25‏/11‏/2011

كراكيب نهى محمود..تحيا الحياة

محمد أبو زيد

1

يعرف من يقرأ مدونة "نهى محمود"، أنها أمسكت أذن الحمار ـ يا للعجب ـ وركبت الجمل ـ كما نشرت صورا لها وهي تعتلي سنامه ـ عندما زارت أسوان والأقصر، يعرف أنها ذهبت إلى سوهاج لزيارة زينب، وفتيات من قارئاتها من هناك، يعرف أنها تكره البطيخ، وتعتقد أن شكله الأخضر المزيف يخفي خلفه أسرار مجرم حرب هارب من الحرب العالمية الثانية، وإدمانها المطبخ، ويعرف أيضا أنها تكره الكاتشب بقدر ما تحب كاظم الساهر.

لن يكون القارئ بحاجة لأن يكون صديقا شخصيا لنهى حتى يعرف كل هذه التفاصيل، فزيارة مدونتها كفيلة بهذا، هذا لأن نهى تعتبر أن صديقتها الحميمة، وربما الوحيدة، هي المدونة، التي تبوح لها بأدق تفاصيل حياتها، بأسرارها، وأحزانها، وأفراحها، وجنونها، وهلاوسها أيضا، وأفلامها المفضلة.

من يريد أن يعرف نهى محمود جيدا، عليه فقط أن يدخل مدونتها، ليجد كل تفاصيل حياتها، ربما قبل أن يقرأ، سيكتشف أن شكل المدونة، يشبه غرفة مكتب خاصة بنهى، لون روز بناتي، صورها موجودة على سور المدونة، أغلفة كتبها الأربعة "نامت عليك حيطة"، " راكوشا"، "الحكي فوق مكعبات الرخام"، "كراكيب"، المقالات التي كتبت عنها، صورة كاتبتها المفضلة، قرينتها كما تحب أن تنادى، إيزابيل الليندي، روابط المقالات التي كتبت عنها وعن أعمالها، ولينك مدونتها الثانية "عالم صوفي"، وروابط مدونات أصدقائها في الكتابة والتدوين، وعداد زوار يقول إن عدد قرائها تجاوز حاجز ال125 ألف قارئ والذين تصفهم ب "المتلصصين"، فضلا عن بعض المقولات التي تحبها، تكشف عن أفكارها، واعتقاداتها، فلمدام دوستيل "الحب هو تاريخ المرأة وليس الا حادثا عابرا فى حياة الرجل"، ولفيويليتا بارا "الحب وحده بعلمه يعيدنا أبرياء"، وتضع تحت صورتها " ليه ترسمي الكون الوسيع صندوق ورق استسلمي واحلمي بكون جديد ومختلف اللي نلاقيه هوه المهم، وأي شئ بنخسره ماهوش مهم"، لكنها قبل هذا كله تضع تحت اسم مدونتها كلمة تخصها " الكتابة وردة روز في كتاب الحياة لا تذبل أبدا".

ما سبق هو تفاصيل غرفة فتاة، أو سطح مكتب الكومبيوتر الخاص بها، لكن نهى حولته إلى مدونتها الخاصة، التي يشاركها بهجتها أصدقاؤها، وقراؤها، وربما هو ما يفسر أيضا مغزى اسم المدونة "كراكيب"، ونسبة الكلمة إلى اسم نهى، يكشف عن أن المدونة هي كراكيب من عالم نهى الخاص، من تفاصيل حياتها، هكذا بدون ترتيب، تأتي بشكل اعتباطي، غير مرتبة، ولا مقصودة، بعضها قديم، وبعضها من الذاكرة، لكنه يأتي في شكل تدوينات جميلة.

هذا عن شكل المدونة الخارجي، لكن محتوى المدونة الداخلي لا يختلف كثيرا عن شكلها، ففيه تفاصيل أكثر عن نهى، عن حياتها، كتابتها، أصدقائها، ما يضحكها، ما يحزنها، أفلامها المفضلة، انكساراتها، وأعتقد أن المدونات في مصر لو حافظت على ما تتميز به مدونة نهى محمود من مصداقية، واقتراب من الذات، وتلامس معها، لم يكن لها أن تتراجع أمام الفيس بوك وتويتر، اللذين التصقا بالذات أكثر.

فقبل سبع سنوات عندما بدأت المدونات في غزو مصر، لم تكن كما هي عليه الآن، كان جزءا منها يقوم بدور سياسي وصحفي، مثل مدونة وائل عباس "الوعي المصري"، ولكن كان الجزء الأكبر منها يقوم بالتأريخ لمشاعر جيل افتقد الحرية، ووجد في المدونات ما يعبر عنه، فكتب عن كل شيء، لكن كان هو، أي هذا الجيل، في مقدمة الكتابة.

الفكرة الأساسية التي قامت عليها المدونات هو ما ذكرته سابقا، هو تدوين الذات، كتابة الذات، أن تصبح المدونة دفتر مذكرات للشخص، عن أهم مشاهداته، وتعليقاته، وحالته الوجدانية، أن ينتقل كشكول المذكرات الشخصية اليومية على الانترنت ليتشارك فيها مع الآخرين، أو لا يتشارك، وهو ما نجح الفيس بوك فيه في سحب البساط من تحت أقدام المدونات، فيما تحولت المدونات في جزء كبير منها إلى ما يشبه المنتديات، أو دور نشر لنشر الكتب والمقالات، أو بديلا للمواقع الشخصية، والمجلات لدى الكثيرين، ومع هذا ظل القلائل هم الذين يستطيعون الحفاظ على وجود مدوناتهم على حالها، وعلى تماسها مع ذواتهم، ومن هذه المدونات مدونة نهى.

منذ أربع سنوات تقريبا، بدأ موسم الهجرة الجماعي، من المدونين، إلى الفيس بوك، بدلا من مدوناتهم، بل وهجرة المدونات تماما مع كثير من الأشخاص، كان الفيس بوك عالما أكثر حميمية، التعرف وجها إلى وجه عن طريق الرسائل والشات والصور، والتعليقات القصيرة، بل والدخول إلى تفاصيل حياة الأصدقاء، بفرض صدقيتها، الأصدقاء الذين تم التعرف عليهم، غالبا على المدونات، عن طريق قراءة ما يكتبون، أو التعليق عليهم، وخلق عالم افتراضي سعيد، يقوم على العلاقة بين القارئ "المدون"، والكاتب "المعلق"، فقط، كسر الفيس بوك الهوة بين الاثنين، حطم ، لم ينجح موقع "فيس بوك"، كثيرا مع نهى في أن يحولها عن المدونة، كما فعل مع كثيرين، كان الفيس بوك يعني لها مزيدا من الفضفضة التي تحبها، والثرثرة العذبة، تماما كما تفعل في المدونة، لكن بشكل أكثر حميمية.

الكتابة وردة روز في كتاب الحياة، هكذا تتعامل نهى مع مدونتها ومع كتابتها، على اعتبار أنها وردتها التي لا تذبل أبدا، وتسعى للحفاظ عليها حية طوال الوقت، بكتابة صادقة، وطازجة في آن.

2

أول مرة التقي فيها نهى محمود، كان في كافيتريا على سطح فندق أوديون، في وسط البلد، بصحبة الصديقين الطاهر شرقاوي، وسهى زكي، والصغيرة نهى بكر، وأعتقد أن المناسبة كان احتفالا بعيد عيد ميلاد سهى، كانت نهى في ذلك اليوم منهارة تماما، فقد قررت أن تزيح جانبا كبيرا من حياتها جانبا، وأن تغلق مدونتها، دار النقاش، طوال ذلك الليل عن الأسباب والمبررات، وأهمية أن تظل المدونة موجودة، حتى لو قررت ألا تكتب فيها مرة أخرى، لأنها تؤرخ فيها جانبا من حياتها، وتفاصيل أيامها، لكن ما حدث في الليلة السابقة، كما حكت لنا نهى، أنها ظلت سهرانة تقرأ التدوينات التي كتبتها، تم تمسحها، تقرأ التدوينات ثم تمسحها، ومع آخر سطر في المدونة، كانت نهى قد ضغطت على آخر Delete لآخر "بوست" في المدونة، وأتت عليها كلها.

لم اكن أعرف نهى جيدا، فقد كنت أول مرة أقابلها، كنت أعرفها من خلال مدونتها، وتعرفني من خلال مدونتي، ونتبادل التعليقات على ما نكتب، ثم اكتشفنا أن بيننا أصدقاء مشتركين، لكنها كانت في تلك الليلة تبكي، ولم أكن أعرف لماذا، هل تبكي بسبب الموقف، الذي جعلها، وربما أجبرها، على حذف المدونة، أم تبكي لأنها مسحت مدونتها، وهي لم تكن تحتفظ بتلك التدوينات مكتوبة على الكومبيوتر لديها، لأنها كما عرفت فيما بعد، تكتب مباشرة على المدونة؟

ما حدث بعد ذلك يمكن وصفه بمظاهرة في حب مدونة "كراكيب نهى محمود"، قادها القاص طه عبد المنعم، حيث أنشأ جروبا على الفيس بوك باسم "محبي مدونة كراكيب نهى محمود"، كان الهدف الأساسي للجروب، هو دعوة نهى لإعادة فتح مدونتها، في أقل من ثلاثة أيام، كان أعضاء المجموعة قد تجاوزوا، المائة عضو، وامتلأ حائط المجموعة على الفيس بوك بعبارات تدعوها للإقلاع عن جريمتها النكراء، أول تعليق كتبه طه " كتبت نهى محمود، المدونة مغلقه لنفاذ الغرض منها، وكتب طه عبد المنعم: إيه معنى التهريج اللى أنت عاملاه على مدونتك،ولكنها لم ترد"، وكتب أحمد علي عبد النور " ايه يا نهى طبعا انا مش عارف ايه اللى حصل بس شكلك مزعله الناس منك وده عيب، صلى على النبى وشوفيهم عايزين إيه"، وبعد أن انضمت نهى للجروب، كتب الروائي نائل الطوخي معلقا " هي نهى محمود انضمت للجماعة التي تطالب نهى محمود بفتح مدونتها ولا أنا فاهم غلط يا جماعة؟،يعني نهى الآ، تشكل جزءا من طاقة الضغط على نهى؟، لكن يبدو أن كلام نائل كان يحمل جانبا كبيرا من الصواب، فنهى نفسها كانت تريد عودة المدونة، وفي يوم 5 ديسمبر 2007 ، وتحت عنوان يحمل دلالة واضحة "عودة الروح"، كتبت أول تدوينة جديدة لها في المدونة تقول " الكتابة هي الحالة الموازية للحزن في الحياة، وللحلم في النوم، وللحب في عالم موحش لا يسكنه بشر، الكتابة .. تلك المساحة المصبوغة بالدم..هنا تتجسد مشاعري واقعا ملموسا أستطيع أن أراه وأرقبه عن كثب، أقبله كإيمان أو أتبرأ منه، هنا حدود لعالم يعرفني وأطمئن له، أي غضب ذلك الذي سكنها لحظة أن قررت تشويه ذلك الجزء الحميم من عالمها ، وصمة القبح في تلك النقطة الرائقة من تاريخها المهووسة بكتابته على جدران المعابد كالفراعنة، المهووسين بدورهم بالخلود، أرادت ان تحفظ لحظة الغضب هذه تحديدا ان تجمدها، توقف خطوط الزمن وناموس النسيان بأن تدمر شئيا تحبه جد تدمره فتحمل وجع وخطيئة تكفيها مائة عام، لتتذكر ألا تسامح ،ربما تبدو اسباب الرحيل غامضة، لكن أسباب العودة واضحة تماما،أعتذر لكم جميعا وتعجز كلماتي عن وصف امتناني ومحبتي".

3

تحولت مدونة "كراكيب نهى محمود"، أو أجزاء منها، إلى كتابين، الأول بالاشتراك مع القاص والكاتب الساخر محمد فتحي باسم "نامت عليك حيطة"، والثاني باسم "كراكيب"، وفي الكتابين تتماس خيوط السيرة الذاتية مع الكتابة الأدبية، وهو أكثر ما يميز مدونة نهى محمود.

البعض لا يعرف الفارق بين الأدب والسيرة الذاتية، وكتابة المذكرات، لذا يقع قارئ مدونة نهى دائما في المساحة الفاصلة بين الخيال والواقع، أو كما تقول هي في روايتها الأخيرة، قد يلف حبل الحقيقة على المتخيل، تسحبه التفاصيل شديدة الواقعية، ليعتقد أن المتخيل هو الواقعي الأكيد، وشتان بين الاثنين، وربما لهذا كتبت نهى ذات مرة عن صديقة لها غضبت منها لأنها أفشت سرا بينهما على المدونة، دون أن تعي هذه الصديقة، فكرة مزج الخاص بالعام، التفاصيل الحياتية الصغيرة، بالتفاصيل المتخيلة الكبيرة، أن المدونة عند نهى هي عالمها الخاص، مرآتها التي لا تخجل منها، تظهر كل تفاصيلها، فلماذا يخجل أصدقاؤها ما دامت هي لا تخجل.

ما يعجبني في مدونة نهى أنها لا تخجل مما تكتب أيا كان، فهي تكتب كما لو كانت عند أب الاعتراف في الكنيسة، أو أنها تقف أمام الله وتقول له يا رب أنا فعلت كذا وكذا، نهى المدونة، والروائية تكتب ، بهذا الشكل الذي يقع في المسافة الوسطى بين الاثنين، لذا لا تستطيع في المدونة أن تحدد أين يبدأ الاعتراف، وأين تبدأ الكتابة الأدبية، لكن ما يميز الاثنين هو "نهى المندهشة على الدوام".

لكن الحيرة التي يقع فيها قارئ مدونة نهى هو الشخصيات الموجودة على الدوام في التدوينات، حتى لتشعر أنها تفاصيل حياة، تقلب صفحاتها، تدويناتها، يوما بعد يوم، فهناك الأب، شديد الطيبة، الذي يعامل الابنة بحنان من يدرك أنه لا أحد لها سواها، ولا أحد له سواها، ويوافق على كل نزواتها، ويتقبل بحنان جنونها، وهناك الأخ المشغول بعالم الكومبيوتر، ولا يبدو معجبا كثيرا بالطعام، هناك مقهى سوق الحميدية، والأستاذ سيد، والأصدقاء، وهناك الكتب ، وهناك إيزابيل الليندي التي تطل بين كل تدوينة وأخرى، هناك عالم السينما الحاضر بقوة، من خلال الأفلام التي تتناول عالم النساء، هناك المطبخ، وهناك شقتان، تركت إحداهما إلى الأخرى، مصطحبة طاسة كبيرة، وهناك الحبيب الغائب على الدوام، الملام دائما، النذل في كثير من الأحيان، الذي تخاطبه بشكل دائم في كثير من التدوينات، ما مضى وغيره تفاصيل عالم روائي، حياتي لو شئت الدقة، تكتبه نهى في مدونتها من خلال تدوينات، تقترب من المفهوم الأصلى للتدوين وهو كتابة الذات.

4

لأن نهى شعرت أن عالمها الخاص، تفضحه بالرغم منها غواية الكتابة، التي تجبرها على البوح بما لا تريد، فقد قررت أن تنشئ مدونة جديدة باسم "عالم صوفي"، ولا تنسبها إلى نفسها، لكن الطريف أن الذين دخلوا إلى المدونة الجديدة اتهموا صاحبة المدونة المجهولة بأنها تقلد كتابة نهى محمود، وتسرقها، وهو ما اضطرها لأن تعلن أن المدونة تخصها، وبعد كشف السر توقفت عن الكتابة فيها.

لماذا أذكر هذه الحكاية، ربما لأن نهى محمود استطاعت أن تخلق طريقة في القص، والكتابة في المدونة خاص بها، وهو ما يعطي المدونة خصوصيتها، ولغتها الخاصة، وأعتقد أن نهى من القلائل الذين دخلوا إلى الكتابة الإبداعية من باب التدوين، واستطاعوا أن يشقوا طريقهم فيه بخطى واسعة، ففي الأعوام الأخيرة تحول عدد كبير من المدونين من "أصحاب مدونات إلى أصحاب كتب"، دون أن يدركوا أن التدوين في حد ذاته إبداع قائم بذاته، فطبعوا تدويناتهم في كتب وكتبوا عليها أنها شعر أو قصة، وأقاموا حفل توقيع، ثم توقفوا عن الكتابة وعن التدوين.

نهى كان الأمر مختلفا بالنسبة لها، فعالم الأدب، فتح أبوابه لها بسبب مدونتها، التي أعتقد أنها مهدت لها الطريق إلى عالم الأدب، وعالم الرواية، واستطاعت نهى أن تستفيد كثيرا من طريقتها الخاصة في التدوين في بناء عالمها الروائي، تشكيلا، ولغة، واستطاع هذا العالم أن يتطور بسرعة، ويمكن ملاحظة ذلك بقراءة أول عمل لها "الحكي فوق مكعبات الرخام"، وعملها الأخير "تحت الصخرة المستطيلة"، ففي العمل الأول، كان التدوين يطل بقوة، لكن في العمل الأخير، هناك خبرات، وقراءات، ومشاهدات، بالإضافة إلى الاستفادة، من قوة التدوين، والحكي.

نهى محمود، تدون كما يجب أن يكون التدوين، تخلق عالما افتراضيا، موازيا للحياتي المعاش، بلغة مميزة، وكتابة طازجة.

ــــــــــــــــــــ

*نشر في مجلة الثقافة الجديدة

09‏/09‏/2011

صلاح عبد الصبور يرتدي جبة الحلاج

محمد أبو زيد

كلمة السر في مسرحية "مأساة الحلاج" للشاعر صلاح عبد الصبور، هي "الكلمة"، التي لا يملك الحلاج سواها، لمواجهة الفقر والسلطان والقاضي والتماهي مع الذات الإلهية، الكلمة التي جمعت حوله أتباعه، وفرقت بينه وبين الحاكم، ووصفت العلاقة بينه وبين محبوبه الأسمى، الكلمة التي قتلته "أقتلناه حقا بالكلمات .. أحببنا كلماته/ أكثر مما أحببناه / فتركناه يموت لكي تبقى الكلمات".

الهاجس الذي يؤرق عبد الصبور في المسرحية هي الكلمة ، كلمة الصوفي / المثقف، فالجميع يتكلم عنها، الحلاج يقول "لا يعنيني أن يرعوا ودي/ يعنيني أن يرعوا كلماتي"، لأن الكلمات هي التي تبقى "قد خبت إذن لكن ما خابت كلماتي / فستأتي آذان تتأمل إذ تسمع / تنحدر منها كلماتي في القلب / وقلوب تصنع من ألفاظي قدره / وتشد بها عصب الأذرع"، إذن فرهان الحلاج الذي يقدمه عبد الصبور على الكلمات، لكن الذين قتلوا الحلاج، كما يقدمهم عبد الصبور "أصحاب طريق مثله"، يمتلكون كلمات مثله، رغم أن القتلة يقولون" كنا نلقاه بظهر السوق عطاشا فيروينا / من ماء الكلمات/ جوعي / في طاعمنا من أثمار الحكمة/ وينادمنا بكؤوس الشوق إلى العرس النوراني"، الكلمات أيضا كانت سببا في صلبه "أبكانا أنا فارقناه / وفرحنا حين ذكرنا أنا علقناه في كلماته / ورفعناه بها فوق الشجرة"

مأساة الحلاج تتكون من فصلين ، أو جزءين كما سماهما، الجزء الاول: "الكلمة" والثاني "الموت"، ولذلك دلالة واضحة، ففي مقاطع كثيرة من المسرحية يبدو أن صلاح عبد الصبور هو الذي يتكلم وليس الحلاج، حالة التماهي بين الشاعر والصوفي، تكف مأساة الاثنين في علاقتهما بالسلطة، فالحلاج الذي صلب لأنه فكر، في السلطة الإلهية، والسلطة الدنيوية، يقابله عبد الصبور، الذي كان جزءا من نظام الحكم في مصر ، لكنه كان يقف على شفا حفرة من السلطة و الكتابة، الكلمة هي مأساة الاثنين.

إشكالية العلاقة بين المثقف والسلطة أزلية، لكن عندما يكون الأمر يتعلق بمستقبل الوطن الذي يسير نحو الضياع فالأمر محسوم، كانت مصر تقترب من نكسة 1976، لم يكن أحد يعلم بها، لكن المؤشرات كانت تؤكد ذلك، خاصة أن المسرحية كتبت قبل النكسة، مأساة صلاح عبد الصبور مع السلطة، التي كان جزءا منها، وحاول أن يتطهر منها بمأساة الحلاج، فجعل الحلاج شاعرا مثله، وأنطقه "مثلى لا يحمل سيفاً / لا أخشى حمل السيف ولكنى / أخشى أن أمشى به / فالسيف إذا حملت مقبضه كفٌّ عمياء / أصبح موتاً أعمى"،

المثقف/ الحلاج / الصوفي، في المسرحية كان ينزل إلى الشارع، يمشي في الأسواق، خرج على إجماع المثقفين / الصوفيين بأن يختبئ في عباءته، في برجه العاجي، مكتفيا بالعلاقة بينه وبين مولاه، لكن الحلاج ينزل إلى الشارع ، يخاطب الناس بلغتهم، فيلتفون حوله، والتفاف الناس حول الصوفي / المثقف، في عين السلطة / السيف، هو بداية الخراب لهم، لأن به تأليب على الحاكم، وتذكير للفقراء بفقراء، وبجوعهم، وعطشهم، وألمهم، وأن هناك رب أعلى من الحاكم، يمكن اللجوء إليه، وأنه يمكن الخروج على الحاكم، وتغييره.

هل يمكن أن ينظر للحلاج كرجل دين يدعو للإصلاح الديني، أم كمثقف يدعو للتغيير، المكفر والشاعر الهندي محمد إقبال (1877-1938) الحلاج يصور في ملحمته "جاويدنامه"، أي "كتاب الخلود"، الحلاج، مفكرا مبدعا حاول بث الحياة في معاصريه الموتى روحياً وفكرياً، أي حاول منحهم إيماناً حياً جديداً، وتحريرهم من التقليد واجترار القواعد المتوارثة الخالية من كل روح، ويضع عبد الصبور رجل الدين جانبا، ويركز على المثقف، ويورد فى مسرحيته ، على لسان أحد الصوفية "هل أخذوه من أجل حديث الحب ؟ / لا ، بل من أجل حديث القحط / أخذوه من أجلكمو أنتم / من أجل الفقراء المرضى ، جزية جيش القحط"، وما يورده عبد الصبور في آخر مسرحيته، عن ظروف كتابتها، والمراجع التي عاد إليها، فضلا عن الموجود في متنها، يؤكد أنه اختار أن ينحاز للكلمة، فمأساة الحلاج في رأي عبد الصبور هي الكلمة، كيف تخرج، ولمن تصل، حتى المسجون الذي يلقاه في سجنه، ويتبعه، كانت مأساته الكلمة في صغره، لكنه لم يستطع أن يكمل طريقه إليها، حتى التقى الحلاج فعاد إليها مرة أخرى، الكلمة قد تكون رداء رجل الدين، لكنها سلاح المثقف الأول، الذي يهدي به الناس، ويواجه به سيف السلطان.

انعزالية الصوفي / المثقف، يرفضها الحلاج / عبد الصبور، مع خلع خرقة/ انعزالية الصوفي "تعني هذه الخرقة / إن كانت قيدا في أطرافي / يلقبني في بيتي جنب الجدران الصماء / حتى لا يسمع أحبائي كلماتي فأنا أجفوها .. أخلعها يا شيخ/ إن كانت شارة ذل ومهانة / رمزا يفضح أنا جمعنا فقر الروح إلى فقر المال / فأنا أجفوها .. أخلعها يا شيخ" إذن فمكان الصوفي/ المثقف كما يقدمه عبد الصبور ، ليس بين أوراقه، وبرجه العاجي فقط، بل مع التغيير في الشارع ، التغيير الذي يحسه الأعرج فيقول "أحس إذا سمعت حديثه الطيب/ بأني قادر أن أثني الساق/ أن أعدو / وأن ألعب / بلي / أحس بأنني طير طليق / في سماواته" ، في حين يشكك الأحدب في دور كلمات الصوفي / المثقف "نعم / إني أحب الشيخ / ولكن أسائل نفسي الحيري / تري هل يستطيع أن ينصب ظهري / بعدما احدب".

قصة الحلاج ظهرت في كل الثقافات، وليس لدى عبد الصبور وحده، كتعبير عن أزمة الضمير لدى المثقف، وظهر أيضا لدى أدونيس وعبد الوهاب البياتي في الثقافة العربية، وأصبحت سنة 309 هجرية من أعظم السنوات حسماً وتحوُّلاً فى تاريخ التصوف، وبالتحديد : يوم الثلاثاء 24 من ذى القعدة، أحيث ُخرج الحسين بن منصور الحلاَّج من سجنه، فجُلد، وقُطعت يداه ورجلاه ، وشُوِّه، وصُلب، وقُطعت رأسه ، وأُحرقت جثته، مصيرا لمن يخرج على سلطة الحاكم، الذي يستخدم سلطة الدين ، لكي يشغل العامة، وربما حري هنا أن نتذكر حادث محاولة اغتيال نجيب محفوظ، من شاب لم يقرأه لكنه سمع أنه يشتم الذات الإلهية، ونفس ما حدث مع المفكر فرج فودة، وقريب منه ما تكرر مع المفكر حسن حنفي، ونصر أبوزيد ، وطه حسين من قبل، بل وسقراط منذ قرون، فإشغال العامة بالدين، وإيهامهم بأن فردا يتجرأ على الدين، كفيل بأن تكسب السلطة، المؤمنة في هذه الحالة، مساحة لدى العامة، ويخسر الآخر، حتى لو كان يدعوهم إلى التفكير ليس أكثر "قالوا : صيحوا .. زنديقٌ كافر / صحنا : زنديقٌ .. كافر / قالوا : صيحوا ، فليُقتل أنَّا نحمل دمه فى رقبتنا / فليُقتل أنا نحمل دمه فى رقبتنا / قالوا : امضوا فمضينا / الأجهرُ صوتاً والأطول / يمضى فى الصَّفِّ الأول / ذو الصوت الخافت والمتوانى / يمضى فى الصَّفِّ الثانى" وهكذا تحرك السلطة الجموع.

والحلاج هو أبو المغيث الحسين بن منصور الملقَّب بالحلاج، ولد فى حدود سنة 244 هجرية بقريةٍ قريبةٍ من بلدة البيضاء الفارسية، وتوفى مقتولاً ببغداد سنة 309 هجرية،مصلوباُ بباب خراسان المطل على دجلة على يدي الوزير حامد ابن العباس، تنفيذاً لأمر الخليفة المقتدر، وقد نشأ الحلاج بواسط ثم دخل بغداد وتردد إلى مكة واعتكف بالحرم فترة طويلة وأظهر للناس تجلدًا وتصبرًا على مكاره النفوس من الجوع والتعرض للشمس والبرد على عادة متصوفة الزرادشتين، وانتقل من مكان لآخر يدعو إلى الحق على طريقته، فكان له أتباع في الهند وخراسان، وفي سركسان وبغداد والبصرة، قبض عليه بتهمة ادعاء النبوة فأنكر ما نسب إليه فوضعوه في السجن فترة ثم صلبوه حيًا صلب تشهير، ثم أعيد للسجن ثم أطلق فلم يرتدع عن طريقه،وفي يوم الثلاثاء 24 من ذي القعدة سنة 309هـ تم تنفيذ حكم الخليفة فيه بإعدامه، على مرأى من الناس.

المسرحية تلقي ظلالا على دور النخبة، النخبة التي يعتبرها عبد الصبور في حوار معه لا بد أن تقود المجتمع "وتزرع فيه القيم الجديدة، وتعوده بسلوكها عادات متقدمة من السلوك والتصرف. وقد خضع مجتمعنا العربي لفترة طويلة لنخبة المفكرين الذين علموه احترام العدالة والحرية والتفكير العلمي. ففي الفترة التي عرفناها في صبانا كان الدكتور طه حسين والعقاد وسلامه موسى وهيكل وغيرهم هم نخبة المجتمع وقد نختلف مواقعهم السياسية داخل الأحزاب المختلفة، ولكنهم جميعا يكونون أفقا سياسيا واجتماعيا يتحدث عن الديمقراطية والتفكير المنظم ، وشرع طريقهما للمجتمع، وقد سقطت قيادة المثقفين في عصرنا الحديث ، وكان المظنون أن تقوم مقامها قيادة التكنوقراطيين. ولكن هذه القيادة الجديدة لا تقوم إلا في مجتمع صناعي متقدم. وهنا سقط مجتمعنا في فراغ ، حاولت العشائرية السياسية استغلاله وملأه ولكن ثمن ذلك كله كان ثمنا باهظا . ولست في مجال الزهو بالنفس ، ولكن أريد أن أقول إني رأيت ذلك كله قبل 5 يونيو 1967م ، ووضعت يدي على قلبي خوفا منه فلما وقعت الواقعة انفطر قلبي ، ولعل هذا هو سر حزني وكآبتي"، وهو الأمر الذي يفسره بعض الباحثين بأن الحلاج رأي أن التغيير يجب أن يكون عن طريق الصفوة، وهو الأمر الذي تم مع الصوفي / المثقف/ الحلاج.

كتب عبد الصبور مأساة الحلاج، عام في العام 1964، و نال عنها جائزة الدولة التشجيعية عام 1966 ، وهي ثاني أعماله في المسرح الشعري بعد "بعد أن يموت الملك"، والمسرح الشعري لدى صلاح عبد الصبور يحتاج إلى وقفة طويلة، فهو سياسي في المقام الأول، كما رصد بدايات قصيدة التفعيلة في مصر، وربما كانت المسرح الشعري السابقة عليه قليلة، وربما يكون أبرزها مسرح أحمد شوقي، الذي كان عموديا، مقفى، على عكس مسرح عبد الصبور الذي اعتمد التفعيلة في مسرحه، وإن لم يعتمد على تفعيلة واحدة، بل استخدم تفعيلة الرجز، والوافر، والمتقارب، والمتدارك، مع ما يجوز فيها من تحويرات، كما تغلب على حقيقة أن "الحلاج" شاعر بالأساس، فلم ينطقه بمقوله، بل حورها لينطق بما كتبه عبد الصبور، وأسقطه على عصره.

مأساة الحلاج هي مأساة كل عصر، فنحن نتكلم في النهاية عن واقعة حقيقية، وشخوص حقيقيين، حتى لو أسقطها صلاح عبد الصبور على نفسه، ورأي أنها مأسساته، وهي تتكرر طوال الوقت، مع المثقف الذي يقرر أن يقترب من العامة، ويحذرهم من السلطان، ويذكرهم بفقرهم، ويطالبهم بالتغيير، فالسلطان والنظام الحاكم، إما أن يعامله كخارج عليه، أو خارج على الله،هي إشكالية المثقف والسلطة التي لن تحل، لأن الضمير لا يقايض، والكلمة لاتباع، وربما لهذا السبب يكون قد لقي نفس مصير المسيح عليه السلام.

ــــــــــــــــــــــــ

* نشر في جريدة القاهرة

أبو زيد: الأيديولوجيا تتسرب ولا تطغى على النص


عناية جابر
محمد أبو زيد شاعر مصري متميّز، له خمس مجموعات شعرية ورواية تحت عنوان «أثر النبي» صدرت في العام 2010، وتحمل هموم دواوينه الشعرية والإنسانية ذاتها، كشاب مصري عربي عاجز سوى عن التفرج على انكسارات وخيبات في مجتمعنا الكبير. الكتابة عند أبو زيد محاولته لإعادة ترتيب العالم حتى يصبح كما يروق له على ما يقول. معه كان هذا الحديث عن الكتابة، بالأخص كتابته الشعرية.
في قصائدك دائماً ذلك الشيء غير المتحقق، من هنا سر جاذبيتها؟
ـ التحقق هو النهاية، عندما أشعر بأنني قد وصلت سأجلس في بيتي، وأحادث أصحابي في فيس بوك وتويتر، وأتوقف عن الكتابة، الشاعر صوفي يبحث عن الله، عن الحقيقة، ويظل يبحث ويمضي العمر ولا يصل، الصوفي إذا وصل جن، أو كفر، أو مات، والشاعر إذا وصل فقد قدرته، لا يتبقى منه سوى كعب اخيل.
فيها أيضاً فن التعرية والتجريد من دون فقدان الوضوح المعماري للقصيدة على الصعيد الداخلي والخارجي؟
ـ كل ما كتبت منذ أول ديوان لي، وحتى آخر ديوان لي لا أعرف متى سيصدر، هو قصيدة واحدة، مختلفة المستويات، تتطور مع كل ديوان، قد تتكون هذه القصيدة من عشرة دواوين، ربما أكثر وربما أقل، أنا أعمل على «مشروع عمر»، أكتب وأنا أفكر في الدواوين المقبلة، والدواوين الفائتة، لذا فبعض شخوص الرواية موجودون في دواوين، مثل «عائشة»، أو «الشيخ أحمد عبد التواب»، وفي ديواني الجديد «مدهامتان»، الذي أعده للنشر قريبا، ستجدين إشارات لقصائد سابقة، وربما لاحقة، ما أريد أن أقوله هو أن لدي بناء معمارياً واضحاً لتجربتي الشعرية، أعمل عليه منذ ديواني الأول، أدرك أنني في كل عمل جديد أضيف لبنة جديدة فيه، عندما أضع آخر واحدة، سأتنهد ساعتها بارتياح وأقول: «حسنا يا رفاق، لقد انتهيت».
ما مصادر شعرك بمعنى ما هي قراءاتك ولمن من العرب والأجانب؟
ـ أقرأ لمن يكتب نصاً جميلاً، أحياناً أتمنى أن أستعيد مرحلة البدايات التي كنت أقرأ فيها كل ما يقع تحت يدي، من نصوص عربية أو مترجمة، لكن يبدو أنه مع الزمن وكثرة الإصدارات صار ذلك صعباً، لكن مع ذلك أحب دائما أن أقرأ النصوص الأولى لكتابها الشباب، دائما ما تكون ممتلئة بالطزاجة والبكارة، لكن قراءتي الأساسية، تبدأ من التراث العربي، وربما هذا ما يجعلني ألجأ كثيرا للتناص، أقرأ كثيرا في التراث الشعبي الإبداعي، أحب كتابة جيلي، وجيلي الثمانينيات والتسعينيات العربيين، أحب أدب أميركا اللاتينية، وأدب أميركا السوداء، أحب كثيرين، لكني أحب النصوص أكثر، النصوص هي التي تعرفني بالمبدعين.
المشهد متجمد
كيف ترى المشهد الشعري في مصر؟
ـ المشهد الشعري في مصر متجمد عند الخمسينيات، تمر الحياة ولا يمر، تجري السنون وهو واقف لا يزال يناقش قضايا انتهت منذ زمن، ما زلنا نناقش «هل هناك ما يسمى قصيدة النثر»، ما زلنا نتساءل «هل هي قصيدة أم نثر»، ما زلنا عندما نناقش ديوانا لشاعر نجد من يهب كعنترة وسط الندوة شاهرا سيفه في وجوهنا «تبت أياديكم، هل هذا شعر»، المشهد متجمد، ربما لأن الحياة نفسها متجمدة، ربما لأن التعليم يسحبنا إلى الخلف، ربما لأنه بعد ثلاثين عاماً من القهر لا زلنا نقف عند النقطة التي كنا نقف عندها، وربما لأن ناقداً خرج ذات يوم علينا بأن هذا زمن الرواية «فهرول الناس إلى الحواديت، وتركوا الشعر، ربما لأن أراوحنا صدئت ولم تعد تفهم الشعر، وربما لأن الشعر الذي يكتب لم يعد قادرا على إزالة كل هذا الصدأ عن الأرواح.
ثم هل تنقي الثورة الثقافة من شوائب عدة؟
ـ أعتقد أن الكتابة ستختلف بعد الثورة، أنا لا أستطيع أن أكتب بمعزل عن عالمي، والعالم تغير، العالم هو شارعي وجريدتي وقهوة الصباح و غرفة نومي وكتبي وجاري وضحكة طفلي وعبوس سائق الباص، كل ذلك تغير بعد الثورة، الثورة منحت العالم أسئلة جديدة لم يجب عنها أحد بعد، وأجابت عن كثير من الأسئلة التي كنا نطرحها من قبل، كان لدي نص طويل أعمل عليه قبل الثورة، لم أستطع استكماله بعدها، لأني شعرت بطاقة نور أضاءت النص كلها، وتركته معلقا، ربما يبقى على الثورة أن تنقي كما تقولين الثقافة من أمراضها، أن تخرج المثقفين من «الحظيرة» التي وضعهم فيها النظام السابق، على حد وصف وزير ثقافته فاروق حسني، أن تمنحنا الحرية في كتابة نصوص أكثر انفتاحا، من دون أسئلة تقليدية ظللنا ندور في فلكها خمسين عاما.
ماذا عن روايتك؟ لماذا الرواية؟
ـ لم أكتب الرواية عن قصد، وربما لن أكتبها مرة أخرى، في تعريفي على الرواية كتبت «شاعر مصري»، أقصد أنني شاعر كتب الرواية برؤيته، وهذا ليس انتقاصا من نوع معين من الكتابة، لكني أحب الشعر، ولذلك كنت أعطي الرواية لأصدقائي وأنا متردد وأقول لهم «أنا شاعر على فكرة يا جماعة».
هل تتيح المزيد من البوح الذي لا يتحمله الشعر؟
ـ الرواية لم تتح مزيدا من البوح بالنسبة إلي، بعض ما جاء في الرواية قلته في قصائد لي من قبل، لكن أريد أن أذكر بما قال الشاعر الإنكليزي «فيليب لاركن»، من أن الشعر يكتب الذات، والرواية تكتب الآخر، حسنا في الرواية كنت أريد أن أكتب الآخر، الرواية التي استغرقت كتابتها سبع سنوات، بدأتها في لحظة حاسمة في تاريخ الأمة العربية، وهي الاحتلال الأميركي للعراق في العام 2003، كنا نرى الحرب على الهواء، الأطفال والنساء والشيوخ يصرخون وتسيل دماؤهم على الشاشات أمامنا، ونحن لا نفعل شيئا سوى أن نشرب الشاي واليانسون على المقهى ونتفرج، نخرج في مظاهرات ندرك أنها غير ذات جدوى، فالحكام تآمروا كي تسقط بغداد، كتبت همي هذا في قصيدة اسمها «يقول محمد: نقية لدرجة أنه من المؤكد اسمها مريم»، في ديوان مديح الغابة، لكنني في الرواية أردت أن أكتب هم الآخرين، الذين كانوا حولي، كان الهم أكبر مني، ومن الآخرين، الذين رأيتهم يشيخون، لأن العجز أقعدهم عن فعل أي شيء سوى الفرجة ووضع الخد على اليد، وستجدين عالم القصيدة والديوان عالما واحدا، بل ستجدين الشخوص واحدة أيضا.
«الدوغما»
هنا سؤال يرتبط بوجود الأيديولوجيا في الرواية لديك، ألم تخش من الاتهام بالمباشرة؟
ـ أقول دوما إنه لا أدب بدون أيديولوجيا، حتى الذي يكتب رواية ذاتية، فهو في ظني يكتب أيديولوجيته الخاصة، وجهة نظره وإبداعه، نحن في عالم عربي تزيد السعادة فيه في متوالية عددية، فيما يزيد الشقاء في متوالية هندسية، كما قال ماركس، في ظل هذا يكون من الصعب أن تنخلع عن عالمك، ربما تسخر، ربما تخبئ أيديولوجيتك، لكنك لا يمكنك أن تخلعها تماماً، ولا يمكنك أيضاً أن تشهرها في وجوه الناس، شعرة معاوية التي بين الاثنين هي التي يمكن أن تنقذ النص، أعمال ماركيز ويوسا وكونديرا والليندي وساراماغو وبوليستر لا تخلو من الأيديولوجيا حتى لو بدت كذلك، القضية كيف ينتصر الإبداع على الأيديولوجيا في النص، لا أن يقتله تماما، وفي الرواية كنت أتناول حدثاً مهماً، وملهماً وهو الاحتلال الأمريكي للعراق، تناولته من خلال تأثيره في مجموعة من الشباب يعيشون في عالم مغلق، تحاصره قيود الأمن والفقر والعوز والوحدة، فهل سيهتم هؤلاء المشغولون بقضايا وأحلام بسيطة، بالقضايا الضخمة، كان هذا أحد أسئلة الرواية.
هل هذا يعني أنك تكتب أدبا في خدمة الأيديولوجيا؟
ـ هناك فارق بين أن تكون لدي أيديولوجيتي الخاصة، وبين أن أكتب أدبا أيديولوجيا، بالنسبة إلي أفضل فكرة المثقف المستقل، البعيد عن أي حزب، أو تيار سياسي، فحزبه وتياره هو إخلاصه لإبداعه وإنسانيته، أرفض تماما فكرة «الدوغما» في السياسة، والأدب والحياة، لكن هذا لا يعني أن الأديب لا يحمل وجهات نظر في الحياة، وجهة النظر هذه هي التي تجعله يكتب نصه، كل شيء وجهة نظر، هذه الإجابات وجهات نظر، وأيديولوجيا، الشيء الثاني أنني أرفض تماما فكرة أن يكون الأدب في خدمة الأيديولوجيا، لأنه في هذه الحالة لن يصبح أدبا، لكن ما أريد أن أقوله، هو أن الكاتب في لحظة الكتابة يتخلى عن هذه الأيديولوجيا لكنها تتسرب إلى نصه لأنها أفكاره، المهم ألا تطغى الأيديولوجيا والمباشرة على النص فيفقد فنيته، أنت لا تستطيعين نزع الشاعرية من محمود درويش أو محمد الماغوط رغم أيديولوجيتهما الواضحة، لا تستطيعين نزع الفنية من صنع الله إبراهيم أو إبراهيم الكوني أو رشيد الضعيف أو أمين معلوف أو عبد الرحمن منيف لمجرد أنهم كتبوا نصا يحتمل التأويل، المهم ألا يزعم الأدب أنه يقدم الأيديولوجيا، الإشكالية عندنا في العالم العربي، أننا لا نرى إلا جانبا واحدا من العملة، ولا نصدق أن هناك جانبا آخر، ونريد من الجميع أن ينظر من جهتنا نحن فقط، فنفي الآخر هو أسهل ما نمارسه.
ــــــــــــــــــــــ

29‏/05‏/2011

أثر النبى: رواية بين بدايتها واكتمالها خمسة دواوين شعر

عزة حسين*

محمد أبوزيد أجمل شعراء جيله. هو من ندرة يفعلون أشياء عديدةٍ بنجاح، أجملها الشعر: يكتب تدويناته الـ«حزاينى شوية».ويجمع الأعمال الإبداعية والنقدية على موقعه الناجح «الكتابة»، ويذهب إلى عمله بالتليفزيون، ويجالس أصدقاءه على مقهى «عم صالح»، ويداعب ابنه «سيف» بالمنزل. ومؤخرا كتب محمد أبوزيد رواية بعنوان «أثر النبى»، لها نفس هموم أشعاره، فى دواوينه الخمسة السابقة.

حيث: اليتم الضاغط، أسى الوحدة، مراثى الحروب، الالتصاق الشعرى بالهم العام، والتمرغ فى التراث الصوفى، لكنه يرى أن هم الرواية كان مختلفا وزائدا يقول: «كان هما خاصا متوازيا مع الهم العام، هم الوطن بأكمله، حيث حالة من التدين الظاهرى.

اصطدم بها بطل الرواية مع جماعة الإخوان المسلمين، أو عضو الجماعة الإسلامية الذى قابله فى القطار، أو فى سكنه ببيت الطلبة التابع للسلفيين، ويعلق لافتة «حلاق الجمعية الشرعية ممنوع حلق اللحية»، وحيث العجز الذى يلاحق وطنا بأكمله، بما فى ذلك طلاب الجامعة أبطال الرواية، العاجزون، وهم بعد فى العشرينيات، عن فعل أى شىء أو حتى الحلم بأى شىء للمستقبل، فضلا عن الهم السياسى للرواية وهو احتلال أمريكا للعراق.

بدأ أبوزيد كتابة روايته عام 2003، بعيد الاحتلال الأمريكى للعراق ولم ينته منها إلا عام 2010، وخلال هذه السنوات أنجز خمسة دواوين: «بدأت كتابتها وسط المظاهرات التى كانت تعم القاهرة، وحالة الاكتئاب التى أصابتنا جميعا، لأنه ليس بأيدينا شىء سوى الفرجة والعجز، فكانت الكتابة بالنسبة لى مهربا مما يحدث، وطريقة للنسيان، وللإدانة.

إدانة الذات العاجزة، وإدانة جيلنا بأكمله أمام الأجيال التالية بأنه لم يستطع أن يفعل شيئا سوى أن يتفرج».

لتناسخ الهموم، تقريبا، بين شعره والرواية، وتقاطعها مع ما يعرفه البعض عن محمد أبوزيد، وشعره، واشتباك ذلك مع أحداث واقعية مجايلة، سيظن البعض «أثر النبى» سيرة ذاتية لكاتبها، وسيحتفظ محمد بحق الاعتراض قائلا: «ليس معنى أن تكتب الرواية بصيغة المتكلم أنها سيرة ذاتية، لكننى أعتبرها رواية جيل بأكمله»، يوضح: «فى الفترة الأخيرة انتشرت على الفيس بوك «جروبات» تؤرخ لأهم ذكريات الجيل الذى ولد فى أوائل الثمانينيات، من أغانٍ، وإعلانات، ومسلسلات، وصور.

وقد فعلت فى الرواية شيئا ربما يشبه ذلك، إذ ستجدين فيها رصدا لأهم أغانى، وإعلانات، وعبارات، ومطربى أوائل القرن، وغيرها من تفاصيل يذكرها الجيل جيدا: كغرق العبارة سالم اكسبريس، احتلال العراق للكويت، الغزو الأمريكى لبغداد، وغيرها، والرواية بهذا الشكل تؤرخ لجيلى بأكمله، وفى النهاية لا أنكر أن فى الرواية جزءا من مشاهداتى، لكنها ليست أنا، هى الآخر، ولذلك هى رواية وليست قصيدة».

‏«كان‏ ‏الجو‏ ‏حارا‏ ‏وخانقا، عندما كان‏ ‏أستاذ‏ ‏الجامعة‏ ‏في‏ ‏المحاضرة‏ ‏يقول‏: «‏أنتم‏ ‏الجيل‏ ‏الذى‏ ‏تغرب‏ ‏آباؤه‏ ‏في‏ ‏مدارس‏ ‏ومزارع‏ ‏ومستشفيات‏ ‏المغـــــرب‏ ‏العربــــــى‏ ‏والخليج، ‏وعادوا‏ ‏ليشتروا‏ ‏شققا‏ ‏ويبنوا‏ ‏بيوتا‏ ‏في‏ ‏قراهم‏، ‏سقطت‏ ‏فى‏ ‏الزلزال‏ ‏أو‏ ‏غرقت‏ ‏في‏ ‏السيول‏، ‏أو‏ ‏نصبت‏ ‏عليهم‏ ‏شركات‏ ‏التوظيف‏ ‏وسرقت‏ ‏تحويشة‏ ‏العمر‏.

أنتم‏ ‏الجيل‏ ‏الذي‏ ‏لم‏ ‏يتعاطف‏ ‏مع‏ ‏تعامل‏ ‏الحكومة‏ ‏مع‏ ‏أهالى‏ ‏الجماعات‏ ‏الإسلامية‏ ‏وفضل‏ ‏تسلية‏ ‏أيامه‏ ‏بحكايات‏ ‏ليالي‏ ‏الحلمية‏ ‏والراية‏ ‏البيضا‏ ‏وأحلام‏ ‏الفتي‏ ‏الطائر‏، ‏أنتم‏ ‏الجيل‏ ‏الذى‏ ‏شاهد‏ ‏فى‏ ‏طفولته‏ ‏الطيور‏ ‏وهى‏ ‏تغرق‏ ‏فى‏ ‏بترول‏ ‏الكويت‏ ‏المسكوب‏ ‏في‏ ‏الخليج‏ ‏وشاهد‏ ‏انتهاء‏ ‏حلم‏ ‏الوحدة‏ ‏العربية‏ ‏علي‏ ‏الهواء‏، ‏أنتم‏ ‏جيل‏ ‏فاشل‏»، ‏ثم‏ ‏قاء‏ ‏فى‏ ‏طرف‏ ‏قاعة‏ ‏المحاضرات‏ ‏دما، ‏فتسللت‏ ‏أصابع‏ ‏الولد‏ ‏إلي‏ ‏أصابع‏ ‏البنت‏، ‏بينما‏ ‏عاد‏ ‏الدكتور‏ ‏ليرسم‏ ‏علي‏ ‏السبورة‏ ‏سارية‏ ‏وعلما‏».

أستاذ ‏الجامعة فى رواية أبوزيد كان من جيل نكسة 1967، بينما كان محمد من جيل نكسة سقوط بغداد، ومن قبلها غزو العراق للكويت، وبينهما فرق يشير إليه الكاتب قائلا: «نكسة 67 كانت نكسة أمة عربية فى زعيم كانت تلتف حوله هو عبدالناصر، بينما كان غزو العراق نهاية التفاف هذه الأمة حول ذاتها، ونهاية ما يعرف بالوحدة العربية.

ويضيف: «فى 67 خرجت الشعوب العربية تطالب عبدالناصر بالبقاء حتى يجمعهم مرة أخرى، وفى غزو العراق خرجنا دون أن نلتف حول أحد، لأنه لم يكن هناك أحد، وكل الزعماء يرتجفون خوف من غضب أمريكا».

فى نكسة 67 كانت هزة خفيفة لحلم الوحدة العربية، وكان غزو العراق زلزالا وبركانا وضع نهاية هذا الحلم».

الاحتماء بالدين سواء بالأخونة أو التصوف، وجنى حصاد التحول الرأسمالى، والفقر، والقهر هموم كبرى عمقتها شاعرية لغة محمد أبوزيد، وخففتها سخريته، لدرجة أن فصلا كاملا بالرواية، كان مرويا بطريقة التعليق على مباريات كرة القدم، وفصولا أخرى تخللتها شخصيات كاريكاتيرية كالتى تحتشد بها قصائد محمد أبوزيد وتحتشد بها الحياة:

«السخرية هى سلاح العاجز، وقلت لك من قبل إن كتابة الرواية كان دليل عجز عن التغيير، لكن السخرية تيمة أساسية لدى فى الكتابة سواء فى الشعر والرواية، والشخصيات الكارتونية والمأساوية ربما أحد تجليات هذه التيمة.

وربما هى وجهة نظرى فى هذا العالم، الذى أعتبر الكتابة محاولة لإعادة ترتيبه، حتى يصبح كما يروق لى، أو يصبح أفضل، لهذا تصادفك شخصيات فانتازية أو أسطورية أو كرتونية لدى.

فى روايته، كما فى دواوينه، لا يكتب أبوزيد دون بنتٍ يحكى لها أو عنها، زينب المروى لها فى «أثر النبى»، وعائشة، ومن قبلهما مريم، وميرفت عبدالعزيز، وسلوى، ورايان فى بقية الدواوين، يصر على اختلاقهن كأنهن مبرر للحكى: «هو ليس اختلاقا، لكنه جزء من مشروعى الإبداعى التراكمى.

ولذلك ستلمسين تكرار هذه الشخصيات فى أكثر من عمل، فشخصية عائشة موجودة فى الرواية وفى ديوانى الأول، وشخصية ميرفت موجودة فى أكثر من ثلاثة دواوين، فضلا عن شغفى بالبحث عن شعرية الأسماء والأماكن».

وبالطريقة نفسها يصر الكاتب على ترديد أسماء الأماكن، المدن، والشوارع، والمقاهى وكأنما يؤكد أنهم كانوا هنا، وأن ما يرويه حدث بالفعل: «أنا مغرم بالتفاصيل الصغيرة، هذه التى تتراص فتكون العالم، أو الرواية، أو القصيدة، كلنا مغرمون بقرية ماكوندو الأسطورية التى خلقها ماركيز فى «مائة عام من العزلة»، وأنا أسعى فى الكتابة إلى تحويل الواقع إلى أسطورة، وتحويل الأسطورى إلى معاش، وأعتقد أن الفن يسكن هنا».

أخيرا فقد حكى محمد أبوزيد فى روايته، على طريقة الاعتراف أو الشهادة، ما يصير معه غامضا التنبؤ بما كان سيقطع كتابة الشعر بالرواية مرة ثانية، أم سيواصل الشعر بعد شهادته تلك، المهم أن لديه ديوانا يجهز له حاليا باسم «مدهامتان»، يقول إنه استفاد فيه من تجربته الروائية، ويوضح أن ما يؤمن به طوال الوقت هو التجريب، على جميع الأشكال، سواء فى اللغة، أو الصورة، أو الإيقاع، أو الأسلوب، ويرى أن نهاية المبدع تكون عندما يتوقف عن ذلك.

‏يذكر أن رواية أبوزيد الصادرة عن دار شرقيات 2010، سبقتها خمسة دواوين هى: ‏ ‏«ثقب‏ ‏فى‏ ‏الهواء‏ ‏بطول‏ ‏قامتى» ‏ ‏عام‏ 2004‏، «قوم‏ ‏جلوس‏ ‏حولهم‏ ‏ماء» عام‏ 2005، «نعناعة‏ ‏مريم‏» ديوان للأطفال عام 2006، «‏مديح‏ ‏الغابة‏» ‏عام‏ 2007‏، و«طاعون‏ ‏يضع‏ ‏ساقا‏ ‏فوق‏ ‏الأخرى‏ ‏وينظر‏ ‏للسماء‏» ‏عام‏ 2008.

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

* نشر في جريدة الشروق

أثر النبي: رواية تستقصي حالات من الحلم والطيران والسقوط


هويدا صالح*
'أكتب لأنسى، لأفرغ ذاكرتي على الورق وأصير طليقا، لأنسى وحدتي في هذا العالم' هكذا أطلق محمد أبو زيد سؤال الكتابة منذ اللحظة الأولى في روايته: 'أثر النبي' فالكتابة هي التي ستحرر الذات وتعينها على التحرر والنسيان، نسيان الألم والوحدة، فبعد خمسة من الدواوين الشعرية يصدر أولى تجاربه السردية. أبو زيد راهن فيها على كتابة سيرة المهمشين والمنسيين في لغة تجمع بين الشعرية والصوفية في صنع فضاء سردي مميز. هم المهمشون الذين يعيشون على هامش المجتمع لا يشعر بهم أحد، يتتبع أبو زيد حيواتهم في سرد مكثف شحيح إلا أنه متخم بالدلالات والإحالات التي يفرضها العالم الصوفي الذي يتناص معه، وكأنه استعار من الصوفية خطابها ولغتها المليئة بالإشارات والمكثفة بشكل كبير.
أبطال الرواية هم مجموعة من شباب الجامعات الذين تشكل وعيهم السياسي والثقافي في عقد انتكست فيه الحريات والقومية والقضايا الكلية، شباب عاصروا حربي الخليج الأولى والثانية، وانكسر حلمهم مع الحلم العربي وموقف مصر السياسي الخارجي نحو القضايا العروبية.
قدم هؤلاء الشباب من قراهم ومدنهم الصغيرة في العمق المصري ليكملوا تعليمهم في القاهرة المدينة المرعبة التي أكلت روحهم وزادتهم تهميشا على هامشيتهم الاجتماعية والجغرافية.
المشهد الأول أو الفصل الأول الذي عنونه بـ'الدم' يلقي بكل خيوط الرواية التي سوف نراها ونجمعها فيما بعد، فالسارد أو البطل الذي يعتلي السلم ويدخل غرفته الآن ليتعثر في جثة زميله ودمه وقيئه يعطينا في جمل خاطفة نبذات عن أبطال الرواية أو زملاء السكن الجامعي الذي يسكنونه: 'مئذنة باب زويلة تلوح من الشباك، وجسد عادل هياكل ملقى أمام سريره على الأرض بارد تماما، الدم الذي تقيأه يملأ الأرضية، تجتاحني حالات متفاوتة من الرعب والغضب والرغبة في البكاء'.
البطل منذ صغره يحلم بالحصول على قبس من أثر النبي، أثر النبي الذي حكى له جده عنه وهو صغير: 'أنتقل من شارع إلى آخر، كتابع يبحث عن نبيه، لا أجيد قص الأثر، لا دربة لدي ولا طاقة لأفعل، لا أثر لأي شيء، طوال الوقت أشعر أن كل شيء سينتهي بعد قليل، علي فقط أن أواصل التنقل والانتظار'.
منذ اللحظات الأولى والسارد يغرق في الغربة، ليست غربة جغرافية فقط، بل هي غربة نفسية، وكأنه فر بغربته من قريته في الصعيد ليأتي وتبتلعه المدينة الكبيرة، فيبحث طوال الوقت عما حكى عنه جده الذي كان يأتي في رحلة صوفية إلى المدينة، ويعود ليحكي للطفل الصغير عن شخوص وحكايات، فحين يكبر الصغير، ويهرب بغربته إلى المدينة يتتبع أثر النبي، ويبحث عن حكايات الجد، فلا يجدها إنما يجد آلاما وطلابا يحملون غربتهم داخلهم، ونظاما يقهر الطلاب في الجامعات وأمن الدولة والأمن المركزي. تصاحبه في غربته مجموعة من الشخصيات لا تقل عنه غربة، فها هو القذافي من البحيرة، أبو العزايم من الشرقية، حمدي من بني سويف، يوسف من الأقصر، الشيخ سيد وعادل هياكل من الفيوم. تحمل كل شخصية من هؤلاء أحلامها البسيطة، حلم حياة المدينة، والتعبير عن الذات، والبحث عن فتيات قد يشاركنهم ذات الحلم: 'ينتهي الشيخ سيد من تناول العشاء، يجلس منتظرا حمدي الذي عليه الدور في إعداد الشاي الليلة، يلتقط كوب حلف البر الذي يفضل تناوله، ويبدأ سهرة كل ليلة مع القذافي وعادل هياكل وأبو العزايم في ركن الحجرة بالحديث عن بنات الغورية، وأفعالهن التي يشيب لهولها الولدان، أو بقراءة فصل من كتاب تحفة العروس الذي يخفيه حمدي عن أعين عم رجب حارس السكن'.
دأب أبو زيد على أن يصدر كل فصل بنص صوفي يتناص معه، وبالطبع يأتي النص الصوفي بذاكرته المعرفية في ذهن القارئ، وتنوعت التناصات ما بين مقطوعات شعرية صوفية أو مدائح أو أغان ومواويل صوفية أيضا، يقول في مقدمة الفصل الأول الذي يقدم فيه لشخصياته يأتي بموال صوفي مكتوب بالعامية المصرية، وكأنه يبرر سرديا رحلة البحث عن الذات التي بدأها السارد إلى القاهرة، ليسكن في جوار آل البيت يقول: 'يا آل بيت النبي أمانة ما تفوتونيش.. عايز أنول مطلبي بس في حماكم أعيش. قال يا جريح الهوى إذا كنت غويت سافر إلى مصر واشكي لمولانا ـ لسيدنا الحسين ـ حالك .. هاتنول آمالك ـ يا حبيبي ـ وتتهنى مع الدراويش'.
كما أنه يتناص مع نصوص شعرية صوفية مثلما تناص مع أبيات لابن الفارض حيث يقول:
ما لي سوى روحي وباذِل تفسِه
في حب من يهواه ليس بمسرفِ
فلئن رضيت بها فقد أسعفتني
يا خيبة المسعى إذا لم تسعفِ'
ولقد افاد الكاتب من تقنيات التجريب في السرد، فقد خرج على كلاسية السرد، فلم يقدم لنا حكاية محبوكة أو تناميا زمنيا خطيا، بل يقدم لنا سرديات متجاورة كل سردية فيها تضيف قطعة من قطع البازل الذي يصنع منه لوحة مكتملة يسميها 'أثر النبي' كما أنه يتلاعب بالزمن ما بين الفلاش باك والزمن الآني في محاولة لقص أثر الإنسان الذي مات داخله منذ أن كان طفلا يحلم بالطيران على سطوح الدار وحتى أصبح شابا يحلم بطيران من نوع جديد في شوارع القاهرة، لكن حلمه بالطيران يجهض طوال الوقت، فلا يشعر بتلك النشوة التي يحلم بها، نشوة أن يعلو الجسد لأعلى، لأعلى، ثم يشعر بالخفة كام طائر يفرد جناحيه بعرض الفضاء، لكن السقوط دوما ينتظره، بدءا من موت الأم وهو صغير ومرورا بكل الخيبات التي أوصلته إلى حيث يقف الآن مرتعبا من موت زميله في الحجرة عادل هياكل، ورغم أن زميله عُرف أنه مصاب بالسل، وأنه وارد أن يموت وسط قيئه ودمه إلا أن الذات الساردة التي تعودت على الخوف والاضطهاد تخشى أن يُتهم بقتله.
ولا تقف الرواية عند خيبات الأبطال الشخصية، بل يعمد الكاتب إلى أن يركز الكاميرا على الخيبات القومية التي شكلت وعي هذا الجيل وزادته غربة، فيتداخل الهم الخاص بالهم العام، فها هم طلاب الجامعات والشباب يثورون على دخول أمريكا العراق، وسقوط بغداد، سقطت بغداد وسقط الحلم العام، فلم يكتف الكاتب بحلم الطيران والسقوط للذات الساردة، بل أسقط الحلم العام بسقوط بغداد : 'في جرائد السبت: كانت صور المظاهرة في صدر الصفحات الأولى، كانت صورتي بعروق وجهي النافرة وأنا أهتف في طرف صورة في الصفحة الأولى من جريدة الوفد'، إذن حاول لملمة شتات الذات بأن يتلاشى همه الفردي في الهم العام، وكأن حلم الخفة والطيران تحقق حين نسي الهم الذاتي، فها هو يتصدر الصفحة الأولى هو وزملاؤه في مظاهرات الاعتراض على سقوط بغداد، لكن الأمن والنظام يقمعان التظاهرات، فلم يلق المتظاهرون إلا القهر والاستبداد 'أهرول من شارع شمبليون لشارع معروف لشارع عدلي هربا من الهراوات، أهرب من لا شيء إلى لا شيء، في المساء'.
في لغة شفيفة وسرديات تشبه كادرات سينما خاطفة يتوالى السرد ليصور لنا شحنات الألم والبكاء التي تنتاب السارد ويتناص مع فيلم 'العصفور' وجاء استدعاؤه لفيلم العصفور لأنه يصور لحظات سقوط للأمة العربية والمصرية لا تقل عن سقوط بغداد، فمشهد النكسة وعبد الناصر الذي يحاول التنحي، والشعب الذي يطلع للشوارع ليجبره على عدم التنحي هو أشد المشاهد التي سيطرت على الناس، فمصر لم تتصور كيف تواصل دون زعيم أو بطل يأخذ بيدها ليخرجها من نفق النكسة المظلم، يجيد الكاتب اللعب بكادرات فيلم العصفور، فمحسنة توفيق بطلة الفيلم على مستوى الواقع كانت تشارك في المظاهرات التي تندد بسقوط بغداد، وعلى مستوى الفيلم كانت تستنهض الهمم وتصرخ صرختها الشهيرة وهي تجري في شوارع القرية 'هنحارب، هنحارب' إذن السقوط واحد وإن اختلف العصر، والقهر والألم واحد، ومحمد أبو زيد يختم روايته بمشهد عبد الناصر ـ في الفيلم ـ وهو يخبر الشعب المصري بقرار التنحي، وبطل محمد أبو زيد وهو يفر من كابوسية الواقع 'صوت عبد الناصر يواصل تلاوة خطاب التنحي في أذني: فإنني على استعداد لتحمل المسؤولية كلها، وقد اتخذت قرارا أريدكم جميعا أن تساعدوني فيه... أهرول والشوارع تزداد ضيقا، لا أشعر بثقل الحقيبة التي مزقت كتفي، تسقط جميع الأشياء من ذاكرتي، يقفز وجهك أمامي، أهرول أكثر'.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
' روائية وناقدة من مصر

أثر النبي.. الشاعر روائياً

فريدة النقاش

شيخ الطريقة الذي أجلسني بجواره في إحدي حلقات الذكر في مسجد الحسين قال لي:

«اعرف الفارق بين العلامة والأثر».. ثم يضيف الشيخ «إن الفارق مثل ما بين الحياة والآخرة فاتبع العلامة، واترك الأثر.. كلنا نبي نفسه، فالبس رداء تقشفك، واترك الناس تتبع أثرك». وهناك صندوق يضع فيه «أدهم صبري» الراوي في رواية أثر النبي «لمحمد أبوزيد» كتبا وصورا قديمة وقصاصات صحف.. ويتساءل هل هذا الصندوق هو أثري الذي سأتركه أم علامات مرت؟ فهل يبحث صاحبنا عن خلود ما هو التواق إلي السفر، الحالم بالطيران «فاردا ذراعي كلاعب سيرك يخاف من السقوط أرفع يدي لأعلي لكنني لا أطير يا زينب».

«زينب» هي الحاضر الغائب لا تطل علينا أبدا في الرواية لكنها ملاذ صاحبنا الطالب الذي ينتقل من مكان بائس لآخر أشد بؤسا يهرب «من عالم ضيق، فأجد العالم يضيق أكثر» عالم يقف علي أظافره في انتظار أن تدق الشرطة الباب في أي لحظة «احتمال أن يرجعوا مرة أخري، يدقوا الباب فيقتلوني حين يجدونني وحيدا».. فنحن أمام مدينة بلا قلب وبوسعنا طيلة قراءة النص أن نستعيد الديوان الأول بهذا الاسم للشاعر «أحمد عبدالمعطي حجازي» كما نستدعي قصيدته «لا أحد» ففي هذه الرواية الشعرية «الغرباء يموتون هنا دون أن يحس بهم أحد»، ومعظم شخصيات الرواية هاجرت من الريف إلي هذه المدينة الموحشة التي لم يجدوا فيها سوي القهر والقمع علي كل المستويات وطنية حيث ينتهي القص بالغزو الأمريكي للعراق، وشعور الجميع بقلة الحيلة إزاءه، واجتماعية حيث الرزق الشحيح والمساكن الخانقة والأحلام المجهضة، وروحية حيث التمزق بين حلم الشخصية الراوية بالطيران وضغوط الإخوان المسلمين الذين يحرمون القصص وكل أشكال الفن، ويحلق الموت بين هذه العوالم كلها كأنه طائر الرخ، فمن موت حقيقي «لعادل هياكل» زميل السكن الذي وصفوه هذا الوصف بسبب مرض السل الذي أكله إلي الكتب «عن عذاب القبر» وعلامات الساعة الصغري التي يعطيها له الرجل المكلف بتجنيده لحركة الإخوان.. ويجد الراوي أنه بذلك يخرج من نفسه الحقيقية إلي نفس أخري «أتخلي عن وجهي وأرتدي وجها آخر»، هذا بينما تبدأ الرواية «بالدم» في فصلها الأول حيث ينزف عادل وتنتهي بتصريح بالدفن أي أننا بصدد بنية دائرية تبدأ بالموت وتنتهي من حيث بدأت.

ولمثل هذه البنية دلالات كثيرة، فهي اغتراب حيث يدور الراوي حول نفسه، وهي انغلاق دائرة القمع واللوعة التي تعيشها الشخصيات في بحثها المضني عن ثغرة، وذلك كله علي خلفية من الكدح موت الأم وتسلط الأب وزوجته.

تنفتح ثغرة في الدائرة المغلقة فقط في حالة التصالح مع العالم التي يجريها الراوي أثناء غزو أمريكا للعراق واندلاع المظاهرات الاحتجاجية «كنا نوصل الطعام يوميا إلي الطلبة المحاصرين وأشعر أنني قد بدأت أتصالح مع الناس.. مع الشوارع» إنه التصالح الذي يتم فحسب في حالة الفعل الإيجابي من أجل هدف كبير يتجاوز الأشخاص.

يلجأ الكاتب إلي السخرية حين يتعامل الراوي بمنتهي الجدية مع «حجازي» رفيقه في السكن الذي تخيل أنه ممثل وقام بدور «ضجيج في المقهي»، ولكننا أيضا سوف نبتسم ساخرين حين يخبرنا أنه كان يقرأ في المترو والباص والترام ونحن نتساءل كيف كان يفعل ذلك حقا؟

نحن بصدد نص أدبي جميل مفعم بالمشاعر كتبه شاعر فيه اكتناز وكثافة في اللغة الآسرة بادئا بالمعرفة كألم في مفتتح الكتاب يقول في مناجاته «لزينب» التي هي قارب نجاته «هنا خنتك يا زينب، أنا الذي أعرف كل شيء، وأنت التي لا تعرفين، أتذكر فأتعذب» ويتشبع النص بمقتطفات من أشعار الصوفية إضافة للتاريخ المكثف للصمود أمام العدوان الذي يحكيه محمود المليجي في فيلم «الأرض» كمقدمة لفصل الحرب.

يستطيع «محمد أبوزيد» أن يطمئن بعد روايته الشعرية تلك إلي أنه ترك أثرا حتي وهو «ينتقل من شارع لآخر كتابع يبحث عن نبيه» فهو نبي نفسه كما قال له الشيخ وحتي بعد أن أصبح حلم الطيران جريا في الطرقات اتقاء للألم وبحثا عن معني.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*نشر في جريدة الأهالي