28‏/10‏/2014

وليس قرب قبر حرب قبر

أمام مسرح البالون بالعجوزة، قلت لسائق التاكسي الذي وقف وهو يزفر غضباً في وجهي:
ـ شارع إيران لو سمحت؟
رمقني السائق بنظرة لا تختلف كثيراً عن نظرته إلى نادية الجندي في فيلم "مهمة في تل أبيب"، قبل أن ينطلق بأقصى سرعة، وهو يتمتم بكلمات، أدعي أنني لم أفهمها، وقبل حتى أن أشرح له أن مقر الجريدة التي أعمل بها في شارع إيران، وليس في السفارة الإيرانية.
طبعاً، وكما ينصح دائماً خبراء التنمية البشرية، أخذت أسوق لنفسي المبررات، أن الأمر متعلق بتوتر العلاقة بين مصر وإيران، وأن هذا سائق وطني، ومرة أقول لنفسي إن هذا هو حال كل سائقي التاكسي، فمن المعروف في مصر إن السائق هو الذي يختار الراكب وليس العكس، يقف أمامك يتفحصك جيداً، ثم يقرر هل يسمح لك بتلويث سيارته الفخمة المقدسة موديل 56 أم لا.
حكى أحد الأصدقاء ذات مرة، أنه استوقف تاكسي، وبعد أن تحرك التاكسي قرابة المترين التفت السائق إلى الصديق وسأله: هل سبق أن التقينا من قبل. فهز صديقي رأسه نافياً، فأوقف السائق سيارته، قائلاً: "طيب معلهش، مش بركب معاي حد معرفوش".
طبعاً هذه أغرب جملة من الممكن أن يقولها سائق تاكسي في مدينة تعداد سكانها يتجاوز الـ 13 مليوناً. كنت أسوق المبرر لنفسي وراء المبرر، وأنا أشير لتاكسي وراء تاكسي بدا أنهم غير راضين عني فرفضوا الوقوف لي، حتى وجدت سيارة تتحرك من خلفي وتقف أمامي. هيأت نفسي وابتسمت ابتسامة عريضة تبدأ من أذني اليمنى إلى أذني اليسري، وقررت ألا أكرر غلطتي السابق، واخترت أن أقول اسم شارع قريب من الشارع "الملعون" الذي أريده:
ـ شارع مصدق يا أسطى؟
ابتسم الرجل ابتسامة أكثر اتساعاً من ابتسامتي، وهو يقول لي:
ـ هل تقصد الشارع الموازي لشارع إيران؟
شعرت أن الرجل بإجابته دخل عليّ غرفة النوم وأنا أغير ملابسي، وقبل أن أفكر في مهرب مناسب، فتح الباب قائلاً: اركب.
اكتشفت بعد أقل من دقيقة أنني ركبت مع سائق مجنون بالتنمية البشرية، إذ بمجرد ما دارت السيارة، حتى أخذ ينتقد سائقي التاكسي الذين رفضوا الوقوف لي، منتقداً العنف والغضب وقلة الذوق، مؤكداً أنهم بحاجة إلى دروس في التنمية البشرية.
ـ مثل هذه
مد يده إلى الدرج أمامي وأخرج أسطوانة لخبير التمنية البشرية إبراهيم الفقي
ـ أو هذه
مد يده الأخرى وأخرج أسطوانة أخرى من الشماسة أمامه
ـ أو هذه وهذه وهذه وهذه
مد يديه وقدميه وأخرج اسطوانات من أسفل المقعد الذي أجلس عليه، والذي يجلس عليه، ومن مشغل الاسطوانات، ومن جيب قميصه، ومن جيب جاكته، ومن المقعد الخلفي، ومن كل مكان.
كانت السيارة تتأرجح بنا في الطريق مثل لعبة الأفعوانية، وهو يخرج لي الأسطوانات مثل حاوي يخرج الثعابين في سيرك شعبي.
انطلقت دروس التنمية البشرية تمرح في العربة، مرة من مشغل الأسطوانات، ومرة من مشغل فيديو، ومرة من فمه، الذي لم يتوقف عن الكلام، ولم يمنحني حتى فرصة الإجابة عن أسئلته.
طبعاً لم أقل له أن خبراء التنمية البشرية بالنسبة لي ليسوا أكثر من نصابين، وأنهم لا يختلفون عن عبد المنعم مدبولي في فيلم قديم حاول فيه أن يقنع رجلاً قصيراً بأنه سيصير طويلاً إذا قال "أنا مش قصير قزعة، أنا طويل وأهبل"، أومثل ذلك الطالب السمج الذي يدعوك لأن تقول "وقبر حرب بمكان قفر، وليس قرب قبر حرب قبر"، لكي يؤكد لك أنك لا تستطيع الكلام، أو ذلك الشخص الذي يتحداك أن تقول "قميص نفيسة نشف؟ لسه ما نشفش" عشر مرات متتالية، مع أن الأجدر بنفيسة أن تتوقف عن نشر قمصانها أمام الناس، وتشتري مجفف ملابس وتريحنا من هذا.
الحقيقة هي أن أسهل شيء هو أن تصبح خبيراً في التنمية البشرية، وتوجه نصائح من نوعية "بعد أن تستيقظ، افتح عينيك"، "لا تشرب الشاي وهو ساخن، حتى لا يحرق لسانك"، "لا تدخل الحمام وهناك أحد بالداخل"، "ما توقفش قدام المروحة وانت مستحمي"، و"لو وقفت شوكة في حلقك وأنت تأكل السمك، قف إلى جوارها واسمعها واعرف مشكلتها، ولماذا وقفت هذه الوقفة، فربما تعذرها"، "لا تنم وأنت غاضب من أحد، فكر له في مصيبة أولاً قبل أن تنم"، "ليست السعادة في أن تمتلك هاتف آي فون، إنما السعادة في أن تمتلك شاحناً". وهذه النوعية من النصائح لا تحولك إلى خبير تنمية بشرية، بقدر ما تحولك إلى نصاب.
في فيلم "ذئب وول ستريت"، المأخوذ عن قصة حقيقية، بعد أن يخرج نصاب البورصة من السجن، يتحول إلى واحد من أشهر خبراء التنمية البشرية، وهذا دليل، على أن مهارات المهنتين واحدة، وهي الكلام، والكلام، والكلام، وأقرب مثال لذلك هو أن مؤلف كتاب "كيف تصبح مليونيراً؟" هو الوحيد الذي أصبح مليونيراً من مبيعات كتبه، وليس أحد غيره.
خبير التنمية البشرية عندي لا يختلف شيئاً عن الخبير الاستراتيجي، فكلاهما، لم يجدا شيئاً يفعلانه، فأصبحا خبراء، مثلاً لا أعرف لماذا يضيع شخص وقته بأن يقرأ كتاباً اسمه "كيف تحافظ على وقتك"، أو "اعرف شخصيتك من لون حواجبك" أو "كيف تبتسم في وجه حماتك" أو "النصائح الذهبية حتى تصبح أذكى إخوتك"، لأنه لو كان ذكيا لما فكر أن يشتري كتباً مثل هذه، أو "كيف تتحول إلى سوبرمان" رغم أن مؤلف الكتاب لو تحول حتى إلى "الجوكر" لما احتاج إلى أن يؤلف هذا الكتاب، وليس خفياً أن أرباح كتب مثل "كيف تقلع عن التدخين في 4 أيام" ـ لا أعرف لماذا 4 أيام تحديداً ـ تنافس أرباح شركات السجائر، وكلاهما يستمر في حصد الأرباح بلا توقف عن التدخين من أي أحد.
في مصر، وفي الدول العربية، انتشرت في الفترة الأخيرة مراكز التنمية البشرية، التي تُخرّج الآلاف سنوياً، ممن يعتقدون أنهم يملكون سر الحياة، وأن من حقهم أن يقدموا لك النصائح، تسأل الواحد منهم (دائماً يرتدي البذلة الكاملة، ويحمل حقيبة سوداء يخفي فيها مسروقاته)
ـ ماذا تعمل يا بني؟
فيرد بفخر أول إنسان على سطح المريخ: أنا خبير تنمية بشرية.
لم أجرؤ طبعاً أن أقول حرفاً من كل ما سبق لسائق التاكسي، الذي فاجأني أنه خبير تنمية بشرية، ليس لأنني خفت منه ـ فقط ـ بل لأنه لم يعطني فرصة أصلاً لأتكلم، بل كان يفاجئني بنصائح إبراهيم الفقي في وجهي الواحدة تلو الأخرى، حتى تورمت عيناي.
أصر الرجل أن آخذ بعض أسطوانات إبراهيم الفقي وأن هذا واجبه تجاه إخوته في البشرية حتى ينير طريقهم للمعرفة، وأمام إصراره قبلت هديته مجبراً، لكن قبل أن أفلت بجلدي: وجدته يناديني:
ـ ثمن الأسطوانات
طبعاً بلا جدوى حاولت أن أقنعه أنني لا أريد، ولكنه كان قد تخلى عن كل نصائح خبراء التنمية البشرية بعدم الغضب والاشتباك مع الزبائن والنصب عليهم.

بعدها بشهرين قرأت في الصحف أن إبراهيم الفقي مات محروقاً في شقته.

27‏/08‏/2014

حرب الإبادة الثقافية

عرضت قاعات العرض السينمائي قبل أشهر قليلة فيلماً سينمائياً يحمل اسم "رجال الآثار" أخرجه وقام ببطولته النجم الأمريكي جورج كلوني، بالإضافة إلى مات ديمون وكيت بلانشيت وبيل موري وجون غودمان، ويدور حول مهمة انتحارية ثقافية لفريق أمريكي خلف خطوط العدو، لإنقاذ تراث الإنسانية من تحف ولوحات نادرة وتماثيل، كاد أن يدمرها هتلر إبان الحرب العالمية الثانية.
وبغض النظر عن تقييم الفيلم فنياً، وهو ما يحتاج إلى مقال آخر، إلا أن قصة الفيلم التي قيل إنها تستند إلى وقائع حقيقية، تذكر بمشهد على مدى بصرنا، وهو التراث العراقي والسوري الذي يتم تدميره يومياً مرة على يد داعش، ومرة في اقتتال طائفي، ومرة باسم الحلال والحرام، ومرة بأيدي لصوص الآثار.
اهتم الرئيس الأمريكي باراك أوباما بالفيلم، ودعا أبطاله ومؤلفه وأحد الذين شاركوا في المهمة، ليقيم له عرضاً خاصاً في البيت الأبيض، كما وجهت الأمم المتحدة الشكر إلى صناعه على الدور الذي قاموا به، لكن لم يهتم أحد في المقابل بتراث الإنسانية الذي ينهب ويدمر كل يوم مع سبق الإصرار والترصد في العراق والشام.
كما لا يمكنني أن أغض البصر وأن أنسى وأنا أتخيل التكريم الأمريكي والأممي لصناع الفيلم والحدث، المشهد الذي بثته القنوات والصحف عقب سقوط نظام صدام حسين في 2003، لدخول الجنود الأمريكيين إلى أحد المساجد في العراق، وتحطيم محتوياته الأثرية، ناهيك عن تحطيم القصور التاريخية، وتدمير المتاحف، على يد نفس الدولة التي كانت تحاول إنقاذ تراث الإنسانية في الحرب العالمية الثانية كما يحكي الفيلم.
فعلى مدار إحدى عشرة سنة، منذ الاحتلال الأمريكي في العام 2003 وحتى الآن، استمر النهب والتدمير المتواصل لكل ما خلفته الحضارة الإسلامية في العراق، وقبلها الحضارة السومرية والبابلية وحضارة ما بين النهرين، مرة باسم الاحتلال، ومرة في صراعات طائفية بين السنة والشيعة، ومرة أخيرة باسم داعش.
وكان المشهد المفزع في 2003 عقب دخول القوات الأمريكية بغداد، هو عمليات السلب والنهب المنظمة التي تنقلها الكاميرات على الهواء، لعصابات منظمة، تسرق ما تستطيع حمله، وتحطم ما يثفل عليها. كما تم نهب المتحف الوطني العراقي على أيدي القوات الأمريكية، وتروي تقارير أن العديد من الدبابات خرجت محملة بالعديد من الكنوز التراثية الثمينة، كما تم فتح أبواب المؤسسات والمراكز والجامعات والوزارات العراقية، أمام الغوغاء وجماعات النهب والسلب.
لم يكن الأمر عشوائياً، إذ تمت سرقة المستودعات والمخازن المقفلة التي وصل إليها اللصوص عبر طرق خلفية، مخترقين بوابتين من الفولاذ وجداراً من الآجر المضغوط. من الواضح أنه كانت تتوفر لديهم خارطة مفصلة للمبنى، كما عُثر في المخازن على قاطعات زجاج وأطقم مفاتيح.
الأمر لم يتوقف على ذلك، فقد تكفل الصراع الطائفي طوال العشر سنوات التالية في تدمير مساجد وأضرحة وأبنية أثرية عبر سيارات مفخخة وقنابل موقوتة، ولا ننسى التفجيرات التي دمرت شارع المتنبي الذي يعتبر السوق الثقافي لأهالي بغداد في العام 2007، بهجوم بسيارة مفخخة أدى لمقتل ما لا يقل عن 30 متسوقاً وتدمير العديد من المكتبات والمباني، إذ تم تدمير المكتبة العصرية بشكل كامل، وهي أقدم مكتبة في الشارع تأسست عام 1908، كما دمر مقهى الشابندر الذي يعد من معالم بغداد العريقة. إضافة إلى تدمير واحتراق العديد من المكتبات والمطابع والمباني البغدادية الأثرية في الشارع. ثم اكتمل الأمر مع تنظيم داعش الذي كان أول ما فعله هو تحطيم قبر النبي يونس في الموصل، وتمثال أبو تمام، ونبش قبر ابن الأثير، كما حطم تمثال عثمان الموصلي، وهو موسيقي وملحن عراقي من القرن التاسع عشر، باعتباره "صنماً".
لا يختلف الأمر كثيراً في سوريا، حيث دمرت الآثار الإسلامية في حلب التي تكاد أن تكون قد أبيدت عن بكرة أبيها، فضلاً عن قيام جبهة النصر بتدمير الكنائس الأثرية السورية وتخريبها، كما دمرت مئذنة الجامع الأموي الأثري في حلب، والتهمت النيران أجزاء من سوق حلب الأثري بدكاكينه القديمة ذات الأبواب الخشبية التي يعود الذي يعود للقرن السادس عشر، حيث احترق فيه 1000 دكان كما لحقت أضرار بقلعة حلب، أما قلعة الحصن التاريخية التي تعود للعصور الصليبية فقد تعرضت لقصف من القوات السورية، وتم تحويل الكنيسة المعروفة باسم القديس سيمون إلى مركز للتدريب.
دمر داعش وجبهة النصرة في سوريا، الآثار القديمة مثل التماثيل اليونانية والرومانية لأنها "أصنام" تعبد من دون الله برأيهم، كما قام داعش بتفجير فسيفساء بيزنطي يعود للقرن السادس الميلادي قرب مدينة الرقة، وإذا كان السياسيون يعدون تنظيم داعش من أغنى التنظيمات الإرهابية في العالم، فذلك ليس عائداً فقط إلى سيطرته على آبار النفط، بل لعمله أيضاً في تجارة الآثار، رغم أنه يعتبرها أوثاناً وأصناماً.
يمكن أن يمتد هذا المشهد المحبط إلى كل الدول العربية المشتعلة، من اليمن إلى ليبيا، إلى فلسطين التي لا تكف فيها آلة الاحتلال الإسرائيلي عن تهويد كل ما تمر به، ومحو حقائق الزمن والتاريخ والجغرافيا.
نحن هنا في حل من ثنائية البشر والحجر، فليس معنى دفاعنا عن التراث الذي يدمر يومياً في بغداد وسوريا، والذي يضيع كل يوم أننا نتناسي الآلاف الذين يقتلون ويذبحون ويهجرون من بيوتهم، وليس معنى أن نذكر بما يحدث هناك يومياً من قتل أن ننسى التاريخ والحضارة الذي يدمر، ولا حرب الإبادة الثقافية التي تحدث، والتي قد توصلنا يوماً إلى أن نقول كان هنا حضارة.
تمت "المهمة الثقافية" التي تحدث عنها فيلم كلوني في أتون الحرب، التي كانت لا ريب ستنتهي، كما ستنتهي الحرب في العراق وسوريا، لكن بعد أمد لا يعرف أحد مداه، الفارق أن هناك من أنقذ تراث الإنسانية قبل 7 عقود فبقيت الحضارة الأوروبية كما استعاد اليابانيون حضارتهم، لكننا الآن نقف متفرجين، كأننا نريد أن يباد كل ما يربط هذه المنطقة بالإنسانية والحضارة.
قبل ثمانية عقود، بالتحديد في يوم 16 فبراير (شباط) 1198، جمعت كل الكتب الموجودة في مكتبة ابن رشد والتي تضم إلى جانب كتب هذا القاضي الفيلسوف كتباً أخرى لابن سينا والفارابي وابن الهيثم وغيرهم في الساحة الكبرى بإشبيلية، ووسط حضور حاشد وأُرغِمَ بن رشد على مشاهدة مئات الكتب لعشرات الفلاسفة والمفكّرين العرب وهي تُحرق وسط تكبير و صراخ الغوغاء بتحريض من بعض شيوخ الدين. هذا الحادث الذي كان بداية نهاية الحضارة العربية في الأندلس لا يختلف كثيراً عن المشهد الذي نراه يومياً الآن. وكأن الزمن يعيد نفسه بنفس الرتابة، لكن إذا كانت دولة وحضارة الأندلس انتهت بعد حرق كتب ابن رشد، فهل سيكون هذا مصيرنا الآن؟
ستضع الحرب ذات يوم أوزارها، فكل الحروب تنتهي بمآسيها، كما حدث في الحرب العالمية الثانية التي حصدت أرواح ستة ملايين شخص، وأزالت مدينتي نغازاكي وهيروشيما من الوجود، لكنها في النهاية تركت التاريخ والحضارة لأنها ملك للمستقبل وللأجيال القادمة وليست ملكاً لنظام أو فصيل. لكن ما يحدث في المنطقة العربية يكشف عن أن ثمة من يريد أن يمحي ماضي وحاضر ومستقبل هذه المنطقة، حتى لا يقول أحد فيما بعد إن حضارة عظيمة مرت من هنا، بل يقول فقط: المغول مروا من هنا.


07‏/08‏/2014

قصيدة الخراب

قصيدة الخراب
مختارات شعرية باللغة الفرنسية
شعر: محمد أبو زيد
ترجمة إلى الفرنسية: أنطوان جوكي

02‏/05‏/2014

تحداني يهودي أن أجمع مليون قارئ لهذا المقال




فور أن تكتب عبارة "تحداني يهودي" في محرك البحث غوغل، ستظهر لك مئات الصفحات تحمل هذا الاسم، وكلها تبدأ هكذا: "تحداني يهودي حقير أن أجمع مليون محب للرسول"، و"تحداني يهودي حقير أن أنشر هذا الفيديو ليكون صدقة جارية"، و"تحداني يهودي أن أجمع مليون 100 كومنت"، و"تحداني يهودي أن أظل على قيد الحياة في مصر"، و"تحداني يهودي حقير أن أجمع مليار لايك لهذه الصورة"، مع أن عدد مشتركي فيس بوك أقل من هذا، و"تحداني يهودي حقير أن أجمع ألف شير لاسم الله عز وجل"، و"تحداني يهودي إذا جمعت مليون لايك سيعلن إسلامه" و"تحداني يهودي أن الزمالك سيفوز على الأهلي"، و"تحداني يهودي أن أدعو 1000 بوركيني فاساوي على الغداء".
في الحقيقة لست مشغولاً بذلك اليهودي، الذي ترك كل شيء في حياته، وتفرغ فقط لعملية التحدي التي لا أعرف الطائل منها، لكني مشغول بذلك "المطبع" الذي لا يتوقف عن عمليات التحدي التي يخسرها كلها، وخاصة فيما يتعلق بالزمالك.
مثل هذه الصفحات التي انتشرت كثيراً على فيس بوك، لا تفعل شيئاً سوى إثارة المشاعر الدينية، لحصد الإعجابات والمشاركات والتعليقات، والإعلانات فيما بعد، ولا تفعل شيئاً آخر، ولا يمكن اعتبارها إلا محاولة للابتزاز.
لكن محاولات الابتزاز تلك، لا تتوقف فقط عند ذلك اليهودي العجيب، الذي لا يعرف أحد من هو، ولكنها  تنتشر وتتمدد في صور دينية تصل عبر البريد وواتس أب وفيس بوك وتويتر، تكاد أن تقبل قدمك كي تكتب تعليقاً، مثل "ارسل هذا البريد، وإلا ستدخل النار"، أو "سوف نرى هل أنت أقوى أم الشيطان، لا تدعها تقف عندك"، و"حياة حبيبك النبي ارسلها لكل من عندك"، و"أسألك بالله، جعلتها أمانة في رقبتك، إذا لم ترسلها سيسخطك الله قرداً"، و"إذا لم تنشرها ستصاب بالبلهارسيا"، وبعضها يتحداك قائلاً: "هل تخاف من وضع صورة أسد الإسلام أسامة بن لادن على بروفايلك؟".. في الحقيقة.. نعم أخاف.
لا أعترض على المحتوى الديني المرفق عادة مع مثل هذه الرسائل، ولكن اعتراضي على حالة الترهيب والوعيد، وكأن شخصاً سادياً يسعد بإرسال العشرات إلى النار، مع أن الغرض من محتوى هذه الرسائل من الأدعية هو قراءتها وليس التهديد بها.
ولا تختلف هذه الرسالة في شيء عن رسائل التصيد الإلكتروني، والتي انتشرت مؤخراً على فيس بوك: فتيات سمراوات يرسلن رسائل بالإنجليزية مصحوبة بترجمة عربية ركيكة إلى آلاف إيميلات فيس بوك، مثل رسالة تقول: "أنا إيمانويلا.. للاتصال بك سعيد جداً، ..، أنا الحب يريد"، والتي لا تملك إلا أن ترد عليها قائلاً: "السيدة إيمانويلا. أنا الحب لا يريد".
يذكرني هذا أيضاً بطلب صداقة على فيس بوك جاءني ذات مرة من يابانية، كل ما على صفحتها مكتوب باليابانية، طبعاً، لا أعرف لماذا أضافتني، ولا كيف عثرت علي، رغم أنني لا أعرف عن اليابان إلا أنهم يأكلون الأرز بالأعواد الخشبية، ولا أعتقد أنها ظنتني توم كروز فهناك فروق واضحة في تسريحة الشعر، إلا إذا كانت ربطت بين ملامحي وبين جون مالكوفيتش.
الحديث عن رسائل التصيد والابتزاز لا ينتهي، ولعل أقدمها قرأته قبل ربع قرن قبل فوضى الإنترنت، عندما فاجأنا زميل في المرحلة الابتدائية بتوزيع ورقة عن شيخ حلم بإمام المسجد النبوي وطلب منه أن ينسخ هذه الرسالة 10 مرات، ومن لم يفعل سيسخطه الله كنغرو، ولم أكن أعرف وقتها ما هو الكنغرو فلم أهتم.
لكن أشهر لك الرسائل، تلك الرسالة التي تصل عبر البريد الإلكتروني من أرملة مات زوجها ـ لا بد أن يموت وينتحر بسبب رسائلها ـ تعيش في جزيرة لم أسمع بها من قبل، ولن أسمع، وترك لها كنزاً، وتريد أن تأتمنني عليه، ولا أعرف أيضاً لماذا اختارتني أنا أيضاً من بين سكان المجموعة الشمسية، وطبعاً لا يمكن هنا أن ننسى الرسائل التي تصل عبر الهواتف المحمولة من شركات تخبرك أنك فزت في مسابقة، لم تشترك فيها أصلاً.
وأذكر هنا قصة قرأتها قبل سنوات طويلة، عن أحد النصابين المفلسين في الولايات المتحدة، نشر إعلاناً في إحدى الصحف يقول: "ارسل عشرة دولارات إلى هذا العنوان لتفوز في المسابقة الكبرى"، وبالفعل أرسل الآلاف العشرة دولارات، وأصبح النصاب مليونيراً، ولم يعرف أو يسأل أحد أبداً ما هي اتلك "المسابقة الكبرى".
أشكال "الابتزاز العاطفي" "وتسول القراءة" والتصيد الاحتيالي، تتعدد وتتطور مع الزمن، من "المسابقة الكبرى"  إلى "الكنغرو" إلى اليهودي الحقير الذي أتحدى أي شخص أن يعرف من هو، إلى "استحلفتك بالله" إلى "الأرملة المجنونة"، إلى الصفحات الإعلانية بحثاً عن مزيد من "اللايك" و"الشير" و"الكومنت"، وليس شيئاً آخر، بل وتوجيه الرأي العام أحياناً.
أذكر أنه في بداية العام 2012، وفور إعلان جماعة الإخوان المسلمين ترشيح خيرت الشاطر لرئاسة الجمهورية، وصلتني على فيس بوك دعوتان لصفحتين جديدتين، إحداهما اسمها "سأنتخب خيرت الشاطر، انشرها لكي تكون صفحته الرسمية"، والأخرى اسمها "لن أنتخب خيرت الشاطر، انشرها كي تكون أكبر من صحفته الرسمية"، الغريب أن الذي أرسل لي الصفحتين نفس الشخص، والأغرب أنني اشتركت في الصفحتين، لكن الأغرب من هذا وذاك، هو ما حدث بعد تنحية الإخوان في 30 يونيو الماضي، إذ من متابعتي للصفحتين اكتشفت أنهما تدعمان الإخوان، وتنشران نفس المواد.
ما الذي يعنيه هذا، يعني أن ضغطة الإعجاب التي تقوم بها ليست إلا تجارة، يستخدمها ملوك العالم الجديد على الإنترنت للترويج لأنفسهم، ولأفكارهم، مرة بخداعك باسم مخالف تماماً لما تريد، ومرة باستعطافك، ومرة بتهديدك، ومرة باستمالة عاطفتك الدينية، وهذا يكشفه تحول عدد كبير من "صفحات الاستعطاف" بعد أن تجمع آلاف المعجبين، إلى صفحات سياسية في أحيان كثيرة، وناشرة لإعلانات تجارية في أحيان أخرى.
لا أستبعد أن يدفع أحدهم باب غرفة نومي، ويوقظني من النوم ليقول لي: "تحداني يهودي حقير أن أوقظك من النوم، وإذا لم تبتعد عني فاعلم أن ذنوبك هي التي منعتك"، وعندها سأرد عليه قائلاً: "وأنا تحداني يهودي أحقر من اليهودي الذي تحداك أن أستمع لهذا الترهات، يرضيك إن اليهودي يكسب يا عم؟".
ـــــــــــــــــــ
نشر في موقع 24

24‏/04‏/2014

7 نصائح للسيد جيمس كاميرون



لو كنت مكان المخرج جيمس كاميرون، لسارعت إلى ترك ما في يدي، وتابعت كل ما يبث حول فيلم الخيال العلمي الحقيقي الذي يعرض على الهواء مباشرة، وأول برامج الواقع الغرائبية، عن اختفاء الطائرة الماليزية.
يدرك كاميرون، أن الأمر يبدو مريباً أكثر من كونه غريباً، ويدرك أن وحدات خاصة في السي آي إيه، والكي جي بي، والموساد، وفصائل من مختلف أجهزة المخابرات العالمية، تبحث في الأمر، إن لم يكن بعضها متورطاً فيه بشكل أو بآخر، ويدرك أيضاً أنه إذا قرر أن يخرج فيلماً عن ذلك، فلن يقل إثارة عن تايتانيك، وأفاتار.
وكما كانت كل أفلام الكوارث بعد 11 سبتمبر 2011، مستوحاة من هذه الأحداث، حيث نشاهد فيها جميعاً المباني الضخمة وهي تنهار، والناس يهرلون في الأسفل، وهم يحملقون خلفهم في عدم تصديق إلى المبنى العملاق الذي يهوي، إسقاطاً على الصورة الشهيرة لأحداث انهيار برجي التجارة، يمكننا هنا أن نقوم بالعكس، أن نفكر بطريقة هذه الأفلام، وبمشاهدها المحفورة في أذهاننا في مشكلة الطائرة المختفية، وتقديراً مني لجهد كاميرون في المتابعة خلال الفترة السابقة، وباعتباره من أوائل من قدم مثل هذه الأجواء في The Abyss ، أقدم له 7 نصائح، لـ7 حبكات درامية، لم تجرؤ الصحافة على الحديث عنها.
1ـ متطرفون إسلاميون: هذه حبكة سهلة وأربأ بكاميرون أن يقدم عليها، لأنه كان بديهياً أن تتكشف سريعاً، وتتلخص في أن إسلاميين ينتمون لتنظيم القاعدة قاموا باختطاف الطائرة، وأجبروها على الهبوط في مكان مجهول حتى الآن لأسباب مجهولة أيضاً، الغريب أن بعض أفلام الخيال العلمي استخدمتها، مثل "الرجل الحديدي" الجزء الأول.
2ـ مثلث برمودا: هذا سيناريو يميل إلى الأسطورة قليلاً، وسيروق للمراهقين والأطفال، الطائرة حلقت فوق مثلث برمودا الذي ابتلعها كما ابتلع عشرات المراكب السارحة قبلها، لكن المشكلة أنها غالباً لا تعود من هناك، حتى يظل السر مختفياً.
3 ـ قارة أطلانتس: ستقول لي إن هذا السيناريو شبع كتابة، لا بأس، لكنه صالح طوال الوقت، كما أنكم طوال الوقت تقومون بإعادة تمثيل أفلام عن آلهة الإغريق، وملخص الحبكة الدرامية أن الطائرة اختفت بنفس الطريقة التي اختفت بها قارة أطلاتنس. ما هي هذه الطريقة؟ لا أعرف والله.
4ـ رجال من المستقبل: هذه ثيمة سهلة، قدمها جيمس كاميرون بنفسه في فيلم The Terminator، وقدمها فيلم Looper بشكل جيد، وكلها تقدم فكرة أن الشخص الذي يموت في زمنه الحقيقي يختفي في الزمن الآخر، فلنفترض أن الركاب كانوا هكذا.
5 ـ السفر عبر الزمن: هذه فكرة قدمت أيضاً في أفلام، أكثر من الأفلام التي قدمت عن مسرحيات شكسبير، أشهرها ثلاثية "العودة إلى المستقبل". الافتراض الذي سيقدمه جيمس كاميرون هنا، هو أن قائد الطائرة عاد إلى زمنه، بعد أن كان في مهمة خاصة هنا، وهي أن يلتقط صورة "سيلفي" لنفسه أمام تمثال الحرية.
6ـ الفجوة الزمنية: فكرة تتقاطع مع الفكرة السابقة، وهي أن الطائرة عبرت دون أن تدري من فجوة زمنية إلى عالم مواز، وهي الآن تحاول العودة، في نهاية الفيلم ستعود كما يحدث في كل أفلام "مارفل" الأخيرة المأخوذة عن الكوميكس، لكن في الواقع، لا إجابة بعد، وفكرة العوالم الموازية مطاطة، حتى لو قررت أن هذه العوالم هي للجن، وقررت استخدام حبكة فيلمي "الحاسة السادسة"، و"الآخرون"، لبروس ويليس، ونيكول كيدمان على التوالي، حيث يكتشف سائق الطائرة في النهاية أنه لا ينتمي لهذا العالم، أو نكتشف نحن أننا مجرد أشباح في عالم الطائرة.
7 ـ حرب النجوم: طبعاً هذه فكرة قتلت بحثاً، لكني أثق في ذكائك يا جيمس. أنت قدمت شيئاً مشابهاً في "افاتار"، الفكرة ببساطة أن هناك عالمان يتقاتلان، وقرر أحدهما أن يختطف الطائرة لدراسة الجنس البشري.

... ونصيحة واحدة للحاج أحمد السبكي:
أرجوك، أبوس إيدك، ابتعد عن هذا الموضوع.

22‏/04‏/2014

"غياب" محمد أبوزيد دعوة لنهاية العالم

أحمد علي عكة
يقول تشارلز ديكنز "تتكون الحياة من لحظات رحيل كثيرة واحدة تلو آخرى" ، ومحمد أبوزيد يقدم في ديوانه الجديد " مقدمة في الغياب " تجربة رائعة عن فقدان الأحبة والوطن برحيله الدائم والذي لايتوقف، الغربة في هذا الديوان ليست غربة مكانية حيث اغتراب الشاعر وبعده عن وطنه بل هي غربة نفسية لفقد الشاعر الأحبة والخلان وفقدان معنى الوطن، فمن هم في الوطن يعانون من نفس الغربة والفقدان.
محمد أبو زيد الذي نشر له من قبل خمسة دواوين وديوان للأطفال ورواية، دائما مايقدم نصوصا مختلفة عما يقدم في قصيدة النثر فهو صوت شعري مميز ومختلف، القارئ والمتابع لكل ماكتبه أبوزيد سيعرف انه يعمل على مشروع أدبي متكامل وليس دواوين كل منها يعبر عن حالته فقط ، فستجد أن خطوطا عريضة تربط بين أعمال الشاعر وتشعر أن كل ديوان من دواوينه هو خطوة على الطريق تضيف لما قبلها وتمهد لما بعدها.
الرابط الأول بين أعمال الشاعر هو الفقد ففقدان الشاعر لوالدته في الرابعة من عمره له تأثير كبير على كل مايكتبه ابتداء من ديوانه الأول " ثقب في الهواء بطول قامتي " وانتهاء بديوانه الأخير " مقدمة في الغياب " ويضاف إلى فقد الأم فقد الجد والجدة، كما ستجد فقدان أيام الطفولة وقريته الصغيرة في سوهاج، ويتضح هذا في قصيدة " إلقاء تحية الصباح على الموتى " والتي يقول فيها :
قبل قرون
أخذت دراجتي
قاصداً الحدود
ودّعت قبر أمي وسرت
بكيت على قبر جدتي، ومشيت
لوّحت لقبر جدي وطرت
قلت لهم: صباح الخير
فلم يرد أحد.
وفي قصيدة " قصيدة تنتظر نهاية العالم " حالة آخرى من حالات فقد الأم فيقول فيها أبوزيد :
وأنا صغير، حلمت أن يشق الملائكة صدري. فجاءت الكائنات الفضائية ووضعت زجاجة مولوتوف مكان قلبي وأخذت أمي. طرت في الجنازة فوق رءوس المشيعين، أخطف أغطية رءوسهم لأصنع بها كفناً لي.
الرابط الثاني بين أعمال أبوزيد هو الموت والذي يتطور منظور الشاعر له من ديوان إلى آخر فكل ديوان من دواوين محمد أبوزيد يقدم الموت بشكل جديد وعلاقة مختلفة بينه وبين الموت فأحيانا يصادقه وأحيانا يواجهه وأحيانا يهرب منه، لكن ماقدمه أبو زيد من رؤية للموت كانت أكثر فلسفية عما سبق، ويظهر هذا في قصيدة " طريق ممتد بين عطارد ونبتون " يقول فيها :
في جيبي صور للموتي
الذين أحبهم
جدي وجدتي
وشخص لا أعرفه
مشيت في جنازته بالصدفة
ربما يكون أنا.
ويقول في قصيدة " عصفور يقف على الشوك ويغني: عش أنت ":
قابلت الموت ثلاث مرات من قبل
كل مرة كنت أضحك
أضربه على كتفه، وأقول:
ـ لا تنس أن تأخذ الباب في يدك وأنت خارج.
أو:
ـ عندي عمل صباح غد، سأضطر أن أستأذن
وأتركه وحيداً على الكوبري
يرتجف من البرد
أنا أكذب عليكم
في المرة الأولى كنت طفلاً
في الثانية كنت نائماً
في الثالثة كنت غريباً
لم يواجهني أبدا رجلاً لرجل
يغافلني ثم يأخذ جزءاً من جسدي
فلا أعرف ما الذي تبقى
حياً مني
أما الرابط الثالث فهو الغربة، والغربة بدأت لدى الشاعر منذ أن فقد والدته فصار غريبا في قريته التي شعر فيها بالقسوة والمرارة فكان طريقه الذي قرر أن يسير فيه إلى الآن، وهو الهروب من الغربة بالغربة فحضر للدراسة في القاهرة، وتحقيق ذاته كشاعر وتلمس خطوات البدايات،كل يوم تزداد الغربة وتتسع لتصير غربة الفقد وغربة الاحباط من العالم وغربة الوطن الذي لم يعد كما كان بل أصبح مشوشا وحزينا أكثر مماينبغي ويعبر أبوزيد عن هذا في قصيدته "مالا أستطيع تذكره " :
الآن
بعد 20 عاماً من السفر
لم أعد أشعر بالغربة
لا تحتفظ عيناي
إلا بملامح مشوشة
للوطن
بيوت وطرق
ومارة في جلابيب واسعة
لا أتذكر أسماءهم
وفي قصيدة " أوغاد مثلكم " يقول أيضا :
وقلت في السفر 3 فوائد
1ـ الوحدة
2ـ الوحدة
3 ـ الوحدة
فلا تزعجوني بضجيجكم بعد اليوم
دعوني أواصل السير على المياه
ربما أضل الطريق.
الرابط الرابع بين دواوين محمد أبوزيد هو " ميرفت عبد العزيز " في هذا الديوان ربط محمد أبوزيد بين ميرفت عبد العزيز وهو الاسم الكامل لحبيبة افتراضية دائما مايخاطبها الشاعر ويخاف عليها من الأشرار وبين الغربة فكان عنوان القصيدة الرائع " الغريب قابل ميرفت عبد العزيز " ويقول فيها أبوزيد:
بالأمس
قابلت فتاة تشبهك
تريد السفر إلى كوكب آخر
فأعطيتها تذكرتي
سرنا معاً بطول درب التبانة
نتحدث عن قارئي الكف
وجثث سائقي الحافلات المسرعة.
بالأمس
قابلت قطاراً يشبهك
له نفس الابتسامة
وأذني الطاقية في رأسه
كأنهما شارة النصر.
الرابط الخامس الذي يربط بين دواوين محمد أبو زيد هو البحث في ماهية الكتابة والصراع بين ألوان الكتابة المختلفة، وظهر هذا في الدواوين السابقة كما فعل الشاعر في ديوانه الماضي " مدهامتان " حين قدم نصوصا شعرية بين القصيدة العمودية والتفعيلة والنثر وكأنه يريد أن يقول أن النص الجيد هو الذي ينتصر دائما مهما كان نوعه ومهما كانت طريقة كتابته وعرضه، واستكمالا لهذا انتصر محمد أبوزيد في هذا الديوان لشاعريته برغم انه كتب الرواية إلا انه يدافع عن الشعر وينتصر له في قصيدة " بيان الثورة رقم صفر " والتي يقول فيها :
" في البدء كان الشعراء. الشعراء وحدهم، فقرروا أن يصنعوا العالم، مرة على شكل قلب تسيل منه المشاعر كشلال، ومرة كقصيدة عمودية تغلق بابيها على الأطفال من البرد وغبار الحرب. بعضهم تسلل بعيداً واختار السرد، فنفتهم الآلهة، حولتهم إلى قصاصين صغار، يراهم الناس في الشارع فلا يبتسمون في وجوههم، وتحذر الأمهات أطفالهن من مصيرهم الأسود إذا لم يشربوا اللبن.
كبر القصاصون وصاروا روائيين، لم ينسوا جرحهم القديم، فحوَل كل روائي قرطاسه إلى خنجر، ينظر إلى عيني الشاعر ويقول: "البقاء لله"، فيرد الشاعر "البقاء للأصلح"، ثم تذوي عينه، كلما ذوت عين ، اختفت سحابة في السماء، كلما مات شاعر نقص لون في قوس قزح."
الفكرة الرئيسية التي طرحها الشاعر في ديوانه بجانب فكرة الغياب هي فكرة نهاية العالم وظهرت هذه الفكرة بقوة في الديوان لغاية الخلاص من شرور هذا العالم، الذي يسحق البسطاء ويقهر الضعفاء ولا يرحم العجائز والأطفال، وقد أظهر أبو زيد هذا في العديد من قصائد الديوان منها قصيدة " إلقاء تحية الصباح على الموتى " ويقول فيها :
حتى وصلت إلى نهاية العالم
بدا مثل سور قصير أملس
يدفعنني كأنني كرة مضرب
خلفه هوّة بلا نهاية
لم أرغب في العودة
حيث لا صديق ولا وطن
فوقفت هناك متأملاً
ساقيّ اللذين فقدتهما
وقلبي الذي تهدم
أفكر في رد على "نهاية العالم":
ـ لماذا تأخرت؟
وقصيدة " قصيدة تنتظر نهاية العالم " ويقول فيها :
" الموت الذي انتظرته في موقف الباص تأخر ساعتين، حتى برد النسكافيه وجاء الشتاء. الموت الذي ربيته خذلني من أجل من يدفع أكثر. كنت أريد أن أموت مبكراً هذا الأسبوع. حدقتاي تتحركان مثل سمكة مجنونة في حوض، أزحزح الأهرامات من فوق صدري وأنهض، أفتح القفص الصدري مثل جناحين وأطير. من قال إن المستقبل خلفنا؟ ليس ثمة مستقبل من الأساس. وليس هناك ديناصور أيضاً."
وفي قصيدة " عودي يا هاميس.. عودي عند الفجر " يقول أبوزيد :
الآن
أتمدد على السرير في كامل ملابسي
وأنتظر أن يطفئ العالم أنواره

وفي قصيدة " حكاية لتسلية الموتى " والتي يقول فيها :
من يعطيني ألواناً أخرى
فأضيف قليلاً من الأسود
من يمنحني يداً
فأنقل المد والجزر من رأسي إلى الماء
من يعيرني قلماُ
فأكتب The end

وفي قصيدة " السماء تمطر في الخارج " والتي تقول :
في موقف الباص
انتظرت نهاية العالم
في ساحة المسجد
ـ وأنا منهمك في الدعاء ـ
ترقبت اللحظة الأخيرة
في غرفتي الصغيرة
على يساري دب تعيس
وأمامي فيلم سخيف
أنتظر تَفحُّم الكتاب في يدي.

وفي قصيدة " أعتذر فقط للأطفال، أما أنتم... " يقول الشاعر:
عندما يهوي النيزك
الذي سيدمر الأرض،
الذي ينتظره العلماء منذ سنوات
الذي يقول للمنجمين:
ـ كم كنتم صادقين
النيزك الذي سينهي الخلاف
بين امرأة وحماتها
على رائحة البصل في المطبخ
الذي سيريح عاشقاً
خذلته حبيبته
الذي سيحل أزمة أب
لا يستطيع دفع ثمن حذاء طفلته
الذي سيضع حداً لأسرى الحرب
وموتى المجاعات وأطفال الشوارع
والقصائد السخيفة


ماقدمه محمد أبوزيد في ديوانه " مقدمة في الغياب " يدل على انه شاعر مطبوع بعيدا كل البعد عن التكلف والتصنع يمتلك أدواته الشعرية جيدا من لغة وصور وأساليب تجعله مختلفا ومتفردا، كما أن قصيدة النثر عند محمد أبوزيد قصيدة شديدة الذاتية تعالج قضايا عامة تخص الانسانية بأكملها وليس الشاعر فقط ، استمتعت كثيرا بقراءة هذا الديوان كما استمتعت بكل ما كتبه محمد أبوزيد وانتظر الجديد منه دائما سواء كان الجديد ديوان شعر ينتصر فيه لشاعريته أو رواية يصالح بها الروائي بداخله.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
نشر في جريدة القاهرة