول. وأضافت خروجاً من الواقع الى تجريب التاريخي في امتداده وانعكاسه على الواقع المعاش، كما اضافت رواية جديدة الى رصيدي الابداعي.
* اثناء الكتابة هل يحركك الهم النسائي، أم يحكم ايديولوجيتك الهم السياسي؟
ـ يحركني الهم العام، الهم السياسي، والهم الخاص النسوي، فلا فصل بينهما لأنه لا فصل بين العام والخاص عندي، فنحن لسنا أفرادا في جزر معزولة، نحن نعيش الواقع بكل تجلياته الاجتماعية والسياسية والاقتصادية ويجب ان نتفاعل مع كل هذا.


01‏/12‏/2008

طاعون في الأسواق

الآن
في الأسواق والمكتبات
الناشر
دار شرقيات
5 شارع محمد صدقي ، متفرع من هدى شعراوي
أمام وكالة أنباء الشرق الأوسط بوسط البلد

17‏/11‏/2008

مش أنا والله

إلى كل أصحابي ذوي الدم الخفيف الذين سيرون هذا الإعلان في وسط القاهرة
أحب أقولكم
كان الله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه
ابحثوا مع إخوتنا السودانيين عن هذا الرجل الجميل ،
لكن لا تشكوا في
الموضوع تشابه أسماء ليس أكثر

01‏/11‏/2008

زمن عماد الدين


عزيزتي زينب ، أكتب إليك لأحييك ، لأحكي لك عن ذكريات قديمة لن تفارق ذاكرتك ، حكايات شارع أحببتيه دون أن تسيري فيه ، فقط قرأت عنه كثيرا ، فعرفت أنه شارع الفن الحقيقي في ذلك الزمن الجميل الذي ولى ولن يعود ، شارع سار فيه عبد الوهاب وأم كلثوم ونجيب الريحاني وعلي الكسار و فريد الأطرش ، ومنيرة المهدية ، شارع ضاعت ملامحه يا زينب مع انتهاء زمن كان يوصف بالجميل ، شارع اسمه " شارع عماد الدين " .

-1-

المدن الحقيقية يا زينب تبدأ من شوارعها الفرعية ، من التواريخ المنقوشة على جدران بيوتها وحكاياتها القديمة ، من التاريخ المنحوت على ملامح بناياتها ، من الزخم الذي تحسينه وأنت تسيرين في شوارعها ، المدن الحقيقية هي الشوارع التي تعطيك إحساسا بأنك سرت في هذا الشارع من قبل ، شارع عماد الدين ، أشهر شوارع الفن في مصر ، هكذا ، لا يمكنك يا زينب مقاومة الإحساس بأنك سرت في هذا الشارع من قبل أنك رأيت أرصفته ، بناياته المحروقة ، سينماته التي تقاوم الانقراض ، الشباب والبنات الذين يسيرون في شوارعه ، بحثا عن شيء جميل خلفه عبد الحليم حافظ في الهواء حين سار وحيدا ذات مساء يفكر في مستقبله ، يدخلون سينماته القليلة الباقية ، مفضلين إياها على سينمات المولات الجديدة ، والأماكن المرفهة ، لأنهم هنا يحسون بالزمن الماضي الجميل ، قاهرة الثلاثينيات والأربعينيات الجميلة ، توهجها الفني يبدأ من هنا ، من شارع عماد الدين .

- 2 -

الحكاية لم تبدأ هكذا يا زينب ، بدأت ذات يوم حين اجتمع نفر من رجال المال الأجانب في مصر في أواخر القرن التاسع عشر ، ورأى كل منهم أن يسعى إلى منطقة جديدة في تخطيط المدينة تقيم فيها جاليته ، كانت المنطقة التي يقع فيها شارع عماد الدين الحالي جنوب حدائق الأزبكية التي كانت تشرف عليها وهي في جملتها تقع بين منطقة البركة القديمة ، ومنطقة كلوت بك جنوبا ، انتهى الأمر إلى تخطيط هذه الأماكن وتقسيمها إلى شوارع واسعة وقادرة على استيعاب أعداد من الجاليات الجنبية في مصر في ذلك الحين ببراح ، وأن يكون بها من دلائل الحضارة الغربية ما ليس في غيرها . وبالبحث اتفق المهندسون على أن أهم ما يمكن أن يميز هذه المناطق الجديدة هو أن يقام بها عدد من الكازينوهات ذات الطابع الخاص ، وكذلك إقامة عدد من المقاهي التابعة للجاليات الإيطالية واليونانية ، وإقامة مسارح تستقبل الفرق الأجنبية التابعة لحكومة كل جالية على حدة . عند إقامة الشارع جعلت مبانيه على الطرز الإيطالية والفرنسية ، وأقيم به اكثر من خمسة مسارح ، وصالات فنية كبيرة ، وعشرة مقاهي واسعة وثلاث كازينوهات . أنير عماد الدين في بدايته بمصابيح الغاز ، وحرصت كل جالية على أن تقيم نوادي لها بالقرب منه مثل النادي اليوناني الخاص بالجالية اليونانية ، كما أن الشركة البلجيكية حين أنشأت ضاحية مصر الجديدة وجعلت المترو من أحد مواصلاتها الهامة ، أصرت أن ينتهي خط ذلك المترو في محطته الأخيرة بشارع عماد الدين ، شهدت مصر في ذلك الوقت نهضة مسرحية وفنية كبيرة ربما منذ عام 1869، وذلك حين تتابع وصول العديد من الفرق الأجنبية ، التي واصلت مسيرتها إلى مصر منذ ذلك التاريخ ولم تتوقف حتى الحرب العالمية الأولى إلا تحت ضغط بعض الظروف السياسية ، كانت هناك 3 دول تتصارع ثقافيا وكان المسرح هو محور ذلك الصراع ، وربما كان هذا أيضا هو الدافع وراء بناء مسارح شهيرة مثل مسرح البراديز والبوليتاما وتياترو عباس .

-3 -

رغم أنك يا زينب لم تحبي المسلسل الذي حمل اسم " زمن عماد الدين " إلا أنك أحببت الشارع ، أحببت الزمن ، هذا الزخم الذي كان يملأه ، المسارح والسينمات التي تتراص على جانبيه ، المقاهي التي تملأه منذ بدايته وحتى نهايته ، المقاهي التي التقى عليها فريد الأطرش والشيخ زكريا أحمد و بديعة مصابني وسيد درويش ومحمد فوزي ومحمد عبد الوهاب ومحمد قنديل ، ويوسف وهبي ، المسارح التي شهدت حربا فنية شعواء بين طرفي الكوميديا في ذلك الوقت بين نجيب الريحاني وعلي الكسار ، السينمات التي شهدت بزوغ السينما في مصر ، وعرض في قاعاتها الأفلام الأبيض والأسود ، والمسلسلات الأجنبية قبل اختراع التليفزيون التي كانت تدور حول مغامرات طرزان وأقرانه ، كل هذا اختفي يا زينب ، لم يبق منه إلا أقل القليل ، اختفى نجوم السينما الذين كانوا يلتقون على مقاهيه ومسارحه وفضلوا الهري إلى مقاهي جديدة في عباس العثقاد والمهندسين ، اختفى العاشقون الذين كانوا يسيرون يدا بيد ، يخلقون على أرصفته قصة حبهم ، ويفكرون في أن يدخلوا حفلة الفيلم الجديد لكمال الشناوي وشادية ، وسيبكون عندما تدمع عينا فاتن حمامة على حلمها الذي لم يتحقق .
اختفت الكثير من ملامح هذا الزمن ، ما تبقى معالم شهواء ، سينمات تقاوم الانقراض ، سينمات محترقة ، ومسارح تعلوها الأتربة ، كل هذا وسط زحف محلات الأجهزة الكهربائية ، و صالونات الحلاقة ، ومحلات بيع القصب ، وهجمة أثرياء الحرب الجدد لشراء ماتبقى من بنايات قديمة جديدة ، حين قلت هذا الكلام لصاحب أحد محلات بيع الأجهزة المستخدمة في استخراج البترول ، نظر لي قبل أن يسحب نفسا طويلا من الشيشة التي يضع مبسمها في فمه ، ثم سألني " يعني بلاش ناكل عيش ؟ " مفهوم أكل العيش هو الذي أصبح يسسطر ، مع أنه من السهل على هذه المحلات أن يكون لها أماكن أخرى ، ونحافظ في ذات الوقت على شاؤع ثري كهذا .
شارع عماد الدين هو كل تفاصيله الراحلة ، ربما لم يتبق منها يا زينب سوى بناياته القديمة ، تلك المبنية على الطراز الإيطالي ، والتي أقامها الخديوعباس حلمي الثاني ، واستخدم الرخام فيها في الأعمدة والسلالم ، ، وبعد عزل الخديو عباس بفترة آلت عمارات الخديوية هذه إلى أجنبي اسمه سيتون ثم تم ترميمها في أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات لتصبح مقرا للعديد من الشركات التجارية ، يتقدم الزمن ، ولا يفقد الشارع بريقه ، عمارات الشارع هي السبب في ذلك ، إنها من تشعر كأنك تسير في زمن غير الزمن ، في مكان غير المكان ، تغريد واحدة من الذين يحبون السير في شارع عماد الدين ، وقالت لي " مررت كثيرا بشارع عماد الدين ، إلا أني كنت أسميه شارع السينمات لأميزه عن باقى شوارع وسط البلد التي كنت أتوه فيها وفي أسمائها. لكن هذا الشارع الجميل جعلني أعيش الزمن الذي طالما أحببته من خلال الأفلام القديمة وأغاني عبد الحليم "
السينمات التي تحبها تغريد في الشارع يا زينب ، لم تعد موجودة ، انحصرت في سينمات قليلة متبقية ، بيجال ، وكريم ، وكوزموس ، بقيتها ضاع مع ضياع ملامح الشارع ، تغير مع هجمة الانفتاحيون الجدد الذين يرون أن المشروع التجاري أفضل وأكثر ربحية من سينما ، على جانبي الشارع يا زينب كانت هناك العديد من دور السينما الصيفية التي كانت مملوكة للأجانب ، تهدم العديد منها في فترة انحسار السينما في الستينيات ، واحترق جزء في حريق القاهرة ، وضاع جزء منها في فترة الانفتاح ، وأصبح شارع عماد الدين ذكرى تقاوم الانقراض .

- 4 -

حكاية شارع عماد الدين يا زينب قديمة ، حكاية الشيخ عماد الدين الذي تسمى الشارع باسمه أقدم ، عماد الدين يا زينب هو شيخ له ضريح بالقرب من تقاطع الشارع مع شارع الشيخ ريحان المجاور للجامعة الأمريكية ، وعليه كتابة تسجل تاريخ 1661 ميلادية، وفي بداية القرن العشرين ومع بزوغ جذوة النهضة الفنية تركز النشاط الفني كله حول الشارع فأنشئت التياتروهات والسينمات والمقاهي، وكانت الأوبرا القديمة في ميدان الأوبرا بالقرب منه، وشيئا فشيئا انتشرت المسارح والسينمات والمقاهي ودور الغناء والطرب، وفي مقدمتها مسرح الماجستيك الذي كان يمثل عليه على الكسار، وعلى غير بعيد منه كان هناك مسرح منافسه اللدود نجيب الريحاني ، بالقرب من الشارع يوجد أكثر من مقهى يرتبط بالشارع ، هناك شارع بعرة ، المقهى المشهور والخاص بالكومبارس ، هناك مقهى ام كلثوم ، والذي تغير منذ فترة وأصبح اسمه مقهى أم كلثوم وخليفتها في الغناء آمال ماهر ، هناك مقهى كوكب الشرق ، لكن هذه المقاهي أصبحت تتعامل بلغة العصر الحالي ، ولم تعد تنتمي إلى تاريخها القديم ، مع ان المثل القديم يقول " من فات قديمه تاه " ، هل يبدو هذا المثل مبررا للتوهة التي اصابت الشارع وساكنوه يا زينب .
- 5 -
يشبه شارع عماد الدين يا زينب إلى حد كبير شوارع الفن في المدن العالمية، شارع «برودواي» في نيويورك، يشبه حي «وست إند» في لندن، يشبه حي «البوليفار» في باريس، لكن الفارق أن هذه الشوارع حافظت على تاريخها ، فيما لم ينجح القائمون على الآثار في شارعنا في الحفاظ عليها ، في الحفاظ على ماتبقى من على الكسار ونجيب الريحاني، وموسيقى سيد درويش ومحمد عبد الوهاب وأم كلثوم، و منيرة المهدية والفنانة ملك وروز اليوسف، وأمينة رزق وأحمد علام وحسين رياض، واستيفان روستي ، هذا الشارع إذا تذكر ماضيه سيبكي : كان هناك مسرح الرينسانس على يسار مدخله ، وعليه قدم جورج أبيض مسرحيات أوديب وهاملت، ولويس الحادي عشر، وعلى الجانب الآخر من المدخل كان هناك مقهى متروبول وعلى موائده كان يجتمع نجيب الريحاني واستيفان روستي مع سائر الفنانين، وكان هناك مسرح برنتانيا وتألق على خشبته يوسف وهبي ونجيب الريحاني ومنيرة المهدية، وشهد فيه الجمهور «كشكش بيه»، و«راسبوتين»، و«أوبريت حورية هانم»، وكان هناك مسرح الكورسال القديم (مكانه عمارة حديثة الآن) وعليه قدم سيد درويش أوبريت العشرة الطيبة، وكان به مسرح «البيجو بالاس» وعليه قدمت منيرة المهدية أوبريتات «الغندورة» و«قمر الزمان»، وكانت هناك أول دار للسينما بعنوان الكوزموجراف الأميركاني، وكانت دارا مسرحية ، وعليها قدمت سارة برنار مسرحية النسر الصغير، وغيرها من ضمن خمسة عشر مسرحا كانت به، لم يبق منها سوى واحد فقط ، مسرح نجيب الريحاني من يزوره الآن سيبكي ألما على ما إل إليه حاله ، تهدم ، اصبح من طابق واحد تغطيه الأتربة ، والكراكيب ، وعليه أفيش مسرحية يشارك فيها " نجم الزمان الحالي " شعبان عبد الرحيم .
- 6 -
الجميل المتبقي بالقرب من شارع عماد الدين يا زينب هو أن الشوارع المحيطة به ما زالت تخلد ذكراه ، حيث نجد أنها ما زالت تحمل أسماء فناني ذلك العصر ، حيث نجد شارعا باسم سيد درويش وآخر باسم علي الكسار ، ونجيب الريحاني ، وزكريا أحمد ، ما زالت هذه الشوارع القريبة منه ، والمؤدية إليها تحمل هذه الأسماء ، وكأنها تقود من يسير فيها إليه ، تشير إلى الشارع تقول له ، هنا سار هؤلاء ، هنا كان زمن الفن الجميل ، هنا شارع عماد الدين .
حكايات شارع عماد الدين كثيرة يا زينب ، أتذكرها كلما مررت من هناك ، أتذكرها كلما رأيت بناية محروقة به لا تجد من يصلحها ، أتذكرها عندما أجد بناية كانت مسرحا قديما وتهدمت ، حكايات الشارع التي كانت مليئة بالفن والجنال تغيرت ، أصبحت كلها حكايات حزينة ، تبكي على ما آل إليه حال الشارع ، شارع عماد الدين الذي أحببتيه ما زال يبحث عمن ينقذه ويحوله إلى متحف فني كبير ، حكايات الشارع القديمة كثيرة يا زينب ، هل لديك وقت ؟ ، سأحكيها لك .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فصل من كتاب " بمحازاة القاهرة " لمحمد أبو زيد قيد النشر

15‏/10‏/2008

كتابة



اقرأ فيه
ملف خاص
عن الروائي الطاهر شرقاوي

مقالات بأقلام
جمال الغيطاني ، محمد بدوي ، محمود الورداني ، سيد الوكيل ، غادة نبيل ، نهى محمود
محمد خير ، هشام الصباحي
و حواران
نحن كتاب غلابة نعافر لكي نتواصل مع الناس
أجرى الحوار : محمد ربيع
المرأة منبع القص ورؤيتي للعالم مستوحاة منها
حاوره : عزة حسين

13‏/10‏/2008

من فيلم الوصايا العشر


ـ كانت بارعة الجمال .. ألم تكن كذلك ؟ ، المرأة التي تركت ندبة فى قلبك .. هل كانت بشرتها بيضاء كاللبن و عينيها خضراء كشجر الأرز في لبنان و شفتيها كرحيق العسل ذراعيها كانتا ناعمتين مثل صدر الحمامة و نبيذ الرغبة كان يجرى فى عروقها
ـ نعم .. كانت جميله مثل جوهره
ـ الجوهرة لها نيران براقة لكنها لا تمنح الدفء ، ونحن أيادينا ليست ناعمة لكنها قادرة على الخدمة ، أجسادنا ليست ناصعة البياض لكنها قويه ، شفاهنا ليست معطره لكنها تنطق بالصدق ، الحب ليس فنا بالنسبة لنا لكننا نعتبره الحياة ، ملابسنا ليست موشاة بالذهب و الكتان الناعم .. القوه و الشرف هو ما نرتديه ، مساكننا ليست الأعمدة و دهاليز القصور لكن أطفالنا يلعبون بسعاده سويا ، يمكننا أن نقدم لك القليل لكننا نقدم لك كل ما نملكه
ـ أنا لا أمتلك القليل يا سيفرا ، أنا لا أمتلك شيئا على الإطلاق
ـ لا شيء من البعض أكثر بكثير من الذهب عند آخرين

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من فيلم الوصايا العشرة

06‏/10‏/2008

ثورة الشك

1
أفتقد كوب اللبن في الصباح
وصوت جدتي
وصياح الديكة على الطائرات النفاثة
والعيون الحاضنة المحبة
.. ..
.. ..
لا أصدقاء جدد في الأفق
ولا قدامى

2
" أهرب من قلبي أروح على فين "
على أي رصيف سأجدني
يداي اللتان ماتتا على الكي بورد
تبحثان عن عيني
google
وصوت محمد عبد المطلب
الذي يغني للـ
hotmail
لم يشف غليلي
وأنا لست أنا
سعالي المتواصل لن يوقظ الجيران
لن يخيف مرضى السل منى
يا لي من غر يحاول نطق " الغرغرينة "
دون أن يزحم فمه الضحك

3
النجوم كاميرات مراقبة
والقمر رجل أعمال قاس
أسير متلفتا بحثا عن الطعنة القادمة
أهرول فوق الصخور
فتثقب قدمي خارجة من الجهة الأخرى
أفقأ العيون بقدمي فتنبت في جيبي
الطرق ملتوية
كأعناق مذعورة تتلفت للخلف
سأدمن الخوف و الفيشار ؛
الفيشار الذي سأنفخ فيه حتى يصبح بالونة
تحملني بعيدا

4
يخونني أعدائي
ولا يتآمرون ضدي
أصبحوا ساذجين طيبين
لم يكن هذا اتفاقنا
لم يمثلوا بجثتي بعد موتي
لم يهدوها لطلبة الطب الفقراء
صدقة على أرواح أمهاتهم
لم يصلبوني على جذوع النخل
لم يقطعوا أطرافي من خلاف
لم يدهسوا قلبي بأحذيتهم
كانوا رحيمين بي
وكنت ـ يا لعاري ـ
مقيدا إلى الرمال المزروعة بالعيون

5
كل شيء ليس حقيقيا
العيون كاذبة
والهواتف النقالة .. نقالة
وأنتوني هوبكنز
أجبرني على البكاء وحيدا
وأنا آكل ما تبقى من جسدي
..
متى أنتهي ؟

6
اليقين : خيانة الشك
الشك خيانة لليقين
لذا
لم أعد أحب الحكماء

7
لم أعد أصدق أحدا
سوى اهتزاز ترام عصبي
بسبب الزحام
سوى قدم زلت فانكسرت
إلى الأبد
سوى حفيدتي وهي تغني
بكل صدق
للسنجاب الملون

8
أكاد أشك في " أم كلثوم "
لأني أشك فيك وأنت مني

29‏/09‏/2008

سبتمبر .. شهر سيء السمعة


ربما كان الحدث الأكثر مأساوية في حياة آلاف الاقتصاديين في العالم خلال شهر سبتمبر هو إفلاس بنك برازرز الأميركي ، خاصة أن الإفلاس ساهم في انهيار العديد من البورصات في العالم ، في ظل مخاوف أن يشهد العالم أسوأ أزمة اقتصادية منذ قرن ، وبالنسبة للمصريين فلن ينسوا لمدة طويلة حدثا وقع في الأيام الأولى من شهر أيلول الجاري وهو انهيار صخرة الدويقة والتي راح ضحية لها أكثر من مائة شخص ، وتشرد المئات في المقابل ، ومنذ أيام حريق المسرح القومي لكن إذا كانت هذه الأحداث هي الأبرز خلال هذا الشهر ، فإن شهر سبتمبر في اعتقاد الكثيرين هو الأسوأ سياسيا كل عام .
ويحق للسياسيين أن ينتظروا شهر سبتمبر كل عام بترقب ، فهو الشهر الذي يرى كثيرون أنه لا بد أن يشهد أحداثا مأساوية كل عام ، لدرجة أنه أطلق عليه لقب " أيلول " الأسود .
أشهر أحداث سبتمبر المأساوية هي الأحداث التي ارتبطت باسمه " أحداث 11 سبتمبر " 2001 ، وانهيار برجي التجارة العالمية ، و رحيل الزعيم المصري جمال عبد الناصر المفاجئ في 28 سبتمبر 1970 في وقت كانت تحتل فيه إسرائيل قطاعات عريضة من الوطن العربي ، وأيضا مذبحة صابرا و شاتيلا التي حدثت في نفس الشهر .
العالم قبل 11 سبتمبر يختلف عن العالم قبله ، هذه هي الجملة التي أصبحت الأشهر على ألسنة السياسيين في إشارة إلى التغيير الذي أحدثته أحداث 11 سبتمبر في العالم كله ، في صباح ذلك اليوم أقلعت طائرتان من مطار بوسطن في طريقهما إلى لوس أنجلوس ، غير أن رسل الموت شاءت أن يكون لها طريق آخر ، فارتطمت إحداهما بالبرج الشمالي لمركز التجارة العالمي ،وارتطمت والثانية بعدها ب 18دقيقة بالبرج الجنوبي للمركز وبعد حوالي ساعة ارتطمت طائرة ثالثة بالجانب الغربي لمبنى البنتاجون وسقطت الطائرة الرابعة قرب بنسلفانيا ، كان مشهدا لا يمكن محوه من ذاكرة التاريخ ، و كان العالم كله يشاهد الحدث في نفس اللحظة ، وهو يعتقد أنه يرى مجرد فيلم أمريكي مبهر ، هذه الأحداث التي أسفرت عن مقتل قرابة ثلاثة آلف أميركي ترتب عليها احتلال أفغانستان ، وسقوط دولة طالبان ، و احتلال العراق فيما بعد بحجة مطاردة الإرهاب وبدء الحرب العالمية على الإرهاب والتي كانت تقودها أميركا بمنطق من ليس معنا فهو ضدنا ، ووضع أسامة بن لادن وأيمن الظواهري على قمة المطلوبين في العالم ، وبالنسبة للعالم العربي فقد أصبحت النظرة التي توجه إلى أي شخص على أنه إرهابي حتى يثبت العكس .
إذا كانت أحداث 11 سبتمبر هي الأشهر فإن هناك عشرات الأحداث لا يمكن محوها من ذاكرة التاريخ سجلت في صفحات هذا الشهر ، ففي سنة 1939 في الساعة الرابعة وخمس وأربعين دقيقة فجر هذا اليوم بدأت الحرب العالمية الثانية بغزو ألمانيا لبولندا وفي سنة 1666 بدء حريق لندن الكبير الذي استمر خمسة أيام وأتى على المدينة كلها وإذا عدنا للخلف قليلا في التاريخ ففي 4 من هذا الشهر سنة 1870 كانت هزيمة نابليون الثالث إمبراطور فرنسا أمام القوات الألمانية ووقوعه أسيراً في يد الألمان ، أما التاريخ العربي فهو يذخر بعشرات الأحداث المأساوية ، معظمها متعلق بالصراع العربي الإسرائيلي ففي هذا الشهر سنة 1978 بدأت مباحثات كامب ديفيد التي استمرت حتى السابع عشر من ذات الشهر وأسفرت عن توقيع وثيقتين بين مصر وإسرائيل ، وهو نفس الشهر أيضا الذي شهد توقيع اتفاقية أوسلو لذا يعتبره أعداء التطبيع شهرا سيء السمعة ، وفي عام 1922 إعلان الوصاية البريطانية على فلسطين ، ويوم 14 من هذا الشهر سنة 1982 كان اغتيال الرئيس اللبناني بشير الجميل ، وفي اليوم التالي كان غزو إسرائيل الشامل لمدينة بيروت في أعقاب الاغتيال ، وفي سنة 1931 حاكمت السلطات الإيطالية الزعيم الليبي عمر المختار وحكمت عليه بالإعدام ، ونفذ الحكم في نفس الشهر ، وفي سنة 1882 احتلت القوات البريطانية القاهرة، وكان استسلام أحمد عرابي ونفيه إلى سيلان ، وفي سبتمبر 1991 تم فرض عقوبات على العراق استمرت أحد عشر عاماً قبل أن يدخل العراق في دوامة الاحتلال الأميركي
وفي سنة 1967 تم إعلان وفاة المشير عبد الحكيم عامر منتحرا بالسم عقب هزيمة يونيه ، والتي اصطلح على تسميتها بالنكسة .
وإذا كان وزير دفاع عبد الناصر انتحر في شهر سبتمبر ، فإن عبد الناصر نفسه ، فارق الحياة في نفس الشهر عام 1970 ، تاركا بعد أن خاض حرب الاستنزاف مع إسرائيل ، لتدخل مصر مرحلة جديدة ومختلفة مع العالم العربي مع بداية حكم الرئيس محمد أنور السادات ، لكن نهاية الرئيس السادات كانت بدايتها في شهر سبتمبر أيضا حين أصدر ما عرف بقرارات سبتمبر السوداء ، في 5 سبتمبر 1981 ، حيث قرر اعتقال النخبة المثقفة والسياسية والدينية و الصحفية والطلابية بجميع انتماءاتها ومراكزها وأعمارها وإلقائهم في السجن ، وقال خطبته الشهيرة في هذا اليوم والتي اقتص فيها من خصومه ، ويعبر المؤرخون أن هذه الأحداث كانت بداية نهاية السادات ، فيعد شهر ويوم تم اغتياله إثناء حضوره عرضا عسكريا بمناسبة انتصارات حرب أكتوبر .
أما لقب أيلول الأسود فقد أطلق على شهر سبتمبر 1970 والذي شهد قتالاً طاحناً بين الجيش الأردني والحركات الفلسطينية بالأردن وسقط فيه مئات الشهداء من الجانبين ، بأيد عربية ، وهي الأحداث التي أدت إلى خروج المقاومة الفلسطينية من الأردن إلى لبنان ، و تشكلت على خلفية هذه الأحداث منظمة أيلول الأسود التي نفذت عملية اغتيال أحد عشر رياضيا إسرائيليا في دورة الألعاب الاولمبية لعام 1972 في ميونخ بألمانيا، واغتيال رئيس الوزراء الأردني وصفي التل في القاهرة في 1971 الذي حملته المنظمة أحداث أيلول الأسود ، وأحداث ميونيخ هي عملية فدائية فلسطينية تم تنفيذها خلال أولمبياد ميونيخ عام 1972. في هذه العملية تم احتجاز 11 رياضي إسرائيلي في القرية الأوليمبية في ميونيخ كرهائن من قبل فدائيين من منظمة " أيلول الأسود "، وكانت مطالب الفدائيين في هذه العملية الإفراج عن 200 أسير فلسطيني في السجون الإسرائيلية، وحاصرت الشرطة الألمانية المبنى ولكن الشرطة لم تفلح بتحرير الرهائن .
ويبدو أن التاريخ الفلسطيني الحديث ترتبط مآسيه بشكل ما بشهر سبتمبر ، فقد وقعت مذبحة صابرا وشاتيلا عام 1982 في هذا الشهر ببيروت والتي راح ضحيتها ما يزيد عن 4 ألاف فلسطيني ولبناني ، وفي السنوات الأخيرة وقعت أيضا مذبحة جباليا في هذا الشهر عام 2004 .
في عالم السياسة لا يمكن القول بالتفاؤل والتشاؤم ، فالأمور تكون محسوبة بطريقة أخرى ، لكن من يتأمل شهر سبتمبر وأحداثه المأساوية لا يملك إلا أن يصيح فيه : أيها الشهر .. ترفق .

30‏/08‏/2008

الأواني غير المستطرقة

خمسة وتسعون بالمائة عادة من الأعمال التي تثار حولها ضجة ، أكتشف في النهاية أنها لا تستحق هذه الضجة ، وأن هناك أعمالا أهم بكثير تمر مرور الكرام ، دون أن تلتفت إليها عين القارئ المنبهر ببريق الدعاية ، وفي ظني فالضجة تثار حول أعمال بعينها ( نسبة الخمسة وتسعين بالمائة ) لسببين إما لأن المؤلف يجيد العلاقات العامة ، ويرتبط بعلاقات جيدة مع الصحفيين في الصفحات الثقافية في المجلات والجرائد ، وبالنقاد ، وبمعدي البرامج الفضائية ، أو لغباء في أجهزة الضبطية القضائية والتي تقوم بمصادرة كتب لن يتوقف أمامها الكثيرون لو لم تتم مصادرتها ، فروايات مثل شفرة دافنشي ، أو بنات الرياض ، لا أعتقد أنها عالية القيمة الفنية ، ولولا الضجة المثارة بسبب دعاوى المصادرة لما لفتت الانتباه كثيرا و لو نظرنا أيضا إلى شيكاغو علاء الأسواني ، فلولا الضجة الإعلامية لمر العمل عاديا ، لكن تحويل علاء الأسواني إلى أيقونة ثقافية وأنه رمز للرواية المصرية ، ربما كان سببا في هذا ، وحتى الآن لا أفهم لماذا طبعت راوية مثل " ربع جرام " تسع طبعات ، ولا أفهم لماذا يضع صاحبها على الغلاف أنه رواية واقعية ، ويصرح بأنه يكتب روايته للموعظة ، وهل يكتب الأدب للموعظة " يا راجل يا طيب ؟ " ، ويمكن تفسير أن هناك طبقة جديدة من القراء في مصر كانت قد توقفت قراءتها وذائقتها الأدبية عند كتابات إحسان عبد القدوس ويوسف السباعي ومحمد عبد الحليم عبد الله ، ولم ينتبهوا إلى أن هناك أربعة أجيال على الأقل جاءت بعد هؤلاء الكتاب ، هذه الشريحة ، التي تقرأ في المصايف والنوادي ، هي التي تشتري الآن تسع طبعات من " ربع جرام " وعشرة من " تاكسي " ومثلهم من " شيكاغو " ، سأضرب لك مثالا أنه في فترة كانت هذه الطبقة تبحث بجدية عن " كتاب الفليت " الذي يقال أنه صودر ، وكتاب الفليت هذا يقصدون به مجموعة "نيران صديقة " لعلاء الأسواني والتي كان مرسوما على غلافها " علبة فليت " ، وكانوا يبحثون عنها لأن هناك إشاعة لا تعرف من أطلقها تقول أنها صودرت ، ربما يبدو الخطير في هذا الأمر أن تقود هذه النوعية من القراء ، من الذائقة الأدبية سوق القراءة في مصر ، أن تنتصر لنوعية من الكتابة تعتمد على الإثارة أكثر من اعتمادها على الفن ، الأخطر أن توجه الكتابة ذاتها في الاتجاه الذي تريده .
عموما فأرقام التوزيع ليست هي الفيصل فدائما كان خليل حنا تادرس يوزع من أعماله آلاف النسخ في السنة في حين لا يتجاوز نجيب محفوظ خط الثلاثة آلاف نسخة .
نسبة الخمسة بالمائة الباقية هي أعمال حقيقية أجبرت النقد والقراء أن يلتفتوا إليها لأنها تستحق ذلك ، أستطيع أن أدلل لك بالروايات الأخيرة : فانيليا لطاهر شرقاوي وسرير الرجل الإيطالي لمحمد صلاح العزب وهدوء القتلة لطارق إمام و كيرياليسون لهاني عبد المريد وفاصل للدهشة لمحمد الفخراني وشغل كايرو لمحمود عزت ، وكلها أعمال حقيقية وجيدة ، وعلى سبيل المثال أنا أعرف أن الطاهر شرقاوي مثلا لا يسعى للإعلام ، ولا يدفع النقاد ليكتبوا عنه ، لكن كم المقالات النقدية التي كتبت عنه ، والحوارات التي أجريت حول الرواية تكشف أن العمل الجيد يفرض نفسه في النهاية مهما فعل الذين يشتهرون بالعلاقات العامة ، أوبالدعوة للمصادرة .
عادة لا أقبل كثيرا على قراءة الأعمال التي تثير ضجة ، في معظمها ، مفتعلة ليقين لدي أن هذه الضجة ليست لجودة في العمل ، وحين أقرؤها بعد ذلك بدافع الفضول ليس أكثر أدرك أنني على حق .

08‏/07‏/2008

عرض أزياء


دائما
مع كل قمة عربية
أو قمة إفريقية
أو أشوف صورة
أسأل
الراجل ده بيشتري الحاجات اللي بيلبسها دي منين ؟
حد يعرف ؟





















07‏/07‏/2008

كباريه : المجتمع على طريقة " صدق أو لا تصدق "


على أفيش فيلم " كباريه " تتزاحم وجوه خمسة عشر نجما مصريا ، من نجوم الصف الثاني ، يقابله ازدحام مقابل في الفيلم الذي يخرجه سامح عبد العزيز وكتبه أحمد عبد الله ، وأنتجه أحمد السبكي الذي تعود معه جمهور السينما على أفلام لا يمكن القول أنها تنتمي كثيرا إلى عالم السينما ، لذا كانت المفاجأة للجمهور هو فيلم فيه عدد كبير من الفنانين ويقدم قصة تسعى إلى أن تكون حكاية لابأس بها .

الفيلم الذي يقوم ببطولته جومانة مراد ، وصلاح عبد الله ، و محمد لطفي ، وهالة فاخر , وخالد الصاوي ,و إدوارد , و دنيا سمير غانم , وماجد الكدواني و أحمد بدير ,وعلاء مرسي ، و محمد الصاوي ، ورانيا يوسف ، و فتحي عبد الوهاب ومحمود الجندي ، ومي كساب ، يلعب على تيمة التناقضات في الشخصية المصرية ، يحاول أن ينتقد الازدواجية في المجتمع المصري ، من خلال حصر معظم شرائح المجتمع المصري الذين يجتمعون في الكباريه الذي تدور فيه الأحداث ، والتي تتوزع حيواتها بين الديني والدنيوي ، فيقدم عالم الأخيار ، الناس خارج الكباريه ، والأشرار : العاملين داخل الكباريه ، ثم يقدم كل شخصية من الأشرار بحكايتين : جانبها الدنيوي الشرير بعملها في الكباري ، وجانبها الخير ، سواء كانت تصلي أو تعتمر أو تسعى للحج ، وربما بهذا يسعى المخرج إلى أن يقول أن العالم الذي نعيش فيه هو كباريه آخر يشبه الكباريه الذي ستدور فيه أحداث الفيلم .

" كباريه " يمكن القول أنه فيلم التناقضات الغريبة ، فيلم ينتمي إلى عالم الفانتازيا خاصة إذا نظرنا إلى شخصياته المرسومة بخفة ، كلها بأكثر من وجه ، وجه العاملين في الكباريه وجه حياتهم الحقيقية خارج الكباريه حيث يعيشون ، كلهم بلا استثناء ، حيواتهم مأساوية ، لكنها غير معمقة، فنجد " فؤاد " صاحب الكباريه الذي قام بدوره الفنان صلاح عبد الله يشرب اللبن ، وهو يتأمل الناس تتناول الخمر ويقتسم مع بنات الليل نقودهن ، يستمع إلى النقشبندي في دعاء " مولاي إني ببابك " فيما يصدح المطربين الشعبيين في صالة الكباريه بأغاني ساذجة وتافهة ، يجهز التذاكر للسفر للعمرة ، في الوقت الذي تعقد فيه الصفقات الجنسية في صالة الكباريه ويدفع " بوسي " التي قامت بدورها دنيا سمير غانم للجلوس مع الزبائن ، نجد أيضا شخصية " نهى " مضيفة الكباريه والتي قامت بدورها الفنانة السورية جومانة مراد التي لا تتوقف عن الرقص طوال الليل واستقطاب البنات للعمل في الكباريه ، تجمع الفلوس حتى تذهب بوالدتها إلى الحج ، قمة التناقض أيضا في شخصية سيد كيت جامع النقطة والتي قام بها علاء المرسي ، الذي يجمع آلاف الجنيهات وهو لا يملك ألف جنيه حتى تذهب ابنته إلى المدرسة ، و نجد " عم علام "، المشرف على العاملين بالكباريه والذي قام بدوره الفنان أحمد بدير ، يتوقف عن متابعة الزبائن من أجل صلاة الفجر ، ويمكن هنا وضع عشرات التعجب بعد كل هذه التناقضات في شخصيات الفيلم

.

يحاول الفيلم تقديم ما وراء عالم الكباريه المعروف لنا بضجيجه وصخبه وصفقاته ، ما وراء الوجوه المبتسمة الراقصة الباحثة عن المتعة ، وينفذ إلى قصة كل شخص ، مأساته إذا شئت الدقة ،و كل شخصية في الفيلم تحمل مأساتها الخاصة ، فالبودي جارد " فرعون " والذي قدم شخصيته الفنان محمد لطفي في أحد أهم أدواره في الفترة الأخيرة و ببحة في الصوت كان أحد أبطال أكتوبر ، ولما لم تكرمه الدولة أو تقدم له شيئا اضطر للعمل حارسا في " الكباريه " ، الفنان الكوميدي ماجد الكدواني قدم دورا تراجيديا مهما : شقيق صاحب الكباريه الذي كان يملك نصفه ، و يضطر للعمل حارسا لدورات المياه رغم إنه " يحب الخمرة والنسوان " على حد قوله ، خالد الصاوي يقدم دور مطرب شعبي " بلعوم " تدعمه إحدى الثريات العراقية " أم حبشي " والتي قامت بدورها الفنانة هالة فاخر ، وتبكي على ما يحدث في العراق رغم أنها ولدت في أمريكا ، وعاشت في لندن ، وتعلمت في بيروت ، وحتى لا يحزن يقرر بلعوم عمل أعنية للوحدة العربية " لا تقولي الحلم العربي ولا الضمير العربي " على حد قوله ، وهي الأغنية التي تؤكد أن العالم العربي كله يجتمع في الكباريه وليست شرائح المجتمع المصري فحسب " بحيي السعودية ، والدول العربية ، بمسي ع الإمارات ، عشان كلها دينارات " إلى باقي الأغنية.

يقدم الفيلم أيضا الصراع بين المطربين الشعبيين على ملاهي شارع الهرم والصراع بين الجيل الجيل والقديم ودعم بعض السيداتالغنيات لبعضهم ، ويتردد أن قصة الصراع بين مطربي الفيلم " خالد الصاوي ، وإدوارد " هي قصة معروفة ولأسماء مطربين معروفين ، وقد أشار البعض إلى أن الفيلم يتناول حياة المطرب "عمدة" في دور "بلعوم" خاصة وأنه يشبه الاحداث من خلال استعانته بسيارة "هامر" من "ام حبشي" والتي هي في واقع الأمر الاميرة "هند الفاسي" ، وقال البعض أن الصراع بين المطربين الشعبيين خالد الصاوي ، وإدوارد ، هو نفسه بين حكيم ، وسعد الصغير ، ثم بين سعد الصغير وعماد بعرور .


و رغم أن قصة الفيلم تدعو للنظر إلى شخصيات الكباريه بشكل إنساني والتعاطف مع قصصهم الإنسانية ومآسيهم .بعيدا عن وجوههم المئلئة بالماكياج المزيف ، لكنها لا تخلو من سذاجة وسطحية في الطرح ، فجملة قالها شعلان الانتحاري الذي ينتمي لإحدى الجماعات الراديكالية الذي قام بدوره في الفيلم فتحي عبد الوهاب ، بالتأكيد لن تكون مبررا كافيا لعم علام " أحمد بدير " ليترك العمل في الكباريه بعد أن يقتنع أن العمل فيه حرام ، وجملة قالتها مضيفة الكباريه " جومانة مراد ، للفتاة " بوسي " التي قامت بدورها دنيا سمير غانم ، لن تكون مبررا لأن تعود مرة اخرى إلى الكباريه بعد أن تتركه ، كما أن ظاهرة الإرهاب تناولها الفيلم بسطحية : إنتحاري يحاول تفجير الكباريه ولما يدخل يسكر ، ثم يقتنع بالحوار ، لكن من أرسلوه لا يقتنعون فيفجرون الكباريه بمن فيه ، خاصة وأن هذه النهاية وإن كانت تشوبها شائبة الاستسهال إلا أنها أيضا تحاول أن تقول للمشاهد أن كل من في هذه الكباريه في النهاية كافرون وسيذهبون إلى النار وسيموتون حرقا ، ثم الصراع بين أبطال الكباريه والذي ينتهي بمحاولة قتل شقيق مالك الكباريه له ، وموت عريس قضى ليلته في الكباريه ، وموت والدة مضيفة الكباريه ، ومحاولة مطرب شعبي قديم قتل مطرب شعبي جديد ، وتفجير الكباريه في النهاية ، لينعدم في النهاية السؤال عن معنى المنطق أو مدى صدقية ما يقدم .

الفيلم الذي يدور في ليلة واحدة تبدو نهايته مأساوية ، لكنها ساذجة أيضا ، وهي تفجير الكباريه بكل من فيه ، ولا ينجو إلا عم علام " أحمد بدير " الشخص الذي قرر ترك العمل في الكازينو ، وهي نهاية عاجزة ، تكشف عن فشل السيناريو في وضع نهاية مناسبة لمشاكل أفراد أبطال الفيلم ، فقرر أن يضحي بأبطال الفيلم والقصة والجمهور ، وفكرة الفيلم ، لكي ينتهي الفيلم ويريح ويستريح .

الفيلم قياسا إلى من قدموه هو الأفضل بالنسبة لهم ، فهو الأفضل بالنسبة للسيناريست أحمد عبد الله الذي لم يقدم عملا جادا أو ذا فكرة جيدة من قبل ، هو الأفضل للمخرج سامح عبد العزيز الذي قدم من قبل عددا من الكليبات وإن كان اعتمد كثيرا على هذ في الفيلم الذي امتلأ بالأغاني للمطربين " خمسة مطربين شعبيين في الفيلم ، لكل مطرب أغنية " ، وإن كان نجح في المزج بين الموسيقى التصويرية في مشاهد فتحي عبد الوهاب والرقص في الكباريه ، كما يحسب له أنه قدم ماجد الكدواني ومحمد لطفي في أدوار مختلفة وجديدة بالنسية لهم ، الفيلم هو الأفضل بالنسبة لمنتجه أحمد السبكي الذي لم يتعود الجمهور المصري منه على فيلم يحمل قيمة من قبل ، أيا كان حجم هذا القيمة ، هو فيلم جيد بالنسبة لمن قدموه ، ولا يمكن الطمع بمطالبتهم بالأفضل من هذا .

لا يمكن مقارنة الفيلم بأية حال من الأحوال بأي فيلم عالمي من الأفلام التي دارات في مقهى ليلي ، أو تناولت حياة شخوصه ، لا يمكن تشبيهه بفيلم كاميرون دياز الجميل " الطاحونة الحمراء " أو بفيلم ريتشارد جير وكاثرين زيتا جونز الاستعراضي " شيكاغو " ، أو الفيلم الأمريكي الشهير " كباريه " للايزا مانيلي ، أو حتى بالأفلام المهمة التيس قدمت أزمة تجمع بين أكثر من شخص في مكان واحد مثل الفيلم المهم لصلاح أبو سيف " بين السما والأرض "

ورغم تصدرالفيلم قمة قائمة إيرادات أفلام هذا الموسم السينمائي رغم وجود أفلام أكثر كلفة مادية منه مثل فيلم " ليلة البيبي دول " إلا أنه بالرغم من ذلك لا يمكن النظر إليه إلا على اعتبار أنه فيلم صيفي غنائي مسل، ليس أكثر ، يقدم المجتمع المصري على طريقة " صدق أو لا تصدق "

ــــــــــــــــــــــــــــــ

نشر بالشرق الأوسط