10‏/04‏/2014

لماذا يكرهوننا؟



كان السؤال الأبرز الذي طرحته مراكز البحث في الولايات التمحدة الأمريكية عقب أحداث 11 سبتمبر، وانهيار البرجين الشهيرين، هو: لماذا يكرهوننا؟
لم يكن السؤال الذي طرح وقتها، ردة فعل لما قام به أسامة بن لادن وتنظيم القاعدة فقط، بل لحالة الفرحة التي اجتاحت قطاعات عريضة من المسلمين والعرب بعد الحادث الإرهابي الذي راح ضحيته أكثر من 3000 شخص لا ذنب لهم، لدرجة أن بعض وسائل الإعلام حولت بن لادن إلى بطل ينتقم للعالم من الصلف الغربي، وعُلقت صوره في المنتديات، وتسمى باسمه المواليد، وهو ما كشفته أغنية شعبية قادمة من القاع وقتها، للمطرب الشعبي شعبان عبد الرحيم يقول فيها: "معلهش يا عم بوش، ع البرج اللي اتحرق، وبكره نفجر طياره، ونفرّح العرب".
ورغم مرور ثلاثة عشر عاماً على ذلك الحادث، لم تصل مراكز البحث الأمريكية إلى إجابة شافية لحالة العداء تلك، ولم تعرف سبب الكراهية، وتبدل السؤال ما بين هل المشكلة هي الإسلام، أم المشكلة هي المسلمون، أم قطاع من المسلمين. والآن بعد مرور كل ذلك الوقت، يعود السؤال ليتردد مرة أخرى، لكن هذه المرة داخل البلاد العربية، بعد أن نقلت الجماعات "الإسلامية" الراديكالية عملها من بلاد "الصليبين" إلى بلاد "المسلمين" أنفسهم.
سؤال الكراهية هو السؤال الأول الآن في مصر، ومن العجب أن طرفي النزاع يطرحانه، فغالبية الشعب المصري يوجهونه إلى جماعة الإخوان، التي تعيث فساداً في الأرض منذ 30 يونيو (حزيران) الماضي، وتنحية مرسي عن الحكم في مظاهرات حاشدة. المصريون لا يستطيعون أن يفهموا لماذا يبادلهم من كانوا يعتبرونهم أبناء وطنهم ومن صوتوا لهم في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، هذا الكره، لم يستطع المصريون تفسير هذا الكم من الشماتة الإخوانية في سقوط الجنود الأبرياء في سيناء، وفي تفجير الشوارع، وحرق الجامعات، ما سبب هذه الكراهية والحقد؟ من الجهة الأخرى يجد من يتابع ما يكتبه الإخوان أنهم يطرحون نفس السؤال بصيغة أخرى، فهم لا يعرفون لماذا يرفض المصريون مشروعهم لأستاذية العالم، وإقامة دولة الخلافة الإسلامية، ولماذا لا يتعاطفون مع "شهدائهم"، الذين يعتبرونهم في الجنة "وقتلى الآخرين في النار"، وأصدروا حكمهم بكراهية المصريين للإسلام والمشروع الإسلامي، لذا تصبح دماءهم حلالاً، ويستحقون حكم الطغاة.
وبغض النضر عن التعليق على أسئلة كلا الطرفين، إلا أن الأكيد أن سؤال الكراهية، الذي يطرحه طرفا الصراع في مصر يتحول إلى هوة تتسع يوماً بعد الآخر، حتى تبتلع أحد الطرفين، لأنها إذا لم تفعل فستظل الكراهية قائمة، وهي لمن لا يعلم أسرع من البارود في إبادة الشعوب، وقد ظهرت في صورة حرب أهلية في بلدان أخرى
قبل رحيله، وقف أبو الثوار(أحد أشهر وجوه الثورة المصرية) في ميدان التحرير، ظهره لجامعة الدول العربية، وعينه على نهر النيل الذي مال لون مائه للسواد، خلفه تتصارع الشرطة مع الإخوان في الميدان، ويرتفع دخان قنابل الدخان كأنه إعلان لحرب طويلة، وأمامه لافتة يحملها بكلتا يديه مكتوب فيها "اللي فات ظلم، واللي جاي ظلمات".
الظلمات التي حذر منها أبو الثوار هي نار الكراهية التي لا تبقى ولا تذر، وقودها الطائفية والمذهبية والتصنيف العرقي والديني ونبذ وكراهية الآخر، دخانها يتصاعد من العراق وسوريا ولبنان واليمن، وبالتأكيد، يتغذى قطاع من الإعلام على تلك النيران، لكن الضحية دائماً هي الشعوب.
بعد سنوات، قد لا تذكر كتب التاريخ عما يحدث في أيامنا هذه سوى أسطر قليلة، وقد تتحدث في النهاية عن صلح سياسي، لأن "السياسة فن الممكن" كما نعرف، لكن الشعوب لا تعرف ذلك، فخيط الدماء الذي يسيل إلى النهر، ويشرب منه الناس جميعاً، ويختلط بالقلب، لا يمكن محو آثاره بسهولة.
لم تجد أمريكا رغم مرور ثلاثة عشر عاماً إجابة على سؤالها، لكن الناس في مصر وسوريا وتونس وليبيا والعراق واليمن يعرفون الإجابة، وقد يكون من المناسب هنا إيراد اسم كتاب  بول فندلي الشهير للتعبير عنهم: "من يجرؤ على الكلام؟".
ــــــــــــــــــــــــــ
نشر في موقع 24

20‏/01‏/2014

تسقط الحقيقة المطلقة

لسنوات طويلة، كنت مهتماً فيها بمتابعة ودراسة ملف الإسلام السياسي، لاسيما ماشهده هذه الملف خلال الثلاثين سنة الأخيرة من اغتيال السادات، مروراً بأحداث عنف الثمانينيات والتسعينيات، ثم مبادرة وقف العنف في 1997، وانتهاء بالمراجعات أوائل الألفية الجديدة، في كل هذا كانت الظاهرة اللافتة بالنسبة لي أن جل من التحقوا بالجماعات الراديكالية، أو حتى الذين تم تسفيرهم إلى أفغانستان، لم يكونوا ينتمون إلى مؤسسة الأزهر الشريف التي أنتمي إليها.
وأذكر أنني طرحت هذا الاستفسار على أحد القادة التاريخيين لها الشيخ كرم زهدي،  وكان رده أن عدد الأزهريين كان قليلاً فعلاً، لكن يكفي أن أمير الجماعة الإسلامية  ـ المحبوس حالياُ في أمريكا مدى الحياة ـ الشيخ عمر عبد الرحمن كان أزهرياً. لكن في ظني لا يبدو هذا كافياً، فالأهم من الأمير القواعد، وهم قلة في تاريخ الحركة الجهادية المصرية بالفعل، فعلى مدار تاريخ جماعة الإخوان المسلمين، لم يلمع في الجماعة أزهري أو يصل إلى مكتب الإرشاد من الأزهر سوى عبد الرحمن البر، وهو نفس الأمر بالنسبة لتنظيم الجهاد، أو الجماعة الإسلامية، أو حتى الجماعات التي ظهرت بشكل متقطع واختفت، مثل شباب محمد، أو التكفير والهجرة أو تنظيم الفنية العسكرية، وغيرها، وحتى بالنسبة للتنظيمات الجهادية العالمية مثل القاعدة، فرأسيها الأول والثاني (أسامة بن لادن، ثم أيمن الظواهري) أو العرب الأفغان لا ينتمون إلى الأزهر.
وبعيداً عما يمكن أن تصل إليه دراسة متعمقة عن السبب وراء ذلك، او حتى عن أسباب ظهور الإخوان في الفترة الأخيرة ـ تحديداً في الأزهر، فلدي سبب خاص أستطيع أن أقدمه. هذا السبب هو درسي الأول والأخير في المؤسسة التي قضيت فيها سبعة عشر عاماً أتلقى التعليم الديني والعملي، هذا الدرس هو "تسقط الحقيقة المطلقة".
في مادة الفقه التي درستها ثلاث سنوات في الإعدادية، وأربع في الثانوية، ثم أربع في الجامعة، أدركت أنه لا يوجد ما يسمى الصوت الواحد، لا يوجد من يزعم أنه يمتلك الحقيقة وحده. في البداية تخصصت في المذهب الحنفي، لكن لم يكن صوت أبوحنيفة هو الصوت الوحيد في المادة، كان هناك صوت تلميذيه محمد وأبو يوسف اللذان كان لهما رأي مختلف، وفيما بعد حينما درست المذاهب الأربعة، عرفت أن تعدد الآراء واختلافها هو سنة العلم، ومن هنا تعلمت احترام الرأي الآخر، ومقوله الإمام الشافعي الشهيرة: "رأيي خطأ يحتمل الصواب، ورأي غيري صواب يحتمل الخطأ".
لم يكن هذا في مادة الفقه وحدها، ففي مادة التوحيد، تعلمت آراء المعتزلة والأشاعرة وغيرهم في قضايا جدلية، ولا زالت حتى الآن، مثل خلق القرآن، وعذاب القبر، والسمعيات جميعها. حتى في مادة النحو، درست في المرحلة الإعدادية كتاب "قطر الندى وبل الصدى"، وفي الثانوية "شرح ابن عقيل"، وكان فيهما ما في غيرهما من مواد، والنقطة التي ربما لم ينتبه إليه كثيرون، وهو تعدد الآراء وتشعبها حتى في الأمور المحسومة مثل موضع الفاعل في الجملة، أو نائب الفاعل، وهناك دائماً ضرورات شعرية، وشواذ بشواهد شعرية، تخرج عن السياق.
هذا الخروج عن السياق، كان هو درسي الأهم، لا قواعد في الحياة أو في العلم، لا حقيقة مطلقة.
وربما يكون هذا هو الدرس الذي، وغيري من طلاب الأزهر، بامتلاء بالعلم، فلم تبهرنا محاولات الجماعات الدينية، التي كان قواعدها ينظرون إلى ما يقوله مشايخهم بانبهار، رغم أن كل ما يقولونه كنا نعرفه ونحفظه، ونعرف ما ضده، والردود عليه بالشواهد من القرآن والسنة والتراث الشعري.
الجماعات الإسلامية، تؤمن بالتقديس: تقديس النص، وتقديس الأمير. وهذا هو ما يتناقض جملة وتفصيلاً مع ما يعمله الأزهر لطلابه، الجماعات الإسلامية تستقطب عقولاً خاوية مستعدة للانبهار وتصديق أن شيخاً ما في جيبه مفتاح الجنة. وهذا ما يتنافي مع ما يتعلمه طلاب الأزهر في معاهدهم.
كلما سألني شخص عن رأيي في الأزهر، أقول له إنني أفتخر أنني تعلمت فيه، وأن درس احترام الرأي الآخر وإسقاط القواعد مبكراً هو زادي في الحياة حتى الآن.
ــــــــــــــــــــــــــــــ

03‏/06‏/2013

الله الذي لا تعرفونه

يحكي الكاتب اللبناني إياد أبو شقرا أن صديقاً له باكستاني الجنسية تخرج في جامعة كمبريدج، وغدا محامياً لامعاً في لندن قال له ذات يوم خلال دردشة: "هل تعرف يا سيدي لماذا تتمحور السياسة عندنا في باكستان حول الله عزوجل؟. فأجاب إياد بعفوية: "طبعاً، باكستان بلد إسلامي، وعلى الله فليتوكل المؤمنون".
لكن كان رد المحامي الباكستاني هكذا: "لا.. لا.. لا تذهب بعيداً، السبب هو أنه وحده القادر على حل مشاكلنا العويصة".
لماذا أحكي هذه الحكاية؟ لأنه يبدو أن مصر ليست أفضل حالاً من باكستان، فهي دولة مسلمة أيضاً، بل صار الدين فيها يلعب دوراً محورياً، بل امتزج الدين والسياسة حتى لا تكاد تعرف الفرق بينهما، وتعاني من مشاكل عويصة الله وحده القادر على حلها.
لكن المشكلة الحقيقية التي لا يدركها المصريون أن الله لم يترك متحدثاً باسمه في أرض مصر، وعاشت مصر عقوداً طويلة تعبد الله دون أن يكون ذلك سبباً في القتل والتدمير، ورغم ذلك فكل فصيل سياسي في مصر الآن يزعم أنه المتحدث الرسمي باسم الله، وباسم الإسلام، وأن ما يدعو إليه هو الدين الحق، وما دونه هو الباطل والضلال.
الحديث باسم الله هو السبب فيما يحدث الآن في مصر، هو السبب الذي يجعل جماعة الإخوان المسلمين ترفع شعار "الإسلام هو الحل"، وهو السبب الذي يجعل السلفيين يرفضون قرض صندوق النقد الدولي "لأنه ربا"، وليس لأنه يضر بمستقبل البلاد، وهو السبب الذي يجعل القوى المدنية ترى الإخوان يتاجرون بالدين، وهو السبب في أحداث الكاتدرائية والخصوص وإمبابة والعامرية وكنيسة القديسين، وهو السبب في ظهور الجماعات الجهادية في سيناء، وهو السبب في وصول محمد مرسي إلى الحكم، لأنه "راجل عارف ربنا"، هو السبب في العلاقات المتوترة مع إيران لأنها ستنشر "التشيع"، هو السبب في أن تحولنا بعد 14 قرناً من دخول الإسلام مصر إلى مسلمين وكفار، ومن معي فهو مسلم ومن ضدي فهو كافر، وهو السبب في اغتيال أنور السادات لأن هناك من كفروه وأحلوا دمه، هو السبب في الاقتتال الداخلي في مصر طوال عقدي الثمانينات والتسعينيات بين الحكم والجماعة الإسلامية، رغم أن الله لم يأمر بكل هذا.
منذ قررنا أن نقسم الإسلام إلى أديان عدة بحسب توجهاتنا الأيديولوجية، والاقتتال لم يتوقف، كل شخص يرى نفسه آخر الأنبياء، وإن لم يكن كذلك فهو يتبع آخر الأنبياء، سواء كان هذا النبي اسمه حسن البنا أو حازم أبو إسماعيل أو محمد البرادعي أو حمدين صباحي.
لم ينته عصر الأصنام مع فتح مكة، فالأصنام ليست مجرد تماثيل من الحجرة، بل هي أفكار، تطورت التماثيل لتصبح أشخاصاً يعبدها من يحكمون الدين في حياتهم، فأصبح هناك "عبد المرشد"، و"عبد البرادعي"، وتوارى الوطن بعيداً عن هؤلاء، فلاشيء اسمه الوطن، عادينا بعضنا البعض لأن كل شخص يملك مفتاح الجنة، ويملك صك الحقيقة، ويملك الحكم على الآخرين بالكفر.
هل عرفتم لماذا أصبحنا مثل باكستان، ولماذا أصبح الله وحده القادر على حل مشاكلنا، رغم أن الإسلام يقول "الدين المعاملة"، والمسيحية تقول "الله محبة".

إرهابيون ونفتخر

بمجرد أن أعلنت وكالات الأنباء الأمريكية عن وقوع تفجيرين في بوسطن، وقبل أن يتم الإعلان عن أن الانفجارين نتاج فعل إرهابي، قفزت التحليلات لتؤكد أن من فعلها "مسلمون".
التحليلات والاتهامات لم تكن أمريكية فقط هذه المرة، بل كان أول ما طاف بذهن كل إنسان على سطح هذا الكوكب، هو أن تنظيم القاعدة فعل شيئاً جديداً، أو أن متطرفين إسلاميين فعلوها مجدداً كما فعلوها من قبل في 11 سبتمبر 2001 بتدمير برجي التجارة، ثم فعلوها بتفجيرات 11 مارس 2004 بمدريد، ثم فعلوها بتفجيرات 7 يوليو 2005 في لندن، وغيرها كثير من عمليات إرهابية استهدفت أرواح الأبرياء دون أي ذنب.
فعلى الرغم من التوتر السياسي ما بين أمريكا وكوريا الشمالية، وتهديد الأخيرة بضربها بالصواريخ النووية إلا أن الاتهام لم يطل كوريا أبداً، بل انتقى المسلمين، والعرب وحدهم، وهو ما ثبت بعد أن اتضح في النهاية أن المتهم في التفجيرين شيشاني مسلم، متزوج من أمريكية أسلمت وترتدي الحجاب.
كل العرب والمسلمين فكروا أن من فعلها "مسلمون"، بعضهم فكر في أنه لن يستطيع السفر إلى أمريكا مرة أخرى، وبعضهم فكر في التضييق الأمني في المطارات، بعضهم فكر في أن أمريكا قد تنتقم مرة أخرى مثلما فعلت في أفغانستان والعراق، مع الأخبار المتواترة عن حريق في مكتبة كيندي وإرسال مادة سامة إلى أوباما تذكر بالجمرة الخبيثة، لكن أحداً لم يفكر أو يتساءل لماذا أصبحت وصمة الإرهاب تطارد المسلمين في كل مكان، على الرغم من كل الدماء التي دفعها أطفال ونساء وشيوخ المسلمين في أفغانستان والعراق، ولماذا أصبحت التفجيرات والسيارات المفخخة حكراً على العقلية الإسلامية، ولماذا أصبحنا في التاريخ نحمل وشم "قتلة الأبرياء" كأنه العار.
إذا  لم يكن بإمكاننا أن نغير الصورة الذهنية للعرب والمسلمين في العالم التي تسبب فيها تنظيم القاعدة، وأفرعه المختلفة  في العراق وبلاد الرافدين والشام والمغرب العام، فبإمكاننا أن نغير المستقبل، لكن يبدو أننا لسنا حريصين على ذلك ولا نريد، فمن يتأمل ما يحدث في العالم العربي من اضطرابات سياسية بعد وصول الإسلاميين إلى الحكم، لن يغير فكرته عن "العربي الإرهابي"، بل سيزيدها أكثر، ولعل ما حدث مع السفير الأمريكي في ليبيا بعد الفيلم المسيء للرسول أكبر دليل على هذا،  ناهيك عما يحدث في العراق من تفجيرات طائفية ومن مواجهات في مالي، ولعل الاضطرابات اليومية في مصر وليبيا وتونس، دليل يومي، حتى لو كان بعضه غير حقيقي، على أننا لا نريد أن نغير الصورة.
لكن الدليل الأبرز والأمر، هو إعلان جبهة النصر في سوريا، والتي تقاتل في صفوف المعارضة السورية ضد نظام بشار الأسد، انضمامها لتنظيم القاعدة، وهو ما يضع الثورة السورية في مأزق حقيقي، ويعضد ما يقوله الرئيس السوري من أنه يحارب الإرهابيين، ويجعل المواطن العادي يسأل نفسه في حيرة: هل يؤيد بشار الذي يقتل الأطفال أم يؤيد من ينتمون للقاعدة؟،  ما الذي تتوقعه إذن من العالم عندما يعلم أن "ثوار سوريا"، أحد فصائل تنظيم القاعدة، وكيف سينظر هذا العالم إلى ثورات دول الربيع العربي؟ كيف سيفكر فيها؟
سنظل إرهابيين لأننا أصبحنا كذلك في نظر أنفسنا، ولن يغير العالم نظرته لنا حتى نثبت العكس، ويبدو أن هناك من لا يريد للأسف.

كابتن سمير

لا أعرف لماذا تلح علي كثيراً هذه الأيام مجلة "سمير"، بالتحديد العدد الشهري منها الذي كان يصدر باسم "كابتن سمير". الأمر ليس له علاقة بالحنين إلى فترة الطفولة، ولا بما تردد عن إيقاف المجلة العريقة التي تجاوز عمرها الخمسة وخمسين عاماً، بل بشيء آخر تعلمته منها.
كنت حريصاً على قراءتها في مرحلة الابتدائية وبعض الإعدادية، وكان "كابتن سمير" يقدم أعداداً خاصة يجول فيها في الوطن العربي الكبير، متغنياً بتونس الخضراء وتمر العراق وعراقة دمشق وجبال لبنان وتنوع مصر، وارتباطها بالسودان، وبالوطن العربي الواحد المترابط الذي يشبه البيان المرصوص الذي يشد بعضه بعضاً، ظل ما تعلمته داخلي دون أن أنتبه، حتى جاء اليوم الذي أدركت فيه أن كل ما قرأته لم يعد موجوداً، فالوطن العربي لم يعد واحداً، بل دوله ذاتها لم تعد واحدة.
المشهد في السودان تم حسمه مبكراً وأصبح هناك سودانان: السودان وجنوب السودان. تذكرت هذا عندما سألني صديق عن أكبر دولة عربية من حيث المساحة، ولأنني درست في الجغرافيا قبل عشرين عاماً، أنها السودان، أجبت على الفور، ثم تذكرت أنها لم تعد كذلك بعد انقسامها.
المشهد في العراق بعد عامين من انسحاب الجيش الأمريكي لا يختلف شيئاً عن المشهد قبله، ما زالت التفجيرات في المساجد على أساس طائفي مستمرة، الشيعة يفجرون مساجد السنة، والسنة يفجرون مساجد الشيعة، أما عن الأكراد وفيدراليتهم فحدث ولا حرج.
المشهد في سوريا بعد عامين من الثورة ضد نظام بشار الأسد، أسفر عن مقتل أكثر من 70 ألف سوري بحسب تقديرات الأمم المتحدة، بالإضافة إلى نزوح أكثر من 4 ملايين، ما رواه لي أصدقاء قادمين من سوريا يؤكد أن المعارضة، وبالأخص جبهة النصرة، تتعامل، وتقتل بشكل طائفي مع العلويين، وأن الجيش النظامي والعلويين من جهة أخرى يقتلون بشكل طائفي أيضاً، لذا لن أستغرب إذا انتهى الأمر بأن تسيطر المعارضة على جزء ويسيطر النظام على جزء، وتأخذ تركيا جزءاً آخر.
مشهد الانقسام والطائفية ليس بعيداً عن دول عربية أخرى، بل يشبه ناراً تحت الرماد، في لبنان التي تبدو أنها راقدة على أتون مشتعل، والبحرين التي لا زالت تراوح ثورتها، وليبيا التي تشهد اضطرابات قبلية.
الصورة القديمة للحرب الأهلية ليست موجودة في مصر، لكن أصبحت هناك صورة جديدة: إما أن تكون معي أو ضدي، لست مستعداً لسماع صوتك: قل معي نعم أو لا، ولا تقل شيئاً آخر، وإذا لم تفعل فأنت عميل أو كافر أو خروف أو خنزير أو تابع أو أي اتهام آخر يخرجك من دائرة الحوار مباشرة.
الحرب الأهلية في مصر نشهد بروفاتها بشكلها الجديد مرة أمام الاتحادية ومرة أمام دار القضاء العالي ومرة أمام مكتب الإرشاد. فزعنا يوم موقعة الجمل عندما رأينا المصريين يقفون في مواجهة بعضهم، وظننا خطأ أن الأمر سينتهي بعد نجاح الثورة، لنكتشف أن ذلك لم يكن إلا بداية بسيطة لحدث أسبوعي، ناهيك طبعاً عن الاحتقان الطائفي الذي يتصاعد يوماً بعد الآخر، إن لم يكن بسبب حوادث  طائفية فبسبب فتاوى القنوات الدينية، التي لم تقرأ في الإسلام إلا عن النار والعذاب.

لا أعرف ماذا ستقول مجلات الأطفال الآن لأجيال المستقبل، وبأي شيء ستتغنى، أما إذا توقفت مجلة سمير كما تردد، فلن يكون ذلك غريباً، فما تعلمته منها وما غرسته في وجداني وفي عقول أجيال كاملة، لم يعد موجوداً.

03‏/04‏/2013

لا تقرض كتبك لأصدقائك



لا تقرض كتبك لأصدقائك. هذه نصيحة، أقولها لك مثل حكيم فقد معظم كتب مكتبته، ولم يبق له إلا الكتب التي تتحدث عن "كيف ترتب مكتبتك"، و"كيف تحافظ على كتبك".
كان لي صديق ـ عرفته قبل عشرين عاماً ـ يحتفظ في مكتبته بكراسة قديمة، قسم صفحاتها إلى أربع خانات، في الخانة الأولى الأرقام المسلسلة، وفي الثانية كتب أسماء جميع الكتب التي يملكها بشكل مسلسل، وفي الثالثة "اسم المستعير"، وفي الرابعة "التوقيع"، فإذا قررت ـ لا قدر الله ـ أن تستعير كتاباً من عنده كتب اسمك بقلم رصاص بجوار اسم الكتاب، ودعاك للتوقيع باسمك الثلاثي، أما إذا تأخر الكتاب عندك ، ففضيحتك ستكون "بجلاجل"، لأن كل أصدقائك سيرون توقيعك بجوار الكتاب، لكن لو تقاعست فقط سيطالبك بعمل فيش وتشبيه قبل أن يعيرك كتاباً آخر.
هو بالتأكيد أفضل من غيره من الذين يرفضون إعارة الكتب، ويعتبرون الكتاب ابنهم الضال الذي وجدوه أخيراً، وكتاب على الرف خير من عشرة عند أصدقائك، لكن ـ بيني وبينك ـ هناك ناس بالفعل لا يستحقون إلا أن تفعل معهم هذا.
حكى لي صديق أن صديقا له كان كلما زاره استعار كتاباً ولا يرد ، كلما زاره استعار كتابا أو  اثنين ولا يعيد شيئا، وهكذا مر شهر، واثنان، وثلاثة وأربعة، حتى جاء اليوم الفاصل الذي فوجئ صديقه به يدخل عليه منزله، ثم إلى مكتبته. التفت إلى صديقه وقال له: هات كرتونة .
صديقه الذي لم يفهم، كان حسن النية فقام بإحضار كرتونه كبيرة، أما هو فاتجه إلى الأرفف رفاً رفاً، يستخرج منها كتبه كتاباً كتاباً، وسط دهشة صديقه الذي لم حاول الاعتراض حين حمل الكرتونة على كتفه وخرج.
ولأن "الحرام ما بيدومش" حكى لي صديق آخر، هو يعرف نفسه، أنه كان يساعد صديقاً له في الانتقال إلى مسكن جديد في المعادي، وكان من بين المنقولات ذخائر الكتب، فقرر أن "يصطاد" أفضل مجموعة كتب بينها، تركها في منطقة مجاورة للبناية الجديدة، وشاءت الظروف أن يمر صديق آخر له، كان بينهما خلاف فقرر أن يختبئ منه حتى يمر، لكن الصديق الآخر لم يمر إلا بعد أن أخذ الكتب "الغنيمة" التي شعر أنها جاءته من السماء.
أما إذا كنت مؤلفاً، أو تعتبر نفسك كذلك، وأصدرت كتاباً أو اثنين، صدقني لن تغضب كثيراً  عندما تجد كتبك في سور الأزبكية، لأن هذه هي نهايتها الطبيعية، لكن ما سيغضبك أكثر إذا وجدت كتبك التي أعرتها لصديق لك على الرصيف، بـ "اتنين ونص وتعالى بص".
طبعاً، الكتب التي تجدها على الرصيف بإهداء من المؤلف إلى أصدقائه لها حكاية أخرى، لكن إذا كنت مؤلفاً أيضاً، أو تعتبر نفسك كذلك، فلا تجعل الحب الزائد  "ينقح" عليك وأنت تكتب الإهداء، حتى لا تصبح "سيرتك" على كل لسان.
لكن بعيداً عن كل هذا، ماذا يفعل واحد مثلي الآن، قرر أن يتأكد من بعض النقاط في دراسة يعدها من كتب مكتبته، فلم يجد شيئاً منها، لأن أصدقاءه علاء ومحمود وفتحي وأيمن وهاني استعاروها، من هؤلاء الأشخاص أصلاً؟ لقد قاطعوني منذ فترة، بالتحديد بعد "موقعة" الاستيلاء على الكتب.
عموماً، حاول إقناع نفسك أن "المال الحلال ما بيضعش"، لكن احترازاً: لا تقرض كتبك لأصدقائك، ولا لأي أحد.

26‏/03‏/2013

وحدة


يوماً ما
أنا أيضاً سأَدفن
وربما لن يأتي أحد لزيارتي
لكنني لا أهتم, سأكون ميتة..
لكنني لست انسانة سيئة
على النقيض
أنا سعيدة
لدي العديد من الأصدقاء, وكلبان رائعان
أحياناً ..
أفكر بأنه من الجيد لو كان عندي شخص
شخص أشاركه حياتي
على سبيل المثال,
حينما نظرت إلى باريس
من على قمة ناطحة سحاب
أردت أن أقول لأحدهم : "إنها جميلة , أليس كذلك؟"
لكن,
لم يكن هناك أحد

من فيلم Paris... I love you

08‏/02‏/2013

بلد بشريطة سوده

لمدة أسبوعين، كلما فتحت التليفزيون يفاجئني الشريط الأسود في جانب الشاشة، والذي يرمز إلى حالة الحداد التي تعيشها مصر.
حالة الحداد بدأت مع حادث قطار البدرشين الذي راح ضحيته 20 مجنداً، ثم تلته عشرات الأحداث من انقلاب قطارات وسقوط بنايات وقتل متظاهرين وكأن البلد أصابها نحس عظيم. عاد الشريط الأسود ليظهر مرة أخرى مع أحداث الذكرى الثانية للثورة، والتي راح ضحيتها 9 أشخاص في السويس، ثم 30 شخصاً في بورسعيد عقب الحكم بإعدام 21 متهماً في مجزرة بورسعيد.
استمر الشريط الأسود مع استمرار الأحداث والاشتباكات والتي وصلت حتى 56 شخصاً ومئات الجرحى، لتهدأ الأمور قليلاً ثم تعود مرة أخرى مع تجدد الاشتباكات في محيط قصر الاتحادية الجمعة الماضية والتي انتهت بسحل مواطن بشكل لم يحدث في عصور الظلام.
مع استمرار الشريط الأسود لم أعد أعرف هل هو حداد على حادثة بعينها أم أنه حداد عام على الضحايا الذين يتساقطون كل يوم، أم أنه حداد على مصر التي كلما قتل فيها شخص هلل الجميع، وكأن دمه هو الذي سيزيد لأمر اشتعالا. فتزايد به المعارضة، ويصرخ به رواد الفضائيات، وتتهم به الحكومة خصومها أنهم مشعلو الفتن.
أصبحت مصر بلد "بشريطة سودة" فعلاً، في حالة حداد دائمة، بعد أن باعها الجميع في سوق الدماء من  أجل أن يحتفظ بعض سكانها بمقاعدهم في الحكم، أو من أجل أن يحصل البعض الآخر على هذه المقاعد. لكن هذه الحالة، وهذه الحالة من "الثورة" ضد نظام الإخوان تجعلنا نطرح سؤالاً: هل ستنتهي هذه المظاهرات بالفعل بإسقاط حكم الإخوان، كما أسقطت من قبل نظام مبارك؟
الحقيقة الواضحة كالشمس أن المليونيات لم تعد تمثل خطورة على النظام كما كانت من قبل. كانت مظاهرة واحدة لحركة كفاية أثناء النظام السابق كفيلة بإقلاق الحكومة ولنشر آلاف الجنود لمنع مجموعة ناشطين من الهتاف، لأن ذلك كان شيئا مستغربا، لذلك عندما تجمع مئات الآلاف في ميدان التحرير في مشهد لم تشهد مصر له مثيلا من قبل أثناء الثورة سقط النظام.
الأمر اختلف الآن، بعد أن أصبحت المليونيات والمظاهرات جزءا من حياة المصريين اليومية، فلم تعد مليونية في ميدان التحرير خبرا يثير الاندهاش كثيرا، ولم يعد اعتصام بعض العمال خبرا يستدعي القراءة، وربما يجب أن يلام الثوار على هذا، بعد أن تحول كل يوم جمعة إلى مليونية طوال فترة الحكم العسكري، ففقدت قيمتها ولم تعد تمثل عامل ضغط.
وعندما هدد المتظاهرون بالزحف إلى قصر الاتحادية يوم 11 فبراير 2011، أعلن مبارك تنحيه عن الحكم، لكن الأمر الآن أصبح مختلفا بعد أن أصبحت منطقة الاتحادية مكانا مألوفا للمظاهرات والاعتصامات، وبعد أن أصبح الأمر عاديا وغير مثير للاندهاش، وبعد أن أصبح من كانوا جزءا من "لعبة" الزحف إلى مبارك في كراسي الحكم.
ومثلما أصبح الشعب "محترف" مظاهرات، يعرف كيف يتظاهر ومتى يهتف وماذا يقول ومتى يهاجم الداخلية، تعلمت الشرطة الدرس وأصبحت تتعامل مع الأمر باحترافية أيضا، وهو ما يجعل طريقة الصدام كما حدث في جمعة الغضب بعيدة قليلا. يمكن أيضا أن نقول إن الإخوان تعلموا الدرس وفهموا اللعبة، وبالتالي فلا يمكن إسقاطهم بالطريقة التي تم إسقاط مبارك بهم.
لا يعني هذا أن حكم الإخوان غير قابل للإسقاط، بل هو  يحتاج إلى آليات أخرى للثورة مختلفة عن تلك التي تم استخدامها في 25 يناير، وعن تلك التي سقط بها نظام مبارك،  لكنها في كل الأحوال تعتمد على النفس الطويل، والإرباك المستمر للنظام الحاكم، والأهم أن يكون الجيش طرف في ذلك. فربما ما لا يريد أن يصدقه الكثيرون أن السبب الرئيس لرحيل مبارك كان إدراكه أن الجيش قد تخلى عنه، بالإضافة إلى الضغوط التي مورست عليه من قبل نائبه عمر سليمان ووزير دفاعه حسين طنطاوي.
الدرس الذي نتعلمه من ثورات الربيع العربي أن الدول التي تخلى فيها الجيش عن الرئيس، أو على الأقل وقف على الحياد، نجحت ثورتها في وقت قياسي، في حين أن الثورة السورية لازالت مستمرة رغم مرور عامين على انطلاقها بسبب وقوف الجيش إلى جانب بشار الأسد، وهو الأمر الذي إذا لم يحدث سيحول الثورة إلى دموية كما حدث في الثورة الليبية، وهو الأمر الذي لا يبدو متوافقا مع الطبيعة المصرية.
يبدو موقف الجيش من مرسي ملتبسا حتى الآن. وإذا كان  مرسي استطاع إحكام قبضته على الشرطة، مع اختيار وزير داخلية جديد موال له، فلا زال الجيش يراوح مقعده بإعلانه أنه ليس طرفاً في المعادلة السياسية، غير أن ما يجعل الجيش في الوقت الراهن يبدو بعيدا هو التجربة السيئة التي قضاها قادته إثناء الفترة الانتقالية، بالإضافة إلى قيام مرسي بقص أطراف المجلس العسكري عندما أطاح بهم في أغسطس الماضي وقيامه بتسريح معظم أعضاء المجلس وفرض قيادة جديدة للجيش، وتعيين قادة جدد في مواقع المجلس العسكري.
يبدو المشهد إذا ملتبسا، ولا تبدو نهايته قريبة مع إدراك الجميع كيف تدار اللعبة، بما فيهم الجيش الذي لن يقبل أن يكون طرفا إلا بضمانات كافية له، وربما لا يكتفي في هذه المرحلة بإدارة مرحلة انتقالية مع ضعف قيادات جبهة الإنقاذ. وهو الأمر الذي قد يؤجل نجاح الثورة الحالية إلى حين،  أقول يؤجلها لكنه لا يلغيها.، وحتى يحدث ذلك ستظل مصر بلد "بشريطة سوده".

20‏/01‏/2013

حكاية لتسلية الموتى


أرتق المحيط في حوائط  منزلي
وأجلس جوار قطي في الشرفة
نتأمل الأزرق..
الذي يمتد بلا نهاية

من يعطيني ألواناً أخرى
فأضيف قليلاً من الأسود.
من يعطيني يداً
فأنقل المد والجزر من رأسي إلى الماء.
من يعطيني قلماُ
فأكتب  the end

26‏/12‏/2012

لماذا قالت الصناديق في الصعيد "نعم" للدستور؟


تاريخيا، كانت منطقة الصعيد بعيدة تنظيميا عن جماعة الإخوان المسلمين، حيث كانت هذه المنطقة واقعة تحت سيطرة الجماعة الإسلامية، بل إن الجماعة الإسلامية تأسست في الصعيد، وينتمي كل قياداتها إلى محافظات أسيوط والمنيا وسوهاج.
في المقابل، لم تكن جماعة الإخوان المسلمين، تراهن على الصعيد كثيرا، وكانت تفضل أن تتحرك في المنطقة الآمنة لها، وهي محافظات الدلتا، وظل هذا الأمر طويلا، حتى بعد المواجهات ما بين الجماعة الإسلامية والدولة في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، والتي انتهت بالقبض على كوادر وأعضاء الجماعة الإسلامية في الصعيد، إلى أن انتهى الأمر بمبادرة وقف العنف 1997، وبدء تفعيلها مع مطلع العقد الماضي.
ما الذي تغير إذن في المشهد السياسي، ولماذا انحازت الصناديق في الصعيد إلى صف الإخوان المسلمين في الاستفتاء على الدستور، ومن قبله في الانتخابات الرئاسية في المرحلتين الأولى والثانية، ومن قبلهما في الانتخابات البرلمانية 2011؟ ولماذا أصبح الصعيد أكثر "إخوانية" من محافظة الدلتا، ذات التاريخ الإخواني العتيد؟.
ثمة من يرمي الصعيد بالجهل والتخلف والأمية السياسية، لأنه اختار هذا، وهو اتهام مرفوض، ففي كافة الأحوال يجب احترام رأي من صوتوا، غير أنه في نفس الوقت يجب أن نعرف لماذا قرر الصعيد أن يفعل هذا. توجد إجابتان هنا: هو أن التيار الإسلامي بأكمله، اختار أن يصوت لصالح الإخوان المسلمين، أيا كان موقعه من هذا التيار (سلفي، جماعة إسلامية، إخوان)، والإجابة الأخرى، أن الذين خرجوا من المعتقلات وجدوا أن الانضمام إلى جماعة الإخوان المسلمين أقل وطأة وتشددا من الانتماء لحركات راديكالية مثل الجهاد أو الجماعة الإسلامية، رغم أنها تخلت عن ذلك، أو سلفية، وهو ما يحيلنا مباشرة إلى الأزمة الحقيقية التي تعاني منها الجماعة الإسلامية في الصعيد، هو عدم وجود كوادر شبابية في الجماعة التي كانت تسيطر على هذه المحافظات، كما أن المشهد الأبرز في الانتخابات البرلمانية السابقة، كانت اكتساح جماعة الإخوان المسلمين، وحزب النور السلفي، في حين تراجعت تماما الجماعة الإسلامية، لتأتي في مؤخرة الرابحين، وبالتالي المؤثرين في الشارع.
الإجابتان السابقتان قد نخرج منهما بانتشار جماعة الإخوان في الصعيد، على حساب التيارات الإسلامية الأخرى، لأسباب عدة، لكن هذا لا محمود حسين الأمين العام لجماعة الإخوان المسلمين يرى أن الأسباب التي جعلت أهالي الصعيد يصوتون بـ"نعم"، هي أن يكون المواطن الصعيدي قد قرأ الدستور جيدًا واقتنع به، وإما ثقة فى واضعي الدستور أنفسهم والثقة فى التيار الإسلامي، غير أن السبب الأقرب للصواب، والذي لم يذكره القيادي الإخواني، هو البحث عن الاستقرار، بل إن جل من صوتوا بالإيجاب، كان هذا سببهم الرئيس، حتى محافظات الصعيد "السياحية" فعلت ذلك، وهو ما يمكن تبريره بأنها تريد الاستقرار حتى تستأنف عملها مرة أخرى، فالصعيدي الفقير الذي يبحث عن عمل في العاصمة، يعرف أنه لن يجد هذا العمل إذا لم تستقر الأمور، كمان أنه لا يجد نفسه استفاد شيئا من المظاهرات التي تشتعل في البلاد طوال عامين، ولا يمكن أن نلومه في شيء هنا،  لأنه فعليا لم تحدث الثورة في الصعيد، ولم يروا ملامحها أو تأثيرها في أي ملمح من ملامح حيواتهم.
وهذا لا يعني أن الصعيد كله إسلاميون، فهناك أقباط، وهم كثر، لماذا إذن صوت الصعيد للدستور بنعم؟
تلعب العصبية دورا مهما في الصعيد، لذا كان متوقعا أن يصوت الصعيد ب"لا" على الدستور، خاصة مع المادة الموجودة في الدستور التي تمنع اعضاء الحزب الوطني "المنحل" من العمل السياسي، لمدة 10 سنوات، وهو ما يعني حرمان عدد كبير من العائلات الكبيرة من الترشح للبرلمان، وهو ما كان يعني أن هذه العائلات ستحشد أبنائها للتصويت ب "لا". غير أن المفاجأة أن ما حدث كان العكس تماما، حيث اكتسحت "نعم" الصعيد، وهو ما يكشف عن مفاجأة جديدة، وهي تغير التركيبة المجتمعية المؤثرة في الصعيد، وإذا كان يمكن أن نرد هذا إلى وعي سياسي جديد، رافض لفكرة العصبية والقبلية، ولعودة الفلول مرة أخرى، فإنه وعي يرى البديل الإسلامي أفضل من البديل "الفلولي"، لأن ليس ثمة بدائل أخرى موجودة، كما أن الصعيد أكثر تدينا بطبعه، وأكثر ميلا للمحافظة على القيم والمبادئ والتقاليد
لست مع من يلومون على الصعيد لأنه صوت ب"نعم"، فإذا كان الإخوان والسلفيون مارسوا مع هذه المحافظات لعبتهم الأثيرة، وغازلوا فقر الناس بإنشاء مراكز صحية ومستشفيات ومعاهد ووزعوا عليهم الزيت والسكر وأنابيب البوتاجاز، لكسر جزء من حدة فقرهم، فعلى القوى المدنية أن تجيب على هذا السؤال: ماذا قدمت لهؤلاء الفقراء، أم أنها اكتفت بالتظاهر في ميادين القاهرة، والظهور في الفضائيات، دون أن تكلف نفسها بإقامة ندوات توعية أو عقد مؤتمرات، أو حتى الوصول للقرى والنجوع.
لا أبرئ أحدا، من يساوم فقر الناس بالزيت والسكر، ولا من يتهم الناس بالجهل والفقر، دون أن يفعل شيئا. الجميع مدانون، ومذنبون، لأنهم لا يتذكرون الصعيد إلا في المناسبات فقط، وما دون ذلك، فهو كم مهمل  يشار إليه بإهمال، لذا لا تلوموا الصعيد. لوموا أنفسكم.

21‏/11‏/2012

الصعيد والموت.. قصة مسلسلة


يبدو أن الموت لا يعرف أحدا في مصر إلا الصعيد، يعرف أطفال الصعيد جيدا، ونساءه ورجاله وشيوخه، يتصيدهم أينما ذهبوا، يختارهم من بين مئات الوجوه، يعرفهم بالاسم، يطاردهم من العبارات الغارقة إلى القطارات المحترقة، إلى حافلات الأطفال المدهوسة بالقطارات.
يدفع الصعيد الثمن دائما وهو الذي لم يخطئ، لم يفعل شيئا يستحق كل هذا الموت، كأنها أنشودة للفناء يرددها دائما، وهو الذي كتب صفحات الخلود على معابد الفراعنة في جل محافظاته، يدفع الصعيد ثمن إهمال الحكومة، والنظام، يدفع ثمن الفساد، والفقر.
لا يعرف الصعيد ثورة أو غيرها، فشيئا منها لم يمر على المحافظات التي تدفع الثمن يوميا، يعرف الصعيد الفقر فقط، يعرف الدم، يعرف الموت، يعرف الفناء، يعرف الصبر الذي شارف على الانتهاء لتتبعه انتفاضة كبرى لا تبقى ولا تذر.
نفتح عيوننا في الصباح لتقتلنا الخبر مجددا: "تحطم أتوبيس أطفال في مزلقان بأتوبيس، ووفاة 40 طفلا"، تعودنا على أخبار الموت التي تأتي من الصعيد، لكنهم هذه المرة من الأطفال، أي ذنب جناه هؤلاء الأطفال، حتى يموتوا بهذه الطريقة، هم لم ينتخبوا مرسي أو شفيق، لم يقوموا بثورة لإزاحة نظام، لم يأتوا بنظام آخر، لم يكفروا أحدا، ولم يقتلوا أحدا، ولم يتاجروا بدينهم ودنياهم، لا يعرفون إلا اللعب، ومستقبل لا يرونه يحدثونهم عنه، أي ذنب جناه هؤلاء الأطفال حتى يدفعوا الثمن؟
بماذا كانوا يحلمون قبل أن يموتوا، بلعبة جديدة؟ بحرف جديد سوف يتعلمونه، بحلقة جديدة من "توم وجيري"، بامتحان آخر الشهر؟ هل غنوا "بلادي بلادي لك حبي وفؤادي"؟ هل كانوا ذاهبين لتحية العلم في المدرسة؟ ماذا كانوا يريدون أن يصبحوا حينما يكبرون؟ أطباء، مهندسين، علماء، موتى؟
لم يكن هذا هو الموت الأول الذي يداهم الصعيد، فكل موت في مصر يدفع الصعيد ثمنه، الصعيد الذي يطرد أولاده في كل مكان، بحثا عن الرزق، وهربا من الفقر إلى حضن الموت، يموتون مغتربين، في حوادث القطارات، والطرق السريعة، وفي حوادث التفجير، وعلى الحدود.
قبل سنوات دفع المئات من أبناء الصعيد أرواحهم غرقا وبين أسنان أسماك القرش في حادث العبارة سالم إكسبريس،  حين غرقت بهم السفينة، وبعدها بسنوات، دفع الصعيد بالمئات من أبنائه في حادث غرق العبارة السلام 98، في كلتا الحالتين كان ذنبهم أنهم يبحثون عن رزقهم في مكان آخر، بعيدا عن بلادهم التي تضيق بهم وتضيق بالرزق، كل ذنبهم أنهم أرادوا أن يحضروا "كسوة للعيال"، ونقودا، يبنون بها بيتا يلم، أو يتزوجون بها أو يعالجون أمهاتهم المريضات.
قبل سنوات، نسي أبناء الصعيد معنى العيد والفرحة به، عندما احترق المئات منهم في قطار الصعيد، العائد من مدينة النسيان الكبرى، تلك التي تسمى القاهرة، كانوا مكدسين في القطار، يبحثون عن موضع قدم في القطار الرخيص، الذي قد يوفر لهم جنيها أو جنيهين تشترى خبزا لهم ولأولادهم وذويهم. كانوا في طريق العودة إلى قراهم الفقيرة ليقضوا فترة العيد بين أهلهم،  لكن الفرحة لم تكمل طريقها إليهم، وعم الحزن الصعيد كله، عندما احترق القطار بمن فيه.
قبل سنوات، مات عشرات من أبناء الصعيد في حادث سقوط صخرة الدويقة، حيث يسكنون في الأماكن الرخيصة، المحفوفة بالخطر، التي تكفي نقودهم القليلة بالكاد، قبل سنوات مات العشرات من أيناء الصعيد ممن يعلمون في شرم الشيخ أو دهب أو طابا في حوادث التفجير، وفي كل الحوادث السابقة، لم يقدم أحد إلى المحاكمة، ولم يشعر أبناء الصعيد أن أحدا اقتص لهم. يذهب دمهم هدرا، يدفعون الثمن على ذنوب لم يرتكبوها، كل ذنبهم أنهم يحلمون. فقط يحلمون بالخروج من خنادق الفقر والموت التي تحاصرهم. كل ذنوبهم أنهم يهربون من الفقر الذي يحاصر بلادهم، فيهرعون إلى الموت، أو يهرع الموت خلفهم. لا فرق.
هذه المرة قرر الموت أن يترك الكبار قليلا، ويحصد أرواح الأطفال، أطفال في الحضانة والسنوات الابتدائية الأولى، لا تتعدى أعمارهم العشر سنوات، استيقظوا صباحا، ارتدوا ملابس الدراسة، شربوا كوب اللبن، بعد ضغوط أمهاتهم، ابتسموا لغرفهم وألعابهم الملقاة ابتسامة أخيرة، تركوا بيوتهم للمرة الأخيرة، واتجهوا إلى الموت، الذي كان ينتظرهم عند مزلقان القطار.
استقالة رئيس هيئة السكك الحديدية لا تكفي، استقالة وزير النقل لا تكفي، فالإهمال سيستمر، والحادث ستتبعه حوادث أخرى، نحن أمام منظومة كاملة من الإهمال والفشل والتدليس والفساد، الشيء الوحيد الذي تم صناعته بإتقان هو الفساد، الفساد الذي يصبغ المستقبل بلون أسود قاتم لا نر بعده، الفساد الذي يحصد أرواح الأطفال والأبرياء بلا رحمة.
يدفع الصعيد الثمن دائما من أرواح أبنائه ورجاله والآن أطفاله، يدفعها بصبر قارب على النفاد،  ماذا يريد الموت من الصعيد. لا، ماذا تريد الحكومة من الصعيد؟

التاريخ المر
العبارة سالم إكسبريس.. الموت بين أسنان أسماك القرش
في الساعة الحادية عشرة والربع من مساء يوم 14/12/1991 وقعت الكارثة البحرية المفجعة حين اصطدمت العبارة "سالم إكسبريس" والتي ترفع علم دولة "بنما" والمملوكة لشركة "سما تورز" للملاحة بحقل للشعاب المرجانية على مسافة بضعة كيلومترات من ميناء سفاجا البحري وانشطرت إلي نصفين وغرقت وسط صياح من عليها من ركاب رغم محاولاتهم المستميتة للنجاة وسط الأمواج العاتية، أولي عمليات الإنقاذ بدأت في الساعة الثامنة صباح اليوم التالي، أي أن الركاب ظلوا في درجة حرارة مياه تصل إلي خمس درجات مئوية ليلا، تركوا أكثر من تسع ساعات كاملة معرضين للمياه الباردة والرياح العاتية مع عدم وجود أدوات إنقاذ (العبارة لم يتم إخلاؤها بالطريقة الطبيعية بنزول القوارب لكنها أحتكت بالشعاب المرجانية وتدفقت المياه داخلها ثم غرقت في أقل من ربع ساعة)، وكانت العبارة تحمل 624 راكباً، وحتى اليوم الخامس للكارثة كان المشهد الحزين يخيم على مدينة سفاجا وأكثر من 300 جثة تقبع داخل العبارة تحت المياه الباردة بين فكي القرش والباراكودا.
............................
قطار الصعيد.. الموت في العيد
تعد حادثة قطار الصعيد التي راح ضحيتها المئات من أبناء الصعيد ممن كانوا في طريق عودتهم لقضاء أجازة العيد مع ذويهم، الأسوأ من نوعها في تاريخ السكك الحديدية المصرية أي منذ أكثر من مئة وخمسين عاما. كان القطار رقم ‏832‏ المتوجه من القاهرة إلي أسوان‏، قد اندلعت النيران في إحدى عرباته الساعة في الثانية من صباح يوم 20 فبراير 2002 ، عقب مغادرته مدينة العياط عند قرية ميت القائد‏، وقال الناجون أنهم شاهدوا دخانا كثيفا ينبعث من العربة الأخيرة للقطار، ثم اندلعت النيران بها وامتدت بسرعة إلي باقي العربات الأخيرة‏، والتي كانت مكدسة بالركاب المسافرين لقضاء عطلة عيد الأضحى في مراكزهم وقراهم في الصعيد، وقام بعض الركاب بكسر النوافذ الزجاجية، وألقوا بأنفسهم خارج القطار‏ـ‏ مما تسبب في مصرعهم أو غرقهم في ترعة الإبراهيمية‏.‏ وقام قائد القطار بفصل العربات السبع الأمامية عن العربات المحترقة وواصل طريقه.
........................................
العبارة السلام 98.. الموت غرقا وحرقا واختفاء
عبارة السلام 98 هي عبارة تابعة لشركة السلام للنقل البحري، غرقت في 13 فبراير 2006 في البحر الأحمر، وهي في طريقها من ضبا المدينة السعودية العائدة من منطقة تبوك إلى سفاجا، راح ضحيتها أكثر من 1400 شخص، معظمهم من الصعيد ممن كانوا يعملون في السعودية، واشارت التقارير الأولية عن بعض الناجين من الحادثة إلى ان حريقا نشب في غرفة محرك السفينة وانتشر اللهيب بسرعة فائقة . وقال العديد من الركاب أن القبطان كان أول من غادر العبارة وأنهم شاهدوه يغادر العبارة على متن قارب صغير مع بعض معاونيه. وقد هرب وترك سفينتة والركاب مستخدما قارب صغير يسع ثلاثين شخص لوحده، وتم تداول القضية على مدى 21 جلسة طوال عامين، وتم الحكم في قضية العبارة في يوم الاحد الموافق 27 يوليو 2008، في جلسة استغرقت 15 دقيقة فقط تم تبرئة جميع المتهمين وعلى رأسهم ممدوح إسماعيل مالك العبارة ونجله عمرو الهاربان بلندن، قبل أن يتم الاستئناف.  
....................................
أتوبيس منفلوط.. الأطفال أحباب الله والموت
في صباح 17 نوفمبر 2012 استيقظ المصريون على خبر وفاة 40 طفلا في الحضانة والتعليم الابتدائي، بينهم 4 أشقاء، و3 أشقاء، كانوا في طريقهم لمدرستهم، البداية كانت مع قدوم القطار رقم 165 من أسيوط إلى القاهرة، وأمام مزلقان قرية المندرة، وحسب المعاينات الأولية، وشهود العيان نتيجة عدم وجود عامل المزلقان ويدعي سيد عبده رضوان قام سائق الاتوبيس ويدعي علي حسانين عبدالحميد بمحاولة تخطي المزلقان فاصطدم بالقطار مما نتج عنه مصرع 50 طالبا من بينهم سائق الاتوبيس ومدرستين مرافقتين وإصابة 15 آخرين.

27‏/10‏/2012

ماتريكس أم ترومان شو؟


لو تم تخيير ترومان بيرنابك، بين العالم المصطنع الذي يعيش فيه، وبين العالم الحقيقي، ماذا كان سيختار؟. الإجابة التي لا أريدها منك الآن، تشبه الإجابة عن سؤال آخر، عن الفارق بين حلم / كابوس، نحياه بالرغم منا، لكننا نعرف أننا سنستيقظ في نهايته، وبين حلم صنعناه بأنفسنا ونجاهد لنصل إلى نهايته.

اللجوء إذن، إلى فرضية أن ما نحياه كابوسا قد نستيقظ منه بعد قليل، فقط تأخر الاستيقاظ قليلا، ليست إلا بوابة للخروج من مواجهة الواقع، لكن هذه البوابة تتقاطع من جهة أخرى، مع الانتقام من الأعداء الواقعيين، باللجوء إلى قتالهم، وهزيمتهم، والتنكيل بهم، في أحلام اليقظة ليس أكثر، وليس بالضرورة أن يكون هذا دليلا على الضعف، بقدر ما هو دليل على تغير منظومة القيم، التي تجعل الإنسان السوبر مان يلجأ إلى العنف الخيالي، في عالم متسامح بطبيعته.

النوم هو بداية الحلم، لكن الموت هو نهاية الحياة، لكن الأنظمة القمعية تفضل الموتى الأحياء على طريقة فيلم ماتريكس، حين يصبح البشر مجرد بطاريات، ومن هنا فالثورة تبدو كلمة مستعصية على الفهم في عالم لا يحلم، بل يرى أن النوم موت، ويتحول فيه الموتى إلى أرقام بلا تقدير حقيقي لقيمة الإنسان الذي يموت في عبارة أو تحت صخرة جبلية، أو حتى دهسا بالمدرعات.

لم يكن فيلم  ترومان شوThe Truman Show ، للمخرج بيتر وير، والفنان جيم كاري، إذن يطرح فرضا خياليا، بل هو الواقع، الذي نلجأ إليه لنهرب من كابوس نحياه يوميا، لكن يبدو السؤال الأهم هنا، ماذا لو لم تكن الحياة "ترومان شو"، بل كانت ما طرحه فيلم  ماتريكس The Matrix للمخرجين اندي واكوسكي ولاري واكوسكي، حين يكتشف الجميع أنه مخدوع عن طريق برنامج تديره الآلة؟

الخداع هنا هو الحيلة التي نلجأ إليها جميعا، للخروج من حمى قهر الواقع، تماما كما نهرب من كابوسية الاستيقاظ، إلى حائط النوم، بحثا عن أحلام تربّت علينا، حتى لو كانت هذه الأحلام ليست أكثر من انعكاس للواقع اليومي البائس.

إذا كانت السينما، رفضت فكرة صنع عالم من الحلم، المزيف، لماذا إذن كانت العوالم الافتراضية، الحالمة في جزء كبير منها، مثل فيس بوك وتويتر، هي المهرب للكثيرين، حيث يقدم كل شخص وجها مختلفا عنه، وشخصية أخرى لا تشبهه، لكنه في الغالب كان يطمح أن يكونها، وإذا كان يرغب في ذلك، فلماذا لم يكنها بالفعل؟

في ترومان شو، يكتشف جيم كاري، أنه مجرد فأر تجارب، في عالم مصنوع بالكامل، وأن كل من حوله ممثلون، في عالم يؤدي كل من فيه دوره بإتقان شديد، وأنه ليس أكثر من ممثل في أحد برامج "عالم الواقع"، وأن هناك من يتفرج عليه، وعلى زوجته، وعلى عمله، وأن كل ما يحدث ليس إلا جزءا من عالم افتراضي، في ماتريكس يثور البشر على برنامج الآلة، بحثا عن عالم أكثر واقعية، وتحقيقا للذات؟.

البحث عن الخالق، عن الحقيقة المطلقة، وراء هذا الوهم العظيم الذي نحياه، عمن يقف خلف الذين يحركون البشر، والمصائر كعرائس الماريونيت، وهو ربما تشبه ما تعيشه مصر منذ انطلاق الثورة، وحتى الآن، حيث نفاجأ كل يوم بمصائر الأحياء تتغير، وكأنه مسرح، يغير فيه المخرج الأبطال والممثلين، في مشاهد دراماتيكية، لا يصدقها المشاهد.

الكتابة تصنع هذا في جزء منها، تتجاوز ما قبل به الذين يعرفون أنهم جزءا من تمثيلية، للتعرف على ما وراء ذلك، هل الكتابة إذن هي محاولة للتصالح مع الذات، أم مع الخالق، أم مع العالم المحيط، أم صنع عالم جديد، يخص الكاتب الوحيد. الإجابة أنها كل ذلك.

الكتابة ثورة، وربما تكون الملاحظة الأساسية، أننا أصبحنا نمتلك القدرة على الحلم بعد 25 يناير 2011، بالنسبة لي لم أكن أتذكر أحلامي قبل اندلاع الثورة، كنت أراها تهاويم، ملامح سوداء ورمادية متداخلة لا أتذكر منها شيئا بعد أن أستيقظ. بعد الثورة أصبحت الأحلام واضحة تماما، ملونة، حتى لو كان العلماء يقولون غير ذلك، أتذكرها جيدا بعد الاستيقاظ.

ماتريكس، هو عالم افتراضي سلطوي، عندما قامت الآلات ببناء كمبيوتر ضخم جداً وربطت الأجنة البشرية الموجودة بالحقول بهذا الكمبيوتر للاستفادة من البشر كمصدر بديل للطاقة، وعاشت الأجنة البشرية وكبرت، ضمن حاضنات خاصة وتم السيطرة عليها عبر ربط برنامج تفاعلي للبشر يرسم الخطوط العريضة للحياة كما هي الآن مع إمكانية تعديل العقول الموجودة في الحاضنات لهذا البرنامج التفاعلي. يطرح الأخوان واكووسكي في الفيلم عددا من الأسئلة العميقة والفلسفية حول عبودية الإنسان، وتحرره، وارتباطه بعالم تحت السيطرة الآلية، لا يمكن الثورة فيه، لأنك ترس في آلة، إن صدئت  فهناك الكثير من التروس غيرك.  

في فيلم ترومان شو، يسأل الابن ترومان، والده، أو المتحكم فيه، لماذا حبستني في العالم الوهمي منذ طفولتي حتى بلوغي؟ فيرد والده أنه لا يريد من ابنه أن يذوق طعم الألم في العالم الحقيقي، إلا أن ترومان لم يجد المنطق في كلام والده، لأن هذا هو المنطق الذي يتكلم به كل قاتلي الأحلام، وكل الأنظمة القمعية، لذا يسعى كاري إلى بلوغ النقطة الفاصلة بين العالمين، عالمه الحقيقي الذي يحلم به، والعالم القمعي الذي يحبسه فيه والده، في منطقة قرب السماء، وهو الأمر الذي يشبه تماما، ذلك المشهد الأسطوري لميدان التحرير مساء 11 فبراير 2011، في السادسة وخمس دقائق بالضبط، عندما صرخ الشعب المصري صرخة واحدة عملاقة، سمع صداها العالم كله، فرحة بنجاح ثورته، وتحقق حلمه بالانعتاق، من العالم الوهمي الذي صنعه النظام السابق، وبتكسير كل حواجز الخوف والقفز إلى مساحة جديدة من الألوان، تشبه تلك الألوان التي استخدمها كيروساوا في فيلمه "أحلام".

الثورة مرتبطة بشكل أو بآخر بالحلم، لأنها تأتي في الأساس على من افتقدوا الخيال السياسي، والقدرة على الحلم بالواقع الأفضل. الثائرون حالمون بطبيعتهم، ومن هنا يمكن القول أن هذا بعض ما يقوله فيلم الحالمون the dreamers للمخرج الإيطالي برناردو برتولوتشي، الذي يتمرد على كوابيس الماضي من أجل أحلام المستقبل،ومن أجل تحويل هذه الأحلام إلى واقع. الفيلم يتحدث عن واقع مشابه لما نعيشه، وهو  ربيع باريس عام‏1968,‏ حين حدثت ثورة الشباب علي إغلاق جامعة السوربون والمطالبة بتعديل النظم الجامعية‏..‏ ثم تطورت الأمور بانضمام العمال للطلبة وحدثت اشتباكات عنيفة بينهم وبين البوليس‏..‏ واعتصم الطلبة في السوربون ومسرح الأوديون وتحولت إلى أضخم ثورة شعبية شهدتها فرنسا منذ الحرب العالمية الثانية، وأدت إلى إصابة فرنسا كلها بالشلل التام حين عمت الإضرابات كل الخدمات العامة وارتفعت أصوات تطالب باستقالة شارل ديجول، وبغض النظر عن نتيجة هذه الثورة، إلا أن الحالمون بالتغيير كانوا هم من قادوها، ونقلوا حلمهم إلى واقع بدأ بتكسير التابوهات التاريخية.

لكن إذا كان برتولوتشي استطاع رصد تحول الحلم السياسي إلى واقع، فإن المخرج الياباني الكبير اكيرو كيروساوا استطاع أن يحول أحلامه إلى واقع، إلى شريط سينما، بل استطاع أن يحول أحلام الآخرين إلى واقع حينما استوحى لوحة حقول القمح والغربان للفنان فان جوخ في فيلمه أحلام dreams، والذي يروي فيه ثمانية من أحلامه الحقيقة، بدأها منذ كان طفلا، وحتى صار شابا.

الفيلم الذي يرصد مخاوف الفنان الميتافيزيقية، ربما كان حلما للفن بأكمله بتحويل الحلم إلى واقع، وهو ما جعل أربعة مخرجين كبار يشتركون فيه، كيروساوا (صاحب الأفلام)، وستيفان سبيلبرج المنتج، وجورج لوكاس منفذ المؤثرات الخاصة، ومارتن سكورسيزي الذي لعب دور فان جوخ في أحد الأحلام، ويروي كيروساوا أن سبب الفيلم هو أن تذكر نصاً لديستويفسكي يقول فيه: "إن الأحلام هي أفكار عميقة مخبأة في القلب، وتخرج خلال النوم في جرأة وعبقرية"، ومن مبرراته أيضا "الأحلام تعبير حسي عن الرغبة التي تخفيها في الأعماق، وفي لحظة شعرت برغبة جارفة في تسجيل أحلامي على الورق، بالضبط كنت أحس بفراغ كبير، بدأت أنهض صباحاً وأسجل بانتظام أحلام الليل، بعد عدة ساعات أعطيت ابني وفريق التصوير ما سجلته ونصحوني أن أخرج منها فيلماً، هكذا دون أن ألاحظ أن الذي كان في البداية أفكار أقرب إلى البحث العلمي أصبح سيناريو فيلم".

يذكر هذا أيضا بما فعله نجيب محفوظ في آخر أيامه، عندما كان يلجأ إلى تسجيل أحلامه في نصوص سردية بالغة العمق، في "أحلام فترة النقاهة"، لكن الأمر في فيلم كيروساوا، ومجموعة محفوظ، يتجاوز فكرة تسجيل الحلم، إلى اصطياد الرؤية.

إذا كنا ندين للثورة بأنها كسرت حاجز الخوف والصمت داخلنا، فإننا ندين لها بأنها أعادت إلينا أحلامها، ربما تروح الأحلام وتجيء حسب الدراما التي تعيشها، لكن الحلم أصبح واقعا، وأصبح ممكنا، بالرغم من المخاوف من شبح الدولة الدينية والبوليسية العسكرية.

لا أحد يمكنه قمع الحلم، فقط يبقى على الحلم أن يدفعنا إلى الأمام، أن نصبح أكثر تصالحا مع أنفسنا، وتصبح شخصيتنا واحدة، تتماس وتمتزج، الشخصية التي في الحلم هي الشخصية التي في الواقع، هي الشخصية التي على الفيس بوك وتويتر، لحظتها، لحظتها سيصبح الحلم واقعا، ونحطم عالم ماتريكس، ونخرج من رداء ترومان شو.