10‏/08‏/2019

محمد أبوزيد لـ الجريدة•: الناشرون لا يأبهون بالشعر لأنه «لا يبيع»


حاوره أحمد الجمال
مازال الأديب المصري محمد أبوزيد يلفت أنظارنا إلى روعة ما يغزله بقلمه، سواء في عالم القصيدة التي برع فيها شاعراً، أو حين طرق أبواب السرد، وبمناسبة صدور روايته الجديدة الشائقة «عنكبوت في القلب».. التقته «الجريدة» في هذا الحوار الذي أكد فيه أن روايته الجديدة استكمال لمشروعه الشعري، وأن الشعر باق رغم أن الناشرين لا يأبهون به... وإلى نص الحوار:
• ما الأجواء التي تدور فيها روايتك الجديدة "عنكبوت في القلب"؟
- أعتبر هذه الرواية تكملة لمشروعي الشعري، إذ تدور حول شخصية فتاة اسمها ميرفت عبدالعزيز، هذه الفتاة ظهرت في جميع دواويني السابقة تقريبا. ويمكن القول إنني فتحت قوسا في ديواني "قوم جلوس حولهم ماء"، الذي ظهرت فيه هذه الشخصية لأول مرة، ثم تتابع ظهورها في جميع الدواوين التالية، حتى وصلت إلى هذه الرواية، وتجلت فيها تماما كشخصية مكتملة، وتحولت من شخصية شعرية إلى شخصية روائية، حيث يمكنني بهذا العمل أن أغلق القوس، وأقول إن التجربة انتهت هنا. أفضل أن يُنظر إلى الرواية باعتبارها نقطة على هذا الخط الذي توجد فيه دواويني السابقة، تكمله وليست شيئا مختلفاً أو مغايراً.
• إلى أي مدى تتماشى الرواية مع ذاتك؟
- جميع شخصيات الرواية تتماشى مع ذات المؤلف، لأنها خارجة من داخله. لكن من يقرأ الرواية قد يعتقد أن الغرائبية فيها تجعلها بعيدة عن الواقع، وهذا حقيقي، لكن أعتقد أن المحك الأساسي في كتابة الرواية بالنسبة لي كان هو كيف يمكن تحويل العادي إلى غرائبي، وكيف يمكن تحويل الغرائبي إلى عادي!
وتنقسم الرواية إلى أربعة أقسام: فتى، فتاة، مؤلف، سيارة. وفي القسم الثالث "مؤلف" أظهر بصفتي مؤلفاً، وأتحدث عن الرواية وعن علاقتي بها، وعن علاقتي بأبطالها، وعن حيرتي بشأن مصائرهم، وهذه محاولة لإشراك القارئ في لعبة الكتابة. وإذا كان البعض يمكنه أن يفسر هذا باعتباره تجريباً، فإنني أعتبره "نوع الكتابة الذي أفضله"، والذي يختلف عن السرد التقليدي الذي لا أجيده.
• بدأت شاعراً، ثم تحولت إلى الرواية، لماذا؟ وهل هذا بسبب أزمة نشر الشعر التي أشرت إليها في مقال لك؟
- لازلت شاعراً، وكتبت في فصل المؤلف في الرواية أنني أفضّل أن أكون شاعراً، وهذا ليس تقليلاً من الرواية ولا الروائيين، بل تهيُباً. وأي عمل فني، سواء كان شعراً أو قصة أو رواية أو موسيقى، يحتاج إلى جهد كبير. أتفق معك في أن هناك أزمة حقيقية في نشر الشعر في الفترة الأخيرة، سواء في دور النشر الخاصة أو العامة، لكن هذا لن يدفعني إلى تغيير اتجاهي في الكتابة. وسبب الأزمة أن الناشرين لا يأبهون بالشعر، لأنه في نظرهم "لا يبيع"، طبعاً لكل قاعدة استثناء، لكن هذا التصور نتيجة تراكمات طويلة، منذ أن قال أحد النقاد إن هذا زمن الرواية وانتهاء بوجود عشرات الجوائز للرواية، ولا توجد جوائز للشعر، لكن ما أريد قوله هو أنه لا دور النشر ولا الجوائز هي التي ستدفع كاتباً لتغيير اتجاهه في الكتابة - حتى لو فعل البعض ذلك - فالشعر باق شاء من شاء وأبى من أبى، حتى لو كتبنا قصائدنا واحتفظنا بها في أدراجنا دون نشر، سيظل الشعر ملاذاً لنا وللقراء.
• ما الذي وفّرته لك الرواية ولم يكن ليستوعبه النص الشعري؟
- أفضّل أن تدرج هذه الرواية، تحت مسمى "الكتابة"، لأنني كتبتها بهذا القصد. لم أكتبها لأنني وددت أن أترك الشعر وأتجه للرواية، بل كتبتها لأنني أرى أنها قطعة "بازلت" مهمة تكمل جزءاً مما أعتبره مشروعي الإبداعي.
• تناولت أعمالك بالنقد أسماءٌ كبيرة، كيف يستفيد الأديب من توجيهات النقاد؟... حدثني هنا في ضوء تجربتك.
- في البدء كان الإبداع، ثم جاء النقد، أقصد أن النقد عمل حاصل للكتابة الإبداعية، وهو مفيد في كل الأحوال، ويضيء على نقاط في العمل الأدبي قد تكون غير واضحة للكاتب، أو تشرح للقارئ بعض ما يقصده الكاتب. لكن في الوقت ذاته من المهم هنا أن أشير إلى أن ثمة أزمة نقد حقيقة في العالم العربي.
فإلى جانب أنه لا توجد نظريات نقدية عربية، لدينا إشكالية في أنه لا يوجد جيل جديد من النقاد يتابع جديد المطابع إلا عدد محدود يعد على أصابع اليد الواحدة، أما الجيل القديم من النقاد، فهو لا يلتفت إلى الأجيال اللاحقة له من الكتّاب. وربما تتضح هذه المشكلة في الشعر أكثر منها في الرواية، لذا نجد أن معظم الدراسات النقدية لكتّاب ومبدعين، وليس لنقاد أكاديميين يجب عليهم متابعة الجيل في الشعر والرواية.
• كتبت شعراً للأطفال.. وصدر لك "نعناعة مريم" عن هيئة قصور الثقافة عام 2005، لماذا لم تكرر التجربة؟
- الكتابة للأطفال تحتاج إلى حساسية خاصة، ربما كنت أملكها وقت أن كتبت هذا الديوان، ليس بإمكاني أن أعبئ الورق بأي كلام، وأقول هذا شعر، فالكتابة للأطفال مسؤولية كبيرة، لأنها تشكل وعي ووجدان قارئها. على عكس الكتابة للكبار، حيث يقرأ القارئ على مسؤوليته الشخصية. فضلاً عن أن الكتابة للأطفال تتطلب مواصفات خاصة، فإننا لدينا أزمة كبرى في النشر للأطفال، أولاً لقلة عدد مجلات الأطفال العربية، والتي تتناقص تدريجياً حتى أوشكت على الاختفاء، إضافة إلى أن النشر للأطفال أصبح صعباً حتى على الناشرين أنفسهم، لتكلفته المرتفعة، وحتى عندما نجد كتباً للأطفال فهي مرتفعة لثمن، وفي الغالب تصل إلى شريحة معينة.
• برأيك ما هي المواصفات التي يجب أن تتسم بها القصيدة الموجهة للصغار؟
- البساطة هي الأساس، وفهم كيف يفكر الطفل، حتى يستطيع الكاتب أن يصل إليه.
• ما المشروع الأدبي الذي تخطط له الآن؟
- أعمل حالياً على ديوان جديد بعنوان "جحيم"، أرجو أن يصدر قريباً.


«عنكبوت في القلب»| هكذا حول أبو زيد أشعاره إلى رواية


تحرير:كريم محجوب
شهدت دار هن للنشر والتوزيع مساء الأمس حفل توقيع ومناقشة رواية "عنكبوت في القلب" الصادرة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، للشاعر محمد أبو زيد، الذي ناقشنا معه الرواية.
"مد يده إلى الداخل، إلى يسار جسده، لا هذه الأمعاء، لا أريد البنكرياس.. عندما ظفرت به يده نظر إليه (القلب) بأسى كان جزء كبيرا منه قد تفحم تمامًا وتساقط الرماد منه، والجزء الآخر أصبح مثل جمرة منطفئة، ومنه يبين شريان ينبض بوهن شديد، مثل كلب شوارع أصيب بطلق ناري وينازع الموت".. ما سبق فقرة من رواية، لا تصنف كرواية رعب أو يمكن اعتبارها أصلًا رواية بمقاييس الكتابة المتعارفة، وإنما أفكار خرجت من صُلب فكرة أساسية طاردت المؤلف سنين طوال فقرر أن يعرضها علينا عسى أن يجد في كتابتها إرضاءً لنا، أو على الأقل يسقط عبئها من فوق كاهله ويشاركنا إياها.
بطبيعة الحال من الصعب أن تسمع صوت الكاتب أو تجده يتحدث عن أعماله أو عما يجول بخاطره من أفكار، فصمته لا ينقطع وإذا أراد أن يحكي فإنه يكتب الشعر ولكي يستفيض كتب هذه الرواية.
رواية "عنكبوت في القلب"، للكاتب الصحفي والشاعر محمد أبو زيد، الصادرة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، كتبها على مدار 5 أعوام، وفور أن أتمها، قدمها إلى الكاتب الكبير سيد الوكيل لتقييمها، فرأى فيها الوكيل أنها أذابت الفوارق الفكرية بينهما، لما تحمله من أفكار، فـ"عنكبوت في القلب" لا يوجد بها مسافة بين الذات والموضوع، على حد وصف الوكيل، بل ذات الكاتب هي صلب الموضوع ومحوره، وأن هذه الرواية تفردت عن غيرها لا بالتقنية أو اللغة، وإنما بخصوصية التجربة الذاتية.
كما قال الروائي محمد الفخراني إن محمد سعى في الرواية لترجمة أفكاره لنص روائي من خلال وجهة نظره وتصوراته الفنية، وأن تلك الرواية هي استكمال لدواوين الكاتب الشعرية.
حالة من الاستغراب والدهشة انتابتنا، فدفعتنا لسؤال الكاتب عن علاقة دواوينه الشعرية بالرواية، وما تلك الفكرة الملحة التي دفعته لكتابتها؟
يجيب محمد: الرواية لا تقدم حدوتة عادية، بل تقدم جدلية علاقة بطل الرواية بالمؤلف والقارئ، وذلك على خلفية قصة بسيطة، وفيها لم أقصد أن أقدم طريقة مغايرة في أسلوب السرد؛ لأني لست روائياً، بل شاعر يكتب رواية، يرى أنها تكمل نقاطا معينة في مشروعه الشعري إذا جاز هذا التعبير، والرواية مكتوبة انطلاقا من هذا المفهوم، مكتوبة باعتبارها كتابة، أو قطعة بازل في لعبة الكتابة الكبيرة
ويفضل أبو زيد أن يتم النظر إلى الرواية من خلال قراءة أشعاره السابقة، لأنها إغلاق لقوس كبير ممتد قد فتح يمينه في ثاني دواوينه «قوم جلوس حولهم ماء»، ثم استمر القوس مفتوحًا فيما لحقه من دواوين وأغلق يساره بهذه الرواية.
«لم تحب ميرفت شيئا في حياتها مثل العناكب والقطط الضالة والتماسيح وآثار الأقدام الحافية على الرمال ومشاهدة الكتاكيت الصغيرة وبنسات الشعر لم تستطع أن تقتني تمساحًا في البيت لضيق المكان فرتبت الأركان بيوتا آمنة للعناكب. تدق على أبواب شقق الجيران وهي تمسك في يدها ممسحة الجدران تقول لهم وهي تقطر خجلًا هل من الممكن أن أنظف الجدران وقبل أن يجيب أحد تكون قد أصبحت داخل الشقة بالفعل، ترفع عصاها إلى ركن الحائط وتلفها بحرص حول بيوت العنكبوت الموجودة وعندما لا تجد تهز رأسها آسفة مصدومة وتغادر دون حرف واحد».. هذه شخصية ميرفت عبدالعزيز الذي قال عنها أبو زيد إنها من أتم بها الرواية عند تحديد مسارها داخل العمل.
ميرفت هي الشخصية المحورية في الرواية، التي استدعاها محمد بعد طول عشرة معها كشخصية شعرية في معظم دواوينه، ثم حولها لشخصية سردية تتمحور حولها الأحداث، بل يمكن القول إن تحركها، ووجودها في الرواية كان إجابة سؤال ظل الكاتب يطرحه على نفسه وهو كيفية تحول شخصية شعرية إلى كيان حقيقي من لحم ودم؟
..............
نشر في موقع جريدة التحرير ٠٣ مايو ٢٠١٩ - ٠٧:٠٠ م

 

محمد أبو زيد: الكتابة ليست سباقاً.. وهناك طفرة في عدد الشعراء




حاوره: حسين عبد الرحيم
صدر للشاعر والروائي محمد أبو زيد "1980" سبعة دواوين هي: "ثقب في الهواء بطول قامتي" عن الهيئة العامة لقصور الثقافة فى العام 2003، و"مديح الغابة" عن هيئة الكتاب 2006، و"قوم جلوس حولهم ماء" عن دار شرقيات 2005، و"طاعون يضع ساقًا فوق الأخرى وينظر للسماء" عن شرقيات 2009، و"مدهامتان" عن شرقيات 2012، و"مقدمة فى الغياب" عن دار شرقيات 2013، و"سوداء وجميلة" عن شرقيات 2015، كما صدر له ديوان للأطفال بعنوان "نعنانة مريم" عن كتاب قطر الندى، وصدر له مختارات شعرية بالفرنسية بعنوان "قصيدة الخراب" عن دار المنار بفرنسا 2014، كما صدر له كتاب نقدى بعنوان "الأرنب خارج القبعة" عن مؤسسة هنداوى 2016، وصدرت له روايتان "أثر النبي" عام 2010 عن دار شرقيات، ورواية"عنكبوت في القلب" عن الهيئة المصرية العامة للكتاب.
"الدستور" التقت الكاتب والشاعرمحمد أبو زيد وأجرت معه هذا الحوار:


1ـ كيف كان استقبالك لروايتك "عنكبوت في القلب" بعد كل هذا الاحتفاء المتعدد المستويات في الصحف ووسائل السوشيال ميديا؟
ـ سعدت به طبعاً، وفاجأني أيضاً. خاصة أنني أعتقد أن هذا النوع من الكتابة، الذي لا يعتمد على طريقة الحكي الاعتيادية ويجنح للتجريب، قد لا يجد قارئه أو من يهتم به بسهولة.


2ـ مابين الشعر والسرد الروائي ورؤاك الفريدة في ماهيات السرد، كيف ترى موقعك فيما يروق لك من كتابات إبداعية سواء من خلالك او من خلال تناولك نقدياً؟
 ـ أنا أؤمن بالكتابة عموماً، وأعتقد أن من حق الكاتب أن يجرب جميع أنواع الفنون المتاحة إذا كانت ستضيف شيئاً إلى مشروعه الكتابي، تماماً كما يحدث في السينما، فكما نشاهد السينما الشعرية، ونرى الأفلام التي تمزج الإنميشن في الأفلام العادية، والأفلام التي تستلهم طريقة إخراجها من المسرح أو من الأفلام الوثائقية. أرى أنها كلها وسائل لكي نقول ما نريد قوله بالفن. المهم في البداية والنهاية هو فنية ما يقال. هل لامس الفن أم ابتعد عنه. لذا أستطيع أن أقول بكل وضوح أن مشروعي بالأساس شعري، لكن لا مانع لدي من أن ألجأ إلى أي نوع آخر من الفنون، سواء وُجد أم لم يوجد بعد، لكي يساعدني في ما أقول بطريقة أفضل.


3ـ كمسئول عن موقع ثقافي وإبداعي يتسم بالجدية والسريان في آفاق عميقة فيما يخص القوام السردي والإبداع الكتابي، ماهو تقيمك لتلك المسئولية بعد فعاليات تتجلي منذ عقدين من الزمان؟
ـ أعتقد أنه بعد 12 عاماً من إطلاق موقع الكتابة، يمكن أن أقول أن الأمر يقع بين حدود الدور والمسؤولية. مسؤولية أن أقدم للقارئ مستوى معيناً من الكتابة يرضي طموحه، ودور ثقافي للموقع في الوقت ذاته في أن يصبح أكبر أرشيف للثقافة المصرية، يمكنك بمجرد أن تدخل عليه أو تبحث داخله أن تجد فيه خريطة كاملة للإبداع المصري خلال العشرين عاماً ماضية. موقع الكتابة كان هو أول موقع ثقافي مصري ولا زال مستمراً بجهد أصدقاء أعزاء يعملون بشكل مجاني في الموقع وهم الطاهر شرقاوي وإيمان السباعي وإبراهيم عادل وأسماء جمال عبد الناصر، وهذه فرصة أن أشكرهم على جهدهم الكبير الذي يبذلونه دون أي مقابل، فقط يفعلون ذلك محبة في الكتابة والفن، والمسؤولية كبيرة طبعاً، وأرجو أن يكون الموقع على قدرها.


4 ـ عن رؤيتك المعرفية والثقافية لدور المواقع الثقافية والإبداعية التي صارت ملاذا لأشكال وصنوف عدة من الإبداع ، كيف ترى هذه الفعاليات فيما يخص الذائقة النقدية وأشكال الكتابة وجدوى تاثيرها في المجال او الخارطة الثقافية؟
ـ أحد الأسباب التي دفعتني لإطلاق موقع الكتابة قبل 12 عاماً، هو أزمة النشر، وأن عدد الصحف والمجلات الأدبية والصحفات الثقافية محدود للغاية، وتسيطر عليه في الغالب الشللية، وكان من الصعوبة بمكان لأي كاتب أن ينشر نصا جديداً وأن يخترق السور الذي يحيط بمسؤول النشر في هذه المنصات. لكن انظر الآن. الأمر تغير تماماً، يمكن لأي شخص أن ينشر ما يريد، سواء عبر المنصات الثقافية المعروفة أو المجهولة أو حتى عبر صفحته على فيس بوك. وأرى أن ذلك جيد، بغض النظر عن أن الغث قد يكون أحياناً أكثر من السمين. لكن من المهم لكل شخص أن يأخذ فرصته، وأن يجرب مرة واثنتين وعشرة، وأرى أن الزمن أكبر مصفاة. وسيبقى في النهاية من هو جدير بالفعل أن يبقى.



5 ـ كيف ترى موقعك في مسارك الإبداعي بين جيلك، وهل أنت مقتنع بمسالة المجايلة؟
ـ لا أستطيع أن أحكم على موقعي في جيلي. ولست مهتماً بذلك، لأن الكتابة ليست سباقاً، ولا توجد فيها أفضلية، ولا توجد جائزة في النهاية لمن كتب أكثر أو أقل.  سباق الكاتب الأساسي مع نفسه، أن يستخرج أفضل ما يمكنه من كتابته. أرى أن لديّ مشروعي الخاص بالكتابة، ولا أريد من هذا المشروع أن يبز فلاناً أو يتفوق على علان. أريد أن أكتب مشروعي فقط، سواء كان أفضل أو أسوأ من غيري. لكن هذه الأفضلية ليست مهمة على الإطلاق. بالنسبة لمسألة المجايلة، أعتقد أنها جدلية، لكني أعتقد أنها تعتمد على فكرة أن عدداً من الكتاب بدأوا الكتابة، ونشأول في زمن معين وتأثروا بتغييرات اجتماعية واقتصادية وثقافية أثرت فيهم، فمن الطبيعي في هذه الحالة أن يكونوا قريبين فكرياً، لكن طبعا هناك مشاريع أدبية مختلفة تنسف هذا الاعتقاد.


6ـ عن الوجود والخواء والعدم واللا جدوى بل والعبث فيما وراء مضمونك الإبداعي، إلى أي مدي أثر المعيشي في التجربة الإبداعية عند الشاعر والروائي محمد ابو زيد؟
ـ أعتقد أن الشعر هو التاريخ الشخصي للكاتب، أقصد تاريخ مشاعره، بينما الرواية يمكن أن تكون تاريخ محيطه الاجتماعي والسياسي والثقافي. ولا شك أن ما حدث في مصر خلال السنوات الماضية التي عشتها، انعكس بشكل أو بآخر في كتابتي. ليس بشكل مباشر بالطبع. لكن أعتقد أيضاً أنه مع مرور الوقت وتراكم الخبرة تحدث إزاحات نفسية لدى الكاتب، وانتقائية فيما يريد أن يكتب عنه أو ما لا يريد، وغالبا تتكون هذه الانتقائية عن طريق اللاوعي، لأن القصدية ـ وخصوصاً في الشعر ـ ضد الإبداع.


7ـ تقييمك للخارطة أو الشأن الثقافي والإبداعي في اللحظة الآنية؟
ـ أعتقد أن هناك حالة حراك ثقافي حقيقية بعيداً عن المؤسسة الرسمية، هناك طفرة حقيقية في عدد الكتاب، خصوصاً في الشعر. وأعتقد أن من يتابع عدد الشعراء الذين يكتبون كل يوم قصائدهم على وسائل التواصل الاجتماعي سيدرك أن هؤلاء هم أكبر رد على نظرية "زمن الرواية"، وأعتقد أيضا أن هذه المواقع الاجتماعية قامت بدور مهم جداً في تقريب الكتاب المصريين من نظرائهم العرب، وهو ما سينعكس مع الوقت في تكوين صوت عربي ثقافي متفاهم ومتناغم، بعد أن ظللنا لسنوات طوال ـ بسبب الانغلاق الثقافي لا سيما في الثمانينات والتسعينات ـ نعاني من قطيعة ثقافية عربية، فتكون جيل في بلال المغرب العربي لا يعرف شيئا عنا، وجيل في دول الخليج لم يقرأ معظم ما كتبه أقرانهم في مصر.

8ـ هل أثرت أو صنعت  تلك المسئوليات الجمة فيما يخص مسئوليك عن موقع الكتابة الثقافي في سريان او تاكيد قوامك كمبدع ؟
ـ لا أعتقد ذلك. لأنني أكتب وأنشر بمنأى عن موقع الكتابة الثقافي. وتوقفت لسنوات طوال عن النشر في مواقع أو صحف لأنني كنت أرى أنه لا يصح أن أفعل ذلك وأنا مسؤول عن موقع ثقافي، ولا أستغل الموقع في نشر أي نص لي أو الترويج لكتابتي. وعدد كبير من كتاب الموقع لا يعرفونني بشكل شخصي، ويتواصلون عن طريق البريد الإلكتروني، دون أن أوقع باسمي.


9ـ كل من هو قريب من الكاتب المبدع محمد أبو زيد يكتشف بعدك عن الشللية بعد التوافق مع أسماء بعينها في الكتابي والوجودي والحياتي، هل هناك دوافع ما وراء هذه الإختيارات؟
ـ لديّ قائمة صغيرة من الأصدقاء نلتقي دائماً، ولا يوجد أحد فيهم مسؤول عن مؤسسة ثقافية أو صفحة أدبية،  لذا لا يمكن أن تقول إننا شلة مؤثرة. نحن أصدقاء فقط، ونلتقي فقط على بساط الثقافة فقط. وأعتقد أن الكاتب ـ أي كاتب ـ هدفه الأسمى أن يكتب، لا أن يبحث عن منصب أو يقضي وقته في النميمة أو عقد عداوات مجانية أو الصراع من أجل أي شيء. ما أسعى إليه فقط هو أن أكتب، أن أواصل مشروعي الإبداعي. ولا أهتم بأي شيء آخر في الوسط الأدبي.


10ـ  في أي فضاء أو إطار إبداعي يجد الكاتب محمد ابو زيد بغيته وسلوته وخلاصه؟
ـ أحب الشعر، وأجد فيه الخلاص. أجد فيه اللمسة السحرية التي إذا مست هذا العالم يمكنها أن تحيله إلى جنة. أجد فيه الروح التي تنقص الجمادات كي تتحرك، أجد فيه روحي وطريقي ومبدأي ومنتهاي.
..............
الدستور: الإثنين 03/يونيو/2019 - 03:24 ص


01‏/05‏/2019

الحركة الأخيرة في مكعب روبيك


في حين بدأت الرواية بعناوينها في تراثنا العربي، مثل "حي بن يقظان" و"ألف ليلة وليلة"، لم يبدأ الشعر كذلك، بل كانت القصائد تنسب للشاعر مباشرة، فنقول "معلقة عمرو بن كلثوم"، أو "معلقة امرؤ القيس"، أو يتم توصيفها كأن نقول "مرثية الخنساء لأخيها"، وحين يتم جمعها في كتاب واحد بعد ذلك يقال "ديوان المتنبي"، بل إن هناك عشرات القصائد اليتيمة ومئات القصائد ذات البيت الواحد، التي تنسب لاسم صاحبها فقط، كأنها تنتمي بالنسب إليه، كأنها جزء منه، قطعة بازل تكوّن حياته. وهذا في رأيي هو الشعر، هو جزء من روح الشاعر لا ينتمي ولا ينسب إلا إليه. وفي ظني أيضاً أن اختيار عناوين الدواوين ـ لو وضعنا في اعتبارنا تطور الكتابة والنشر، يجب أن يكون كذلك، قطعة من الشعر. قصيدة مستقلة. واحدة من ملايين القصائد الهائمة في الهواء حولنا ولا نراها أو نحسها إلا حين تصعقنا في خفة، خاطفة، وصادمة، وموحية، وتقول كل شيء في أقل عدد من الكلمات، واحدة من القصائد القديمة ذات البيت الواحد.
أعتقد أن القارئ يشتري أي ديوان لأحد سببين، إما لأنه يحب الكاتب ـ وفي هذه الحالة لن يهتم كثيراً بما يقوله الغلاف ـ  أو لأن العنوان أعجبه، والعناوين في الآونة الأخيرة أصبحت تتبع ما صار يحدث في الرواية وفي الأغلفة، وهو "الهرولة وراء الترند"، فمرة يجب أن يكون العنوان صوفياً، ومرة يجب أن يكون العنوان غريباً، ومرة يجب أن يكون العنوان طويلاً، لكني أعتقد أن العنوان يجب أن يكون معبراً عن الديوان، حتى لو لم يكن عنوان واحدة من قصائده، يجب أن يكون قصيدة مستقلة، تستطيع أن تحفز القارئ لأن يضع يده في جيبه ويُخرج ثمن الديوان.
بالنسبة لي، أعتقد أن اختيار عناوين الدواوين تطور بتطور فهمي للشعر وإحساسي به، وإن ظل حتى الديوان الأخيرة تحت مظلة واحدة هي محبتي للتراث، فأربع دواوين لي تحمل عناوين ذات صبغة تراثية: "مدهامتان"، وهي أقصر آية في القرآن (سورة الرحمن)، و"سوداء وجميلة"، من نشيد الإنشاد، و"جحيم"، عنوان ديواني القادم بما يحمل من صبغة دينية، و"قوم جلوس حولهم ماء"، هو شطر بيت شعر شهير كنا ندرسه في التعليم الثانوي، للتدليل على رداءة الشعر، ووددت بهذا الاختيار أن أقول أن الشعر يأتي مما تظنونه رديئاً أيضاً، وهذا لا ينفصل عن روح الدواوين بالمناسبة. لكن التطور عموماً الذي لاحظته هو أنني صرت أختار عناوين أقصر، وأقل غرابة وتعقيداً، فعنوان ديواني الأول كان "ثقب في الهواء بطول قامتي"، وعنوان الديوان القادم كلمة واحدة، لا يعني هذا الانحياز لطول أو قصر أو بساطة أو تعقيد، لأن الشاعر يفعل ذلك دون أن يقصده، أقصد أن تطور فهمه للشعر ـ سواء كان محقاً في ذلك أم لا ـ هو الذي يدفعه لذلك.
أكتب الديوان أولاً، وهو في الأغلب يكون حالة واحدة،  وبعد أن أنتهي منه أختار عنواناً عن هذه الحالة، في بعض الأحيان يكون الأمر محسوماً، ديواني "مديح الغابة" مثلاً  مقسم من الداخل إلى "الغابيون"، و"الغابيات" و"كائنات أخرى"، فجاء العنوان متوافقاً مع ذلك، في بعض الأحيان لا يشي التقسيم بذلك. فأحتاج إلى عنوان مناسب وهو أمر صعب ومعقد ومرهق.
اختيار العنوان بالتأكيد ليس سهلاً، يشبه الإجابة على السؤال الشهير الذي وُجّه إلى ليوناردو دي كابريو    what about your first oscar، يشبه اختيار اسم طفلك الأول، يشبه روحك في تلك المرحلة الزمنية، لأن الشعر في ظني هو تأريخ شخصي لذواتنا  كشعراء، فكيف تصف كشاعر ذاتك في هذه المرحلة في كلمة أو اثنتين أو خمساً؟
أعرف أن البعض يختار حتى عناوين قصائده بدون اهتمام، كأن تكون كلمة من القصيدة أو أول بيت فيها، لكني أظن أن الأمر ليس بهذه السهولة بالنسبة لي، ديوان الشعر يشبه مكعب روبيك، يجب أن تقوم بأكثر من حركة لتقوم بحله، الحركة الأولى هي القصيدة، الحركة الثانية هي عنوان القصيدة، الحركة الثالثة هي عنوان الديوان.
...............
*نشر في أخبار الأدب

20‏/04‏/2019

ثلاثية إم نايت شياملان.. تفكيك أسطورة الابطال الخارقين


في الوقت الذي تجتاح فيه أفلام الأبطال الخارقين دور العرض السينمائي، وتتصدر الإيرادات، بل وتنافس على الأوسكار كما حدث مع فيلم "بلاك بانثر"، يأتي فيلم "جلاس" الجزء المتمم لثلاثية المخرج إم نايت شياملان، ليفكك ما يمكن تسميته عالم الأبطال الخارقين والقصص المصورة.
عندما قدم شياملان فيلمه الأول في هذه الثلاثية "غير قابل للكسر Unbreakable " قبل تسعة عشر عاماً، لم يكن لأحد أن يتوقع أن يصبح له جزء ثان أو ثالث، لكن شياملان، صاحب الالتواءات الأخاذة في نهايات أفلامه، كنهاية "الحاسة السادسة" فاجأ مشاهديه في مشهد نهاية فيلمه الثاني "انقسام split" بظهور سريع لبروس ويليس بطل الجزء الأول، ليربط الجمهور على الفور بين الفيلمين، قبل أن يعلن رسمياً عن فيلم ثالث متمم للفيلمين.
لم يقدم شياملان في فيلمه الأول ما يوحي بأننا أمام فيلم يتكلم عن الأبطال الخارقين، بل قدم فيلماً عادياً قام فيه بروس ويليس بدور عامل الأمن البسيط الذي ينجو من حادث قطار مات كل من فيه ولا يصدق أنه يمتلك قدرات غير عادية، وصمويل جاكسون بدور رسام وعاشق القصص المصورة المهووس بالأبطال الخارقين ويعاني من سهولة تكسر عظامه ويحاول إقناع الأول بأنه نقيضه وأن عظامه لا تتكسر، لم نر مطاردات أو أكشن أو غزاة من كوكب آخر أو أشرار اعتياديين، رأينا يشبهوننا ولديهم مشاكل حياتية تشبهنا، حتى وإن اختلفت طبيعتها.
في فيلمه الثاني split الذي قام ببطولته جيمس مكافوي، لسنا أيضاً أمام بطل خارق، بل أمام شخص مصاب بانفصام الشخصية، يختطف الفتيات، وهو ما نتابعه طوال الفيلم مع أداء رائع مع مكافوي الذي يقدم 23 شخصية مختلفة في الوقت ذاته، حتى المشاهد الأخيرة التي يظهر فيها "الوحش"، وهو إحدى الشخصيات التي يتحول إليها، والتي يمكن القول إنها ترتد بالإنسان لأصله الأول العنيف الذي يتحرك مثل القرود ويقفز فوق الحوائط.
في الفيلم الأخير Glass، يقترب شياملان من عالم القصص المصورة أكثر، فالعقل المفكر إليجا أو مستر جلاس (صمويل جاكسون) يسعى لعقد معركة يشاهدها العالم، بين "الوحش/ مكافوي"، و"المراقب/ ويليس"، ورغم الالتواءات المتعددة في نهاية الفيلم، فإننا أيضاً نظل أمام فيلم لا يصل لإبهار أفلام الأبطال الخارقين، أو ما تسعى لتقديمه على الأقل، وإنما أمام فيلم يحاول أن يقنعنا أن الإنسان يمكن أن يصبح بطلاً خارقاً، لو أعطيناه الفرصة، لو فتشنا داخله، وأخرجنا طاقاته الكامنة، سواء تلك التي نتجت عن طفرات مرضية أو ترتد به إلى بدائيته، لكنه رغم ذلك يعود إلى الميثولوجيا الإغريقية عندما يقدم ديفيد الذي يفقد قوته عندما يصطدم بالمياه، بما يذكر بأسطورة كعب أخيل أو حتى شمشون.
القوى الخارقة التي يقدمها شياملان في أفلامه الثلاثة، هي قوى خارقة طبيعية، فلا أحد في أبطال الفيلم الثلاثة، يحمل مطرقة مثل ثور، أو يلدغه عنكبوت مثل سبايدر مان، أو يخضع لعملية جراحية مثل كابتن أمريكا، أو يملك قدرات مالية وتكنولوجية ضخمة تساعده مثل باتمان، ليس من كوكب آخر مثل سوبر مان، وليس من أعماق البحار مثل أكوا مان. ببساطة نحن أمام شخصيات بشرية عادية، مرت بحوادث بسيطة في حياتها غيرت مسارها، وجعلتها تكتشف قدراتها، والقدرات التي يقدمها يمكن أن نرى الكثير منها من رجال عاديين على يوتيوب، بعناوين مثيرة مثل الرجل الذي يشد سيارة بأسنانه، أو الرجل الذي يأكل الزجاج، أو الرجل الذي يرفع ألف رطل، لكن ما يطرحه بالإضافة لذلك هو كيف يتم ترويض هذه القدرات واستخدامها بشكل صحيح، سواء كان مع الخير أو الشر.
تبدو شخصيات الثلاثية، أقرب إلى "المتحولين"، وربما يتماس هذا مع المشاهد الأخيرة في الفيلم حينما يوجه (إليجا) صمويل جاكسون رسالته إلى العالم ويبث مقاطع الفيديو الخاصة ببطليه، فتبدو أشبه برسالة شاهدناها من قبل في أحد أفلام إكس للمتحولين الخائفين بالخروج، لكنها هنا، رسالة أكثر واقعية، وكثيراً ما فكرنا في القدرات التي يملكها الإنسان ونحن نشاهد السيرك على سبيل المثال، وكيف يمكن للإنسان أن يسير فوق الحبل، أو يقفز من ارتفاع شاهق، وهي نفس الفكرة التي آمن بها إليجا أو مستر جلاس وحاول الترويج لها في الجزء الأول والثالث، وهي أن الأبطال الخارقين الذين نقرأ عنهم في القصص المصورة ربما كانوا يعيشون بيننا، لكنهم يظهرون في الكومكيس بقوات مبالغ فيها ليس أكثر.
أكثر ما يبدو غريباً في الفيلم، هي فكرة "المنظمة السرية" التي تحارب ظهور الأبطال الخارقين، لأن كل ما في الفيلم يمكن تصديقه بسهولة، ويمكن منطقته، إلا هذه الفكرة التي تبدو فعلا قادمة من قصص الكوميكس. بل إن الفصل الثالث من الفيلم عموما، يأخذه بعيده عن فكرته الأصلية، وهي الإنسان السوبرمان، وقدراته، وما يمكن أن يقدمه.

16‏/04‏/2019

"عنكبوت في القلب".. كيف نختار سجوننا داخل الأوطان؟

حسين عبد الرحيم 
أصدرت الهيئة المصرية العامة للكتاب، عن سلسلة «إبداعات قصصية»، مؤخرًا، رواية «عنكبوت في القلب»، للكاتب والشاعر محمد أبو زيد.
ترصد الرواية مدى تأثير الخوف على البشر، وقدرته على النفاذ لتفاصيل حميمية بين أعضاء الجسد الواحد، وتقدم العلاقة بين الراوي والأنثى، والكثير من البؤساء والمنسحقين، والمعدومين، فمنهم من على الهامش ومنهم الحاد والجاد والعصابي والممسوس وكذلك الذي اختار الجنون، أو اختار أن يسير في طريق أو مسار واحد بعيدا عن أذى البشر في شوارع خالية، أو تذوب في العزلة، أو الفوضى والجنون والعلاقات المبتورة.
ينطلق الراوي في «عنكبوت في القلب» من الذاتي والوجودي متماسا في مناطق عدة غائرة وشيقة وفاتنة بل ومثيرة وموجعة تنهل من أدق التفاصيل الجوانية لعوالم الكاتب، محمد أبو زيد، وهو الشاعر في المهد واللحد طارح قصائد نثرية تتفرد بحمل نفس إيقاعه في روايته هذه والتي تلمح بحرفية السرد في الرواية التي تدور في عوالم مابين الرمادي والأسود والشبحي، بسخرية القابض على جوهر الفرد المتوحد والمنسجم مع ذاته بعيدا عن الجنون الفعلي خارج عالمه الحقيقي، ومساره الحاد والجاد الصامت في المشي والترجل، وحتى الكاره لسماع الإكليشيهات التي صارت لازمات مؤبدة تلوكها الأفواه في كل أو غالبية الشرائح الاجتماعية والطبقية.
لم يعرف "بيبو" -بطل الرواية- الحب في صباه ولا مراهقته، حتى حب البحر الذي يولد بالسليقة مع أطفال قريته، لم يعرفه أيضًا، سأم المدينة الشبحية بقاذوراتها وذبابها وبلاهة ناسها رغم ثقل مآسيهم وتأثيراتها المباشرة في الحالة العامة أو الكون المرئي في تفاصيل الشارع والحوانيت ومطاعم الوجبات السريعة، اختار الوحدة بإرادته كحماية لنفسه من هذا العالم المتغول على كافة المستويات في العيش والطعام والتحصيل العلمي والمعرفي وحتى في أدق تفاصيل العلاقة مع أعظم المشاعر الإنسانية وهو الحب والذي دفنه السارد في أول عام له بالجامعة لأنه ليس من أبناء الماء، والبحر يأكل من لا يبادله الحب..فأبوه أدرك هذا مبكرا فالولد الخائب.." ؟!! كما كان يسميه الأب مدرك بحالته من قبل ابيه بأنه لن يعود إليه إذا القاه في البحر.
تبث رواية «عنكبوت في القلب» للشاعر والكاتب المبدع محمد أبو زيد، رسائل للوجود ولاستنطاق العدم وقهر الغشم ومساءلة الخواء والتلذذ بالوحدة المنتجة لصفاء وترتييب وتريث فكري وحدوي وذاتي جدير بالاشتباك في أدق تفاصيل سروده الشفيفة التي تبطن وتخفي أكثر مما يحمل ركامها الشفيف من أنين وجوى وفقدان للتواصل مع البشر، حتى في علاقة حب وحيدة ضمها دور عرض سينمائي بضاحية المنيل فكان الميلاد والبدء والمنتهى لصيرورة ما رآه الراوي في نفسه بعدما شفّت وراقت حواسه فصار يجتر في بعض الأحيان سيرة من التقى والتي سنعرف فيما بعد بأنها كانت تقرأ الفنجان لرواد مقهى أو كافيه في مدينة نصر.
محمد أبو زيد، يُعبّر بجسارةٍ عن عوالم محظورة تُهشّم الفواصل الحادة مابين الرواية والشّعر والنثر، في متون فلسفية تصطبغ بها روايته التي تترك القارئ في مقعده بلا ثمة ردود فعل إلا التلذذ بحتمية الاشتباك مع هذه العوالم والرؤى السردية، وكأننا نختارُ بأنفسنا سجونًا نُحشر فيها بعيدا عن السجن الكبير المسمى."وطن".
.............
*نشر في "الدستور"

29‏/03‏/2019

"مكتبة الأسرة" التي أعدموها على مهلٍ


عندما تدخل أحد فروع هيئة الكتاب، لا بد أنك ستجد ما تبقى من كتب "مكتبة الأسرة" في ركن جانبي، لكني أشك في أنك ستجد فيها جديداً أو ما يشجعك على قراءته وشرائه.
يجب الاعتراف إذن، أن مشروع "مكتبة الأسرة" الذي بدأ في العام 1994 تحت شعار "القراءة للجميع"، وساعد في تشكيل وجدان وثقافة جيل عبر سنوات طوالٍ، قد انتهى. سواء كان قد مات إكلينيكياً، أو تم قتله عن عمد، أو على أقل تقدير ينتظر رصاصة الرحمة.
ربما كانت مشكلة المشروع أنه ارتبط منذ نشأته باسم سوزان مبارك، لكن عند إطلاقه لم تكن تلك مشكلة بالمرّة، بل كان دافعاً للوزارات والمؤسسات الرسمية والأهلية للمشاركة في دعمه والتبرع له وتسويقه وإنجاحه، وبالفعل نجح المشروع ودخلت الكتب تقريباً كل بيت، واستطاع الجميع أن يقرأ روائع الأدب العربي والفكر والفلسفة وتراث الإنسانية بأرخص الأسعار.
ولا بد من الاعتراف أيضاً أن المشروع في سنواته الأخيرة قبل 2011، شابته المجاملات والشللية، لكن ظل ـ رغم ذلك ـ محافظاً على تقديم وجبة دسمة من الكتب المهمة المؤسّسة، كما أن جزءاً من قوة دفعه بدأ عندما قرر المسؤولون أن يجعلوه طوال العام وليس خلال فصل الصيف، فافتقد جزءاً من زخمه، لكن المشكلة الحقيقية والكبرى بدأت عقب ثورة يناير 2011، حيث تعامل الجميع معه باعتباره ابن الخطيئة، فسحب المتبرعون تمويلاتهم وبدأ الداعمون في التبرؤ منه لارتباطه باسم سوزان مبارك، وكأنها هي التي كانت تؤلّف الكتب التي تنشرها "مكتبة الأسرة"، وجرت محاولة تغيير اسمه إلى "مكتبة الثورة المصرية" من وزير الثقافة في العام 2013، ولم ينظر أحد إلى المشروع باعتباره مشروعاً ثقافياً مهماً للأسرة المصرية ينشر الوعي والثقافة والتنوير ويساعد في التكوين الثقافي للأجيال الجديدة، ويعود بالنفع على القراء والمؤلفين وحتى على دور النشر الخاصة التي كانت تساهم بكتبها بمقابل مُرضٍ، يساعد في دفع حركة النشر للأمام.
بحسب أرقام التصريحات الرسمية، فإن تمويل المشروع من التبرعات تراجع من 22 مليون جنيه عام 2010 إلى مليونين فقط، ويبدو أن هيئة  الكتاب ليست مهتمة بالبحث عن تمويل أو زيادته، بل يبدو لي إنها تساهم في وأد المشروع على مهلٍ، عن طريق اختيارات سيئة للكتب من إصدارات الهيئات الحكومية القديمة ـ أحياناً تضع أغلفة مكتبة الأسرة على كتب قديمة من مخازنها ـ بالإضافة إلى أسوأ توزيع ممكن فمعظمها لا يصل المحافظاتـ بعد أن كنت تجد الكتب لدى كل بائع صحف في شوارع مصرـ إلى أغلفة تتبارى على لقب الأسوأ، إلى طبعات محدودة جداً، ومع ذلك لم يعد يشتريها أحد.
لعلّ من الواجب هنا التذكير، أن شهور الصيف كانت تتحول إلى مهرجان حقيقي للقراءة، وكنت أقابل العشرات يومياً لدى باعة الرصيف وفي مكتبات الهيئة ممن ينتظرون كتاباً معيناً  من مكتبة الأسرة أو يحجزون جزءاً من أحد الموسوعات الشهيرة التي أصدرتها مثل "قصة الحضارة"، أو "وصف مصر"، أو "مصر القديمة"، وغيرها الكثير.
ولعل من المهم أيضاً الإشارة إلى أن الدولة، أواخر التسعينيات، استخدمت مشروع "مكتبة الأسرة" في حربها ضد الإرهاب، عبر إصدار كتب تتبنى قضية التنوير والهوية المصرية، ولعل هذا المغزى تحديداً هو ما يغيب عن وزارة الثقافة الآن، فإذا كان المسؤولون طوال الوقت يتحدثون عن أهمية "القوة الناعمة"، وعن "الحرب على الإرهاب"، فلا بد أنهم يدركون أن القوة الناعمة لا تعني تقييد النشر وإعدام مشروع ثقافي كبير مهم كهذا، فضلاً عن "النشر بالقطّارة" في الهيئات الحكومية لمجرد التباهي بعدد العناوين، و"الحرب على الإرهاب"، لا تعني التعامل معه عسكرياً فقط، فالفكرة لا تنتهي برصاصة، بل بفكرة أخرى تبزها وتنتصر عليها.
القضية لم تعد في استمرار المشروع من عدمه، المشكلة في فشله، أو إفشاله. إفشاله عن عمد أو جهل. وكلاهما أسوأ من الآخر. ولا مشكلة لديّ في إيقاف "مكتبة الأسرة" إذا كان المسؤولون في هيئة الكتاب يرون أن الغرض منها قد انتهى، لكن يجب أولاً أن يقولوا ما هو البديل الذي يقدمونه؟ ألا يكفي أن سلاسل الكتب والمجلات التي تصدرها الهيئات الثقافية الحكومية ـ لم تعد تصدر إلا لماماً؟، ألا يكفي أنها تطبع مائتي نسخة فقط من الكتاب؟ ألا يكفي أن أسعارها لم تعد في متناول القارئ البسيط، وهو ما أفقدها جزءاً من دورها؟، ألا يكفي سعي مسؤوليها لـ"التوفير" بتقليل طباعة الكتب، لأن هذا هو الاتجاه السائد الآن؟
لا أدري حقاً، لماذا نتفاخر باحتفاظنا بالجثة، إذا كنا نتعامل مع ميت؟ أليس الدفن أكثر إنسانية ورحمة؟

..............
*نشر في "المصري اليوم"

24‏/03‏/2019

" ?Can You Ever Forgive Me".. الجريمة الفنية


تغرب أضواء الشهرة سريعاً عن كاتبة السير الذاتية "لي إسرائيل"، فيتخلى عنها الجميع بداية من وكيلتها الأدبية التي ترف أن تمنحها دفعة تحت الحساب لتعالج قطتها، إلى صاحب البيت الذي يطاردها من أجل الإيجار المتأخر ثلاثة أشهر، ولا يتبقى لها سوى قطتها، وذكريات نجاح لم يكتمل، ورسالة أدبية معلقة على الجدار من أحد المشاهير الذين عرفتهم يوماً.
وعندما تمرض قطتها ولا تستطيع دفع ثمن علاجها، لا تجد أمامها سوى أن تبيع الرسالة المعلقة على حائطها، ما يوحي لها بفكرة "تأليف" وتزوير وثائق أدبية ورسائل شخصية لكبار الكتاب والمشاهير الراحلين وبيعها.
هكذا تبدأ أحداث فيلم السيرة الذاتية الجميل Can You Ever Forgive Me?، والمأخوذ عن مذكرات لي إسرائيل التي تحمل الاسم نفسه، وقامت بدور البطولة فيه ميليسا مكارثي ، وأخرجته مارييل هيلر، ليأخذنا في جولة من المشاعر المضطربة والأفكار المتصارعة التي تعيشها لي، التي تطرح سؤالاً أخلاقياً حول ما تقوم به، إذ ترى أن ما تقوم به من تزوير لرسائل المشاهير ليس جريمة، بل هو فن قائم بذاته، وتعتبره إبداعاً خاصاً بها يعوضها عن فشلها في الاختباء وراء آخرين كانت تكتب سيرهم الذاتية. ويبدو من المهم تأمل هذا المفهوم عندما نبحث في السيرة الحقيقية لـ لي إسرائيل التي كان سبب فشلها في عملها الأساسي رفضها "رشوة" لتزوير حياة أحد المشاهير، فلجأ إلى محاربتها وإفشال كتابها ما جعل الأضواء تغيب عنها.
كان اختيار ميليسا مكارثي للقيام بأداء هذا الدور غريباً، لأنها معروفة بأدوارها الكوميدية والتي تحصرها معظم الوقت في كوميديا "السيدة السمينة"، وما ينجم عنها من مفارقات، لكنها تفاجئنا في هذا الفيلم بأداء درامي جميل، استطاعت أن تترشح عنه لأوسكار أحسن ممثلة، وثماني جوائز أخرى.
قصة حياة لي إسرائيل، التي تناولها الفيلم مثيرة للجدل، فقد عرفت في بداية السبعينات والثمانينات كواحدة من أفضل كُتاب السيّر الذاتية للمشاهير، لكنها تفقد شهرتها مع عدم قدرتها على مجاراة تطور الذوق العام، لدرجة أن دور النشر تعرض مؤلفاتها مصحوبة بتخفيض 75%، فتفقد عملها، ومع عدوانيتها تجاه من حولها تفقد عملاً عادياً كان يؤمن لها دخلاً ثابتاً، ما يدفعها لتزوير رسائل خاصة لمشاهير من أمثال كاثرين هيبورن، وتالولا بانكهيد، وإستي لاودر، ونويل كوارد، وإرنست همينجواي، ولويز بروكس والصحفية دوروثي كيل ، وحوالي 400 شخصية أخرى، مع إضافة لمسات فنية من تأليفها مثل مثلية أحدهم أو طول أنف آخر، بمعاونة صديقها جاك هوك، الذي قام بدوره ريتشارد إي جرانت، الذي تربطها به علاقة غريبة، وقد يبدو هو الصديق الوحيد لها، مع أسلوبها المعادي للجميع، وتفضيلها تربية القطط على مصادقة البشر.
في محادثة حادة بين لي وجاك، تقول إن رسائلها ليست مجرد تزوير بل قطع فنية من تأليفها، فيرد عليها بأنها لا تنتمي إليها لأنها لا تستطيع أن تضع اسمها عليها، لكنها تعود لتقول في مذكراتها "ما زالت أعتبر الرسائل أفضل إنجازاتي" وبعيداً عن جدلية التزوير، يضع الفيلم بطرح هذه النقطة عشرات علامات الاستفهام حول ماهية الفن، الذي جزء منه اقتباس وتقليد وابتكار، فـ لي إسرائيل لم تكن مجرد مزورة لتوقيع، بل كانت تبتكر موقفاً غريباً من حياة أحد المشاهير، وتعيد صياغة جزء كامل من حياته.
هل كان يجب أن نتعاطف مع لي إسرائيل، مع الأداء الرائع الذي قدمته ميليسا مكارثي، وحياتها المأساوية التي قدمها الفيلم، ومبرراتها التي روتها في مذكراتها؟ هل كان يجب أن نغفر لـ لي، كما طببت في عنوان مذكراتها وعنوان الفيلم بالتبعية، اضطرارها للتزوير كي تستطيع أن تطعم قطتها، وتدفع إيجار بيتها وتنظفه من الحشرات؟ هل كان يجب أن نصدقها في أن ما فعلته كان قطعاً فنية مستقلة تخصها، وليس مجرد أعمال مزورة؟ هل علينا أن نعيد التفكير في فنية ما كانت تفعله، وفي فنية "الكذب" ذاته ؟ الفيلم يريدنا أن نجيب بنعم. لكن الواقع يتطلب الإجابة على عشرات الأسئلة حول ماهية الفن أولاً.



صداقات تاريخية


محمد أبوزيد: لا نعبر وسط البلد إلا بعد استئذان عمدتها الطاهر الشرقاوى

حسن عبدالموجود

لو نظرت فى الصورة المصاحبة لهذا الموضوع فلن تحتاج إلى وقت طويل لتدرك ما تغيَّر فى سنوات قليلة. الشاعر محمد شكر، على يمين الصورة اختفى تقريباً، شارب محمد أبوزيد صار ذكرى قديمة، شَعْر الطاهر شرقاوى لا يرى النور أبداً، وبمجرد تفكيره فى اختراق جلد رأسه، يُجهَز عليه بموس حاد، أما هانى عبدالمريد فهو الاستثناء تقريباً، فلم يتغير فيه شىء، وأول ما تراه منه عيناه اللتان لا تعرف إن كانتا عسليتيْن أم خضراويْن. حينما ينظر إليك هانى، تشعر، بسبب "تلك التبريقة الدائمة" التى تميزه، أنه يُجمِّع الليزر فى عينيه، وأنه على وشك إطلاق شعاعين سيحرقانك فوراً، لكن لأنه طيب تستطيع أن تتخيل، كذلك، أنه سيبادرك قائلاً: "س 18 فى خدمتك يا سيدى".
محمد أبوزيد هو الركن الأساسى فى تلك الشلة، ولكنه لا يرى هذا، فـ"عمود الخيمة"، بالنسبة له، هو الطاهر شرقاوى. هذه مجموعة، يبدو أن الوسط الثقافى لم ينل منها، حتى هذه اللحظة، وعلى سبيل المثال ينسب كل منهم الفضل إلى الآخر فى كل شىء، ولن تجد أحداً منهم يخوض فى سيرة غريب، كما أنهم لا يعرفون النميمة، إنهم يبدون أقرب إلى شلة أنبياء. وفى الأغلب يجلسون صامتين، قليل من الكلمات تكفيهم، وقد فكرت فى مرة، وأنا معهم، أنهم يتخاطرون عقلياً حتى لا يضايقوننى بأصواتهم. كانوا يجلسون ذات يوم ومر بهم شاعر، وقال ضاحكاً: "أنا خايف أسلم عليكم فيحصلكم تلوث"!
هذه مجموعة لا تعرف الصداقة المزيفة، كما يقول جبران خليل جبران: "الصديق المزيف كالظل، يمشى ورائى عندما أكون فى الشمس، ويختفى عندما أكون فى الظلام"، إنهم يظهرون لدعم بعضهم فى الأوقات المناسبة.
لكن كيف تكونت تلك المجموعة؟ بذرة الصداقة بدأت بين اثنين، ثم تفرعت إلى شجرة. يقول أبوزيد: "1999 كان عامى الأول فى القاهرة، ذهبت لحضور ندوة الروائى محمد جبريل، فى مقر نقابة الصحافيين بشارع الجلاء وقتها، وألقيت قصة قصيرة، وعقب الندوة بادر الطاهر، بالتعرف علىَّ، عرفتُ أنه صعيدى ودرس التجارة فى جامعة الأزهر مثلى، وبدأت صداقتنا منذ ذلك اليوم".
تزامنت هذه العلاقة بالصدفة بصداقة كبيرة أخرى مع محمد صلاح العزب، الذى قابله أبوزيد فى ندوة أخرى كانت تُعقد فى أحد النوادى، على نيل الجيزة، وتعرف من خلاله على صديق تاريخى آخر هو هانى عبد المريد، قبل أن ينضم إليهم الشاعر الراحل مجدى عبد الرحيم.
كانوا جميعاً فى بداياتهم، يبحثون عن طرق للنشر، يسيرون فى شوارع "وسط البلد" يكتشفون شوارعها ويسخرون من كل شىء، ينتقلون من ندوة إلى أخرى، ومن مقهى إلى آخر، ومن سور كتب قديمة إلى باعة أرصفة، يتصلون ببعضهم من كابينات "ميناتل" ويتفقون على اللقاء يومياً تقريباً ليقرأوا لبعضهم ما كانوا يكتبونه، ويفرحون إذا نشر أحدهم قصة أو قصيدة فى صحيفة مجهولة.
يقول أبوزيد: "أعتبر نفسى شخصاً غير اجتماعى، أحظى بمحبة عشرات الزملاء فى كل مكان عملت به، لكن ظلت صداقاتى محدودة ومقصورة معظم الوقت. مع الوقت، كانت تنمو لدىَّ دوائر صداقات مختلفة جميعها مرتبطة بالأدب، محمود فهمى الذى أصدر ديوانه الأول (لوحدك)، محمد الفخرانى الذى أصدر مجموعته الأولى (بنت ليل)، نهى محمود التى تعرفت عليها من خلال مدونتها الشهيرة (كراكيب)، وإيمان السباعى التى كانت تكتب القصة وتعيش فى الإسكندرية قبل أن تنتقل للقاهرة. مع الوقت تحولت الدوائر المختلفة إلى دائرة واحدة، أصبح عمدتها هو الطاهر شرقاوى، بسبب عمله وسكنه فى وسط البلد، وبالتالى لا يستطيع أى شخص من سكان الحدود، هانى ومحمود يسكنان مدينة الشروق، المرور أو الاقتراب من وسط البلد إلا بعد استئذانه".
يملك كل أفراد المجموعة حكايات عن الطاهر، لكن حكاية أبوزيد الأثيرة هى أنه تخلى عن كونه نباتياً لأجله، يعلق: "رغم محاولات طارق هاشم المستمرة معه وإغراءه بجميع أنواع الحيوانات البرية والبحرية، ومطاعم وسط البلد بمختلف مستوياتها، إلا أنه لم يفلح، وفى شهر رمضان، 2003 تقريباً، وكنت أعمل وقتها فى مكتب صحيفة الشرق الأوسط بالمهندسين، كان يتصل بى معظم الشهر ليدعونى للإفطار فى بيته، وكنت أقطع شارع جامعة الدول العربية مشياً ثم شارع ناهيا لأصل إلى بيته فى بولاق الدكرور، وأجده قد طبخ لى خصيصاً ما يتناقض مع نباتيته المفرطة".
فى أى يوم تمر بعد الساعة الثالثة عصراً على "مقهى الحرية" ستجد طاهر يجلس هناك، وفى الغالب ستجد معه كماً كبيراً من الأفلام لدرجة أنك ستظنه قرصاناً، وهذه فرصة ليحكى أبوزيد أن طاهر كان بوابتهم الوحيدة لسنوات طويلة على السينما الأوروبية، وعبر طرقه السرية شاهدوا جميعأً السينما الإيرانية والأفغانية واليوغسلافية والتشيكية والإفريقية، والأوروبية بالطبع، ويمكن التأريخ لهذا الأمر بتطور الكمبيوتر ذاته، ففى البداية كانوا يذهبون إليه بالهاردات بعد انتزاعها من الأجهزة، ثم اتجه إلى نسخ الأفلام على الأسطوانات المدمجة ثم الفلاشات، ثم الهاردات الخارجية، كان يوزع الأفلام يمينا وشمالاً كملك متوّج على عرشه.
يحكى أبوزيد: "من الممكن أن أؤرخ لصداقة مجموعتنا بالمقاهى التى جلسنا عليها، بدءاً من التكعيبة، مروراً بمقهى عم صالح، والأخير حين اكتشفنا أن اسمه: كافيتريا حسن، كما أقول فى قصيدة لى من ديوان (طاعون يضع ساقاً فوق الأخرى وينظر للسماء) قررنا أن نغادره إلى البورصة، ثم قادنا طاهر إلى سوق الحميدية التى ظلت لفترة طويلة مقرنا الرسمى، ثم  انتقلنا إلى (الحرية)، وأظن أن وليام، نادل المقهى، يعاملنا بشكل آدمى خوفاً من الطاهر".
قرأ أبوزيد ذلك التعريف للصداقة على "فيسبوك"، أنها "غيابك عن شخص ما فترة ثم عودتك لاستئناف ما كنت تتحدث عنه، كأنك لم تغب"، يعلق: "أعتقد أن هذا التعريف ينطبق على مجموعتنا تماماً، فهناك أصدقاء يأتون ويرحلون بسبب انشغالات الحياة، لكن بمجرد عودتهم يأخذون مقاعدهم وسطنا كأنهم لم يغادروا يوماً، مثل محمد شكر وزيان وزيرى. هذا التعريف ينطبق أيضاً على أعضاء المجموعة الدائمين، فقد ينشغل محمد الفخرانى فترة طويلة فى رواية ولا نراه، وقد ينغمس محمود فهمى فى العمل لشهرين، وقد يغيب هانى عبد المريد لظروف ما، لكن بمجرد اتصال واحد تنعقد الجلسة ونستأنف ما كان من قبل. أعتقد أن هذا الأمر ينطبق علىَّ بشكل كبير، فقد سافرت خارج مصر مرتين، فى المرة الأولى غبت ثلاثة أعوام تقريباً، وفى المرة الثانية غبت عامين، وعندما عدت فى المرتين سحبت مقعداً وجلست واستأنفت غالباً نفس الجملة التى كنت أتحدث فيها من قبل. لم أشعر أننى غبت يوماً، ولا أعتقد أنهم شعروا بذلك أيضاً".
خلال العامين الأخيرين، لم يتحدث أبوزيد مع الطاهر سوى مرتين، أو ثلاث، ومع ذلك لا يعتقد أن صداقتهما تأثرت: "لكن ما أعتقده أن تكوينى النفسى يشبه تكوين الطاهر الذى لا يعترف بالاتصالات الهاتفية أو المحادثة عبر مواقع التواصل الاجتماعى. أعتقد لأن مفهوم الصداقة لدى كلينا، ولدى المجموعة كلها، أعمق وأكبر من ذلك. إذ يتحول مع الوقت إلى مفهوم مقارب لمفهوم البيت، فأنت من الممكن أن تسافر أو تغيب لكنك عائد إليه حتماً، ولا تشعر بالألفة إلا فى هذا المكان ومع هؤلاء الأشخاص، حتى لو كررتم الكلام ذاته أكثر من مرة، وحتى لو ضحكتم على النكات نفسها، وحتى لو اختلفتم. أعتقد أن الصداقة هى ذلك البيت الذى ينتظرك فى النهاية".
.........
*نشر في أخبار الأدب

01‏/03‏/2019

لماذا يكره الناشرون الشَّعر؟


يمكنني أن أروي لك عشرات التجارب، لشاعرات وشعراء، من أجيال مختلفة، داخوا "السبع دوخات" بدواوينهم بحثاً عن ناشر يحترم "معنى الشعر" ويقبل بنشر نتاجهم، وفي النهاية، إما استسلموا لمقتضيات السوق، أو فضلوا عتمة الأدراج المغلقة على عتمة الكذب على أنفسهم باسم النشر.
هنا يمكنني أن أًقسّم لك  دور النشر في تعاملها مع الشعر إلى ثلاثة أقسام. الأول: وهي دور النشر التي أعلنت أنها لن تنشر الشعر أبداً، حتى لو عاد أحمد بك شوقي من الموت وكتب لهم خصيصاً. والثانية: هي التي تنشر الشعر على استحياء، وهذه يندرج تحتها أقسام أخرى، أولاها التي تعلن أن هذا العام لن يكون للشعر، وإنما سيكون لأي فرع آخر، رفعاً للحرج عن نفسها، وإغلاقاً للباب في وجه الشعراء المتطفلين. والثانية: هي التي توافق على نشر الشعر، وترحب بالشعراء المساكين وتحتفي بهم، لكنها تنقل الدواوين من عتمة أدراج الشعراء إلى عتمة أدراجها هي. وهكذا يذهب الديوان في رحلة لا يعلم الشعر متى يعود منها، وهل سيقابله قطاع طرق أم لا، وهل سيبصر النور في النهاية أم سيظل "رهين المحبسين/ الدرجين"، وهذه إجابة لا يملك أحد أبداً إجابتها.
والثالثة: هي التي تنشر لعدد محدود من الشعراء، وتختارهم بإحدي طريقتين. الأولى أن يكون أحد "شعراء الدار"، وهذا يتطلب في كل الأحوال أن يكون له رصيده الشخصي عند صاحب دار النشر، والرصيد الشخصي هنا لا علاقة له بجودة الشعر من عدمها، وإنما رصيد محبة ومال أيضاً. الطريقة الثانية: هي دور النشر التي تنشر نوعاً معيناً من الشعر الذي يعرفه قارئه، وهذا لا يعني أيضاً أنها تختار أجود الشعر، وإنما تختار أكثره مبيعاً، وصياحاً، وصخباً، وجلباً للطوابير في معارض الكتاب، وتصاحب مؤلفه هالة من القنوات الفضائية والمهرجانات الشعرية العربية، والألقاب الحلمنتيشية.
هل تهت مني؟ هل تعبت؟ انتظر، لم أحكِ لك بعد عن القسم الثالث من دور النشر، وهي التي تنشر الشعر فعلاً، كل الشعر إن شئت الدقة، وتتفاخر بذلك، لكنها تفعل ذلك بمقابل مادي كبير ـ وهذا لا ضير فيه ـ فالعقد شريعة المتعاقدين كما تعلم ـ لكن ما الذي يأخذه الشاعر في المقابل؟
هنا يمكن أن أروي لك حكايات أخرى عن شعراء يبحثون عن دواوينهم بنظارة شارلوك هولمز المكبرة في المكتبات ولا يجدونها، وحكايات عن شاعرات يخجلن من إظهار دواوينهن لأن دار النشر لم تكلف خاطرها وتراجع الأخطاء المطبعية، وحكايات عن آخرين اكتشفوا أن دار النشر لم تطبع سوى مائتي نسخة فقط من الكتاب، وحكايات عن ناشرين بعد أن اطمأنوا أنهم أخذوا ثمن طباعة الديوان وثمن أرباحهم لم يكلفوا أنفسهم بإخراج ما طبعوه من المخازن.
لم أحدثك طبعاً عن نشر الشعر في هيئات النشر الحكومية، لكن يمكن أن أفعل بعد ثلاث سنوات، ووقتها لن يكون ديوانك الذي ستقدمه لإحدى الهيئتين الآن، قد صدر بعد، فلا تتعجل هذه النقطة.
ربما تتشارك بعض أنواع الإبداع الأخرى من قصة ومسرح، مع الشعر هذه الهموم، لكن في النهاية يبدو لي الشعر ـ الذي نطنطن أنه ديوان العرب ـ هو المستهدف الأكبر، ولو سألت أي صاحب دار نشر، سيقول لك إن "الشعر لا يبيع". والناشر هنا يتحدث كصاحب مال ـ وهذا حقه بالمناسبة ـ لكن أليس من واجبه أيضاً أن يروّج لبضاعته، أن يسوّق الدواوين التي طبعها، وساعتها "سيبيع الشعر"، وسيجد قارئه.
لا أطالب الناشر أن يخسر أمواله كي ينشر الشعر، فهو يأخذ "ثمن الطباعة" من الشاعر قبل الطباعة تحت مسمى "المشاركة" على أية حال، لكن ما أود أن أقوله هو أن "تجارة النشر" تختلف عن أية تجارة أخرى، لأن عليها دوراً تنويرياً وتثقيفياً، وهذا يعني عبئاً إضافياً على الجميع أن يساهم في تحمله، إذا أردنا أن نتحدث عن "سوق نشر" جادة، ودور ثقافي نبحث عنه بلا جدوى.
.................

14‏/01‏/2019

الخروج من أفريقيا




أعرف أغنية أفريقيا
عن الزرافة
والقمر الأفريقي الجديد
الساطع في ليلها
والمحاريث في الحقول
والوجوه المتعرّقة
لقاطفي البن
فهل تعرف أفريقيا أغنية عنّي؟
هل سيرتجف الأثير‏ فوق السهل
كما كان عليه الحال معي؟
أم سيخترع الأطفال لعبة
ويسموها باسمي؟
هل سيلقى البدر بظلاله..
 على حصي الطريق
الذى كان يعجبنى؟
أم أن نسور تلال نجونج
ستبحث عنى؟
ولا تستطيع المجيء
حيث أنا ذاهبة
 ..........
البارونة كارين بيلكسن
Out of Africa ـ 1985