29‏/03‏/2019

"مكتبة الأسرة" التي أعدموها على مهلٍ


عندما تدخل أحد فروع هيئة الكتاب، لا بد أنك ستجد ما تبقى من كتب "مكتبة الأسرة" في ركن جانبي، لكني أشك في أنك ستجد فيها جديداً أو ما يشجعك على قراءته وشرائه.
يجب الاعتراف إذن، أن مشروع "مكتبة الأسرة" الذي بدأ في العام 1994 تحت شعار "القراءة للجميع"، وساعد في تشكيل وجدان وثقافة جيل عبر سنوات طوالٍ، قد انتهى. سواء كان قد مات إكلينيكياً، أو تم قتله عن عمد، أو على أقل تقدير ينتظر رصاصة الرحمة.
ربما كانت مشكلة المشروع أنه ارتبط منذ نشأته باسم سوزان مبارك، لكن عند إطلاقه لم تكن تلك مشكلة بالمرّة، بل كان دافعاً للوزارات والمؤسسات الرسمية والأهلية للمشاركة في دعمه والتبرع له وتسويقه وإنجاحه، وبالفعل نجح المشروع ودخلت الكتب تقريباً كل بيت، واستطاع الجميع أن يقرأ روائع الأدب العربي والفكر والفلسفة وتراث الإنسانية بأرخص الأسعار.
ولا بد من الاعتراف أيضاً أن المشروع في سنواته الأخيرة قبل 2011، شابته المجاملات والشللية، لكن ظل ـ رغم ذلك ـ محافظاً على تقديم وجبة دسمة من الكتب المهمة المؤسّسة، كما أن جزءاً من قوة دفعه بدأ عندما قرر المسؤولون أن يجعلوه طوال العام وليس خلال فصل الصيف، فافتقد جزءاً من زخمه، لكن المشكلة الحقيقية والكبرى بدأت عقب ثورة يناير 2011، حيث تعامل الجميع معه باعتباره ابن الخطيئة، فسحب المتبرعون تمويلاتهم وبدأ الداعمون في التبرؤ منه لارتباطه باسم سوزان مبارك، وكأنها هي التي كانت تؤلّف الكتب التي تنشرها "مكتبة الأسرة"، وجرت محاولة تغيير اسمه إلى "مكتبة الثورة المصرية" من وزير الثقافة في العام 2013، ولم ينظر أحد إلى المشروع باعتباره مشروعاً ثقافياً مهماً للأسرة المصرية ينشر الوعي والثقافة والتنوير ويساعد في التكوين الثقافي للأجيال الجديدة، ويعود بالنفع على القراء والمؤلفين وحتى على دور النشر الخاصة التي كانت تساهم بكتبها بمقابل مُرضٍ، يساعد في دفع حركة النشر للأمام.
بحسب أرقام التصريحات الرسمية، فإن تمويل المشروع من التبرعات تراجع من 22 مليون جنيه عام 2010 إلى مليونين فقط، ويبدو أن هيئة  الكتاب ليست مهتمة بالبحث عن تمويل أو زيادته، بل يبدو لي إنها تساهم في وأد المشروع على مهلٍ، عن طريق اختيارات سيئة للكتب من إصدارات الهيئات الحكومية القديمة ـ أحياناً تضع أغلفة مكتبة الأسرة على كتب قديمة من مخازنها ـ بالإضافة إلى أسوأ توزيع ممكن فمعظمها لا يصل المحافظاتـ بعد أن كنت تجد الكتب لدى كل بائع صحف في شوارع مصرـ إلى أغلفة تتبارى على لقب الأسوأ، إلى طبعات محدودة جداً، ومع ذلك لم يعد يشتريها أحد.
لعلّ من الواجب هنا التذكير، أن شهور الصيف كانت تتحول إلى مهرجان حقيقي للقراءة، وكنت أقابل العشرات يومياً لدى باعة الرصيف وفي مكتبات الهيئة ممن ينتظرون كتاباً معيناً  من مكتبة الأسرة أو يحجزون جزءاً من أحد الموسوعات الشهيرة التي أصدرتها مثل "قصة الحضارة"، أو "وصف مصر"، أو "مصر القديمة"، وغيرها الكثير.
ولعل من المهم أيضاً الإشارة إلى أن الدولة، أواخر التسعينيات، استخدمت مشروع "مكتبة الأسرة" في حربها ضد الإرهاب، عبر إصدار كتب تتبنى قضية التنوير والهوية المصرية، ولعل هذا المغزى تحديداً هو ما يغيب عن وزارة الثقافة الآن، فإذا كان المسؤولون طوال الوقت يتحدثون عن أهمية "القوة الناعمة"، وعن "الحرب على الإرهاب"، فلا بد أنهم يدركون أن القوة الناعمة لا تعني تقييد النشر وإعدام مشروع ثقافي كبير مهم كهذا، فضلاً عن "النشر بالقطّارة" في الهيئات الحكومية لمجرد التباهي بعدد العناوين، و"الحرب على الإرهاب"، لا تعني التعامل معه عسكرياً فقط، فالفكرة لا تنتهي برصاصة، بل بفكرة أخرى تبزها وتنتصر عليها.
القضية لم تعد في استمرار المشروع من عدمه، المشكلة في فشله، أو إفشاله. إفشاله عن عمد أو جهل. وكلاهما أسوأ من الآخر. ولا مشكلة لديّ في إيقاف "مكتبة الأسرة" إذا كان المسؤولون في هيئة الكتاب يرون أن الغرض منها قد انتهى، لكن يجب أولاً أن يقولوا ما هو البديل الذي يقدمونه؟ ألا يكفي أن سلاسل الكتب والمجلات التي تصدرها الهيئات الثقافية الحكومية ـ لم تعد تصدر إلا لماماً؟، ألا يكفي أنها تطبع مائتي نسخة فقط من الكتاب؟ ألا يكفي أن أسعارها لم تعد في متناول القارئ البسيط، وهو ما أفقدها جزءاً من دورها؟، ألا يكفي سعي مسؤوليها لـ"التوفير" بتقليل طباعة الكتب، لأن هذا هو الاتجاه السائد الآن؟
لا أدري حقاً، لماذا نتفاخر باحتفاظنا بالجثة، إذا كنا نتعامل مع ميت؟ أليس الدفن أكثر إنسانية ورحمة؟

..............
*نشر في "المصري اليوم"

24‏/03‏/2019

" ?Can You Ever Forgive Me".. الجريمة الفنية


تغرب أضواء الشهرة سريعاً عن كاتبة السير الذاتية "لي إسرائيل"، فيتخلى عنها الجميع بداية من وكيلتها الأدبية التي ترف أن تمنحها دفعة تحت الحساب لتعالج قطتها، إلى صاحب البيت الذي يطاردها من أجل الإيجار المتأخر ثلاثة أشهر، ولا يتبقى لها سوى قطتها، وذكريات نجاح لم يكتمل، ورسالة أدبية معلقة على الجدار من أحد المشاهير الذين عرفتهم يوماً.
وعندما تمرض قطتها ولا تستطيع دفع ثمن علاجها، لا تجد أمامها سوى أن تبيع الرسالة المعلقة على حائطها، ما يوحي لها بفكرة "تأليف" وتزوير وثائق أدبية ورسائل شخصية لكبار الكتاب والمشاهير الراحلين وبيعها.
هكذا تبدأ أحداث فيلم السيرة الذاتية الجميل Can You Ever Forgive Me?، والمأخوذ عن مذكرات لي إسرائيل التي تحمل الاسم نفسه، وقامت بدور البطولة فيه ميليسا مكارثي ، وأخرجته مارييل هيلر، ليأخذنا في جولة من المشاعر المضطربة والأفكار المتصارعة التي تعيشها لي، التي تطرح سؤالاً أخلاقياً حول ما تقوم به، إذ ترى أن ما تقوم به من تزوير لرسائل المشاهير ليس جريمة، بل هو فن قائم بذاته، وتعتبره إبداعاً خاصاً بها يعوضها عن فشلها في الاختباء وراء آخرين كانت تكتب سيرهم الذاتية. ويبدو من المهم تأمل هذا المفهوم عندما نبحث في السيرة الحقيقية لـ لي إسرائيل التي كان سبب فشلها في عملها الأساسي رفضها "رشوة" لتزوير حياة أحد المشاهير، فلجأ إلى محاربتها وإفشال كتابها ما جعل الأضواء تغيب عنها.
كان اختيار ميليسا مكارثي للقيام بأداء هذا الدور غريباً، لأنها معروفة بأدوارها الكوميدية والتي تحصرها معظم الوقت في كوميديا "السيدة السمينة"، وما ينجم عنها من مفارقات، لكنها تفاجئنا في هذا الفيلم بأداء درامي جميل، استطاعت أن تترشح عنه لأوسكار أحسن ممثلة، وثماني جوائز أخرى.
قصة حياة لي إسرائيل، التي تناولها الفيلم مثيرة للجدل، فقد عرفت في بداية السبعينات والثمانينات كواحدة من أفضل كُتاب السيّر الذاتية للمشاهير، لكنها تفقد شهرتها مع عدم قدرتها على مجاراة تطور الذوق العام، لدرجة أن دور النشر تعرض مؤلفاتها مصحوبة بتخفيض 75%، فتفقد عملها، ومع عدوانيتها تجاه من حولها تفقد عملاً عادياً كان يؤمن لها دخلاً ثابتاً، ما يدفعها لتزوير رسائل خاصة لمشاهير من أمثال كاثرين هيبورن، وتالولا بانكهيد، وإستي لاودر، ونويل كوارد، وإرنست همينجواي، ولويز بروكس والصحفية دوروثي كيل ، وحوالي 400 شخصية أخرى، مع إضافة لمسات فنية من تأليفها مثل مثلية أحدهم أو طول أنف آخر، بمعاونة صديقها جاك هوك، الذي قام بدوره ريتشارد إي جرانت، الذي تربطها به علاقة غريبة، وقد يبدو هو الصديق الوحيد لها، مع أسلوبها المعادي للجميع، وتفضيلها تربية القطط على مصادقة البشر.
في محادثة حادة بين لي وجاك، تقول إن رسائلها ليست مجرد تزوير بل قطع فنية من تأليفها، فيرد عليها بأنها لا تنتمي إليها لأنها لا تستطيع أن تضع اسمها عليها، لكنها تعود لتقول في مذكراتها "ما زالت أعتبر الرسائل أفضل إنجازاتي" وبعيداً عن جدلية التزوير، يضع الفيلم بطرح هذه النقطة عشرات علامات الاستفهام حول ماهية الفن، الذي جزء منه اقتباس وتقليد وابتكار، فـ لي إسرائيل لم تكن مجرد مزورة لتوقيع، بل كانت تبتكر موقفاً غريباً من حياة أحد المشاهير، وتعيد صياغة جزء كامل من حياته.
هل كان يجب أن نتعاطف مع لي إسرائيل، مع الأداء الرائع الذي قدمته ميليسا مكارثي، وحياتها المأساوية التي قدمها الفيلم، ومبرراتها التي روتها في مذكراتها؟ هل كان يجب أن نغفر لـ لي، كما طببت في عنوان مذكراتها وعنوان الفيلم بالتبعية، اضطرارها للتزوير كي تستطيع أن تطعم قطتها، وتدفع إيجار بيتها وتنظفه من الحشرات؟ هل كان يجب أن نصدقها في أن ما فعلته كان قطعاً فنية مستقلة تخصها، وليس مجرد أعمال مزورة؟ هل علينا أن نعيد التفكير في فنية ما كانت تفعله، وفي فنية "الكذب" ذاته ؟ الفيلم يريدنا أن نجيب بنعم. لكن الواقع يتطلب الإجابة على عشرات الأسئلة حول ماهية الفن أولاً.



صداقات تاريخية


محمد أبوزيد: لا نعبر وسط البلد إلا بعد استئذان عمدتها الطاهر الشرقاوى

حسن عبدالموجود

لو نظرت فى الصورة المصاحبة لهذا الموضوع فلن تحتاج إلى وقت طويل لتدرك ما تغيَّر فى سنوات قليلة. الشاعر محمد شكر، على يمين الصورة اختفى تقريباً، شارب محمد أبوزيد صار ذكرى قديمة، شَعْر الطاهر شرقاوى لا يرى النور أبداً، وبمجرد تفكيره فى اختراق جلد رأسه، يُجهَز عليه بموس حاد، أما هانى عبدالمريد فهو الاستثناء تقريباً، فلم يتغير فيه شىء، وأول ما تراه منه عيناه اللتان لا تعرف إن كانتا عسليتيْن أم خضراويْن. حينما ينظر إليك هانى، تشعر، بسبب "تلك التبريقة الدائمة" التى تميزه، أنه يُجمِّع الليزر فى عينيه، وأنه على وشك إطلاق شعاعين سيحرقانك فوراً، لكن لأنه طيب تستطيع أن تتخيل، كذلك، أنه سيبادرك قائلاً: "س 18 فى خدمتك يا سيدى".
محمد أبوزيد هو الركن الأساسى فى تلك الشلة، ولكنه لا يرى هذا، فـ"عمود الخيمة"، بالنسبة له، هو الطاهر شرقاوى. هذه مجموعة، يبدو أن الوسط الثقافى لم ينل منها، حتى هذه اللحظة، وعلى سبيل المثال ينسب كل منهم الفضل إلى الآخر فى كل شىء، ولن تجد أحداً منهم يخوض فى سيرة غريب، كما أنهم لا يعرفون النميمة، إنهم يبدون أقرب إلى شلة أنبياء. وفى الأغلب يجلسون صامتين، قليل من الكلمات تكفيهم، وقد فكرت فى مرة، وأنا معهم، أنهم يتخاطرون عقلياً حتى لا يضايقوننى بأصواتهم. كانوا يجلسون ذات يوم ومر بهم شاعر، وقال ضاحكاً: "أنا خايف أسلم عليكم فيحصلكم تلوث"!
هذه مجموعة لا تعرف الصداقة المزيفة، كما يقول جبران خليل جبران: "الصديق المزيف كالظل، يمشى ورائى عندما أكون فى الشمس، ويختفى عندما أكون فى الظلام"، إنهم يظهرون لدعم بعضهم فى الأوقات المناسبة.
لكن كيف تكونت تلك المجموعة؟ بذرة الصداقة بدأت بين اثنين، ثم تفرعت إلى شجرة. يقول أبوزيد: "1999 كان عامى الأول فى القاهرة، ذهبت لحضور ندوة الروائى محمد جبريل، فى مقر نقابة الصحافيين بشارع الجلاء وقتها، وألقيت قصة قصيرة، وعقب الندوة بادر الطاهر، بالتعرف علىَّ، عرفتُ أنه صعيدى ودرس التجارة فى جامعة الأزهر مثلى، وبدأت صداقتنا منذ ذلك اليوم".
تزامنت هذه العلاقة بالصدفة بصداقة كبيرة أخرى مع محمد صلاح العزب، الذى قابله أبوزيد فى ندوة أخرى كانت تُعقد فى أحد النوادى، على نيل الجيزة، وتعرف من خلاله على صديق تاريخى آخر هو هانى عبد المريد، قبل أن ينضم إليهم الشاعر الراحل مجدى عبد الرحيم.
كانوا جميعاً فى بداياتهم، يبحثون عن طرق للنشر، يسيرون فى شوارع "وسط البلد" يكتشفون شوارعها ويسخرون من كل شىء، ينتقلون من ندوة إلى أخرى، ومن مقهى إلى آخر، ومن سور كتب قديمة إلى باعة أرصفة، يتصلون ببعضهم من كابينات "ميناتل" ويتفقون على اللقاء يومياً تقريباً ليقرأوا لبعضهم ما كانوا يكتبونه، ويفرحون إذا نشر أحدهم قصة أو قصيدة فى صحيفة مجهولة.
يقول أبوزيد: "أعتبر نفسى شخصاً غير اجتماعى، أحظى بمحبة عشرات الزملاء فى كل مكان عملت به، لكن ظلت صداقاتى محدودة ومقصورة معظم الوقت. مع الوقت، كانت تنمو لدىَّ دوائر صداقات مختلفة جميعها مرتبطة بالأدب، محمود فهمى الذى أصدر ديوانه الأول (لوحدك)، محمد الفخرانى الذى أصدر مجموعته الأولى (بنت ليل)، نهى محمود التى تعرفت عليها من خلال مدونتها الشهيرة (كراكيب)، وإيمان السباعى التى كانت تكتب القصة وتعيش فى الإسكندرية قبل أن تنتقل للقاهرة. مع الوقت تحولت الدوائر المختلفة إلى دائرة واحدة، أصبح عمدتها هو الطاهر شرقاوى، بسبب عمله وسكنه فى وسط البلد، وبالتالى لا يستطيع أى شخص من سكان الحدود، هانى ومحمود يسكنان مدينة الشروق، المرور أو الاقتراب من وسط البلد إلا بعد استئذانه".
يملك كل أفراد المجموعة حكايات عن الطاهر، لكن حكاية أبوزيد الأثيرة هى أنه تخلى عن كونه نباتياً لأجله، يعلق: "رغم محاولات طارق هاشم المستمرة معه وإغراءه بجميع أنواع الحيوانات البرية والبحرية، ومطاعم وسط البلد بمختلف مستوياتها، إلا أنه لم يفلح، وفى شهر رمضان، 2003 تقريباً، وكنت أعمل وقتها فى مكتب صحيفة الشرق الأوسط بالمهندسين، كان يتصل بى معظم الشهر ليدعونى للإفطار فى بيته، وكنت أقطع شارع جامعة الدول العربية مشياً ثم شارع ناهيا لأصل إلى بيته فى بولاق الدكرور، وأجده قد طبخ لى خصيصاً ما يتناقض مع نباتيته المفرطة".
فى أى يوم تمر بعد الساعة الثالثة عصراً على "مقهى الحرية" ستجد طاهر يجلس هناك، وفى الغالب ستجد معه كماً كبيراً من الأفلام لدرجة أنك ستظنه قرصاناً، وهذه فرصة ليحكى أبوزيد أن طاهر كان بوابتهم الوحيدة لسنوات طويلة على السينما الأوروبية، وعبر طرقه السرية شاهدوا جميعأً السينما الإيرانية والأفغانية واليوغسلافية والتشيكية والإفريقية، والأوروبية بالطبع، ويمكن التأريخ لهذا الأمر بتطور الكمبيوتر ذاته، ففى البداية كانوا يذهبون إليه بالهاردات بعد انتزاعها من الأجهزة، ثم اتجه إلى نسخ الأفلام على الأسطوانات المدمجة ثم الفلاشات، ثم الهاردات الخارجية، كان يوزع الأفلام يمينا وشمالاً كملك متوّج على عرشه.
يحكى أبوزيد: "من الممكن أن أؤرخ لصداقة مجموعتنا بالمقاهى التى جلسنا عليها، بدءاً من التكعيبة، مروراً بمقهى عم صالح، والأخير حين اكتشفنا أن اسمه: كافيتريا حسن، كما أقول فى قصيدة لى من ديوان (طاعون يضع ساقاً فوق الأخرى وينظر للسماء) قررنا أن نغادره إلى البورصة، ثم قادنا طاهر إلى سوق الحميدية التى ظلت لفترة طويلة مقرنا الرسمى، ثم  انتقلنا إلى (الحرية)، وأظن أن وليام، نادل المقهى، يعاملنا بشكل آدمى خوفاً من الطاهر".
قرأ أبوزيد ذلك التعريف للصداقة على "فيسبوك"، أنها "غيابك عن شخص ما فترة ثم عودتك لاستئناف ما كنت تتحدث عنه، كأنك لم تغب"، يعلق: "أعتقد أن هذا التعريف ينطبق على مجموعتنا تماماً، فهناك أصدقاء يأتون ويرحلون بسبب انشغالات الحياة، لكن بمجرد عودتهم يأخذون مقاعدهم وسطنا كأنهم لم يغادروا يوماً، مثل محمد شكر وزيان وزيرى. هذا التعريف ينطبق أيضاً على أعضاء المجموعة الدائمين، فقد ينشغل محمد الفخرانى فترة طويلة فى رواية ولا نراه، وقد ينغمس محمود فهمى فى العمل لشهرين، وقد يغيب هانى عبد المريد لظروف ما، لكن بمجرد اتصال واحد تنعقد الجلسة ونستأنف ما كان من قبل. أعتقد أن هذا الأمر ينطبق علىَّ بشكل كبير، فقد سافرت خارج مصر مرتين، فى المرة الأولى غبت ثلاثة أعوام تقريباً، وفى المرة الثانية غبت عامين، وعندما عدت فى المرتين سحبت مقعداً وجلست واستأنفت غالباً نفس الجملة التى كنت أتحدث فيها من قبل. لم أشعر أننى غبت يوماً، ولا أعتقد أنهم شعروا بذلك أيضاً".
خلال العامين الأخيرين، لم يتحدث أبوزيد مع الطاهر سوى مرتين، أو ثلاث، ومع ذلك لا يعتقد أن صداقتهما تأثرت: "لكن ما أعتقده أن تكوينى النفسى يشبه تكوين الطاهر الذى لا يعترف بالاتصالات الهاتفية أو المحادثة عبر مواقع التواصل الاجتماعى. أعتقد لأن مفهوم الصداقة لدى كلينا، ولدى المجموعة كلها، أعمق وأكبر من ذلك. إذ يتحول مع الوقت إلى مفهوم مقارب لمفهوم البيت، فأنت من الممكن أن تسافر أو تغيب لكنك عائد إليه حتماً، ولا تشعر بالألفة إلا فى هذا المكان ومع هؤلاء الأشخاص، حتى لو كررتم الكلام ذاته أكثر من مرة، وحتى لو ضحكتم على النكات نفسها، وحتى لو اختلفتم. أعتقد أن الصداقة هى ذلك البيت الذى ينتظرك فى النهاية".
.........
*نشر في أخبار الأدب

01‏/03‏/2019

لماذا يكره الناشرون الشَّعر؟


يمكنني أن أروي لك عشرات التجارب، لشاعرات وشعراء، من أجيال مختلفة، داخوا "السبع دوخات" بدواوينهم بحثاً عن ناشر يحترم "معنى الشعر" ويقبل بنشر نتاجهم، وفي النهاية، إما استسلموا لمقتضيات السوق، أو فضلوا عتمة الأدراج المغلقة على عتمة الكذب على أنفسهم باسم النشر.
هنا يمكنني أن أًقسّم لك  دور النشر في تعاملها مع الشعر إلى ثلاثة أقسام. الأول: وهي دور النشر التي أعلنت أنها لن تنشر الشعر أبداً، حتى لو عاد أحمد بك شوقي من الموت وكتب لهم خصيصاً. والثانية: هي التي تنشر الشعر على استحياء، وهذه يندرج تحتها أقسام أخرى، أولاها التي تعلن أن هذا العام لن يكون للشعر، وإنما سيكون لأي فرع آخر، رفعاً للحرج عن نفسها، وإغلاقاً للباب في وجه الشعراء المتطفلين. والثانية: هي التي توافق على نشر الشعر، وترحب بالشعراء المساكين وتحتفي بهم، لكنها تنقل الدواوين من عتمة أدراج الشعراء إلى عتمة أدراجها هي. وهكذا يذهب الديوان في رحلة لا يعلم الشعر متى يعود منها، وهل سيقابله قطاع طرق أم لا، وهل سيبصر النور في النهاية أم سيظل "رهين المحبسين/ الدرجين"، وهذه إجابة لا يملك أحد أبداً إجابتها.
والثالثة: هي التي تنشر لعدد محدود من الشعراء، وتختارهم بإحدي طريقتين. الأولى أن يكون أحد "شعراء الدار"، وهذا يتطلب في كل الأحوال أن يكون له رصيده الشخصي عند صاحب دار النشر، والرصيد الشخصي هنا لا علاقة له بجودة الشعر من عدمها، وإنما رصيد محبة ومال أيضاً. الطريقة الثانية: هي دور النشر التي تنشر نوعاً معيناً من الشعر الذي يعرفه قارئه، وهذا لا يعني أيضاً أنها تختار أجود الشعر، وإنما تختار أكثره مبيعاً، وصياحاً، وصخباً، وجلباً للطوابير في معارض الكتاب، وتصاحب مؤلفه هالة من القنوات الفضائية والمهرجانات الشعرية العربية، والألقاب الحلمنتيشية.
هل تهت مني؟ هل تعبت؟ انتظر، لم أحكِ لك بعد عن القسم الثالث من دور النشر، وهي التي تنشر الشعر فعلاً، كل الشعر إن شئت الدقة، وتتفاخر بذلك، لكنها تفعل ذلك بمقابل مادي كبير ـ وهذا لا ضير فيه ـ فالعقد شريعة المتعاقدين كما تعلم ـ لكن ما الذي يأخذه الشاعر في المقابل؟
هنا يمكن أن أروي لك حكايات أخرى عن شعراء يبحثون عن دواوينهم بنظارة شارلوك هولمز المكبرة في المكتبات ولا يجدونها، وحكايات عن شاعرات يخجلن من إظهار دواوينهن لأن دار النشر لم تكلف خاطرها وتراجع الأخطاء المطبعية، وحكايات عن آخرين اكتشفوا أن دار النشر لم تطبع سوى مائتي نسخة فقط من الكتاب، وحكايات عن ناشرين بعد أن اطمأنوا أنهم أخذوا ثمن طباعة الديوان وثمن أرباحهم لم يكلفوا أنفسهم بإخراج ما طبعوه من المخازن.
لم أحدثك طبعاً عن نشر الشعر في هيئات النشر الحكومية، لكن يمكن أن أفعل بعد ثلاث سنوات، ووقتها لن يكون ديوانك الذي ستقدمه لإحدى الهيئتين الآن، قد صدر بعد، فلا تتعجل هذه النقطة.
ربما تتشارك بعض أنواع الإبداع الأخرى من قصة ومسرح، مع الشعر هذه الهموم، لكن في النهاية يبدو لي الشعر ـ الذي نطنطن أنه ديوان العرب ـ هو المستهدف الأكبر، ولو سألت أي صاحب دار نشر، سيقول لك إن "الشعر لا يبيع". والناشر هنا يتحدث كصاحب مال ـ وهذا حقه بالمناسبة ـ لكن أليس من واجبه أيضاً أن يروّج لبضاعته، أن يسوّق الدواوين التي طبعها، وساعتها "سيبيع الشعر"، وسيجد قارئه.
لا أطالب الناشر أن يخسر أمواله كي ينشر الشعر، فهو يأخذ "ثمن الطباعة" من الشاعر قبل الطباعة تحت مسمى "المشاركة" على أية حال، لكن ما أود أن أقوله هو أن "تجارة النشر" تختلف عن أية تجارة أخرى، لأن عليها دوراً تنويرياً وتثقيفياً، وهذا يعني عبئاً إضافياً على الجميع أن يساهم في تحمله، إذا أردنا أن نتحدث عن "سوق نشر" جادة، ودور ثقافي نبحث عنه بلا جدوى.
.................

14‏/01‏/2019

الخروج من أفريقيا




أعرف أغنية أفريقيا
عن الزرافة
والقمر الأفريقي الجديد
الساطع في ليلها
والمحاريث في الحقول
والوجوه المتعرّقة
لقاطفي البن
فهل تعرف أفريقيا أغنية عنّي؟
هل سيرتجف الأثير‏ فوق السهل
كما كان عليه الحال معي؟
أم سيخترع الأطفال لعبة
ويسموها باسمي؟
هل سيلقى البدر بظلاله..
 على حصي الطريق
الذى كان يعجبنى؟
أم أن نسور تلال نجونج
ستبحث عنى؟
ولا تستطيع المجيء
حيث أنا ذاهبة
 ..........
البارونة كارين بيلكسن
Out of Africa ـ 1985

27‏/04‏/2018

La casa de papel.. لصوص مناضلون


قصة سرقة بنك عادية، قدمتها السينما في عشرات الأفلام، بعضها لا يمكن محوه من الذاكرة، مثل فيلمي آل باتشينو dog day afternoon وHeat أو فيلم وودي آلن Small Time Crooks، أو فيلم بن أفليك The Town، أو Italian Job بنسختيه، لكن ما يميز المسلسل الإسباني la casa de papel، أو "بيت من ورق" أو "البروفيسور" كما يسميه البعض، هو أنه قدّم لصوصه باعتبارهم مناضلين، وليس مجرد لصوص ومحتجزي رهائن عاديين.
تدور أحداث المسلسل حول "جريمة كاملة"، بطلها شخص مثقف يدعى "البروفيسور"، لم يرتكب أي جرائم من قبل، يقرر تكوين فريق من اللصوص لسرقة دار سك العملة الإسبانية واحتجاز رهائن وذلك عبر خطة محكمة، وضعت في اعتبارها جميع ردود الأفعال المتوقعة من الشرطة والرهائن واللصوص أنفسهم. إلى هنا وتبدو الأمور عادية غير أن الجديد في المسلسل هو أن اللصوص قرروا طباعة الأموال بأنفسهم بدلاً من سرقتها (ملياران و400 مليون يورو)، وذلك على خلفية حوارات تتحدث عن الظلم الاجتماعي، فضلاً عن أن الأغنية المفضلة للصوص والتي تصاحبهم نغماتها في سرقاتهم هي bella ciaw، وهي أشهر أغنيات المناضلين الإيطاليين ضد موسوليني والحركة الفاشية.
بدت السرقة في المسلسل وكأنها حالة ثورة على النظام الاقتصادي الإسباني ونضال ضد استغلال أنظمة العمل الاستعبادية في العالم الجديد، وبدا اللصوص مثل الثائرين وهم يضعون أقنعة سلفادور دالي على وجوههم أو وجه لوحة الصرخة لإدفارد مونك، ويحملون البنادق ويرتدون زياً أحمر يذكر بالشيوعية، بل إن البروفيسور يصف عملية السرقة بأنها "فعل مقاوم"، فلا يعتبر نفسه لصاً لأنه لن يسرق مال أحد، بل سيطبع ماله الخاص، لأن "طباعة الأوراق المالية خارج الميزانية الخاصة للدولة، تتم طوال الوقت لصالح بعض رجال الأعمال ومقابل بعض المصالح والرشاوى، فما الفرق بين فريقه ورجال الأعمال".
يسعى البروفيسور في خطته إلى أن يكسب تعاطف الشعب الإسباني الذي يعاني من الرأسمالية، فيطالب فريقه بعدم إطلاق الرصاص على الرهائن، ولا يتورع عن تسريب مكالمة تكشف بعض مساوئ جهاز الشرطة، ويسمح بدخول كاميرا تلفزيونية داخل دار سك العملة ـ مقابل إطلاق رهائن ـ لكي يكشف أن الشرطة ساهمت في تشويه سمعة فريقه، ولكي يكسب مزيداً من التعاطف الشعبي، وتأتي النهاية يأن ينجح اللصوص بالفعل في السرقة والفرار، بعد أن كسبوا تعاطف المشاهدين معهم ـ وليس الإسبان فقط ـ على نغمات الأغنية النضالية.
ومثل أي ثورة لا بد من ضحايا وانشقاقات وصراع بين القيادات على السيطرة، ولا بد من أب روحي ملهم لهم خارج البلاد/ مكان السرقة (البروفيسور)، ولا بد من مؤمنين بالفكرة ومتمردين عليها، لا بد من صراع مع الشرطة ومحاولة إخضاعهم، لا بد من محاولة شيطنة كل طرف للآخر، فالصراع هنا ليس على المال فحسب بل على كسب تعاطف الجماهير، ولا بد من أغنية نضالية (bella ciaw )، ولا بد من مصابين بمتلازمة استكهولم (تعاطف الرهينة مع الخاطف)، وهو ذات المصطلح الذي عرفناه في مصر بعد ثورة يناير وأطلق على المتعاطفين مع نظام مبارك، ولا بد أيضاً من انشقاقات في الجبهة الأخرى وانضمام أحدها لجبهة البروفيسور(نموذج المحققة).
 
حمل اللصوص/ الثوار أسماء مدن في المسلسل (طوكيو، برلين، دنفر، نيروبي، هلسنكي)، كأنها محاولة لإخفاء وجودهم الحقيقي لصالح الفكرة الأساسية (الثورة/ النضال)، ومن المناسب هنا الإشارة إلى أن الاسم الأول للمسلسل كان Los Desahuciados، أي "المطرودون"، بما يشير إليه من أنهم شخصيات مطرودة من المجتمع وخارجة وثائرة عليه، ولهذا قدم المسلسل تشريحاً داخليا لشخصيات اللصوص الثمانية وأحزانهم الإنسانية، لنكتشف في النهاية أنهم ليسوا مجرد لصوص عاديين، فكل واحد منهم يحمل في داخله جرحاً كبيراً دفعه لهذا الطريق، مثل نيروبي التي تريد أن تحصل على نصيبها من السرقة لتعيد ابنها الذي اضطرت للتخلي عنه، أو البروفيسور الذي خطط للسرقة لكي ينتقم لوالده، الذي كان يسرق البنوك كي يدفع ثمن علاجه، أو حتى برلين المصاب بمرض انتكاسي ويعرف أنه سيموت بعد 6 أشهر.
ولكن على الرغم من أن اللصوص المناضلين وعدوا الرهائن أن يرسلوا لهم مبالغ مادية إن ساعدوهم، ففي النهاية فهم ليسوا روبن هود كي يسرقوا من الأغنياء لكي يعطوا الفقراء، بل حصلوا على الأموال لأنفسهم وليس للشعب المتعاطف معهم ضد النظام الاقتصادي، وهو ما يعني إما أنهم سيصيرون بديلاً النظام الجديد اللص بانضمامهم إلى الرأسماليين، أو أنهم ليسوا أكثر من مجرد لصوص استغلوا كل هذه الشعارات، والثورة ونقمة الشعب على نظامه، للوصول إلى غايتهم.
على الرغم من أن المسلسل المعروف أيضاً باسمMoney Heist  وعرض محلياً لأول مرة في 2 مايو 2017 على قناة أنتينا 3 الإسبانية، وانتهى فى 23 نوفمبر 2017، ثم حصلت شبكة نتفليكس الأمريكية على حقوق بثه وقامت بعرضه عالمياً فى 20 ديسمبر 2017، على الرغم من أنه حصل على تقييم 8.8 على موقع IMDB، ما يجعله واحداً من أنجح وأشهر المسلسلات العالمية، إلا أنه لا يمكن إغفال أنه عانى في المقابل من العديد من المشكلات أبرزها المط والتطويل الزائد، خاصة في الموسم الثاني، فضلاً عن المبالغات الدرامية والمصادفات التي تبدو أحياناً غير قابلة للتصديق بل وتذكر بالدراما الهندية، فلو سلمنا بأن البروفيسور وضع فعلاً خطة محكمة تتضمن كل السيناريوهات الممكنة، فلا يمكن التسليم بكم المصادفات التي تقوده للإفلات من كل الفخاخ في طريقه والتي كانت يمكن أن تكشف أمره في كثير من الأوقات.
على الرغم من ذلك يبقى المسلسل مثيراً للاهتمام بأفكاره، وممتعاً مع أداء جيد من فريق التمثيل خاصة من ألفارو مورتي(البروفيسور) وأورسولا كوربيرو (طوكيو)، وألبا فلوريس (نيروبي) وبيدرو ألونسو (برلين)، والتنقل ببراعة بين لقطات الفلاش باك مع بنائه الزمني الخاص،  والحبكة القوية التي حافظت معظم الوقت على على عامل الإثارة والتشويق، كما أنه ـ وهذا هو الأهم ـ ما يطرحه من أسئلة مهمة حول الفرق بين اللص والثائر، وحول الأوطان واللصوص والأنظمة الحاكمة، ومن الذي علينا حقاً أن نصدقه.

 
 

لا بلد للعجائز

 


ـ إذا لم أعد، أخبري أمي أنني أحبها.
ـ أمك ميتة يا لويلين.
ـ سأخبرها بنفسي إذن.
..........

من فيلم no country for old men (2007)

26‏/04‏/2018

Nightcrawler.. لا تصدقوا الإعلام


على الرغم من أن فيلمي "قتلة بالفطرة"، و"المتسلل ليلاً" يتناولان قضية تغطية الإعلام للجريمة، إلا أن ثمة فارق كبير بينهما. فالأول ـ الذي كتبه كوينتن تارانتينو وأخرجه أوليفر تويست وقام ببطولته وودي هارلسون ـ يناقش كيف يحول الإعلام المجرم إلى نجم وكيف يمجد الجريمة من أجل مزيد من الأضواء، أما الفيلم الثاني الذي كتبه وأخرجه دان جيلروي وقام ببطولته جاك جلينهال، فيتحدث عن كيف يتحول الإعلام والإعلامي إلى مجرم من أجل مزيد من الشهرة.

في Nightcrawler ـ الذي نحن بصدد الحديث عنه هنا ـ نرى الشاب العاطل لو بلوم الذي لا يجد أي عمل فيضطر للسرقة، حتى يعمل صحافياً يصور الجرائم ويبيع لقطاته للقنوات الإخبارية، وبحثاً عن السبق الصحفي من أجل عائد مادي أعلى لا يمانع في ارتكاب جرائم أخلاقية وحتى جرائم قتل، كأن يضحي من أجل لقطات مصورة، أو يتستر على جرائم.

يحرك ليو هنا الجشع، جشع الشهرة وجشع المال وجشع النجاح، وهو ما يذكر بشخصية دانييل التي قدمها دانيال دي لويس في فيلمه الجميل "ستسيل الدماء There Will Be Blood"، فإذا كان هذا الأخير لا يسمح لأحد بأن ينافسه حتى لو كان ابنه ولا يمانع في ارتكاب جرائم قتل أو التخلي عن ابنه في سبيل المال والسلطة، فإن ليو يقوم تقريباً بالأمر نفسه فيساهم في مقتل مساعده وإصابة منافسه. في "ستسيل الدماء" يتحدث دانييل عن أن نجاحه مبني على الحقد على الآخرين، وعن الجشع الذي يقود كل هذا، ويناقش الفيلم عموما علاقة رأس المال بالمؤسسة الدينية، لكن في "المتسلل ليلاً"، تستبدل قضية الدين بالإعلام، ويظل الجشع قائماً وحاضراً.

في "قتلة بالفطرة Natural Born Killers" و"المتسلل ليلاً" نحن أمام شخصيتين مضطربتين نفسياَ، لكن الفارق هو أن الشخصية الأولى لمجرم والشخصية الثانية لصحفي تلفزيوني، فما يهم كلا الشخصيتين هو ما يتصدر شاشات القنوات، ما يدفع الناس للحملقة في التلفزيون، حتى لو كان هذا على حساب دماء وحياة الآخرين.

كلما زادت الدماء كلما زاد ثمن موادك الإعلامية، هذه هي القاعدة الأولى التي تعلمها لو بلوم في مهنته، وسار عليها فيما بعد. هنا نكتشف أن المشكلة ليست في شخصية لو المضطربة فقط، بل في القناة الفضائية التي علمته ذلك واشترطت عليه وجود دماء كي تشتري مواده المصورة، (من الأفضل أن يكن نساء بيضاوات ثريات، فالمهاجرين المكسيكيين بلا ثمن غالبا). فإذا كان الفيلم قدم لو باعتباره صحافياً بلا ضمير، فإن القناة التلفزيونية بلا أخلاق أيضاً، وهي التي تخلق كوادر يناسبون احتياجاتها، كي يكونوا شركاءها في الجريمة.

يسلط الفيلم الضوء على التحولات النفسية لدى الصحافي، الذي يبدو للناس كأنه يقدم الحقيقة، لكنه من جهة أخرى يدفعه اللهاث ليظل متصدراً لتجاوز الحد الفاصل بين أن يغطي جريمة وأن يرتكبها، بين أن يقول الحقيقة فقط، وأن يقول جزءاً منها من أجل مزيد من الإثارة وجذب الانتباه، فيتلاشى الهامش ما بين الصدق والكذب لصالح الإثارة وحدها أياً كان ثمنها.

ربما أمكن لدان جيلروي تبرير ما تفعله الشخصية وطموحها عبر سيناريو بديع، استطاع رصد تحولات شخصية لو، وعبر أداء متميز للغاية من جيك جلينهال، ورينيه روسو (في دور مخرجة النشرات الإخبارية نينا التي تحب أخبار الجرائم وتلتف على الحقائق من أجل رفع نسبة المشاهدة في ظل المنافسة مع القنوات الأخرى )، لكنه أيضاً طرح الجانب الأسود للإعلام الأمريكي ـ يمكننا أن نقيس الأمر على إعلامنا العربي بسهولة ـ من التفاف على الحقائق، وحتى في رمزيات الفيلم مثل ظهور لو في كل المشاهد النهارية وهو يرتدي  نظارة، كأنه لا يريد أن يرى النهار بما يرمز له، في حين تبرق عيناه في جنون في المشاهد الليلية، في مدينة لوس أنجلوس التي بدت في مشاهد الفيلم هادئة ونائمة كأنها تتقبل كل ما يقدم لها بينما سكانها في بيوتهم يتفرجون على القنوات الكاذبة.

ربما بنظرة واحدة على البرامج الإخبارية التي نتابعها، أو حتى برامج التوك شو المسائية، يمكننا أن نفهم شخصية لو، فهي تبدو كأنها انعكاس لعشرات الوجوه خلف الشاشات، حيث الحقيقة المجتزأة أو الملتوية، حيث لا يهم تدمير حيوات الآخرين الشخصية عبر اقتحامها بلا استئذان، ما دام هناك آلاف العيون ستحملق في الشاشة.

تحولت المنافسة في الفيلم ـ وفي الواقع أيضاً ـ إلى وحش لا يلتهم المشاهدين فحسب، بل يلتهم صناع الإعلام، فيحولهم لوحوش لا يعبأون بأي شيء آخر، في  مشهد من الفيلم نرى لو وهو يحرك جثة دون أدنى اهتمام  بقدسية الموت من أجل لقطة أفضل، في مشهد آخر نراه يترك شريكه يتلقى طلقات الرصاص من أجل لقطة أخرى، في مشهد ثالث يقتحم منزلاً ويصور تفاصيله من أجل سبق آخر، كل هذا وهو يدهس المشاعر الإنسانية، فلا يهم الإنسان ما دام قد صار خبراً، وهي تقريباً نفس العبارة التي رد بها على زميله عندما رآه يصور زميلاً آخر أصيب في حادث تصادم.

هنا يتحول ليو من مصور للجريمة، إلى صانع لها من أجل "جشعه" الإعلامي، ويستطيع بأجوبته الملتوية الكاذبةـ كأخباره ـ أن ينجو من استجوابات الشرطة، ويخرج في المشهد الأخير من المخفر إلى شركته التي توسعت أعمالها ليستكمل طريقه ـ وهو ما يتشابه بالمناسبة مع المشهد الأخير من فيلم ستسيل الدماء الذي قتل فيه دانييل على رجل الدين ـ كأننا إزاء إشارة إلى أن هذا هو الواقع الذي نعيشه ، والذي لن توقفه نهاية فيلم محسّنة تخدع الجمهور، لذا فالأفضل أن نترك الأمر كما هو، حيث يزداد جشع الإعلام وتغوله وتتكرر جرائمه دون رادع.

 

08‏/04‏/2018

ويست وورلد.. سؤال الخلق


في العام 1973 قدم الكاتب والمخرج مايكل كورتون، فيلمه "العالم الغربي westworld"، والذي طرح من خلاله القضية التي قتلت بحثاً فيما بعد في عشرات الأفلام، وهي: ماذا لو  خرجت الآلات والروبوت عن السيطرة؟
كريتون واحد من أشهر كتاب الخيال العلمي، وقد بيعت من كتبه أكثر من 150 مليون نسخة حول العالم، كما أنه مغرم بخلق العوالم الغريبة، ففي "الحديقة الجوراسية" (الذي تحول إلى سلسلة أفلام شهيرة) يأخذ قارئه إلى جزيرة مليئة بالديناصورات، وفي "العالم الغربي"، يأخذ مشاهده إلى مدينة كاملة من الروبوتات التي تشبه الإنسان تماماً وتتصرف مثله، ومكلفة بأداء مهام محددة بغرض إسعاد الزائر وإمتاعه، لكن ينتهي الأمر بعدم استجابة الروبوتات للأوامر الصادرة إليها وقتل الزوار.
ولا يطمح الفيلم ـ الذي جاء في حوالي 90 دقيقة ـ إلى أكثر من مشاهدة مسلية دون التورط في طرح أسئلة كبيرة، على خلاف المسلسل الذي عرضت قناة HBO في العام 2017 الموسم الأول منه، وجاء محملاً بعشرات الأسئلة الفلسفية، التي تتعلق بالوعي والإرادة الحرة للإنسان وبداية الخلق، وعلاقة البشر بالآلهة ما بين التبعية والتمرد.
تراهن HBO على "ويست وورلد"، بل وتعتبره بديلاً لمسلسها الأسطوري "صراع العروش" بعد مشارفته على الانتهاء، وهي محقة في ذلك، فالمسلسلان يمتلكان العوالم المتشابكة والبنية الدرامية المعقدة ذاتها، وعشرات الصراعات الداخلية والخارجية لأبطاله، والقضايا الكبرى التي يناقشها، فإذا كانت القضية الأساسية في "غيم أوف ثرونز"، هي السلطة وصراعات الخير والشر تحت مظلتها، فإن سؤال "ويست وورلد"، هو سؤال كل كائن بشري: لماذا خلقنا، وماذا نفعل في هذه الحياة؟.
على خلاف عالم الفيلم القديم السطحي والبسيط، تتشعب عوالم المسلسل الذي كتبه جوناثان نولان (شقيق المخرج الشهير كريستوفر نولان وشريكه في العديد من نجاحاته) وزوجته جاي جاي أبرامز. فتبدأ من ذات فكرة الفيلم، حول شركة تطلق منتجعاً يحمل اسم "ويست وورلد"، يتيح لزواره الأثرياء أن يعيشوا حياة الغرب الأمريكي، ليس في محاكاة تقليدية، بل حياة كاملة حقيقية، فيصيرون أبطالاً لقصص الكاوبوي بما فيها من حانات مغلقة وصحراء قاحلة واسعة يجوبونها بالخيول والمسدسات، ويطلقون النار ويخوضون صراعات كأنها حقيقية ويقيمون علاقات جنسية ويقتلون ويغتصبون ويمارسون أشد نزواتهم دونية دون خوف من عقاب، مع "مضيفين" (حوالي 2000 شخصية، يعيشون 100 قصّة متشابكة)، يشبهون البشر تماماً، لكنهم ليسوا إلا روبوتات شديدة الذكاء لا يمكن التفريق بينها وبين البشر. وتبدأ الحبكة الحقيقية عندما تبدأ بعض هذه الروبوتات في التفتيش في وعيها المزروع عن حقيقتها، وعن حقيقة الذكريات التي تحلم بها، لتبدأ بذور التمرد، وتنتهي بالثورة.
يشبه منتجع ويست وورلد عشرات المدن الترفيهية في العالم، على غرار ديزني لاند وكيدزانيا وآي إم جي وشوارع التصوير في هوليود وبوليود، وغيرها، التي تصحبك في رحلة عبر الزمن، فيخيل إليك أنك ذهبت في رحلة بالفعل إلى تلك الأزمنة، وهي ذات الفكرة التي طرحها مسلسل black mirror في إحدى حلقاته لكن من منظور ماذا لو كان ما يدور حولك حقيقياً، وأن ما يقصد به تسليتك من قتل وخطف هو أمر حقيقي، لكن في ويست وورلد، يطرح سؤالاً أعمق، ماذا لو كان من تتفرج عليهم يتفرجون عليك في المقابل، وينتظرون الفرصة للانقضاض عليك.

في الموسم الأول من المسلسل الذي قدم في عشر حلقات، يتداخل عالمي البشر والروبوتات، حتى نكتشف قرب النهاية أن أحد مديري المشروع من البشر ليس إلا روبوت، لكن ما تفعله الروبوتات هنا هي أنها من تطرح الأسئلة الوجودية التي نطرحها نحن طوال الوقت، من نحن، من أين جئنا، إلى أين نحن ذاهبون، هل ما نفعله حقا بكامل إرداتنا أم تم إملاؤه علينا دون أن ندري. ويتحكم في كل هذا صاحب الشركة فورد (أنتوني هوبكنز)، فيبدو وكأنه إله يتحكم في المصائر، ويترك المؤامرات تحاك قبل أن يكشفها لأنه من زرعها في رؤوس صانعيها.
تبدأ الأسئلة مع الفتاة ديوريس (إيفان ريتشل وود)، التي تكتشف في لمحات أن حياتها خدعة، وأن لا ماض ولا مستقبل لها، بل بمجرد أن ينتهي دورها، تذهب لإعادة برمجتها، ثم تعود إلى تأدية نفس الدور، في إسقاط مباشر على نمطية حياة البشر مهما تبدلت أحوالهم، وإلى الأدوار المرسومة لهم، بل وربما يذكر بالميثولوجيات الإغريقية حيث الآلهة (الزوار الأثرياء) يفعلون ما يحلو لهم، بينما البشر (المضيفون) مجرد مفعول بهم، بل وتحضر الميثولوجيا الأغريقية بشكل دائم في الصراع بين فورد وشريكه برنارد المتعاطف مع المضيفين على غرار أسطورة بروميثيوس، ويتطور الأمر مع شخصية مايف (ثاندي نيوتن) التي تجهز جيشاً للفرار من المنتجع وقتل مديريه، في تطور لشخصية المضيفين المصممة على أنها لا تؤذي البشر، وفي الحلقة التاسعة يكتشف أحد المضيفين والذي كان يقوم بدور لص، أن حياته كلها والدائرة المفرغة التي يدور من أجلها كل يوم لم تكن إلا من أجل سرقة خزنة فارغة يموت قبل أن يصل إليها، في إسقاط فلسفي على فكرتي العود الأبدي وأفول الميتافيزيقا في العصر الحديث.
في المسلسل نرى أن كل واحد من المضيفين يملك حياة كاملة، يقف وراءها سيناريست، ولكي تصبح حياتهم شبه حقيقية، فلا بد لهم من عمل وزي معين وبيت وذكريات وحياة يومية روتينية وأحلام، كما أنهم يمتلكون ما يمكن تسميته بآليةً للتعلم العميق، ما يسمح لهم بالاستجابة بسرعة لبيئاتهم المحيطة. ويذكر المسلسل بالخوف الأبدي من تمرد الروبوتات الآخذة في التزايد في كل مجالات الحياة ومع ازدياد الذكاء الاصطناعي، وهو الأمر الذي عالجته عشرات الأفلام بداية من I,robot  لويل سميث وليس انتهاء بـ ex machine لأليسا فيكاندير، خاصة مع تطور البرمجيات والفيروسات التي تطور نفسها فترى وتسمع وتستطيع أن تتخذ قراراً، من ناحية أخرى فإن العلماء يحرزون تقدماً كبيراً في عالم المواد العضوية المطبوعة بتقنية ثلاثية الأبعاد، مما يمكن من صناعة روبوتات شبيهة بالإنسان مثل تلك التي قدمها "ويست وورلد".
أحد أبرز الأسئلة التي يطرحها المسلسل، هو ما إذا كان يمكن للروبوت أن تصل إلى مرحلة الوعي، والوعي هنا تمثله في المسلسل "المتاهة"، التي تسعى درولوريس للوصول إليها، والتي تذكر بحديث دكتور فورد عن لوحة "خلق آدم" لمايكل أنجلو، حيث يبدو الإله مرسوما داخل العقل البشري، في إشارة إلى أن الوعي هو ما يمنح الحياة وجودها، وهو ما أشار إليه بقوله إن "الهدية الإلهية لا تأتي من قوة سمائية، بل تأتي من عقولنا".
والأسئلة المتعلقة بالنفس البشرية التي يطرحها المسلسل ليست تلك التي تتعلق بالتمرد على الإله فحسب، بل بالنزوات أيضا، فما الذي يدفع هؤلاء الأثرياء لدفع الآلاف للذهاب إلى هذا المنتجع لممارسة أشد نزواتهم وضاعة من اغتصاب وقتل، كما يرصد التحول الذي يمكن أن يحدث في حياة الإنسان من شخص طيب يقع في الحب في شخصية وليام الذي يتحول بعد ثلاثين عاماً إلى شرير يقتل من كان يحبها في رحلته للوصول إلى قلب المتاهة/ الوعي/ خيارات الإنسان/ حريته.
يطرح المسلسل عدداً من الأسئلة الفلسفية، حول الموت والحياة، وإعادة البعث، حول حق الاختيار في الحياة، هل نحن مخيرون أم مسيرون؟ وهل ما نظن أننا نفعله بكامل إرادتنا وما نندفع للبحث عنه، حتى في مواجهتنا للخالق مجرد قدر مكتوب لنا؟ ببساطة يقوم المضيفون هنا ـ بأسئلتهم وثورتهم ـ بدور البشر، بينما يقوم دكتور فورد بدور الخالق؟ وفي اللحظة التي تعتقد فيها دورويس أنها وصلت للإجابة، لقلب المتاهة تكتشف أن هذا ليس إلا مجرد جزء من خطة دكتور فورد، أنها تكرر ما فعلته من قبل آلاف المرات، نكتشف ذلك حين يتم الكشف عن شخصية الرجل ذي البدلة السوداء (إد هاريس) في مواجهتهما الأخيرة.
يُقتل دكتور فورد في النهاية على يد من خلقهم، ليجسد فكرة نيتشه عن موت الإله على يد البشر، وهو ما قاله والد دولوريس ـ في اقتباس من الشاعر الإنجليزي الشهير جون دون ـ "أريد أن أتعرّف على صانعي، حتى أستطيع أن أثأر منه"، لكن من قال إن هذا أيضاً ليس جزءا من طريق المتاهة، من لعبة الاختيار؟ وربما هذا ما سيجيب عليه الموسم الثاني من المسلسل.

04‏/04‏/2018

كل هذا الحزن


لماذا كان رحيل أحمد خالد توفيق مؤلماً للجميع؟ لماذا اتشحت وسائل التواصل الاجتماعي جميعها بالعزاء فور إعلان وفاته بأزمة قلبية ؟ لماذا امتلأت جنازته ومجلس عزائه بآلاف الشباب؟ لماذا شعروا جميعهم وكأن أخاً أو أباً أو صديقاً حقيقياً لهم قد رحل فجأة، وعلى حين غزة منهم؟.
أؤمن بمقولة البعض إنه حين يموت الأشخاص الذين تحبهم، فإنهم يأخذون جزءاً من روحك معهم. حتى لو تركوا لك صوراً وكتباً وأفلاماً ورسائل وحكايات، فلا شيء يعدل وجودهم في العالم، حتى لو لم تلتقيهم قط. فيقينك غير المحسوس بوجودهم في العالم من حولك، يجعلك تتكئ عليهم في أوقات شدتك، يعطيك قوة وطاقة لاحتمال وإكمال الحياة. وربما هذا ما أحسه ملايين الشباب المصري والعربي حين عرفوا أن أحمد خالد توفيق قد رحل.
وربما لأنه مات صغيراً (55 عاماً)، وهو السن الذي يبدو قريباً ممن هم في بداية الأربعينات أو أواخر الثلاثينيات ـ مثلي وغيري كثيرين ـ وهو ما يجعل الموت قريباً جداً، وخاطفاً. قريباً منهم، كما صار قريباً منه، واستطاع أن يخطفه دون أن ينتبه أحد.
ربما لأن في كتابته احتفاء بالموت، وسخرية منه، وميل للعدمية التي صارت علامة لأجيال بأكلمها بسبب تشوهات سياسية واقتصادية واجتماعية.
ربما لأنه آثر أن يقتل بطله الأقرب إلى نفسه (رفعت إسماعيل) والذي حمل كثيراً من صفاته واعتلاله بداء القلب، ويرى جنازة له على وسائل التواصل الاجتماعي، فكأنه كان يقتل نفسه ويرى عزاءه بنفسه.
ربما لأن رفعت إسماعيل، وعبير عبد الرحمن وعلاء عبد العظيم، شخصيات أحمد خالد توفيق الشهيرة، هي جزء من وجدان معظم المصريين الذين ولدوا بعد الثمانينات، جزء من ذاكرتهم الجماعية، لأنهم يشبهونهم، بكونهم أبطالاً ضد "أنتي هيرو"، شخصيات عادية مطحونة، تحاول أن تحلم وتحقق أحلامها البسيطة، وتقابل المشاكل العادية التي يقابلها ملايين المصريين، وربما لأنه سرد عبر قصص سلاسله تفاصيل حيواتهم فارتبطوا بهم وبه نفسياً، من الفتاة الفقيرة عبير الحاصلة على دبلوم لكنها دودة كتب مثل كثيرات في الشارع المصري، إلى علاء الباحث عن عمل خارج حدود بلاده إلى رفعت الذي يمكن أن يموت بينما يحدثك بسبب ضعفه. كلهم شخصيات بسيطة ولا يملكون سوى القدرة على الحلم، مثلنا جميعاً، بسخريتهم من ذواتهم، بمصريتهم الشديدة، للدرجة التي تجعل مواصفاتهم تنطبق على أي شخص يسير في الشارع، على عكس الشخصيات التي قدمها نبيل فاروق المحبوسة في مكاتب المؤسسات الرسمية وتقوم بأفعال خارقة.
ربما لأنه تنبأ بتاريخ وفاته في مقال بمجلة الشباب، وضمنه كتابه "قهوة باليوارنيوم" عن أزمة قلبية مر بها، وصادف أن التاريخ الذي ذكره هو ذاته يوم دفنه، كأنها نبوءته الخاصة التي منحت موته زخماً خاصاً، كأنها أسطورته الختامية لأساطير سلسة قصص "ما وراء الطبيعة".
ربما لأنه عمل بالمهنة التي نحبها (الكتابة)، وآمن بها، وظل يكتب لأكثر من ربع قرن بلا توقف في كتب ومجلات ومواقع، ويربي أجيالاً حقيقية من القراء في كل شارع في مصرـ وليس مجرد حفنة من الأصدقاء معجبي الفيس بوك ـ ولم يلتفت للكثير من الهراء الذي يقال على الأدب الموجه لليافعين، كأنه سبة أو عار، ورغم ذلك لم يكن أحمد خالد توفيق يكتب أدبا تقليدياً في هذه النوعية، بل قام بنقلة كبيرة في أدب الشباب. من كتابة المغامرة التقليدية، وطرق السرد التقليدية المعتادة في أدب البوب آرت، إلى طرق حداثية، فقدم رواية الأصوات، والرسائل، والنصوص التوثيقية، وغيرها الكثير، والتي كانت بالنسبة لي وقت أن كنت أقرأها في أوائل التسعينات، كشفاً وعلامة على أن هناك طرقا أخرى للكتابة غير تلك المعتادة.
يضاف إلى ما سبق، كل ما يروى عن مآثره الشخصية، وطيب أخلاقه ونبله، ومساعدته للجميع، فكل من التقاه يحكي كيف شجعه أحمد خالد توفيق على الكتابة، وكيف طلب منه أن يرسل له ما يكتبه، وكيف كان يرد على كل رسالة تصله في أسرع وقت. بالنسبة لي التقيته مرتين، ولمست فيه ذلك، وده وطيبته ونبله وتواضعه الشديد، وعدم اهتمامه بشهرته، وكأنه لا يفعل شيئاً. كان مهموماً فقط بالقراءة وبالكتابة، وكان صادقا في ذلك.
لا يستطيع أحد أن ينكر الدور الذي لعبه أحمد خالد توفيق في تشكيل وجدان جيل كامل، بريادته فيما يمكن تسميته أدب الرعب العربي ومزجه بالسخرية، وتفكيكه علمياً لمعظم الأساطير، وبما قدمه من ترجمات مبسطة لعدد كبير من الروايات العالمية، وحتى لمحاولته تقديم أشهر الحوادث التاريخية درامياً في سلسلة فانتازيا، بل وتقديمه في نفس السلسلة محاكاة ساخرة "بارودي" لأشهر الشخصيات الدرامية عربياً وأجنبياً.
وأهمية دور أحمد خالد توفيق أنه لم يتوقف عند تقديم قصص مسلية، مثلما فعل محمود سالم من قبل في المغامرين الخمسة والشياطين الـ 13، أو ما قدمه نبيل فاروق في رجل المستحيل وملف المستقبل، بل فتح الباب واسعاً أمام قرائه على عالم من الخيال، وقادهم إلى كتب ومفكرين وروايات أجنبية وأفلام وأغان، كان يشير إليها طوال الوقت في كتبه، وأشار لهم إلى عالم واسع من البحث والاطلاع والكتابة فانطلقوا إليه.
أعرف أن الكثير من النقاد والروائيين ينظرون ما قدمه أحمد خالد توفيق بسخرية واستعلاء، مع أن ما تركه من أثر يفوق ما سيتركونه مجتمعين، وفي ظني أنه كان يعرف حدود دوره وأهميته، ولم يكن يتنكر له، بل كان يقول إنه يعد جيلاً قارئاً يستطيع أن يستوعب ما يقدمه كتاب الأدب الجاد، وهي مهمة عظيمة بالفعل، لا يستطيع أن يقوم بها الكثيرون ممن يسخرون من كتابته، وينصبون أنفسهم آلهة للأدب والنقد.
 ورغم ذلك قدم أحمد خالد توفيق أكثر من عمل لم يكن موجهاً لليافعين، وكأنه يقول للنقاد: "أستطيع أن أقدم ما تريدون، لكني أحب دوري الذي أقوم به"، ولعل أبرز ما قدمه في هذا المجال روايته "يوتوبيا"، والتي فتحت الباب بعد صدورها لعدد كبير من روايات "الديستوبيا"، وبغض النظر عن مدى الارتباط بينها وبين ما تلاها إلا أنها كانت أول البشارة.
استطاع أحمد خالد توفيق التأثير بمقالاته الساخرة، بتشبيهاته الفريدة وسخريته من الكلاشيهات اللغوية وحكمته التي تتسرب في سطور رواياته، والتي يتناقلها الشباب بينهم، وتستطيع أن تلمح تأثيره ببساطة في لغة عشرات الكتاب ـ الذين صاروا معروفين الآن ـ رغم عدم اعترافهم بذلك، يمكنك أن ترى صوت حروفه في آلاف التغريدات والبوستات على فيس بوك وتويتر, هذا هو أحمد خالد توفيق ببساطة، الذي لا يقل تأثيره في الأدب عن تأثير جول فيرن وهربرت جورج ويلز و آرثر كونان دويل وستيفن كينج في الأدب الغربي، لكل من أراد أن يقول إنصافاً.
أتمنى أن يعود أحمد  خالد توفيق اليوم من الموت، فقط ولو لساعة واحدة، كي يرى بعينيه هذا الاحتفاء به، كي يقرأ المقالات النقدية التي دشنت لتحليل ظاهرته الأدبية، لكي يشاهد جنازته  المهيبة (كما توقع) التي لم يمش فيها سوى الشباب، لكي يعاين تأثيره بنفسه على أجيال جعلهم يقرؤون (كما تمنى).
كان سيسعد كثيراً لو كان حياً بهذا الاحتفاء به (مثل أن يطلق محافظ الغربية اسمه على أحد شوارع طنطا)، وهو الذي تجاهله من يسمون أنفسهم مثقفين، وتعالوا عليه وسخروا منه، مع أن أكثرهم لو ظل يكتب طوال حياته، فلن يترك ربع التأثير الذي تركه أحمد خالد توفيق في وجدان كل من ولد بعد الثمانينات وحتى الآن.