11‏/08‏/2019

"عنكبوت فى القلب": أن تنظر الرواية فى عين مؤلفها



محمد الفخراني
أن يكون لدى الكاتب أفكار، وتصورات، عن الكتابة، الفن، ورؤية لما يمكن أن يقدِّماه للعالم، والحياة، ويُحوِّل هذه الأفكار إلى عمل أدبى، أو فنى، هذا ما فعله "محمد أبو زيد" فى روايته الجديدة "عنكبوت فى القلب".
تتكون الرواية بشكل أساسى من أربعة فصول: (فتى– فتاة– مؤلف- سيارة)، وقبل هذه الفصول، هناك أربع سرديات، أو فصول قصيرة، تحمل أرقامًا لاتينية، نرى فيها شخصيات، ستعاود الظهور فى الفصل الأخير من الرواية مع تَغيُّر فى طبيعتها.
فى الفصل الثالث: "مؤلف"، يُقدِّم الكاتب جانبًا من رؤيته للكتابة، والفن، ثم يُحوِّل هذه الرؤية فى الفصول الأخرى، إلى حكايات وشخصيات، تتجاوز الحبكة التقليدية، وما يسمى نقاط اضاءة، سيهتم الكاتب بمسح النقاط، أو أنه يضع نقاطًا للعب، ليجعل روايته مساحة من ماء غير مستقر، تتخلله دوامات صغيرة.
يقول الكاتب فى صفحة 161: "الفنان عندما يُقدِّم فنًا فإنه يضيف إلى الواقع تلك اللمسة السحرية التى تضيف إليه روحًا، وتجعله مختلفًا عن الاعتيادى، وتُحوِّله من حكاية اعتيادية إلى كرة ثلج من الأسئلة تتدحرج على الجميع بحثًا عن الإجابة"، فنراه يُحوِّل حياة الشخصيتين الرئيستين فى روايته، "بيبو"، و"ميرڤت عبد العزيز"، من حياة عادية إلى حياة ممسوسة بغرابة لطيفة، كأنما لمستها عصا الفن السحرية، "بيبو" الشاب القادم من إحدى قرى كفر الشيخ، ليدرس فى القاهرة، ثم يحصل على وظيفة إدارية بمستشفى حكومى، سيعيش أثناء المرحلة الجامعية قصة حب مع "سنو وايت"، ونعرف أنها "سنو وايت" الحقيقية، وليست فتاة تحمل اسمها، لكننا بالأساس نعرف أن سنو وايت "الحقيقية" ليست حقيقية، وإنما شخصية خيالية، سيظهر له "علاء الدين"، صاحب المصباح السحرى، كشخصية حقيقية، يتبادلان حوارًا فى المقهى، وتدور بينهما قصة جانبية، نرى زملاء "بيبو" فى العمل، وبينهم الممثلتين "كيت وينسلت"، و"أودروى تاتو"، ذلك المزج السهل بين الخيالى والواقعى، وتحويل شخصيات خيالية إلى حقيقية، أو نقلها إلى خيال جديد، يحدث هذا بخفَّة ولطافة، كأنها لمسة الفن، التى تُحوِّل الاعتيادى إلى غرائبى، والغرائبى إلى اعتيادى، فتنقل الجميع, الحياة كلها، إلى حالة فنية، مثل كرة تتدحرج وتضيف إلى نفسها أسئلة وأفكارًا.
فى الفصل الثانى من الرواية: "فتاة"، نتابع "ميرڤت عبد العزيز" وهى شخصية لها علاقة قديمة مع المؤلف نفسه، حيث نجدها فى أغلب دواوينه، يتحدث الكاتب عن أنه لا يعرف كيف ينهى هذا القسم من روايته، ولا يعرف ماذا يكتب فيه تاليًا، وأن الرواية "عنكبوت فى القلب" تقفز داخل عقله، وتسطو على شخصية روايته السابقة "أثر النبى"، وتجمع "ميرڤت عبد العزيز" من دواوينه، هنا نرى حيرة الكاتب، وعلاقته بنصِّه، كيف يتعامل معه، كيف تراوغه الكتابة، تطاوعه، وتعانده، كأنها "كتابة على المكشوف"، ثم يقول للذين يبحثون عن نصوص مُبرَّرَة، لا تقرءوا هذه الرواية، ويقولها ضمنيًا لمن يبحثون عن حبكات تقليدية ونقاط إضاءة.
تُقدِّم الرواية ثلاث احتمالات عن نشأة "ميرڤت عبد العزيز": مرة هى فتاة جنوبية، رفضت الزواج من ابن عمها، ومرة ابنة لأم فلسطينية (كما تحب ميرڤت عن نفسها)، حذرتها هذه الأم من الحب، ومرة ثالثة هى فتاة اسكندرانية من الطبقة المتوسطة، تجيد استخدام الآلة الكاتبة، ربما هذه الاحتمالات ليست إلا تعبيرًا لما يمكن للفن أن يفعله، وما تقدمه الكتابة من حيوات متعددة للشخصية الواحدة.
رواية تلعب بالدرجة الأولى، تدرك ذاتها، أنها رواية، لها وجود، وإرداة، خارج إرداة مؤلفها أحيانًا، وبعض شخصياتها تدرك أنها شخصيات روائية، ومؤلف يظهر داخل روايته بشخصيته، ويتقاطع مع حياة الشخصيات الروائية، يمكننا أن نتوقَّع من مثل هذه الكتابة أن تميل إلى الألعاب والتكنيكات الفنية، والبحث بطريقتها الخاصة، عن معادلات الفن السحرية، ولمساته، وتظلُّ محاولات البحث هذه، فى حَدّ ذاتها، إحدى جماليات النصّ المكتوب.
 يظهر المؤلف لإحدى الشخصيات "بيبو"، ويُقدِّم نفسه له، فنرى كيف أن "بيبو"، الشخصية الروائية، يستقبل هذا بلا مبالاة، ويتمتم كأنما يقول "مؤلف على نفسك"، هو يزيح مؤلفه إلى مساحة ضيقة فى المشهد، ثم يضغط عليه أكثر، ويتحدث إليه بطريقة ساخرة "لماذا جئتَ إلى هنا أصلاً"، ويغادر ليتركه جالسًا بمفرده فى المقهى، هنا يحتل "بيبو" المشهد، بأسلوبه، طريقته فى الكلام، وترْكِه لمؤلفه وحيدًا، ما فعله الفن هنا، أنه حوَّلَ الشخصية الروائية إلى حقيقية، جعلها تحتل المشهد كاملاً حتى فى وجود مؤلفها، أعاد ترتيب العلاقة بين المؤلف والشخصية، وهذا كله نابع من رؤية للكاتب عن الكتابة، تساؤلاته عنها، وما تطرحه هى أيضًا عليه من تساؤلات، وأفكار، هذا الحوار الدائر بين الكاتب وكتابته.
تنشأ قصة حب بين "بيبو"، و"ميرڤت عبد العزيز"، بعد أن تصادفا فى مطعم تعمل به، وظَلَّ هو يُحدِّق فى عنكبوت مرسوم بطرف بلوزتها، بينما تُحدِّق هى فى فردتى جَوربَيه مختلفتى اللون.
تعشق "ميرڤت" التماسيح، صيد العناكب، وبنسات الشعر، و"بيبو" يحب قصص الحب (حتى لو لم يُصرِّح)، التجوال فى وسط البلد، التواجد فى الروايات كشخصية روائية تدرك ذاتها، ومشاهدة الأفلام فى السينما، خاصة أفلام أودرى تاتو (زميلته فى العمل حَسْب الرواية).
شخصيتان بهما مزيج لطيف من غرائبية وعاديَّة، حتى تشعر بأنهما سقطا من كوكب بعيد على الأرض، وفى الوقت نفسه لا يمكن إلا أن يكونا من كوكب الأرض، ستعتقد أنهما أول شخصان يهربان من الكوكب لو أن هناك فرصة لذلك، مثلما قالا لبعضيهما فى محادثة بنهاية الرواية، وفى الوقت نفسه تثق أنهما لن يغادرا الكوكب، حتى لو غادره الجميع.
نراهما وهما يتحركان فى منطقة وسط البلد، نقرأ أسماء شوارع ومقاه معروفة، والتى من المفترض أن تعطى انطباعًا بواقعية حياتهما، لكنها بطريقة ما، تصنع تلك اللمسة الغرائبية، بينما المواقف التى من المفترض أن تكون خيالية، مثل طيران غرفة "ميرڤت"، أو أن تنقل بإشارة من يدها برج حمام من مكانه بإحدى بنايات وسط البلد بينما تقف هى فوق برج القاهرة، وحكايات أسطورية عن قارة أطلانطس، ومغارة هرقل، كلها أضافت إلى الرواية شعورًا بالواقعية، ربما حدث هذا بسبب الطريقة التلقائية التى تم المزج بها بين العالمين، ورؤية الكاتب للخيالى والواقعى، فيمكننا أن نرى كيف أنه لا يتعامل وكأن هناك حدودًا بين العالمين يقوم هو بإلغائها، وإنما الأمر أنه لا حدود أو مسافات بالأساس، لستَ فى حاجة لبذل مجهود كبير كى تجمع مفردات العالمين فى مشهد، أو جملة واحدة، لأنهما عالم واحد، تسبح ألوانه وتمتزج معًا، وعندما ترى ذلك، وتثق به، يمكنك أن تلتقط منه بفرشاتك، وترسم لوحتك. 
يقول الكاتب فى صفحة 163: "لا شىء فى ظنى اسمه أن الواقع أكثر خيالاً من الفن، لأن الفن قادر على جعل الحياة، أكثر جمالاً، والأهم: أكثر احتمالاً"، ثم يطرح تفسيرًا: "ربما يبدو الاحتفاء بما يتناوله الفن، رغم وجود مثيل له فى الواقع، جوابًا على من يقولون أن الحياة صارت أكثر غرائبية من الواقع"، وهو يقدِّمه أيضًا كتفسير محتمل لأسئلة أخرى حول الفن والكتابة.
فى الفصل الأخير من الرواية: "سيارة"، رحلة غريبة يقوم بها "بيبو" داخل سيارة مسرعة داخل نفق مظلم، يقودها بنفسه رغم أنه لم يقُد واحدة من قبل، معه الببغاء "تأبط شرًا"، وقد تحوَّل "سامى" مُجفِّف الفراشات، والمملوك الذى نجا من مذبحة محمد على، وهما شخصيتان ظهرتا فى الفصول القصيرة، ذات الأرقام اللاتينية، تحوَّلا إلى ملاكين على كتفى "بيبو"، الذى يقوم بمحادثة هاتفية مع "ميرڤت" تستمر لأيام، ثم يبحث عن مؤلفه كى يُخرجه من مأزقه، وحبْسَته داخل السيارة، وعندما يصل إلى بيته، يناديه، لكن المؤلف لا يجيب، ويسمع "بيبو" دقات أصابع على الكيبورد، ويتوقع أن مؤلفه يحدد مصيره الآن، فيحاول الخروج من السيارة، ولا يستطيع، يقود من جديد، ويبدأ فى التصرف لإنقاذ نفسه، وفى النهاية، يفتح سقف السيارة، فيطير الببغاء، وتختفى كل الأشياء تباعًا، بما فيها المؤلف، ثم يطير سقف السيارة، يفك "بيبو" حزام الأمان، يترك جسده لأعلى، عيناه مفتوحتان بارتياح، وفى ذهنه تتردد جملة وحيدة ربما سمعها فى فيلم أو  قرأها: "حافظ على قلبك بعزيمة شاعر.. ثم اكتب رواية"، التى تبدو وكأنها جملة يقولها المؤلف لنفسه، وهو الذى قال داخل روايته أنه يُفضِّل كونه شاعرًا، يؤكد هنا أنه، عندما يكتب رواية، ويمارس كل ألاعيبه، ويطرح أسئلته وأفكاره عن الكتابة والفن، فإنه يفعل هذا، بقلب شاعر.
...............
نشر في مجلة روزاليوسف


عنكبوت فى القلب



بهاء جاهين
1
بهذا العنوان: عنكبوت فى القلب، صدرت هذا العام للشاعر محمد أبو زيد عن الهيئة المصرية العامة للكتاب رواية هى ثانى أعماله فى مجال القص، فقد سبقتها رواية أولى صدرت عام 2010 بعنوان أثر النبى، بينما للكاتب ثمانية دواوين شعرية صدرت ما بين عامى 2003 و2015، إضافة لعمل شعرى للأطفال بعنوان نعناعة مريم (2005)، ومختارات شعرية بالفرنسية بعنوان قصيدة الخراب (2014). إذن محمد أبو زيد، بهذه الإحصائية، شاعر فى الأساس، لكنه ذو رؤى روائية. وعنكبوت فى القلب قصيدة عملاقة مُرَكَّبة من آلاف التفاصيل والمجازات والاستعارات والرموز. لماذا أقول قصيدة؟ لأن الموضوع حالة حُب، أقول حالة لا قصة حُب، فالحكاية بين العاشق والمعشوق سرعان ما تروغ من بين أيدينا ليتحول المحب فى نظر محبوبته إلى احتمال، ووجوده من عدمه محل نظر وشك. والشخصيات الرئيسية هى انقسامات لذات الشاعر العاشق مبدعة شعر الحب الغنائى، ليصير عندنا فى هذا التجلى الروائى لقصيدة الحب بطل الرواية بيبو ومؤلفها الوارد فى العمل باسمه محمد أبو زيد، بل إن المحبوبة ميرفت عبد العزيز تشبه عاشقها كثيراً فى سماتها الوجدانية لدرجة أنها بمعنى ما صيغة أنثوية لروحه، مع فارق جوهرى كما سنرى. أما باقى الشخصيات الرئيسية فهى رموز ومجازات وصور شعرية: مثل الببغاء تأبط شراً الذى يردد شعر التراث الكلاسيكى وبالتحديد المتنبى، والملاكان السيرياليان الملازمان لبيبو، ملاك الكتف اليمنى واسمه سامى، وملاك الكتف اليسرى واسمه مملوك، ومثل علاء الدين صاحب المصباح الذى تتداخل حكايته المعدلة مع حكاية بيبو وميرفت. ينقسم العمل لمقدمة وأربعة فصول. المقدمة تقدم لنا أهم الشخصيات الثانوية وهى الببغاء تأبط شراً، والملاكان الملازمان لروح البطل بيبو. فتسُوق لنا المقدمة حكاية سيريالية لجذور هؤلاء الثلاثة: فتأبط شراً على سبيل المثال شاعر صعلوك فاتك من جاهلية الصحراء العربية، وقد تحول بقدرة قادر إلى ببغاء أليف فى صحبة الفتى، والملاك الأيسر مملوك هارب من مذبحة القلعة، أما سامى الملازم كتف بيبو اليمنى فملاك قاهرى معاصر من سكان مقابر حى البساتين. ثم يحكى لنا الفصل الأول، وعنوانه فتى، قصة الحب بين بيبو وميرفت من وجهة نظر الفتى بيبو، ولكننا نفاجأ فى الفصل الثانى بعنوان فتاة بالحكاية وقد اختلفت كثيراً عما عرفناه فى الفصل الأول بل لم تعد هناك حكاية تقريباً فيما يخص العلاقة بين بيبو وميرفت، إذ لا يتجاوز الأمر من وجهة نظر ميرفت أن الفتى أثار انتباهها لفترة، وبحثت عنه لساعات، لكنّ اللقاءات بينهما التى أوردها بيبو فى الفصل الأول الذى يخصه لم تذكرها ميرفت على الإطلاق فى فصلها. فرغم التشابه الكبير بينهما فى أنهما شخصيتان انطوائيتان تحبان العيش على هامش الحياة وتكرهان التورط فيها، إلا أن بيبو فى قماشته الروحية رومانسى، تجبره رومانسيته وقدره على التورط عاطفياً فى عشق ميرفت، بينما المحبوبة عقلانية لا يهزها الحب بما يكفى للخروج من شرنقة الذات فتظل غائصة فيها.
 وأما بطل الفصل الثالث، بعنوان مؤلف، فهو محمد أبو زيد نفسه، الذى يعترف لنا بأن ميرفت عبد العزيز هاجس يسكنه ويسكن أعماله منذ ديوانه الثانى قوم جلوس حولهم ماء (شرقيات2006). ولم يتسنّ لى الوقت أو تتوافر النصوص لدراسة كيف تطوَّرت هذه الشخصية الروائية عبر دواوين محمد أبو زيد الشعرية حتى سكنت هذه الرواية. لكنها هنا فى عنكبوت فى القلب فتاة تهوى تربية العناكب، وتفتنها أنثى العنكبوت السوداء السامة كما شاهدتها فى السينما، وكذلك الرجل العنكبوت، وهى عموماً، أى ميرفت، شخصية، غريبة الأطوار كان من سوء حظ بيبو أن يعشقها.. كما سنرى معاً فى السطور القادمة إن شاء الله.
2
فى حديثنا عن رواية «عنكبوت فى القلب» للشاعر محمد أبو زيد, توقفنا فى نهاية المقالة السابقة عند غرابة أطوار شخصية المحبوبة وكيف كان من سوء طالع العاشق بيبو أن يقع فى هواها.. فالبنت التى تهوى تربية العناكب غرست فى قلب عاشقها عنكبوتاً ساماً هو الحب. هذا التشبيه أو الاستعارة التى أعطت الرواية عنوانها, تعكس منذ البداية المزاج الفنى للعمل: وهو الرؤية والصياغة السيريالية لحالة الحب من طرف واحد. فإضافة لما أوردناه فى المقالة السابقة من صياغات وشخصيات تم تجسيدها بأسلوب يذكرنا برسوم سلفادور دالى الغرائبية وتكعيبية بيكاسو, هناك أيضاً سيارة الفصل الرابع والأخير التى تنطلق بقوة دفع ذاتية حاملة بيبو وعالمه الأثير بين عوالم خارجية يختلط فيها الواقع بالخيال, والحى الشعبى بالصحراء والثلج والبحور والجبال, وقد فقد راكبها أى قدرة على إيقافها أو توجيهها فكأنها هى التى تقوده؛ فى إشارة مجازية إلى قلب العاشق. نفس القلب الذى رأيناه فى الفصل الأول موضوعاً فى كرتونة فى شرفة بيبو وبجواره بعض الماء والحَب, كأنه طير عليل مجذوذ الجناحين. والرواية كلها مكتوبة بنفس الروح ونفس المنهاج الذى يُلغى الحاجز الفاصل بين الواقع اليومى العادى والواقع الحواديتى الأسطورى الذى يمكن خلاله أن تطير الشخصية الروائية العادية الواقعية فى أى لحظة حتى تختفى فى ملكوت الزرقة, بنفس البساطة والبدهية التى تشرب بها شاى الصباح أو تركب الميكروباص وتأكل ساندوتش الفول. وهنا قد تزدحم التصنيفات والنعوت النقدية: كالسيريالية أو الواقعية السحرية وما شابه من مصطلحات النقد. لكنى أرى أدق وصف لهذا العمل أنه الرواية حين يكتبها شاعر, وقصيدة الحب حين يحولها كاتب للشعر ذو خيال روائىّ إلى عمل معمارىّ مُركَّب يختلط فيه ويمتزج الواقع بالمجاز كما يحدث دائماً فى الشعر. فإذا أردنا تكثيف هذا الوصف فى كبسولة مصطلح نقدى يمكننا ان نسمى هذا النوع من الكتابة بالواقعية الشعرية.

هنا يجلس علاء الدين صاحب المصباح على مقهى كل يوم, ويسقط الحائط الفاصل بين أنواع الكتابة الأدبية, فى استمرار لما يحدث بشكل متصاعد منذ تسعينيات القرن الماضى. فمحمد أبو زيد كاتب قصيدة النثر, وغيره آخرون, ينتقل بسلاسة من النثر الشعرى, الذى اقترب من القصة واقتربت منه فى ربع القرن الأخير, إلى الرواية: الشكل الذى صار الوعاء والبوتقة التى تنصهر فيها صنوف وأفانين الخيال الأدبى فى نزوع متصاعد نحو التركيب من ناحية, والإغراب والعجائبية من ناحية أخرى, تعبيراً عن واقع عالمى سقطت فيه الحواجز, واشتبكت وتعقدت الخيوط, وصارت الرؤية الأحادية البسيطة عاجزة قاصرة, وأتاحت لنا الإذاعة على الهواء مباشرة أن نرصد العجب اليومىّ ممتزجاً بالبدهى المعتاد. كل هذا جعل الرواية الشكل الأقدر على التعبير عن واقعنا العجائبى المعقد, الموحد حتى وهو شَتَّى, فصارت الرواية هى الأم الحاضنة للأجنة المجنونة التى تتشكل تحت أبصارنا كل يوم, أو فى خيال أدبائنا الراصدين لما يحدث أمام عيوننا. وكان من الطبيعى, خاصة فى كتابات أدباء منطقتنا العربية, أن تنتصر السريالية وتصعد وتتصاعد, حتى فى موضوع رومانسى غنائى كحالة الحب من طرف واحد التى يرسمها لنا الشاعر الروائى محمد أبو زيد, ويحل التركيب محل الرصد والسرد البسيط. وقد استطاع أبو زيد بموهبة نادرة, أن يقدم لنا فجيعة هذا النوع من الحب بخفة ظل وخيال لطيف طريف ورهيف, وأن يحتفظ بمسافة نفسية عاطفية, كما يجدر بروائى, تفصله عن الأحداث التى تحرقه كشاعر, ليتحلى بموضوعية تعصمه من السقوط فى الميلودراما والعاطفية المفرطة, فقدم لنا عملاً ممتعاً, نرى فيه النار البرتقالية تتوهج فى كفينا دون أن تحرق راحتنا وأصابعنا.

................
*نشر في جريدة الأهرام

10‏/08‏/2019

محمد أبوزيد: "عنكبوت في القلب" تُكمل سيرتي الشعرية


حاورته: منى أبوالنصرالمصري محمد أبو زيد وروايته الجديدة
74
صنع الشاعر والكاتب المصري محمد أبوزيد، في روايته الصادرة حديثا "عنكبوت في القلب"، نسيجا سرديا يجمع فيه بين الرواية والشعر، في تجربة تُذيب الحدود بين الفنون، مُحررا أبطالها الذين ظهروا في دواوين سابقة له من سطور القصيدة، بمنحهم حياة أخرى في روايته ليواجهوا فيها مصائرهم الغرائبية، ويعيدوا تشكيل مفردات عوالمهم
صدرت رواية "عنكبوت في القلب" أخيرا عن الهيئة العامة المصرية للكتاب، وهي الثانية لأبو زيد بعد "أثر النبي" وعدد من الدواوين الشعرية اللافتة، أبرزها "قوم جلوس حولهم ماء"، و"مدهامتان"، و"سوداء وجميلة"، و"مقدمة في الغياب" وغيرها.
"العين الإخبارية" أجرت حوارا مع الشاعر المصري محمد أبوزيد، تحدث خلاله عن أجواء روايته الجديدة ومفاتيحها الفنية التي استغرقت 7 سنوات لكتابتها، وإلى نص الحوار..
اخترت أن يكون خروج روايتك الجديدة تحت مظلة الشعر وليست مستقلة عنه، من أين نبتت فكرتها؟
أعتقد أن فكرة الرواية نبتت قبل 15 عاماً، عندما كتبت قصيدة "سيقول الأشرار أنني سأتحدث عن ميرفت عبد العزيز بالتحديد"، ثم ضمنتها ديواني "قوم جلوس حولهم ماء"، ثم وجدت أن شخصية "ميرفت" تنتقل من ديوان إلى آخر دون توقف. لم أكن أدرك عندما كتبت القصيدة الأولى أنها ستنتهي إلى رواية، لكني مؤمن بفكرة "مشروع الكاتب"، الذي يكتمل عملاً بعد آخر، وفيه يطارد أفكاره أو يحدث العكس فتطارده أفكاره. وفي ظني أن مشروعي الكتابي هو شعري بالأساس، لكنني يمكن أن أستعين بكافة أنواع الفنون الأخرى لخدمة هذا المشروع. يمكن أن أستعين بالرواية أو بالشعر أو بالمسرح أو بالموسيقى، لأن الفنون كلها تنبع من معين واحد حتى لو اختلفت طرق وصولها إلى المتلقي.
هل أكملت سيرة بطلتك "ميرفت" وحررتها من خلال "عنكبوت في القلب"؟
يمكن القول إنني قتلت شخصيتي الشعرية الأثيرة في الرواية، أو حررتها. فهذا هو الظهور الأخير لها، لو استخدمنا المصطلح السينمائي، على اعتبار أنني لجأت إلى السينما كثيراً في الرواية. وأعتقد أن هناك نقاط تماس كثيرة بين هذه الرواية ودواويني السابقة، لذا في نهاية الرواية يجد القارئ أنني أضع قائمة بالمراجع هي مجمل دواويني السابقة، كما وضعت ضمن المراجع كتابي "الأرنب خارج القبعة"، لأنني أتماس معه في بعض الأفكار المطروحة فيه حول الكتابة، ووضعت أيضاً روايتي الأولى "أثر النبي"، لأنني قلت إن بطل "عنكبوت في القلب" يغار على بطل الرواية الأولى وسرق منه وحدته. الرواية إذن تكمل سيرتي الشعرية وليس سيرة ميرفت فقط.
في الرواية تماس بين الواقعية والغرائبية وكذلك الوجودية، كيف تصف غواية هذه المساحة في الكتابة؟
أعتقد أن الرواية سعت إلى تحويل الواقعي المعتاد إلى فن، وطرحت بدائل للحياة عبر استقراء المصائر المتعددة لو جاز لي أن أقول هذا. ففي بداية سيرة ميرفت تجدين أن هناك ثلاث قصص لبدايتها، وحتى عندما تحاول أن تفلت من أزمتها الشخصية مع "بيبو" تجد أمامها ثلاث بدائل، و"بيبو" عندما وجد نفسه محبوساً في السيارة وجد أمامه طرقاً متعددة ليسلكها، وأعتقد أن أحد هذه البدائل دائماً هو الفن. فالفن هو ما يجعل الحياة محتملة، ويجملها، لذا تجدين في الرواية شخصيات حقيقية لكنها في واقع غرائبي، وشخصيات خيالية لكنها في واقع ممل. هنا أنا أتركهم في مواجهة الفن، في محاولة للإجابة عن سؤال: ما الذي يمكن أن يغيره الفن في حياتنا؟
شخصيات روايتك على الحافة.. مشردون بين جنون وعزلة، إلى أي مدى استنزفك هذا الاشتباك في مصائر شخصياتك وأنت في طور الكتابة؟
كتبت الرواية في سبع سنوات تقريباً، وبالمناسبة هو عدد السنوات نفسه الذي كتبت فيه روايتي الأولى. وسر هذا العدد الطويل من السنوات، هو الإجابة عن سؤالك أنني أقدم حيوات خاملة، تقف بين العزلة والجنون، لا شيء تقريباً يحدث في حياتها لأنها تهرب من العالم، وليس ثمة تطور درامي يحدث في حياتها إلا بالفن، أو بجنون فني يوازي جنونها؛ لهذا تلجأ إلى خلق واقع افتراضي يصنع حياة لها تنتصر على رتابة حياتها.
تكتب القصيدة خارج إطار "التعليب"، والآن تقدم رواية بلا حدود بين النثر والشعر، هل هذا التحرر السردي هو حليفك في الإبداع؟
أعتقد أننا يجب أن نكتب ذواتنا لأنها تخصنا، ما الفائدة التي تُرجى من أن نعيد كتابة نصوص مكتوبة من قبل؟ نحن نحاول طوال الوقت، ربما نفشل وربما ننجح، لكن أظن أن "الحرية" هي مفتاح الكتابة الجيدة، أقصد التحرر من كل الأشكال التقليدية والمعتادة، التحرر من الأفكار المعدة مسبقاً، التحرر من الشكل، وأعتقد أن الكتابة باعتبارها عملاً ثورياً هي محاولة للتحرر من أطر الحياة التقليدية، وخلق حياة موازية لحيوات أبطالها
برأيك ما الذي يُعقد مسألة حصول نشر الشعر على حقه منذ سنوات في العالم العربي؟
بدأ الشعر غريباً وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء، وطوبى للشعراء القابضين على جمرة قصائدهم رغم تعنت الناشرين والنقاد والقراء الذين يريدون نصاً سهلاً، وإجابة سؤالك في أن كل شيء تواطأ وتآمر على الشعر، بداية من تحول بعض الناشرين إلى "تجار" يسعون للربح دون اهتمام بدور ثقافي، إلى المؤسسات الثقافية العربية التي تهتم بإطلاق جوائز ومنتديات للرواية فقط، إلى النقاد، في حال وجودهم، الذين يستسهلون الكتابة عن الرواية، لكن كل هذا لم يقتل الشعر، بل الشعر مستمر وماضٍ في طريقه ويتطور، وهناك عشرات الأصوات الجديدة المبشرة.
مشروعك المقبل هل هو ديوان أم رواية؟
ـ لست روائياً، ولا أسعى لكتابة رواية إلا إذا فاجأتني فكرة تخدم مشروعي الكتابي، لديّ ديوان قيد النشر عنوانه "جحيم" أرجو أن يصدر قريباً
.............
نشر في موقع العين،   ،الأربعاء 2019/5/15 07:15 م بتوقيت أبوظبي
.


محمد أبو زيد: «عنكبوت فى القلب» تكملة لمشروعى الشعرى


 حاورته: هانم الشربينى
بالرغم من أنه محسوب على جيل الشباب، فإن كتاباته تؤهله لأن يقف فى مصاف الكتاب الكبار ، عرفه القراء كشاعر، لكنه مؤخرا أصدر روايته الثانية «عنكبوت فى القلب» التى يعتبرها استكمالا لمشروعه الشعرى، واستئنافا للبحث وراء شخصيات دواوينه.. إنه الشاعر محمد أبو زيد، صاحب التجربة الشعرية الباذخة، والدواوين شديدة الخصوصية، يؤكد حضوره الروائى الروائى جنبا إلى جنب حضوره الشعري، عن روايته الجديدة وعلاقتها بمشروعه الشعرى وأشياء أخرى كان الحوار:

لماذا لجأت إلى ذكر أسماء حقيقية مثل الكاتب هانى عبد المريد، وقهوة عم صالح وممدوح عامل المقهى؟

تقوم الرواية على لعبة بسيطة. وهى مزج الواقعى بالفانتازي. فمعظم أحداث الرواية تدور تقريباً فى منطقة وسط البلد، فى شوارع معروفة لنا جميعاً: شامبليون، طلعت حرب، مصدق، باب اللوق. ومقاهٍ ومطاعم حقيقية. وهذا يعطى انطباعاً أولياً بأن الرواية مبنية على أحداث حقيقية. لكن عندما يقابل بطل الرواية، علاء الدين أو سنووايت، سيكتشف القارئ أنها ليست حقيقية. وهكذا تظل الرواية تراوح بين العالمين، فى محاولة لمزجهما والخروج بنص يجمع بينهما. وربما هذا مناسبة للقول أن الفصل الثالث من الرواية يكشف تفاصيل عملية الكتابة من وجهة نظري، ورغم إنه مكتوب على لسانى كمؤلف، فإنه أيضاً تنطبق عليه شروط اللعبة السابقة وهى المزج بين الواقعى والفانتازي. ووضع شخصية المؤلف فى الإطار الفانتازي. وأعتقد أننى فى الفصل أشرت إلى هذه النقطة، عندما عقدت مقارنة بين أيهما الأكثر إثارة الواقع أم الخيال، رداً على أولئك الذين يقولون إن الواقع أكثر غرابة من الخيال. والإجابة على هذه الإشكالية هى الفن، تلك اللمسة السحرية التى تحول الجماد إلى فن.

 روايتك تبدو مختلفة من حيث التقنية، فهى تتكلم عن عدة شخصيات معروفة مثل تأبط شراً، عبد الحليم حافظ، كيت وينسلت، ميرفت عبد العزيز، وخلافه، وتجمعهم جميعاً حياة شبه عبثية تغلفها روح السخرية، لماذا هذا التكنيك المغاير تحديداً؟

بالنسبة للسخرية،  فأنا لم أقصد أن أقدم نصاً ساخراً، لكن ربما هى المفارقة، التى تبدو أحياناً مضحكة، رغم أنها أحياناً تبدو كوميديا سوداء. وفى رأيى أن "النكتة" واحدة من أذكى وأبسط الفنون التى اخترعها الإنسان وأصعبها، لأنها تعتمد على نفس آليات العمل الفنى فى الغالب، لو أخذنا الأمر بشكل مبسط. فنحن أمامنا حكاية عادية، تنتهى بالتواءة أو مفاجأة أو نقطة إضاءة تدفعك للضحك. هى تسعى لإدهاشك فى النهاية. والدهشة نصف الفن. الكاتب يكتب لأن فكرة ما أدهشته، والقارئ يكمل ما يقرأه لأن شيئاً ما أدهشه. ولا فن دون إدهاش. والإدهاش هنا لا يعنى أن ترفع حاجيك متعجباً فقط، لكن جزء منه إعجابك بما يقول الكاتب سواء اتفقت معه أم اختلفت. واستدعاء شخصيات فى الرواية بعضها أسطورى مثل "علاء الدين" و"سنووايت"، وبعضها حقيقى مثل "كيت وينسلت" و"أودرى تاتو"،  وتغيير حيواتها بما يتوافق مع الخطوط السردية للرواية يمكن إدراجه هنا تحت هذا المعنى. ما أردته أن أكتب رواية عن امتزج الفن بالحياة، ولا أعرف إذا كنت قد وفقت أم لا.

 الروتين والملل وعدم امتلاك حياة حقيقية هو ما يجمع الشخصيات فى الحكى ما تعليقك؟

أعتقد أن سؤالك هو جوهر حياة ميرفت عبد العزيز. فهى شخصية شديدة العادية، لكنها تسعى لتغيير حياتها بفعل أشياء شديدة الغرابة، فى حين أن الشخصية الأخرى "بيبو" حياته شديدة الغرائبية ويحاول كسر ذلك بفعل أشياء روتينية. وأظن أن هذا جوهر حياتنا جميعاً، فأياً كان العمل الذى نعمل فيه، سيتحول بعد فترة إلى عمل روتين. وأياً كانت الحياة التى نعيشها، ستتحول مع الوقت إلى أيام متشابهة. ولا يمكن الانتصار على هذا إلا بالفن. لذا يمكنك القول أن الرواية تسعى للانتصار على الروتين اليومى بالفن.

 اسمك ارتبط بكونك شاعر.. ما سبب تحولك أو فلنقل التفاتتك لكتابة الرواية؟

لم أكتب هذه الرواية لأننى أسعى لأن أكون روائياً، وهذا ليس تقليلاً من الروائيين، فأى فن هو صعب البناء. ولكنى كتبت الرواية لأنى رأيت أنها ستكون مكملة لمشروعى الشعري. فشخصية ميرفت عبد العزيز ـ الشخصية الأساسية فى الرواية ـ قادمة من دواوينى بالأساس، وإذا راجعت دواوينى السابقة ستجدين فى كل منها قصيدة باسم "ميرفت عبد العزيز"، كذلك ستجدين مقاطع من هذه الدواوين فى الرواية، وستجدين أننى كتبت فى المراجع فى نهاية الكتابة قائمة بجميع أعمالى السابقة. بل أشرت أن بطل الرواية "بيبو" يُغير على بطل روايتى الأولى "أثر النبي"، ويسرق بعض خصائصها. وأقصد بهذا أن الفن مكمل لبعضه البعض. بالنسبة لى أكتب بهذه الطريقة. لا أقصد أننى عندما كتبت ديوانى الأول كنت أفكر فى هذه الرواية، ولكن أقصد أن هناك مشروعاً كاملاً يكتمل من نص إلى آخر، وبأى نوع من الفن يمكن أن يكمل هذا المشروع. ولو نظرنا إلى تراثنا العربى القديم ستجدين الكتاب العرب قدموا كل أنواع الفنون. العقاد كتب الرواية والشعر والنقد، والمازنى كذلك وعبد الرحمن الشرقاوي. وهناك أسماء كثيرة تندرج هنا. أنا ضد حبس الكاتب فى بوتقة ومحاكمته إذا جرب نوعاً آخر من الفنون، لأن هذا ضد طبيعة الفن بالأساس.

 ثقافة الراوى السينمائية تم استخدامها لخدمة بطل الحكاية.. لماذا ذلك؟

كما أشرت فى إجابة السؤال السابق، فالفنون كلها يمكن أن تصب فى مكان واحد لتخدم العمل الفني. وفى ظنى أن السينما من أهم الفنون الموجودة حاليا، وهى تستفيد من الأدب والشعر والموسيقى، فلماذا لا تفعل الرواية ذلك، لماذا لا تستفيد من أصناف الفن الأخرى. فى "عنكبوت فى القلب" يمكن أن تقولى أن البطل عالق فى عالم سينمائى متخيل بالكامل، بل إنه فى نهاية الرواية يرى نفسه بطلاً لأحد فيلمين،  الفيلمان يقومان على فكرة التخيل والأحلام، وفى هذا إجابة على لغز الرواية، إذا كانت لغزاً. لذا يمكننى القول إن الأفلام التى أشرت إليها فى الرواية هى أحد مداخل فهم الرواية.

  كيف بدأت تجربتك فى السرد وهل تكتب عبر روح الشاعر ومن بوابة الشعر؟

لم أقصد أن أصبح روائياً. وحتى الآن أستغرب عندما يصفنى أحد بصفة "الروائي"، وبعد صدور روايتى الأولى "أثر النبي" قررت ألا أكتب الرواية مرة أخرى، لأننى لم أكتبها لأكون روائياً، لكن لأنها كانت تجربة ضاغطة بالنسبة لي، ولم أجد طريقة للتخلص منها إلا بالكتابة. ورغم أننى جربت طويلاً فى البدايات كتابة القصة القصيرة، وهناك نصوص كثيرة منشورة لى فى دوريات أدبية وصحف، إلا أننى عندما قررت أن أنشر اخترت الشعر، لأنه رفيقى منذ البداية، ولأننى أجد نفسى أقرب إليه. وعندما جاءت هذه الرواية، أو عندما فاجأتنى لو وددت الدقة، لم أرد أن أكتبها كرواية تقليدية ـ لكن وددت أن أغلق فيها خطوطاً مفتوحة فى دواوينى السابقة. وأن أكتبها انطلاقاً من كونى شاعراً، وهذا ما كتبته فى فصل "مؤلف" فى الرواية، إننى أكتب كشاعر وليس كروائي، وفى ظنى أن أكثر من سيفهم الرواية هو من قرأ دواوينى السابقة، لأن طوال الوقت هناك إشارات يمكن فهمها من خلال الرواية، ولا يعنى هذا أن الرواية لا يمكن فهمها منفصلة، ولا يعنى أيضاً أننى أطالب القارئ بقراءة أعمالى السابقة قبل قراءة الرواية.

 البطل يحمل فلسفة خاصة تجاه الحرية والوحدة والحياة والموت والنهايات فى الافلام والروايات.. هل أى عمل روائى لابد أن يلتصق بأسئلة الحياة الوجودية؟

أعتقد أن العمل الأدبى أياً كان هو محاولة للإجابة عن أسئلة الكاتب الوجودية والفلسفية. بل إن هذه المحاولة هى الإجابة الأولى على سؤال: لماذا نكتب؟ نحن لا نكتب للشهرة ولا للمجد ولا للمال. لأن هذا غير موجود فى عالمنا العربي، لكننا نكتب للإجابة عن هذه الأسئلة التى تعذبنا. نحن لا نصل إلى إجابة فى النهاية. وهذا جيد، لأن الوصول إلى إجابة يعنى أننا سنتوقف عن الكتابة. لكن الكتابة بالنسبة لى محاولة للفهم، محاولة للإجابة عن أسئلة عالقة، وأعرف أنها ستظل عالقة، لكننى لن أكف عن المحاولة.  

 ما أهم المدراس الأدبية التى أثرت فيك؟

أحب الفن بمجمله. ولا أهتم كثيراً بالمدارس الفنية. فكما أحب قصيدة النثر وأكتبها، أحب الجيد فى قصيدة التفعيلة والجيد فى القصيدة العمودية. فى كل شيء يمكن أن تجدى فناً، حتى فى معمار بناية قديمة فى وسط البلد، فى مقعد خشبى مشغول بالأرابيسك، فى لوحة قد لا تفهمينها لكنك تحبينها، حتى فى طبق طعام مطهو بشكل جيد، الفن موجود فى كل شيء، المهم أن نجده، وبعدها سنفهمه بطريقتنا.

 يقولون إن الزمن الحالى زمن الرواية.. فما رأيك؟

أعتقد أن الشعراء لم يتوقفوا عن كتابة الشعر بعد.. أليس كذلك؟ ليس زمناً للرواية، ولكن هناك عوامل مشجعة أكثر على كتابة الرواية، هناك جوائز عربية كبرى، فى حين لا توجد جوائز للشعر، هناك دور نشر تفضل نشر الرواية لكنها لا تنشر الشعر، هناك مؤتمرات دولية ومنتديات للرواية ولا يوجد مثلها للشعر، هناك قوائم "بيست سيللر" للرواية ولكن لا يوجد مثلها للشعر، هناك نقاد "يستسهلون" الكتابة عن الرواية و"يستصعبون" الكتابة عن الشعر، هذه كلها عوامل قد تساعد على انتشار الرواية، والترويج لها. لكنها لا تقتل الشعر ولا تنهى زمنه، بل إن ما أراه أن هناك "هبّة" شعرية، واتجاه كبير لكتابة الشعر، هناك عشرات الأسماء الجديدة التى نطالعها دائماً. وهذا يعنى أن الشعر لا يموت بالرغم من كل محاولات خنقه. لأن فى الشعر روح الإنسان.

 كيف ترى تعاطى النقد مع دواوينك؟

لنكن صرحاء. لا يوجد نقد للشعر من الأساس. معظم الدراسات النقدية المكتوبة عن دواوين شعرية ـ ولا أتحدث هنا عن نفسى بل عن الجميع ـ مكتوبة بالأساس من شعراء أو روائيين، وهى انطباعات محبين للشعر، أو قراءات ليست أكاديمية. أين المشكلة إذن؟ المشكلة فى أن النقاد لا يفضلون الكتابة عن الشعر، ولكل أسبابه. والعيب فى هذا لا يعود للنقاد فقط، بل يعود للمنظومة الثقافية والتعليمية بالكامل، والتى تبدأ من المدرسة التى تسفه وتسطح من الشعر، وتوقفت عند القصيدة العمودية، وتمتد إلى الجامعة والتى لا يقبل بعضها رسائل ماجستير ودكتوراه عن قصيدة النثر، مروراً بالجو العام فى الصحافة والإعلام التى تروج وترحب بالرواية والكتابة فقط عنها.

 أنشأت تجربة صحفية ثقافية هامة هى "موقع الكتابة" كيف جاءت فكرته وما الهدف منه؟

موقع الكتابة بدأ قبل 12 عاماً، وهو أقدم موقع ثقافى مصري. أطلقته فى الوقت الذى لم تكن هناك طرق للنشر فى مصر إلا عن طريق الصفحات الأدبية فى الصحف والمجلات، وهى محدودة بطبيعة الحال وبعضها تسيطر عليه الشللية. وكان الكتاب يلجأون للنشر فى بعض المواقع الثقافية العربية المعروفة وقتها هربا من الحصار. وكان هذا هو الهدف من إطلاق الموقع وهو فتح نافذة جديدة للنشر، لا شلة لها، وتنحاز فقط للكتابة الجيدة، وللجمال فى الكتابة، كما قلت فى بيان تأسيس وإطلاق الموقع. وعلى مدار 12 عاماً قدم الموقع ملفات ثقافية عن عدد من رموز الكتابة الجديدة فى مصر، يمكن فى ظنى اعتبار الموقع ـ بملفاته ـ وبمقالاته ونصوصه أرشيفاً للكتابة فى مصر خلال هذه السنوات.
.....................
*نشر في مجلة الإذاعة والتلفزيون، تاريخ النشر ٢٢:١٧:٣٩ – ٢٠١٩/٠٥/٢٤


x

محمد أبوزيد لـ الجريدة•: الناشرون لا يأبهون بالشعر لأنه «لا يبيع»


حاوره أحمد الجمال
مازال الأديب المصري محمد أبوزيد يلفت أنظارنا إلى روعة ما يغزله بقلمه، سواء في عالم القصيدة التي برع فيها شاعراً، أو حين طرق أبواب السرد، وبمناسبة صدور روايته الجديدة الشائقة «عنكبوت في القلب».. التقته «الجريدة» في هذا الحوار الذي أكد فيه أن روايته الجديدة استكمال لمشروعه الشعري، وأن الشعر باق رغم أن الناشرين لا يأبهون به... وإلى نص الحوار:
• ما الأجواء التي تدور فيها روايتك الجديدة "عنكبوت في القلب"؟
- أعتبر هذه الرواية تكملة لمشروعي الشعري، إذ تدور حول شخصية فتاة اسمها ميرفت عبدالعزيز، هذه الفتاة ظهرت في جميع دواويني السابقة تقريبا. ويمكن القول إنني فتحت قوسا في ديواني "قوم جلوس حولهم ماء"، الذي ظهرت فيه هذه الشخصية لأول مرة، ثم تتابع ظهورها في جميع الدواوين التالية، حتى وصلت إلى هذه الرواية، وتجلت فيها تماما كشخصية مكتملة، وتحولت من شخصية شعرية إلى شخصية روائية، حيث يمكنني بهذا العمل أن أغلق القوس، وأقول إن التجربة انتهت هنا. أفضل أن يُنظر إلى الرواية باعتبارها نقطة على هذا الخط الذي توجد فيه دواويني السابقة، تكمله وليست شيئا مختلفاً أو مغايراً.
• إلى أي مدى تتماشى الرواية مع ذاتك؟
- جميع شخصيات الرواية تتماشى مع ذات المؤلف، لأنها خارجة من داخله. لكن من يقرأ الرواية قد يعتقد أن الغرائبية فيها تجعلها بعيدة عن الواقع، وهذا حقيقي، لكن أعتقد أن المحك الأساسي في كتابة الرواية بالنسبة لي كان هو كيف يمكن تحويل العادي إلى غرائبي، وكيف يمكن تحويل الغرائبي إلى عادي!
وتنقسم الرواية إلى أربعة أقسام: فتى، فتاة، مؤلف، سيارة. وفي القسم الثالث "مؤلف" أظهر بصفتي مؤلفاً، وأتحدث عن الرواية وعن علاقتي بها، وعن علاقتي بأبطالها، وعن حيرتي بشأن مصائرهم، وهذه محاولة لإشراك القارئ في لعبة الكتابة. وإذا كان البعض يمكنه أن يفسر هذا باعتباره تجريباً، فإنني أعتبره "نوع الكتابة الذي أفضله"، والذي يختلف عن السرد التقليدي الذي لا أجيده.
• بدأت شاعراً، ثم تحولت إلى الرواية، لماذا؟ وهل هذا بسبب أزمة نشر الشعر التي أشرت إليها في مقال لك؟
- لازلت شاعراً، وكتبت في فصل المؤلف في الرواية أنني أفضّل أن أكون شاعراً، وهذا ليس تقليلاً من الرواية ولا الروائيين، بل تهيُباً. وأي عمل فني، سواء كان شعراً أو قصة أو رواية أو موسيقى، يحتاج إلى جهد كبير. أتفق معك في أن هناك أزمة حقيقية في نشر الشعر في الفترة الأخيرة، سواء في دور النشر الخاصة أو العامة، لكن هذا لن يدفعني إلى تغيير اتجاهي في الكتابة. وسبب الأزمة أن الناشرين لا يأبهون بالشعر، لأنه في نظرهم "لا يبيع"، طبعاً لكل قاعدة استثناء، لكن هذا التصور نتيجة تراكمات طويلة، منذ أن قال أحد النقاد إن هذا زمن الرواية وانتهاء بوجود عشرات الجوائز للرواية، ولا توجد جوائز للشعر، لكن ما أريد قوله هو أنه لا دور النشر ولا الجوائز هي التي ستدفع كاتباً لتغيير اتجاهه في الكتابة - حتى لو فعل البعض ذلك - فالشعر باق شاء من شاء وأبى من أبى، حتى لو كتبنا قصائدنا واحتفظنا بها في أدراجنا دون نشر، سيظل الشعر ملاذاً لنا وللقراء.
• ما الذي وفّرته لك الرواية ولم يكن ليستوعبه النص الشعري؟
- أفضّل أن تدرج هذه الرواية، تحت مسمى "الكتابة"، لأنني كتبتها بهذا القصد. لم أكتبها لأنني وددت أن أترك الشعر وأتجه للرواية، بل كتبتها لأنني أرى أنها قطعة "بازلت" مهمة تكمل جزءاً مما أعتبره مشروعي الإبداعي.
• تناولت أعمالك بالنقد أسماءٌ كبيرة، كيف يستفيد الأديب من توجيهات النقاد؟... حدثني هنا في ضوء تجربتك.
- في البدء كان الإبداع، ثم جاء النقد، أقصد أن النقد عمل حاصل للكتابة الإبداعية، وهو مفيد في كل الأحوال، ويضيء على نقاط في العمل الأدبي قد تكون غير واضحة للكاتب، أو تشرح للقارئ بعض ما يقصده الكاتب. لكن في الوقت ذاته من المهم هنا أن أشير إلى أن ثمة أزمة نقد حقيقة في العالم العربي.
فإلى جانب أنه لا توجد نظريات نقدية عربية، لدينا إشكالية في أنه لا يوجد جيل جديد من النقاد يتابع جديد المطابع إلا عدد محدود يعد على أصابع اليد الواحدة، أما الجيل القديم من النقاد، فهو لا يلتفت إلى الأجيال اللاحقة له من الكتّاب. وربما تتضح هذه المشكلة في الشعر أكثر منها في الرواية، لذا نجد أن معظم الدراسات النقدية لكتّاب ومبدعين، وليس لنقاد أكاديميين يجب عليهم متابعة الجيل في الشعر والرواية.
• كتبت شعراً للأطفال.. وصدر لك "نعناعة مريم" عن هيئة قصور الثقافة عام 2005، لماذا لم تكرر التجربة؟
- الكتابة للأطفال تحتاج إلى حساسية خاصة، ربما كنت أملكها وقت أن كتبت هذا الديوان، ليس بإمكاني أن أعبئ الورق بأي كلام، وأقول هذا شعر، فالكتابة للأطفال مسؤولية كبيرة، لأنها تشكل وعي ووجدان قارئها. على عكس الكتابة للكبار، حيث يقرأ القارئ على مسؤوليته الشخصية. فضلاً عن أن الكتابة للأطفال تتطلب مواصفات خاصة، فإننا لدينا أزمة كبرى في النشر للأطفال، أولاً لقلة عدد مجلات الأطفال العربية، والتي تتناقص تدريجياً حتى أوشكت على الاختفاء، إضافة إلى أن النشر للأطفال أصبح صعباً حتى على الناشرين أنفسهم، لتكلفته المرتفعة، وحتى عندما نجد كتباً للأطفال فهي مرتفعة لثمن، وفي الغالب تصل إلى شريحة معينة.
• برأيك ما هي المواصفات التي يجب أن تتسم بها القصيدة الموجهة للصغار؟
- البساطة هي الأساس، وفهم كيف يفكر الطفل، حتى يستطيع الكاتب أن يصل إليه.
• ما المشروع الأدبي الذي تخطط له الآن؟
- أعمل حالياً على ديوان جديد بعنوان "جحيم"، أرجو أن يصدر قريباً.


«عنكبوت في القلب»| هكذا حول أبو زيد أشعاره إلى رواية


تحرير:كريم محجوب
شهدت دار هن للنشر والتوزيع مساء الأمس حفل توقيع ومناقشة رواية "عنكبوت في القلب" الصادرة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، للشاعر محمد أبو زيد، الذي ناقشنا معه الرواية.
"مد يده إلى الداخل، إلى يسار جسده، لا هذه الأمعاء، لا أريد البنكرياس.. عندما ظفرت به يده نظر إليه (القلب) بأسى كان جزء كبيرا منه قد تفحم تمامًا وتساقط الرماد منه، والجزء الآخر أصبح مثل جمرة منطفئة، ومنه يبين شريان ينبض بوهن شديد، مثل كلب شوارع أصيب بطلق ناري وينازع الموت".. ما سبق فقرة من رواية، لا تصنف كرواية رعب أو يمكن اعتبارها أصلًا رواية بمقاييس الكتابة المتعارفة، وإنما أفكار خرجت من صُلب فكرة أساسية طاردت المؤلف سنين طوال فقرر أن يعرضها علينا عسى أن يجد في كتابتها إرضاءً لنا، أو على الأقل يسقط عبئها من فوق كاهله ويشاركنا إياها.
بطبيعة الحال من الصعب أن تسمع صوت الكاتب أو تجده يتحدث عن أعماله أو عما يجول بخاطره من أفكار، فصمته لا ينقطع وإذا أراد أن يحكي فإنه يكتب الشعر ولكي يستفيض كتب هذه الرواية.
رواية "عنكبوت في القلب"، للكاتب الصحفي والشاعر محمد أبو زيد، الصادرة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، كتبها على مدار 5 أعوام، وفور أن أتمها، قدمها إلى الكاتب الكبير سيد الوكيل لتقييمها، فرأى فيها الوكيل أنها أذابت الفوارق الفكرية بينهما، لما تحمله من أفكار، فـ"عنكبوت في القلب" لا يوجد بها مسافة بين الذات والموضوع، على حد وصف الوكيل، بل ذات الكاتب هي صلب الموضوع ومحوره، وأن هذه الرواية تفردت عن غيرها لا بالتقنية أو اللغة، وإنما بخصوصية التجربة الذاتية.
كما قال الروائي محمد الفخراني إن محمد سعى في الرواية لترجمة أفكاره لنص روائي من خلال وجهة نظره وتصوراته الفنية، وأن تلك الرواية هي استكمال لدواوين الكاتب الشعرية.
حالة من الاستغراب والدهشة انتابتنا، فدفعتنا لسؤال الكاتب عن علاقة دواوينه الشعرية بالرواية، وما تلك الفكرة الملحة التي دفعته لكتابتها؟
يجيب محمد: الرواية لا تقدم حدوتة عادية، بل تقدم جدلية علاقة بطل الرواية بالمؤلف والقارئ، وذلك على خلفية قصة بسيطة، وفيها لم أقصد أن أقدم طريقة مغايرة في أسلوب السرد؛ لأني لست روائياً، بل شاعر يكتب رواية، يرى أنها تكمل نقاطا معينة في مشروعه الشعري إذا جاز هذا التعبير، والرواية مكتوبة انطلاقا من هذا المفهوم، مكتوبة باعتبارها كتابة، أو قطعة بازل في لعبة الكتابة الكبيرة
ويفضل أبو زيد أن يتم النظر إلى الرواية من خلال قراءة أشعاره السابقة، لأنها إغلاق لقوس كبير ممتد قد فتح يمينه في ثاني دواوينه «قوم جلوس حولهم ماء»، ثم استمر القوس مفتوحًا فيما لحقه من دواوين وأغلق يساره بهذه الرواية.
«لم تحب ميرفت شيئا في حياتها مثل العناكب والقطط الضالة والتماسيح وآثار الأقدام الحافية على الرمال ومشاهدة الكتاكيت الصغيرة وبنسات الشعر لم تستطع أن تقتني تمساحًا في البيت لضيق المكان فرتبت الأركان بيوتا آمنة للعناكب. تدق على أبواب شقق الجيران وهي تمسك في يدها ممسحة الجدران تقول لهم وهي تقطر خجلًا هل من الممكن أن أنظف الجدران وقبل أن يجيب أحد تكون قد أصبحت داخل الشقة بالفعل، ترفع عصاها إلى ركن الحائط وتلفها بحرص حول بيوت العنكبوت الموجودة وعندما لا تجد تهز رأسها آسفة مصدومة وتغادر دون حرف واحد».. هذه شخصية ميرفت عبدالعزيز الذي قال عنها أبو زيد إنها من أتم بها الرواية عند تحديد مسارها داخل العمل.
ميرفت هي الشخصية المحورية في الرواية، التي استدعاها محمد بعد طول عشرة معها كشخصية شعرية في معظم دواوينه، ثم حولها لشخصية سردية تتمحور حولها الأحداث، بل يمكن القول إن تحركها، ووجودها في الرواية كان إجابة سؤال ظل الكاتب يطرحه على نفسه وهو كيفية تحول شخصية شعرية إلى كيان حقيقي من لحم ودم؟
..............
نشر في موقع جريدة التحرير ٠٣ مايو ٢٠١٩ - ٠٧:٠٠ م

 

محمد أبو زيد: الكتابة ليست سباقاً.. وهناك طفرة في عدد الشعراء




حاوره: حسين عبد الرحيم
صدر للشاعر والروائي محمد أبو زيد "1980" سبعة دواوين هي: "ثقب في الهواء بطول قامتي" عن الهيئة العامة لقصور الثقافة فى العام 2003، و"مديح الغابة" عن هيئة الكتاب 2006، و"قوم جلوس حولهم ماء" عن دار شرقيات 2005، و"طاعون يضع ساقًا فوق الأخرى وينظر للسماء" عن شرقيات 2009، و"مدهامتان" عن شرقيات 2012، و"مقدمة فى الغياب" عن دار شرقيات 2013، و"سوداء وجميلة" عن شرقيات 2015، كما صدر له ديوان للأطفال بعنوان "نعنانة مريم" عن كتاب قطر الندى، وصدر له مختارات شعرية بالفرنسية بعنوان "قصيدة الخراب" عن دار المنار بفرنسا 2014، كما صدر له كتاب نقدى بعنوان "الأرنب خارج القبعة" عن مؤسسة هنداوى 2016، وصدرت له روايتان "أثر النبي" عام 2010 عن دار شرقيات، ورواية"عنكبوت في القلب" عن الهيئة المصرية العامة للكتاب.
"الدستور" التقت الكاتب والشاعرمحمد أبو زيد وأجرت معه هذا الحوار:


1ـ كيف كان استقبالك لروايتك "عنكبوت في القلب" بعد كل هذا الاحتفاء المتعدد المستويات في الصحف ووسائل السوشيال ميديا؟
ـ سعدت به طبعاً، وفاجأني أيضاً. خاصة أنني أعتقد أن هذا النوع من الكتابة، الذي لا يعتمد على طريقة الحكي الاعتيادية ويجنح للتجريب، قد لا يجد قارئه أو من يهتم به بسهولة.


2ـ مابين الشعر والسرد الروائي ورؤاك الفريدة في ماهيات السرد، كيف ترى موقعك فيما يروق لك من كتابات إبداعية سواء من خلالك او من خلال تناولك نقدياً؟
 ـ أنا أؤمن بالكتابة عموماً، وأعتقد أن من حق الكاتب أن يجرب جميع أنواع الفنون المتاحة إذا كانت ستضيف شيئاً إلى مشروعه الكتابي، تماماً كما يحدث في السينما، فكما نشاهد السينما الشعرية، ونرى الأفلام التي تمزج الإنميشن في الأفلام العادية، والأفلام التي تستلهم طريقة إخراجها من المسرح أو من الأفلام الوثائقية. أرى أنها كلها وسائل لكي نقول ما نريد قوله بالفن. المهم في البداية والنهاية هو فنية ما يقال. هل لامس الفن أم ابتعد عنه. لذا أستطيع أن أقول بكل وضوح أن مشروعي بالأساس شعري، لكن لا مانع لدي من أن ألجأ إلى أي نوع آخر من الفنون، سواء وُجد أم لم يوجد بعد، لكي يساعدني في ما أقول بطريقة أفضل.


3ـ كمسئول عن موقع ثقافي وإبداعي يتسم بالجدية والسريان في آفاق عميقة فيما يخص القوام السردي والإبداع الكتابي، ماهو تقيمك لتلك المسئولية بعد فعاليات تتجلي منذ عقدين من الزمان؟
ـ أعتقد أنه بعد 12 عاماً من إطلاق موقع الكتابة، يمكن أن أقول أن الأمر يقع بين حدود الدور والمسؤولية. مسؤولية أن أقدم للقارئ مستوى معيناً من الكتابة يرضي طموحه، ودور ثقافي للموقع في الوقت ذاته في أن يصبح أكبر أرشيف للثقافة المصرية، يمكنك بمجرد أن تدخل عليه أو تبحث داخله أن تجد فيه خريطة كاملة للإبداع المصري خلال العشرين عاماً ماضية. موقع الكتابة كان هو أول موقع ثقافي مصري ولا زال مستمراً بجهد أصدقاء أعزاء يعملون بشكل مجاني في الموقع وهم الطاهر شرقاوي وإيمان السباعي وإبراهيم عادل وأسماء جمال عبد الناصر، وهذه فرصة أن أشكرهم على جهدهم الكبير الذي يبذلونه دون أي مقابل، فقط يفعلون ذلك محبة في الكتابة والفن، والمسؤولية كبيرة طبعاً، وأرجو أن يكون الموقع على قدرها.


4 ـ عن رؤيتك المعرفية والثقافية لدور المواقع الثقافية والإبداعية التي صارت ملاذا لأشكال وصنوف عدة من الإبداع ، كيف ترى هذه الفعاليات فيما يخص الذائقة النقدية وأشكال الكتابة وجدوى تاثيرها في المجال او الخارطة الثقافية؟
ـ أحد الأسباب التي دفعتني لإطلاق موقع الكتابة قبل 12 عاماً، هو أزمة النشر، وأن عدد الصحف والمجلات الأدبية والصحفات الثقافية محدود للغاية، وتسيطر عليه في الغالب الشللية، وكان من الصعوبة بمكان لأي كاتب أن ينشر نصا جديداً وأن يخترق السور الذي يحيط بمسؤول النشر في هذه المنصات. لكن انظر الآن. الأمر تغير تماماً، يمكن لأي شخص أن ينشر ما يريد، سواء عبر المنصات الثقافية المعروفة أو المجهولة أو حتى عبر صفحته على فيس بوك. وأرى أن ذلك جيد، بغض النظر عن أن الغث قد يكون أحياناً أكثر من السمين. لكن من المهم لكل شخص أن يأخذ فرصته، وأن يجرب مرة واثنتين وعشرة، وأرى أن الزمن أكبر مصفاة. وسيبقى في النهاية من هو جدير بالفعل أن يبقى.



5 ـ كيف ترى موقعك في مسارك الإبداعي بين جيلك، وهل أنت مقتنع بمسالة المجايلة؟
ـ لا أستطيع أن أحكم على موقعي في جيلي. ولست مهتماً بذلك، لأن الكتابة ليست سباقاً، ولا توجد فيها أفضلية، ولا توجد جائزة في النهاية لمن كتب أكثر أو أقل.  سباق الكاتب الأساسي مع نفسه، أن يستخرج أفضل ما يمكنه من كتابته. أرى أن لديّ مشروعي الخاص بالكتابة، ولا أريد من هذا المشروع أن يبز فلاناً أو يتفوق على علان. أريد أن أكتب مشروعي فقط، سواء كان أفضل أو أسوأ من غيري. لكن هذه الأفضلية ليست مهمة على الإطلاق. بالنسبة لمسألة المجايلة، أعتقد أنها جدلية، لكني أعتقد أنها تعتمد على فكرة أن عدداً من الكتاب بدأوا الكتابة، ونشأول في زمن معين وتأثروا بتغييرات اجتماعية واقتصادية وثقافية أثرت فيهم، فمن الطبيعي في هذه الحالة أن يكونوا قريبين فكرياً، لكن طبعا هناك مشاريع أدبية مختلفة تنسف هذا الاعتقاد.


6ـ عن الوجود والخواء والعدم واللا جدوى بل والعبث فيما وراء مضمونك الإبداعي، إلى أي مدي أثر المعيشي في التجربة الإبداعية عند الشاعر والروائي محمد ابو زيد؟
ـ أعتقد أن الشعر هو التاريخ الشخصي للكاتب، أقصد تاريخ مشاعره، بينما الرواية يمكن أن تكون تاريخ محيطه الاجتماعي والسياسي والثقافي. ولا شك أن ما حدث في مصر خلال السنوات الماضية التي عشتها، انعكس بشكل أو بآخر في كتابتي. ليس بشكل مباشر بالطبع. لكن أعتقد أيضاً أنه مع مرور الوقت وتراكم الخبرة تحدث إزاحات نفسية لدى الكاتب، وانتقائية فيما يريد أن يكتب عنه أو ما لا يريد، وغالبا تتكون هذه الانتقائية عن طريق اللاوعي، لأن القصدية ـ وخصوصاً في الشعر ـ ضد الإبداع.


7ـ تقييمك للخارطة أو الشأن الثقافي والإبداعي في اللحظة الآنية؟
ـ أعتقد أن هناك حالة حراك ثقافي حقيقية بعيداً عن المؤسسة الرسمية، هناك طفرة حقيقية في عدد الكتاب، خصوصاً في الشعر. وأعتقد أن من يتابع عدد الشعراء الذين يكتبون كل يوم قصائدهم على وسائل التواصل الاجتماعي سيدرك أن هؤلاء هم أكبر رد على نظرية "زمن الرواية"، وأعتقد أيضا أن هذه المواقع الاجتماعية قامت بدور مهم جداً في تقريب الكتاب المصريين من نظرائهم العرب، وهو ما سينعكس مع الوقت في تكوين صوت عربي ثقافي متفاهم ومتناغم، بعد أن ظللنا لسنوات طوال ـ بسبب الانغلاق الثقافي لا سيما في الثمانينات والتسعينات ـ نعاني من قطيعة ثقافية عربية، فتكون جيل في بلال المغرب العربي لا يعرف شيئا عنا، وجيل في دول الخليج لم يقرأ معظم ما كتبه أقرانهم في مصر.

8ـ هل أثرت أو صنعت  تلك المسئوليات الجمة فيما يخص مسئوليك عن موقع الكتابة الثقافي في سريان او تاكيد قوامك كمبدع ؟
ـ لا أعتقد ذلك. لأنني أكتب وأنشر بمنأى عن موقع الكتابة الثقافي. وتوقفت لسنوات طوال عن النشر في مواقع أو صحف لأنني كنت أرى أنه لا يصح أن أفعل ذلك وأنا مسؤول عن موقع ثقافي، ولا أستغل الموقع في نشر أي نص لي أو الترويج لكتابتي. وعدد كبير من كتاب الموقع لا يعرفونني بشكل شخصي، ويتواصلون عن طريق البريد الإلكتروني، دون أن أوقع باسمي.


9ـ كل من هو قريب من الكاتب المبدع محمد أبو زيد يكتشف بعدك عن الشللية بعد التوافق مع أسماء بعينها في الكتابي والوجودي والحياتي، هل هناك دوافع ما وراء هذه الإختيارات؟
ـ لديّ قائمة صغيرة من الأصدقاء نلتقي دائماً، ولا يوجد أحد فيهم مسؤول عن مؤسسة ثقافية أو صفحة أدبية،  لذا لا يمكن أن تقول إننا شلة مؤثرة. نحن أصدقاء فقط، ونلتقي فقط على بساط الثقافة فقط. وأعتقد أن الكاتب ـ أي كاتب ـ هدفه الأسمى أن يكتب، لا أن يبحث عن منصب أو يقضي وقته في النميمة أو عقد عداوات مجانية أو الصراع من أجل أي شيء. ما أسعى إليه فقط هو أن أكتب، أن أواصل مشروعي الإبداعي. ولا أهتم بأي شيء آخر في الوسط الأدبي.


10ـ  في أي فضاء أو إطار إبداعي يجد الكاتب محمد ابو زيد بغيته وسلوته وخلاصه؟
ـ أحب الشعر، وأجد فيه الخلاص. أجد فيه اللمسة السحرية التي إذا مست هذا العالم يمكنها أن تحيله إلى جنة. أجد فيه الروح التي تنقص الجمادات كي تتحرك، أجد فيه روحي وطريقي ومبدأي ومنتهاي.
..............
الدستور: الإثنين 03/يونيو/2019 - 03:24 ص


01‏/05‏/2019

الحركة الأخيرة في مكعب روبيك


في حين بدأت الرواية بعناوينها في تراثنا العربي، مثل "حي بن يقظان" و"ألف ليلة وليلة"، لم يبدأ الشعر كذلك، بل كانت القصائد تنسب للشاعر مباشرة، فنقول "معلقة عمرو بن كلثوم"، أو "معلقة امرؤ القيس"، أو يتم توصيفها كأن نقول "مرثية الخنساء لأخيها"، وحين يتم جمعها في كتاب واحد بعد ذلك يقال "ديوان المتنبي"، بل إن هناك عشرات القصائد اليتيمة ومئات القصائد ذات البيت الواحد، التي تنسب لاسم صاحبها فقط، كأنها تنتمي بالنسب إليه، كأنها جزء منه، قطعة بازل تكوّن حياته. وهذا في رأيي هو الشعر، هو جزء من روح الشاعر لا ينتمي ولا ينسب إلا إليه. وفي ظني أيضاً أن اختيار عناوين الدواوين ـ لو وضعنا في اعتبارنا تطور الكتابة والنشر، يجب أن يكون كذلك، قطعة من الشعر. قصيدة مستقلة. واحدة من ملايين القصائد الهائمة في الهواء حولنا ولا نراها أو نحسها إلا حين تصعقنا في خفة، خاطفة، وصادمة، وموحية، وتقول كل شيء في أقل عدد من الكلمات، واحدة من القصائد القديمة ذات البيت الواحد.
أعتقد أن القارئ يشتري أي ديوان لأحد سببين، إما لأنه يحب الكاتب ـ وفي هذه الحالة لن يهتم كثيراً بما يقوله الغلاف ـ  أو لأن العنوان أعجبه، والعناوين في الآونة الأخيرة أصبحت تتبع ما صار يحدث في الرواية وفي الأغلفة، وهو "الهرولة وراء الترند"، فمرة يجب أن يكون العنوان صوفياً، ومرة يجب أن يكون العنوان غريباً، ومرة يجب أن يكون العنوان طويلاً، لكني أعتقد أن العنوان يجب أن يكون معبراً عن الديوان، حتى لو لم يكن عنوان واحدة من قصائده، يجب أن يكون قصيدة مستقلة، تستطيع أن تحفز القارئ لأن يضع يده في جيبه ويُخرج ثمن الديوان.
بالنسبة لي، أعتقد أن اختيار عناوين الدواوين تطور بتطور فهمي للشعر وإحساسي به، وإن ظل حتى الديوان الأخيرة تحت مظلة واحدة هي محبتي للتراث، فأربع دواوين لي تحمل عناوين ذات صبغة تراثية: "مدهامتان"، وهي أقصر آية في القرآن (سورة الرحمن)، و"سوداء وجميلة"، من نشيد الإنشاد، و"جحيم"، عنوان ديواني القادم بما يحمل من صبغة دينية، و"قوم جلوس حولهم ماء"، هو شطر بيت شعر شهير كنا ندرسه في التعليم الثانوي، للتدليل على رداءة الشعر، ووددت بهذا الاختيار أن أقول أن الشعر يأتي مما تظنونه رديئاً أيضاً، وهذا لا ينفصل عن روح الدواوين بالمناسبة. لكن التطور عموماً الذي لاحظته هو أنني صرت أختار عناوين أقصر، وأقل غرابة وتعقيداً، فعنوان ديواني الأول كان "ثقب في الهواء بطول قامتي"، وعنوان الديوان القادم كلمة واحدة، لا يعني هذا الانحياز لطول أو قصر أو بساطة أو تعقيد، لأن الشاعر يفعل ذلك دون أن يقصده، أقصد أن تطور فهمه للشعر ـ سواء كان محقاً في ذلك أم لا ـ هو الذي يدفعه لذلك.
أكتب الديوان أولاً، وهو في الأغلب يكون حالة واحدة،  وبعد أن أنتهي منه أختار عنواناً عن هذه الحالة، في بعض الأحيان يكون الأمر محسوماً، ديواني "مديح الغابة" مثلاً  مقسم من الداخل إلى "الغابيون"، و"الغابيات" و"كائنات أخرى"، فجاء العنوان متوافقاً مع ذلك، في بعض الأحيان لا يشي التقسيم بذلك. فأحتاج إلى عنوان مناسب وهو أمر صعب ومعقد ومرهق.
اختيار العنوان بالتأكيد ليس سهلاً، يشبه الإجابة على السؤال الشهير الذي وُجّه إلى ليوناردو دي كابريو    what about your first oscar، يشبه اختيار اسم طفلك الأول، يشبه روحك في تلك المرحلة الزمنية، لأن الشعر في ظني هو تأريخ شخصي لذواتنا  كشعراء، فكيف تصف كشاعر ذاتك في هذه المرحلة في كلمة أو اثنتين أو خمساً؟
أعرف أن البعض يختار حتى عناوين قصائده بدون اهتمام، كأن تكون كلمة من القصيدة أو أول بيت فيها، لكني أظن أن الأمر ليس بهذه السهولة بالنسبة لي، ديوان الشعر يشبه مكعب روبيك، يجب أن تقوم بأكثر من حركة لتقوم بحله، الحركة الأولى هي القصيدة، الحركة الثانية هي عنوان القصيدة، الحركة الثالثة هي عنوان الديوان.
...............
*نشر في أخبار الأدب