22‏/04‏/2014

"غياب" محمد أبوزيد دعوة لنهاية العالم

أحمد علي عكة
يقول تشارلز ديكنز "تتكون الحياة من لحظات رحيل كثيرة واحدة تلو آخرى" ، ومحمد أبوزيد يقدم في ديوانه الجديد " مقدمة في الغياب " تجربة رائعة عن فقدان الأحبة والوطن برحيله الدائم والذي لايتوقف، الغربة في هذا الديوان ليست غربة مكانية حيث اغتراب الشاعر وبعده عن وطنه بل هي غربة نفسية لفقد الشاعر الأحبة والخلان وفقدان معنى الوطن، فمن هم في الوطن يعانون من نفس الغربة والفقدان.
محمد أبو زيد الذي نشر له من قبل خمسة دواوين وديوان للأطفال ورواية، دائما مايقدم نصوصا مختلفة عما يقدم في قصيدة النثر فهو صوت شعري مميز ومختلف، القارئ والمتابع لكل ماكتبه أبوزيد سيعرف انه يعمل على مشروع أدبي متكامل وليس دواوين كل منها يعبر عن حالته فقط ، فستجد أن خطوطا عريضة تربط بين أعمال الشاعر وتشعر أن كل ديوان من دواوينه هو خطوة على الطريق تضيف لما قبلها وتمهد لما بعدها.
الرابط الأول بين أعمال الشاعر هو الفقد ففقدان الشاعر لوالدته في الرابعة من عمره له تأثير كبير على كل مايكتبه ابتداء من ديوانه الأول " ثقب في الهواء بطول قامتي " وانتهاء بديوانه الأخير " مقدمة في الغياب " ويضاف إلى فقد الأم فقد الجد والجدة، كما ستجد فقدان أيام الطفولة وقريته الصغيرة في سوهاج، ويتضح هذا في قصيدة " إلقاء تحية الصباح على الموتى " والتي يقول فيها :
قبل قرون
أخذت دراجتي
قاصداً الحدود
ودّعت قبر أمي وسرت
بكيت على قبر جدتي، ومشيت
لوّحت لقبر جدي وطرت
قلت لهم: صباح الخير
فلم يرد أحد.
وفي قصيدة " قصيدة تنتظر نهاية العالم " حالة آخرى من حالات فقد الأم فيقول فيها أبوزيد :
وأنا صغير، حلمت أن يشق الملائكة صدري. فجاءت الكائنات الفضائية ووضعت زجاجة مولوتوف مكان قلبي وأخذت أمي. طرت في الجنازة فوق رءوس المشيعين، أخطف أغطية رءوسهم لأصنع بها كفناً لي.
الرابط الثاني بين أعمال أبوزيد هو الموت والذي يتطور منظور الشاعر له من ديوان إلى آخر فكل ديوان من دواوين محمد أبوزيد يقدم الموت بشكل جديد وعلاقة مختلفة بينه وبين الموت فأحيانا يصادقه وأحيانا يواجهه وأحيانا يهرب منه، لكن ماقدمه أبو زيد من رؤية للموت كانت أكثر فلسفية عما سبق، ويظهر هذا في قصيدة " طريق ممتد بين عطارد ونبتون " يقول فيها :
في جيبي صور للموتي
الذين أحبهم
جدي وجدتي
وشخص لا أعرفه
مشيت في جنازته بالصدفة
ربما يكون أنا.
ويقول في قصيدة " عصفور يقف على الشوك ويغني: عش أنت ":
قابلت الموت ثلاث مرات من قبل
كل مرة كنت أضحك
أضربه على كتفه، وأقول:
ـ لا تنس أن تأخذ الباب في يدك وأنت خارج.
أو:
ـ عندي عمل صباح غد، سأضطر أن أستأذن
وأتركه وحيداً على الكوبري
يرتجف من البرد
أنا أكذب عليكم
في المرة الأولى كنت طفلاً
في الثانية كنت نائماً
في الثالثة كنت غريباً
لم يواجهني أبدا رجلاً لرجل
يغافلني ثم يأخذ جزءاً من جسدي
فلا أعرف ما الذي تبقى
حياً مني
أما الرابط الثالث فهو الغربة، والغربة بدأت لدى الشاعر منذ أن فقد والدته فصار غريبا في قريته التي شعر فيها بالقسوة والمرارة فكان طريقه الذي قرر أن يسير فيه إلى الآن، وهو الهروب من الغربة بالغربة فحضر للدراسة في القاهرة، وتحقيق ذاته كشاعر وتلمس خطوات البدايات،كل يوم تزداد الغربة وتتسع لتصير غربة الفقد وغربة الاحباط من العالم وغربة الوطن الذي لم يعد كما كان بل أصبح مشوشا وحزينا أكثر مماينبغي ويعبر أبوزيد عن هذا في قصيدته "مالا أستطيع تذكره " :
الآن
بعد 20 عاماً من السفر
لم أعد أشعر بالغربة
لا تحتفظ عيناي
إلا بملامح مشوشة
للوطن
بيوت وطرق
ومارة في جلابيب واسعة
لا أتذكر أسماءهم
وفي قصيدة " أوغاد مثلكم " يقول أيضا :
وقلت في السفر 3 فوائد
1ـ الوحدة
2ـ الوحدة
3 ـ الوحدة
فلا تزعجوني بضجيجكم بعد اليوم
دعوني أواصل السير على المياه
ربما أضل الطريق.
الرابط الرابع بين دواوين محمد أبوزيد هو " ميرفت عبد العزيز " في هذا الديوان ربط محمد أبوزيد بين ميرفت عبد العزيز وهو الاسم الكامل لحبيبة افتراضية دائما مايخاطبها الشاعر ويخاف عليها من الأشرار وبين الغربة فكان عنوان القصيدة الرائع " الغريب قابل ميرفت عبد العزيز " ويقول فيها أبوزيد:
بالأمس
قابلت فتاة تشبهك
تريد السفر إلى كوكب آخر
فأعطيتها تذكرتي
سرنا معاً بطول درب التبانة
نتحدث عن قارئي الكف
وجثث سائقي الحافلات المسرعة.
بالأمس
قابلت قطاراً يشبهك
له نفس الابتسامة
وأذني الطاقية في رأسه
كأنهما شارة النصر.
الرابط الخامس الذي يربط بين دواوين محمد أبو زيد هو البحث في ماهية الكتابة والصراع بين ألوان الكتابة المختلفة، وظهر هذا في الدواوين السابقة كما فعل الشاعر في ديوانه الماضي " مدهامتان " حين قدم نصوصا شعرية بين القصيدة العمودية والتفعيلة والنثر وكأنه يريد أن يقول أن النص الجيد هو الذي ينتصر دائما مهما كان نوعه ومهما كانت طريقة كتابته وعرضه، واستكمالا لهذا انتصر محمد أبوزيد في هذا الديوان لشاعريته برغم انه كتب الرواية إلا انه يدافع عن الشعر وينتصر له في قصيدة " بيان الثورة رقم صفر " والتي يقول فيها :
" في البدء كان الشعراء. الشعراء وحدهم، فقرروا أن يصنعوا العالم، مرة على شكل قلب تسيل منه المشاعر كشلال، ومرة كقصيدة عمودية تغلق بابيها على الأطفال من البرد وغبار الحرب. بعضهم تسلل بعيداً واختار السرد، فنفتهم الآلهة، حولتهم إلى قصاصين صغار، يراهم الناس في الشارع فلا يبتسمون في وجوههم، وتحذر الأمهات أطفالهن من مصيرهم الأسود إذا لم يشربوا اللبن.
كبر القصاصون وصاروا روائيين، لم ينسوا جرحهم القديم، فحوَل كل روائي قرطاسه إلى خنجر، ينظر إلى عيني الشاعر ويقول: "البقاء لله"، فيرد الشاعر "البقاء للأصلح"، ثم تذوي عينه، كلما ذوت عين ، اختفت سحابة في السماء، كلما مات شاعر نقص لون في قوس قزح."
الفكرة الرئيسية التي طرحها الشاعر في ديوانه بجانب فكرة الغياب هي فكرة نهاية العالم وظهرت هذه الفكرة بقوة في الديوان لغاية الخلاص من شرور هذا العالم، الذي يسحق البسطاء ويقهر الضعفاء ولا يرحم العجائز والأطفال، وقد أظهر أبو زيد هذا في العديد من قصائد الديوان منها قصيدة " إلقاء تحية الصباح على الموتى " ويقول فيها :
حتى وصلت إلى نهاية العالم
بدا مثل سور قصير أملس
يدفعنني كأنني كرة مضرب
خلفه هوّة بلا نهاية
لم أرغب في العودة
حيث لا صديق ولا وطن
فوقفت هناك متأملاً
ساقيّ اللذين فقدتهما
وقلبي الذي تهدم
أفكر في رد على "نهاية العالم":
ـ لماذا تأخرت؟
وقصيدة " قصيدة تنتظر نهاية العالم " ويقول فيها :
" الموت الذي انتظرته في موقف الباص تأخر ساعتين، حتى برد النسكافيه وجاء الشتاء. الموت الذي ربيته خذلني من أجل من يدفع أكثر. كنت أريد أن أموت مبكراً هذا الأسبوع. حدقتاي تتحركان مثل سمكة مجنونة في حوض، أزحزح الأهرامات من فوق صدري وأنهض، أفتح القفص الصدري مثل جناحين وأطير. من قال إن المستقبل خلفنا؟ ليس ثمة مستقبل من الأساس. وليس هناك ديناصور أيضاً."
وفي قصيدة " عودي يا هاميس.. عودي عند الفجر " يقول أبوزيد :
الآن
أتمدد على السرير في كامل ملابسي
وأنتظر أن يطفئ العالم أنواره

وفي قصيدة " حكاية لتسلية الموتى " والتي يقول فيها :
من يعطيني ألواناً أخرى
فأضيف قليلاً من الأسود
من يمنحني يداً
فأنقل المد والجزر من رأسي إلى الماء
من يعيرني قلماُ
فأكتب The end

وفي قصيدة " السماء تمطر في الخارج " والتي تقول :
في موقف الباص
انتظرت نهاية العالم
في ساحة المسجد
ـ وأنا منهمك في الدعاء ـ
ترقبت اللحظة الأخيرة
في غرفتي الصغيرة
على يساري دب تعيس
وأمامي فيلم سخيف
أنتظر تَفحُّم الكتاب في يدي.

وفي قصيدة " أعتذر فقط للأطفال، أما أنتم... " يقول الشاعر:
عندما يهوي النيزك
الذي سيدمر الأرض،
الذي ينتظره العلماء منذ سنوات
الذي يقول للمنجمين:
ـ كم كنتم صادقين
النيزك الذي سينهي الخلاف
بين امرأة وحماتها
على رائحة البصل في المطبخ
الذي سيريح عاشقاً
خذلته حبيبته
الذي سيحل أزمة أب
لا يستطيع دفع ثمن حذاء طفلته
الذي سيضع حداً لأسرى الحرب
وموتى المجاعات وأطفال الشوارع
والقصائد السخيفة


ماقدمه محمد أبوزيد في ديوانه " مقدمة في الغياب " يدل على انه شاعر مطبوع بعيدا كل البعد عن التكلف والتصنع يمتلك أدواته الشعرية جيدا من لغة وصور وأساليب تجعله مختلفا ومتفردا، كما أن قصيدة النثر عند محمد أبوزيد قصيدة شديدة الذاتية تعالج قضايا عامة تخص الانسانية بأكملها وليس الشاعر فقط ، استمتعت كثيرا بقراءة هذا الديوان كما استمتعت بكل ما كتبه محمد أبوزيد وانتظر الجديد منه دائما سواء كان الجديد ديوان شعر ينتصر فيه لشاعريته أو رواية يصالح بها الروائي بداخله.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
نشر في جريدة القاهرة

19‏/04‏/2014

عيون مفتوحة على اتساعها


في نهاية 2006 اختارت مجلة "تايم" الأمريكية شخصية العام "You"، وشرحت ذلك بقولها: "أنتَ. نعم أنت. أنت الذي تسيطر على عصر المعلومات. أهلاً بك في عالمك"، تزامن ذلك الاختيار مع الصعود الصاروخي لمواقع التواصل الاجتماعي، مثل فيس بوك، وانتشار مدوٍ للمدونات واستخدام الإنترنت وصعود نجم الصحافة الشعبية و"المواطن الصحافي"، وانتشار آلية التعليقات على مواقع الإنترنت، والتي جعلت من قامة القارئ مساوية لقامة الكاتب الكبير.
الآن، بعد 8 سنوات من عدد "تايم" ذاك، يمكن القول إن هذه كانت أكبر كذبة صحافية شهدها العالم، فـ "أنت" لم تكن فاعلاً، بل صرت مفعولاً به بجدارة، بعد أن سقطت في فخ زمن المعلوماتية، الذي يسجل كل ما تفعله ويسجله، وليس جديداً أن نعرف أن مكتبة الكونغرس تؤرشف كل يوم جميع التدوينات على موقع تويتر، غثها وسمينها.
"أنت" يمكن ببساطة أن يتم حشدك عبر صفحات فيس بوك للتحرك في الشوارع، وتحريكك كما حدث في v for vendetta بالضبط، يمكن تسجيل كل ما حولك عبر "التابلت" في جيبك، ويمكن معرفة مكانك بالضبط عن طريق الهاتف الذي تحمله في يدك.
هذه دوامة لا يجدي التحذير منها، لا مخرج منها، فمن يخرج منها سيخرج من النظام العالمي الجديد في النهاية، فالكثيرون يعرفون بالثغرات الأمنية في موقع فيس بوك، لكن لم يتوقف أحد عن التعاطي معه، الجميع يسمع بالاتهامات لـ"أبل" بتسريب بيانات عملائها للمخابرات، لكن لم يتوقف أحد عن شراء "آي فون" وآي باد". لقد تحول الأمر إلى إدمان، وخوف من الخروج من السباق.
لم يقدم سنودن خدمة للبشرية حينما كشف تنصت الاستخبارات الأمريكية على زعماء بعض الدول بمقدار ما قدم خدمة لهذه لأنظمة التي حذرها من التجسس عليها، وفي النهاية سيبقى الفرد، شخصية العام 2006، You، أنت، منتهكاً، مسروقاً، تحت رحمة هذه الأجهزة، والعيون التي تراقب.
اهتمت السينما الأمريكية بالتجسس على الآخرين، وانتهاك الخصوصية، لعل أبرز فيلم تناول ذلك كان فيلم شارون ستون الشهير "silver"، وفيلم دانيال كريغ "الفتاة ذات وشم التنين"، ناهيك عن الفيلم الأشهر في هذا المجال وهو "المحادثة" (1974)، غير أن هذه الأفلام تحدثت عن اختراق شخص لخصوصية شخص آخر، ولم تتحدث عن اختراق المنظمات لخصوصية الأفراد، بعد أن تجاوز الأمر مجرد كاميرا مزروعة في شاع أو غرفة نوم أو تنصت على مكالمة هاتفية، غير أن السؤال الأهم طرحه المخرج البولندي كريستوف كيشلوفسكي، في فيلم أحد أفلام ثلاثيته الشهيرة "الأحمر" عندما سألت بطلة الفيلم رجلاً يتجسس على جيرانه ليقوّمهم: "هل تظن نفسك إلهاً؟".
الإجابة عن هذا السؤال يقدمها العصر الراهن بعد أن اعتبر البعض أنفسهم يتجاوزون دور الآلهة، بعد أن صار العديد من أجهزة استخبارات ودول ومنظمات وشركات عابرة للقارات، تسعى للسيطرة على العالم، وبعد أن استغنت عن عمل الجواسيس والاستطلاعات السرية بامتلاك المعلومات.
يظن الكثيرون أنهم لا يعنون أجهزة الاستخبارات في شيء، لكن الحقيقة أنهم جزء من منظومة تكون رأياً عاماً، تكون صورة واضحة لجزء كبير من مكان، أنهم تفصيل ضمن تفاصيل كثيرة إذا تجاورت أصبحت الصورة كاملة.
"أنت" لم تعد منذ الآن تملك جهازك المحمول ولا حسابك على تويتر وإنستغرام، بل صار هو من يملكك، لأن جهاز الأندرويد يعرف أين ذهبت من خرائط غوغل، وحسابك في إنستغرام يعرف الصور التي التقطتها ومن هم أصدقاؤك، وحسابك على فيس بوك يعرف أي الصفحات تفضل وحسابك على تويتر يعرف حالتك المزاجية، وحسابك على لنكدإن يعرف تاريخك الوظيفي، وحسابك على "جي ميل" يعرف مراسلاتك السرية، وصفحتك على غوغل تعرف عن أي الأشياء تبحث وماذا تخبئ، وحسابك على غوغل درايف يملك مستنداتك السرية، وهاتفك يملك قائمة اتصالاتك، وحتى متصفحك على كومبيوترك الخاص يعرف كل ما تفعله على كومبيوترك، وأنت لا تستطيع الفكاك من كل هذا، لا تستطيع التخلي عن هاتفك لساعة واحدة، فماذا يملك إذن من يملك كل هذا؟ يملكك.
الكومبيوتر الذي كان مرسوماً على غلاف المجلة الأمريكية نهاية 2006، لم يلبث أن تعددت شاشاته، ليصبح "لاب توب"، و"تابلت"، و"تليفون محمول"، و"جهاز ألعاب أون لاين"، و"تلفزيون متصل بالإنترنت"، وأخيراً "غوغل غلاس"، ولا زلنا في انتظار "غير ووتش"، وغيرها ممن يجمع كل حركات وسكنات من يستخدمها.

لم يعد من يستخدم هذا الكومبيوتر هو شخصية العام، بعد أن سقط في عبودية زمن المعلومات، وأصبح مجرد رقم في منظومة كبيرة، تتعامل مع الملايين، تجمع البيانات، وتحلل، تقوم بعمل الجواسيس القدامى، لكن هذه المرة من مكان بعيد، من خلف الكومبيوتر الضخم، حيث الصوت العميق القادم من "الأخ الكبير"، الآمر الناهي الساخر العالم ببواطن الأمور، المفتوحة عيناه على اتساعهما، شخصية العام، وكل عام.

16‏/04‏/2014

مستويات القصيدة والغربة في ديوان "مقدمة في الغياب"

مجدى عبد الرحيم
محمد أبو زيد شاعر ماهر  ينحت  قصيدته ببراعة واقتدار، ودربة بمكنونها وجوهرها وأبعادها النفسية والبصرية والحسية ، فيمنحك قصيدة تكاد تشعر بمفرداتها تتأوه بين يديك وتستعذب أنينها ووجعها وألمها، ويقدم لك أبيات رائقة صافية عذبة نقية مورقة بلا تصنع أو تكلف أو تعالٍ، وعلى الرغم من  غوصه بك في منافى الغربة والوحدة والفراق والشجن فهو يهبك الحياة والخضرة والماء الرقراق والنبع الفياض.
قصيدته مراوغة مناورة لا تمنحك نفسها بسهولة ويسر فهي تحتاج منك إلى إعادة القراءة المرة تلو الأخرى حتى تتكشف لك مكنوناتها وتمنحك مفاتيح عوالمها  ودروبها وما خفي من دهاليز أبياتها وسراديب مفرداتها وأعتاب غموض حروفها.
قصيدة أبوزيد  مؤلمة حزينة داهشة مدهشة تتسلل إلى جوانح النفس البشرية وخفايا الروح فتعريها وتفضحها وتحرضها على واقعها المرير .
والمتتبع لرحلة أبو زيد الإبداعية، بداية من ديوان "ثقب في الهواء بطول قامتي"، مروراً بأعماله "قوم جلوس حولهم ماء"، " نعناعة مريم" ،" مديح الغابة"، "طاعون يضع ساقا فوق الأخرى وينظر للسماء"، ورواية "أثر النبي"،  و"مدهاماتان"،  يلحظ  أننا أمام مبدع واع يملك أدواته الفنية ولديه لغة رائعة معبرة ومفردات تخصه وتميزه تجعله يقبض على اللحظة الشعرية بمقدرة، فهو لا يكتب قصيدته لمجرد الكتابة أو إفراغ شحنة حماسية  فقط، بل إننا أمام شاعر لدية مشروع  ومنجز إبداعي يعكف على إتمامه لا يحيد عنه قيد أنملة.
وفى ديوانه الصادر حديثاً عن دار شرقيات بعنوان "مقدمة في الغياب" يقدم لنا تجربة الغربة بكل أبعادها ومشاعرها وأحاسيسها  كأنها أمر حتمي ملازم للإنسان أينما استقر، غربة داخل حدود الوطن يحياها بين الأهل والأحباب والأصدقاء وغربة أشد قسوة  بعيداً عن الوطن وعن كل مسببات الفقد والوجع، فتشعر أن الذات الشاعرة تتحسر حتى على ما كان يزيد من عذابها في القرب بين جنبات وأحضان أرض المهد وهوائها ومائها  وكل ما عاشه من ذكريات البدايات.
أغلب قصائد أبوزيد لها خصوصية فهو يكتب نفسه، لا يقلد أحداً وهناك سمات بارزة في شعره منها الصدق والإخلاص والبساطة والبراءة والعمق والسذاجة والطيبة والأحاسيس والمشاعر الفياضة والمفارقة الداهشة المدهشة في نهايات القصائد والحكمة والسخرية المريرة الموجعة التي تجعلك تضحك من فرط البكاء، وما يميز الديوان استخدام تقنية التكثيف بصورة لافتة للنظر فلا حشو ولا عبارات مجانية  مستهلكة لا تفيد الهدف.
الديوان يحوى أربعة أقسام هي: كهلٌ يسير إلى الحافة، لاي ؤنس الغريب غير ذاكرت ، من يتذكر الغائب؟ ، من يعرف ماذا يفعل الآن؟، اسمي محمد أبو زيد.
أولى قصائد الديوان بعنوان "ما لا أستطيع تذكره" يقول: بعد 20 عاماً من السفر/ لم أعد أشعر بالغربة/ لا تحتفظ عيناي/ إلا بملامح مشوشة للوطن، هكذا يضعنا في داخل الحالة مباشرة فهو لا يتوانى أن يلقى بنا في خضم الأحداث  منذ البداية، ويقول: أسير في شوارع لا أعرفها/ مثل ماكينة تتحرك في المصنع/ وتُسقِط الصدأ/ لا مشاعر في صدري/ لا أغنية تهز لسان المزمار، تأمل الوصف الغريب بماكينة صامتة بلا مشاعر، ويقول: حتى في اللحظة التي/ أمطرت السماء جليداً/ لم أكتب قصيدة جديدة كما تمنيت صغيراً / وضعت الثلج في فمي/ كي لا يسمع أحد أنفاسي / خلعت قميصي/ وسرت صامتاً، يا لروعة الكلمات المنسابة في رقة ووجع ودهشة.
وفى قصيدة "7 حي السفارات" يقول: المباني القصيرة الواسعة/ في الزمالك وجاردن سيتي/ التي ترفرف أمامها أعلام بألوان غريبة/ التي كنت أعتقد/ أن بداخلها/ أناساً يصنعون الشاي/ ويعدون أرجل النمل،/ الآن فقط../ أعرف معنى لون جدرانها/ وملمس حيطانها الباردة/ والروائح المنبعثة من داخلها/ رغم أن أحداً/ لم يدعني لشرب الشاي/ أو للاستفادة من خبرتي/ في علم الجبر. قصيدة مراوغة توحى بالكثير مكثفة ومختزلة تكاد تفضح عالمنا وواقعنا بما أوحت إليه ولم تصرح به، وفى قصيدة "ما يتركه الأرق على جلدي" يقول: خلف هذا الحائط/ توجد عائلة سعيدة/ تصلني قهقهاتهم بالليل/ وهم يشاهدون مسرحية/ أتمدد أمامها على الكنبة/ والكآبة تُجعّد وجهي/ يلاعبون أطفالهم/ فيما أحرق أصابعي/في طاسة المكرونة الساخنة/ لا أفهم ما يقولون/ لكن سعادتهم تُحرّك / ستارة النافذة، يصل الشاعر إلى هدفه من أقصر الطرق فلا زيادة ولا حشو في النص ويستطيع أن ينقلك إلى إحساس الوحدة التي تحياها الذات الشاعرة المغتربة وحولها الناس سعداء، وتأمل المفارقة الداهشة في نهاية النص حين تحرك السعادة الستارة، وفى قصيدة "الصمت" يقول: على المقهى/ تجلس لهجات كثيرة/ تتشبث بمقاعدها جيداً/ حتى لا تسقط/ ثلاث لهجات جلست على الكنبة/ المطلية بالأصفر في المدخل/ تدفع كل منها الأخرى/ لتأخذ حيزاً أكبر/ أقدم القهوة للجميع/ دون أن أنطق، هنا ملمح من السخرية على واقعنا الأليم من فرقة واختلاف أصاب كبد الحقيقة .
ومن أمتع قصائد الديوان قصيدة "كتاب الأجنبي" يقول: الأجنبي / يطفئ الأنوار/ يضع القلوب المنهكة أماكنها/ ويوصد عليها بإحكام/ يختار الملابس، يقرأ الأوراق / يحبس الذكرى في الدولاب / يرسل عينيه تودعان كل التفاصيل الصغيرة/ في المطار/ يشد الباب خلفه جيداً، والأجنبي هنا ليس الشخص القادم من الغرب كما هو متعارف عليه، بل هو كل شخص مغترب ترك بلده من أجل لقمة العيش، ويقول أيضاً: الأجنبي / يتعرف إلى غربته/ في صالة المطار/ بين الألسنة المختلفة والوجوه الملونة/ حين يصبح كل ما فعل طوال عمره/ مجرد حقيبة، ورقم رحلة/ صالة انتظار وميعاد وصول، فتأمل وصف الشاعر أحواله وحركاته وسكناته ببراعة ودقة متناهية وكيف يكون يقظاً في كل تصرفاته حتى لا يقع تحت طائلة قانون البشر، كما يقول: الأجنبي / لا يعرف الحب/ يعرف النظرات العابرة/ وحكمة الميت/ الذي يتفرج على العلاقات / مثل طفل في متجر ألعاب كبير، ما أروع التشبيه ودقته ودلالته، ويقول: الأجنبي/ لا يأكل إلا ما يعرف/ لأنه لا يأمن جهله/ لا يصدق إلا معدته / التي تخذله / طوال الوقت، الأجنبي / صديق نادل المقهى/ صاحب الدراي كلين/ عاملة مطعم الوجبات السريعة، أجاد الشاعر وصف حال كل مغترب ببراعة ثم تتوالى الابيات فيقول: الأجنبي أصلاً / بلا أصدقاء/ الأجنبي / لا يتكلم كثيراً/ الأجنبي / لا يتحدث / إلا مع سائقي التاكسي/ يربط الحزام/ ويسند رأسه إلى الوراء/ ينصت إلى كلام لا يفهمه ، ويقول : الأجنبي/ يعرف قيمة "سكايب" متأخراً، حقا لقد أصبح العالم الافتراضي وما به من تكنولوجيا الاتصالات هو ما يربطنا بمن نعرف ومن نحب، وبل وأصبح التصاقنا بتلك الآلات أقوى وأهم من البشر.
وفى قصيدة "مثل ليمونة في بلد مصابة بالقرف" يقول: يضع القصيدة في جيب الحقيبة، ويقول: ـ نويت أسافر إن شاء الله/ في المطار يكتشف أنه نسي الحقيبة/ في غرفة الفندق لا يجد وجهه/ في الشارع يفقد صوته/ في الأيام التالية يصبح أرقاً يتحرك في الليل/ لا يرغب فيه أحد، الشاعر ينجح فى تكثيف ظاهرة الاغتراب والشعور بالمرارة والوجع ، وفى قصيدة " قبل أن تحط الطائرة" يقول : صوت الطائرات المارقة/ جوار شرفتي/ يذكرني بغربتي/ وبإصلاح الكالون التالف/ لكنني لا أجيد الكلام/ أسأل نفسي:/ ـ ماذا أقول للبائع؟/ كيف أشير له إلى ما أريد؟، رغم بساطة الكلمات إلا أنها تتميز بالعمق والوجع والإحساس بالوحدة القاتلة، ويقول أيضاً: بعد أيام يصبح الصوت أكثر ألفة/ مثل صوت قطار/ كان يمر جوار قريتي/ فيهزها/ كأنه يهدهد طفلاً في سريره/ مثل صوت وابور الطحين/ الذي يضحك من العامل/ الغارق في غبار الدقيق، سخرية مريرة من واقع مؤلم، ويضيف قائلاً: مع الوقت/ أتسلى بالنظر إلى الطائرات القريبة/ ومقارنة ألوانها المختلفة/ أحدق في نوافذها البعيدة جيداً/ علّي ألمح/ أحداً أعرفه، وهنا تكمن المفارقة مع اعتياد الغربة وانتظار سراب يعرف جيداً أنه لن يأتي، وفى قصيدة "طريق العودة" يقول: أجمل الطرق../ طريق المطار/ وأنت تحاول أن تحتفظ في عينيك/ بلقطة أخيرة للمدينة/ لو كانت عيناك كاميرا/ لصورت اللحظة الأخيرة للحياة،/ قبل أن تدخل صالة المغادرة/ لو كان بإمكانك اصطحاب الطريق/ لوضعته في الصالون/ ليتفرج عليه جيرانك/ وتحكي لأحفادك بعد سنوات/ أنك مررت من هنا/ وتصف للعائدين الطريق/ ثم تُطرق:/ ـ امممم.. الغربة تغيرت كثيراً، ما أروع الوصف، كأنك أمام صورة مشهدية لعين خبيرة مدربة على التقاط  أدق تفاصيل اللحظة .
وفى قصيدة "قصيدة تنتظر نهاية العالم" وهى مقسمة إلى عشر مقاطع منها: لم أعد أذكر متى استيقظت/ وحيداً مثل كلب ضال/  ببنطلون واحد ممزق/ وحقيبة كتف متسخة تخزن ذكرياتي/ وسحابة بوجه مومياء تظللني/ وديناصور أمتطيه إلى العمل، هكذا تسير القصيدة ضائعة شريدة غريبة، ويقول أيضاً: في عيد الأم أرسم قصيدة/ وفي يوم اليتيم أكتب لوحة/ وهكذا تسير الحياة/ مرتبكة مثل حب المراهقين/ أعد خسائري وأنا أنظف المنزل/ أزيحها جانباً وأواصل طريقي، رغم قسوة الكلمات وسخونتها لا نملك إلا التفاعل معها، ويقو: يمتلك أصدقائي ذكريات كثيرة يحكونها لمقاعد المقهي/ لكنني مثل الحوائط أفضل الاستماع/ فقط أراقب الجير يتساقط مني/ أخبئ سري: أنني بلا ذكريات ، اللغة جذابة والشاعر يعزف على أوتار غربتنا بصدق يمتلك القلوب ويتغلغل فى خفايا الروح والنفس البشرية.
جميع قصائد الديوان تستحق التوقف أمامها كثيرا ومنها  قصيدة "قبل 4 مايو 1980 بالتحديد" التى يتحدث فيها عن نفسه قائلاً: قبل 1980/ لم يكن هناك شيء اسمه محمد أبو زيد/ لكن كان مارلون براندو يبتسم/ ويسلم على الناس في الشارع/ ويختتمها قائلاً: قبل 1980/ كانت الحياة أجمل، قصيدة تتميز بالمكاشفة  والصدق الفنى والنفسى، وهناك الكثير من القصائد منها قصيدة "أسطورة القطط والحمير" وقصيدة "بيان الثورة رقم صفر" التى ينحاز فيها إلى الشعراء وربما أغضبت منه كتاب الرواية، وقصيدة "غريق ينظر للسحابة "وقصيدة "القصيدة العارية" وقصيدة "قبل الموت" وقصيدة "الحقيقة" التى يقول فيها: أنا لست محمد أبو زيد/ أقصد لست ذلك الشاعر الذي قرأتم له من قبل/  وابتسمتم أو شتمتم،  وفى قصيدة "ضحكة ساخرة لا تخرج إلا من ميت" يقول: أضع القلم في الثلاجة، والأوراق على البوتاجاز/ وأقول: ما الذي يريد أن يقوله محمد أبو زيد هذه المرة.
وفى آخر قصائد الديوان والتى يبدو عنوانها طويلاً جداً لكنه معبر "تجرحني الضحكة فتتناثر دمائي على أفواهكم المفتوحة أمامي" يقول: أكتب قصيدتي الأخيرة/ وأنا مستغرق تماماً/ غير آبه بالعالم الذي يشتعل في الخارج بالحرب/ عند آخر حرف سأتنهد/ تنهيدة تحدث شرخاً في الجبال/ وتفزع الطيور/ وتسقط البحارة من أعلى السفينة/ للماء/ أتمشى بعدها قليلاً/ والوردة تنام خلف أذني/ كقلم نجار ماهر/ غير عابئ بأوراق القصيدة/ التي تطايرت في الريح .
وفى نهاية الرحلة مع ديوان "مقدمة فى الغياب" لمحمد أبو زيد نقول إنه ديوان الحالة والصدق والشفافية والإبحار مع الذات المغتربة فى عالم زائف أحداثه متلاحقة متواصلة تقسو كثيراً وتعطف قليلاً كما عبرت قصائد الديوان.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
نشر في جريدة التحرير

15‏/04‏/2014

لو كان حياً؟

ماذا كان سيفعل أمل دنقل لو كان حياً إلى الآن؟ سيكون في طليعة الزاحفين إلى ميدان التحرير يوم 25 يناير 2011، وربما يكتب كعكة حجرية ثانية،  سيدخل السجن مرتين، مرة في عصر مبارك ومرة في عصر الإخوان، سينضم لحركة كفاية وينتقد تخبط جبهة الإنقاذ، وينضم لحركة تمرد، سينشئ حساباً على تويتر، ويكتب قصائد هايكو يغرد بها لمتابعيه، كان يمكن أن تلقاه في أي من مقاهي وسط البلد إذا مرت قدمك من أمام الندوة الثقافية أو سوق الحميدية أو زهرة البستان، لكنه سيهجر "ريش" لأنها لم تعد كما كانت، وربما كان سيرفض التعاقد من "الشروق"، مفضلاً أن يطبع كتبه طبعات شعبية مع دار نشر شابة.
لو كان أمل دنقل حياً الآن، لكان في طليعة شعراء قصيدة النثر. لماذا؟ لأن أمل دنقل شاعر ثائر بطبعه، لا أقصد بالثورة هنا قصائده السياسية التي حبسته أجيال السبعينيات فيها، لكن أقصد بذلك الثورة على جماليات الشعر، على شكل القصيدة، على التعاطي مع التراث، ومع التفاصيل البسيطة في دواوينه، هذه الثورة الموجودة في تكوينه الفكري هي التي ستجعله يثور على شكل القصيدة التقليدي (التفعيلة) وينحاز لقصيدة النثر.
أرفض حبس أمل دنقل في قصائد"لا تصالح" و"الكعكة الحجرية" و"البكاء بين يدي زرقاء اليمامة"، والتي لا يذكر البعض اسمه إلا مقترناً به، بالنسبة لي فهذه النصوص لا تعبر عن شاعرية أمل دنقل، وإن كنت لا أقلل منها، لكني أرى أنه من الظلم أن يظل طوال الوقت محبوساً في بوتقة الشاعر القومي العروبي، فبإعادة قراءة تجربته الشعرية، ولا سيما ديوانه الأخير "أوراق الغرفة 8"، نجد أن تجاوز ما يمكن تسميته بشعرية الستينيات والسبعينيات إلى براح السرد، والتعامل بجمالية فائقة مع ما تبقى من القافية في قصيدته، وإعادة قراءة التراث الشعري والنثري والديني وتقديمه شعرياً بشكل مختلف، ومبهر، واهتمامه بشعرية التفاصيل الصغيرة.

لا نغادر الحقيقة إذا قلنا أن بذور قصيدة النثر، باعتبارها شكلاً متطوراً لقصيدة التفعيلة، كانت موجودة في قصيدة أمل دنقل، وهو بهذا فقط سبق شعراء قصيدة النثر والتفعيلة معاً، والدليل أنه حاضر بقوة في وجدان من يكتب النوعين حتى الآن، كعلامة بارزة على تغير نوعي ومؤثر في شكل القصيدة العربية.

كأننا روحان حللنا بدناً

"سأختار قارئتي امرأة فاتنة، تجيء ماشية ببطء إلى قصائدي، في لحظات النهار الأشد وحدة، قبل أن تغادر البيت، وستكون قد استحمت، وسيكون شعرها مبللاً عند العنق، وستأتي مرتدية معطفها الواقي من المطر، وسيكون المعطف قديماً ومتسخاً، لأنها لا تملك ما يكفي من المال، لكي تضعه في المصبغة، هناك في المكتبة، ستنزع نظارتها الطبية، حتى تجد أحد كتبي، ثم ستعيده إلى مكانه على الرف، قائلة لنفسها: بهذا المبلغ من المال، أستطيع غسل معطفي، وهذا ما ستقوم به".
هذه قصيدة للشاعر الأمريكي تيد كوزر، ذكرتها في المقدمة، لأنني أعتقد أنها تلخص فكرة قصيدة الذات في ظني. والتي تقوم على عقد بين شاعر وقارئ يشبهه، مثل تلك القارئة التي تحدث عنها كوزر.
لا يكتب إذن الشاعر نفسه، بل يكتب قارئه، ولا يكتب شاعر "قصيدة الذات" القصيدة لنفسه، بل يكتبها للآخرين، الذين يشبهونه، الذين ملوا مثله من الشعر المغلق، وبحثوا عن قصائد تصف مشاعرهم، وربما يكون هذا الموضع مهماً للحديث عن أن قصيدة الذات لا تتحدث عن ذات الشاعر فحسب، بل عن ذاته التي تتقاطع مع ذوات الآخرين.
لم أدرك هذا  المعنى، ولم أصل إليه مبكراً، ولا أعتقد أنه نهاية العالم، فكل شيء قابل للتطور والتغيير، لكن ما أذكره أنني في خريف 1990، كتبت قصيدتي الأولى. كانت أقرب ما تكون إلى مرثية لوالدتي التي توفيت في حادثة، وكنت في القصيدة التي أذكرها إلى الآن أتحدث عن ذات ومشاعر الطفل داخلي في ذلك الوقت.
كانت قصيدة سيئة لا ريب بمقاييس الشعر العادية وغير العادية، مجرد كلام مرصوص له ما يمكن نسميته تجاوزاً قافية، لكن كان من كتبها طفل في الصف الرابع الإبتدائي، وجد طريقة ليقول لأمه من خلالها إنه يفتقدها بعد 5 سنوات من رحيلها، لكن القصيدة كانت بالنسبة لذلك الطفل طريقة استطاع من خلالها فيما بعد أن يقول الكثير مما لا يستطيع الحديث عنه.
كانت التجارب الشعرية التي أقرؤها في ذلك الوقت، يمكن تلخيصها في القصائد الموجودة في الكتب التراثية والتاريخية التي تضمها مكتبة خالي، ومعظمها ينتمي لشعراء العصور العباسية والأموية وصدر الإسلام والجاهلية، أما أحدث القصائد، فكانت تتوقف عند محمود سامي البارودي وأحمد شوقي، وهو ما يعني أن كل القصائد جعلت من القافية والوزن  شرطاً أساسياً لشاعريتها، ومن المديح والهجاء والغزل والوصف والفخر موضوعاً لها.
كنت أستغرب وقتها كيف يمكن لشاعر أن يكتب قصيدة ليمدح خليفة، أو شخصاً لا يعرفه، أويصف ناقة في الصحراء، فيما ذاته غائبة عن ذلك تماماً، طبعاً يمكن تفسير ذلك بقوة الشاعرية وتحليق الخيال. وطبعاً كانت تلك الأسئلة قد أجيب عنها من زمن ولم أكن أعلم ذلك. حين انتقلت للدراسة في المرحلة الإعدادية في مدينة مجاورة، فتح أمامي أستاذي الشاعر بهاء الدين رمضان، الذي صار صديقاً أفتخر وأعتز به، عالماً آخر من الشعر، وجدت أنه يستوعب طاقة شعرية أكبر، ويسمح للذات بالخروج والحديث أكثر. كان ذلك عالم قصيدة التفعيلة ثم النثر، ومن خلاله تعرفت على عوالم شعراء آخرين، جدد.
كان الأستاذ بهاء وقتها يدرس لي مادة الأدب والنصوص، وكان يشرح لنا في الحصة قصائد عنترة بن شداد وعمرو بن كلثوم والنابغة الذبياني، والشعر الأندلسي، وبعد أن تنتهي الحصة، بحدثني عن القصيدة الجديدة، التفعيلة والنثر، وأزوره  في منزله ليعطيني دواوين لشعراء من جيل الثمانينيات والتسعينيات، فبدأت كتابة قصيدة التفعيلة.
كان عالماً مختلفاً، وكتابة مختلفة وجدت أنها تشبهني، وأدين للأستاذ بهاء حتى الآن بأنه دلني على الطريق. بعد أن انتقلت للقاهرة، وشعرت بتضاؤل ذاتي وسط ذوات الآخرين الكثيرة، شعرت بأنني هش في ماكينة عملاقة، بلا شيء يحميني، كانت قصيدة النثر التي ترادف قصيدة الذات بالنسبة للتجربة في ذلك الوقت، قصيدة النثر هي الحماية الحقيقة لي، قصيدة الذات هي التي تجعلني أستطيع أن أقف وأقول للبنايات العالية المحملقة في، وفي زحام المترو والحافلة: ها أنا ذا، كانت قصيدة الذات، هي بمثابة حبل الإنقاذ، قبل أن أتحول إلى لاشيء، تدهسني المدينة مثلما تفعل مع الكثيرين كل يوم.
يمكن القول، أنني بدأت البحث عن القصيدة التي تمثلني، القصيدة التي تشبهني، قرأت عشرات بل مئات التجارب، المصرية والعربية والمترجمة، للإجابة عن سؤال القصيدة. و ما هي القصيدة، من أين تنبع الشاعرية؟ وربما كانت الإجابة في كلمة واحدة، أقرب إلى من حبل الوريد: الذات
ثمة أشياء هنا لا بد من التنويه إليها، أولها أن الكتابة عن الذات، كما أتخيلها، لا تعني الانكباب على النفس، وكتابة جملة مغلقة، لا يفهمها حتى من يكتبها، بل هي الانفتاح على الآخر، حيث الهم الممتد بطول وعرض الكرة الأرضية، الألم الذي ألمسه في صدر طفل في غابات أفريقيا، وأرملة في فيضان الهند، وعجوز في إعصار الفلبين. الألم الذي يجمعنا كلنا. هو الذات. الذات المفردة بصيغة الجمع.
الوصول إلى هذا المعني يعني المرور بتجارب أخرين، ولعلى هنا أستحضر ما ذكره الشاعر الأمريكي تشارلز سيميك، حينما ذكر أنه بدأ كتابة الشعر "حين رأيت أن الفتيات الجميلات ينجذبن إلى الفتيان الذين يكتبون لهن القصائد الحزينة"، لكن مع الزمن تبدلت أسباب الكتابة لديه، فيقول في أحد حواراته ويعدد ذكر أسماء الشعراء المعاصرين الذين تأثر بهم في بداية حياته الشعرية من أمثال إليوت وباوند، إن الشاعر الذي وجد علاقة خاصة به في بداية حياته الشعرية كان هارت كراين، وذلك بسبب الغموض في شعره، ويوضح "شعرت أن هذا الشعر العصي تماماً على الفهم هو شكل أرقى من الشعر"، وبدأ وقتذاك يقلد كراين "مستعيناً بكل الألفاظ الصعبة  الممكنة من قاموس المترادفات حتى أصل إلى مرحلة لا يمكن لأحد، بما فيهم أنا، فهم شيء من القصيدة". لكنه يضيف: "الحمد لله أن هذه القصائد لم تعد موجودة".
سيميك الذي أصدر أكثر من 20 مجموعة شعرية، تتميز بالبساطة والوضوح والعمق، وصل إلى هذه القناعة بعد تجربة الغموض، لتدور قصائده في النهاية حول الذات، وحول التفاصيل الصغيرة حولنا التي قد لا تلفت نظر أحد، مثل الشوكة، والملعقة، لكن تجربته التي ذكرها سابقاً، ريما تشبه تجربة القصيدة المصرية، التي بدأت عمودية، ثم تفعيلة، ثم مرت بمرحلة الغموض الملغز في بعض الأحيان، مع بعض شعراء السبعينات، ثم لتنفتح على العالم وعلى ذاتها في الأجيال التالية.
الشيء الثاني الذي أود التنويه إليه، هو إن الأمر لا يعتمد فقط في قصيدة الذات على كتابة قصيدة ذاتيه، بل على استحضار صوراً شعرية خاصة بتلك الذات، وهنا أستحضر مقولة الشاعر الأمريكي إيه آر أمونيز "كان ذلك حين توفي أخي الذي يصغرني بسنتين ونصف، ولم يكن تجاوز السنة ونصف السنة، وجدت أمي بعد أيام قليلة من موته آثار قدميه في الباحة، وحاولت بناء شيء حولها لتقيها هبوب الريح، تلك هي الصورة الشعرية الأقوى التي عرفتها"، فحتى الصورة الشعرية تخلت عن رداءها القديم ولم تعد تشبيه الحبيبة القمر، والأعين بأعين الغزلان، الصورة هنا هي ذاتك، أو انعكاس ذاتك على الأشياء التي تحيط بك، هي التي تمس قلب قارئك الذي لا تعرف أين هو الآن، وتجعله يشعر أن هذا حدث له وأنه رآه.

الشي الثالث الذي أود التنويه إليه، هو أن قصيدة الذات كان من الضروري أن تصعد مع صعود ذات الفرد في العصر الرقمي الذي نعيشه، ، وهو الأمر الذي دفع مجلة "جارديان" البريطانية لأن تختار شخصية العام  قبل سنوات "you" وتقصد بها الفرد المواطن العادي..
فمع دخول عصر الفرد وبعد أن أصبح حاضراً في كل تفاصيل الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية، وأعني به، مع انتشار الإنترنت، بداية من عصر التدوين والصحفي الشعبي وانتهاء بمواقع التواصل الاجتماعي، والمواقع التي تتيح للقراء العاديين التعبير عن ذاتهم والكتابة، وإمكانية تعليق القارئ على قصيدة أو قصة ومعارضتها ـ لو استخدمنا المصطلح التراثي ـ في نفس الوقت،  هذا التواجد المكثف كسر جزءاً من الهالات المقدسة للأشياء، ليس فقط في عالم السياسة، الذي جعل الأفراد للقيام بثورات شعبية أطاحت بديكتاتوريات ظن بعضها أنه خالد فيها، بل انعكس على التواصل والكتابة، وعزز من مفهوم الذات بشكل أكبر، وساهم في انتشار الكتاب الجدد، بكتابتهم الجديدة، وأصبحت الذوات أكثر قرباً وتشابهاً،  ورغم البون الشاسع بين بعض هذه العوالم على مواقع التواصل الاجتماعي، وخصوصاً فيس بوك، إلا أن الأمر يبدو جديراً بالدراسة والمتابعة، وهو ما حول محمود درويش في النهاية لشاعر شعبي، ولا سيما بعض قصائده التي يمكن اعتبارها قصائد ذات، وجعل شعراء آخرين يكتبوت ذواتهم نجوماً لدى فئة لم يكن متخيلاً في يوم أنها ستهتم بالقراءة، وقراءة الشعر تحديداً.
صعود نجم الذات، في عالم الإنترنت، ومواقع التواصل الاجتماعي، عزز من كتابة الذات، التي صارت توزع الهم المشترك على الكثيرين، ويتناقلونها، كأنها تعبر عن حالتهم. ورغم وجود الكثير من "الغث" بين هذا، إلا أن  هناك "السمين" أيضاً الذي يدعو بقوة  لدراسة هذه الظاهرة.
الأمر الأخير الذي يبدو من المهم التنويه إليه هو سؤال: هل تستطيع قصيدة الذات أن تعيد جمهور الشعر إليه مرة أخرى؟ يبدو هذا هو السؤال الأهم الذي قد أكون أجبت على جزء منه في النقاط السابقة، لكن على النقاد أن يجيبوا بشكل أكتر تفصيلاُ.
لكن، ربما تحتاج الإجابة أن نعرف قصيدة الذات، وربما تحتاج من الشعراء أن يتخلوا عن قولهم أنهم يكتبون لأنفسهم. فثمة كتاب في النهاية يصدر، ويقرأه قارئ في مكان ما. وربما على القارئ نفسه أن يجيب هل يفضل قصيدة الذات أم لا، هل يجدها أقرب إليه من غيرها أم لا.
لكن ما لا يجب أن نغفله، ونحن نقدم الإجابات، أن جزءاً من مشكلة المتلقي عندنا في عالمنا العربي، هو الأشكال المحفوظة التي حفرها مدرسو اللغة العربية والنصوص في أذهانهم للقصيدة التقليدية، التي يجب أن تكون ذات شكل معينة، ولها أغراض معينة يجب ألا تتجاوزها، وأن يحتوي امتحان آخر العام على أسئلة من نوعية: ما الدروس المستفادة من القصيدة؟
فالطالب، الذي سيصير قارئاً فيما بعد، لن يجد في القصيدة الجديدة، ما تعلمه من شروط من وزن وقافية وأغراض ودروس مستفادة، لكنه سيجد قصائد تعبر عنه،  لا تمدح كافور الأخشيدي، تتحدث عن معاناته، ولا تصف الجمل الذي شرد في الصحراء، تذكر معاناته في انتظار الحافلة، لا الحرب الشعواء التي لم يشهدها أو يسمع بها.
بالنسبة لي، فربما بعد كل هذه السنوات مع القصيدة، ترسبت داخلي القناعة بأن القصيدة هي أنا. أقصد أن قصيدتي هي ذاتي، حتى لو قال عمرو بن بحر الجاحظ أن المعاني ملقاة على قارعة الطريق. أدرك ذلك، لكن المعاني التي أعنيها والتي تعبر عن حالتي، تختلف عن المعاني التي تعبر عن حالة آخر، حتى لو استخدمنا نفس الكلمات، ما أدركه تماماً، هو ما قاله الشاعر العظيم أبو نواس في قصيدة ذاتية تماماً عن الخمر قبل قرون، لكن مع تغيير بعض الكلمات: "أنا القصيدة والقصيدة أنا، كأننا روحان حللنا بدنا".
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نشرت في مجلة الثقافة الجديدة

اكتشاف الدهشة

في تاريخ القصيدة العربية مفاصل أساسية، لا يمكن تتبع تاريخ الشاعرية العربية دون أن نمر بها، مفاصل بدأت بالمعلقات السبع، ومرت برموز ديوان العرب العمودي من أمثال المتنبي والبحتري وأبوفراس وأبو نواس،  ثم من شاركوا في إحياء الشعر العربي أوائل القرن الماضي، ثم رواد قصيدة التفعيلة، وانتهاء بمن كانوا عتبتها على البوابة الأكبر، قصيدة النثر، وهؤلاء يقف في مقدمتهم محمد الماغوط وأنسي الحاج.
لا يمكن المرور إلى قصيدة النثر العربية دون ذكر مجموعة "شعر"، والحديث عن أنسي وعن الماغوط، ليس فقط لأنهما أول من كتبا قصيدة النثر العربية، فهناك تجارب أقدم غير مؤثرة، بل لأنهما غيرا خارطة الشعر في العالم العربي كله.
ديوان "لن" هو ديوان مفصلي في القصيدة الجديدة، ليس لأنه أول ديوان نثري، بل لأنه ديوان مؤسس، وكاشف عن موهبة عملاقة، هي موهبة أنسي الحاج.
بالنسبة لي، وكما كانت شاعرية الماغوط أنسي مفصلية في القصيدة العربية، كانت مفصلية في كتابتي، أذكر نفسي الآن، عندما كان عمري 19 عاماً، قبل 15 عاماً، وأنا أقطع الطريق من الغورية إلى مكتبة مبارك العامة ـ صار اسمها مكتبة الجيزة بعد الثورة ـ لأكتشف دواوين أنسي الحاج ومحمد الماغوط، فأقرر أن أهجر قصيدة التفعيلة والقصيدة العمودية إلى هذا اللون الجديد، المبهر بالنسبة لي، الذي به كل ما في الشعر الذي أحبه والذي أريد أن أقرأه، وأكتبه، والأقرب إلى ذائقتي.
كان اكتشاف أنسي الحاج بالنسبة لي هو اكتشاف الشعر، في "لن"، و"الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع"، و"ماذا صنعت بالذهب، ماذا فعلت بالوردة"، وغيرها من الدواوين التي مهدت طريقاً طويلاً لي، ولغيري، نكمله، ونبني عليه، وننهل منه.
أنسي الحاج، بالنسبة لي ولغيري ولأجيال سابقة ولاحقة، أحد الآباء الروحيين، الذين لا ننفك نذكرهم، ونحبهم، ونضعهم في مقدمة صانعي وصائغي الشعربية الجديدة، أنسي الحاج هو حامل شعلة الدهشة التي أبداً لا تنطفئ.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نشرت في الأخبار بمناسبة رحيل أنسي الحاج

10‏/04‏/2014

لماذا يكرهوننا؟



كان السؤال الأبرز الذي طرحته مراكز البحث في الولايات التمحدة الأمريكية عقب أحداث 11 سبتمبر، وانهيار البرجين الشهيرين، هو: لماذا يكرهوننا؟
لم يكن السؤال الذي طرح وقتها، ردة فعل لما قام به أسامة بن لادن وتنظيم القاعدة فقط، بل لحالة الفرحة التي اجتاحت قطاعات عريضة من المسلمين والعرب بعد الحادث الإرهابي الذي راح ضحيته أكثر من 3000 شخص لا ذنب لهم، لدرجة أن بعض وسائل الإعلام حولت بن لادن إلى بطل ينتقم للعالم من الصلف الغربي، وعُلقت صوره في المنتديات، وتسمى باسمه المواليد، وهو ما كشفته أغنية شعبية قادمة من القاع وقتها، للمطرب الشعبي شعبان عبد الرحيم يقول فيها: "معلهش يا عم بوش، ع البرج اللي اتحرق، وبكره نفجر طياره، ونفرّح العرب".
ورغم مرور ثلاثة عشر عاماً على ذلك الحادث، لم تصل مراكز البحث الأمريكية إلى إجابة شافية لحالة العداء تلك، ولم تعرف سبب الكراهية، وتبدل السؤال ما بين هل المشكلة هي الإسلام، أم المشكلة هي المسلمون، أم قطاع من المسلمين. والآن بعد مرور كل ذلك الوقت، يعود السؤال ليتردد مرة أخرى، لكن هذه المرة داخل البلاد العربية، بعد أن نقلت الجماعات "الإسلامية" الراديكالية عملها من بلاد "الصليبين" إلى بلاد "المسلمين" أنفسهم.
سؤال الكراهية هو السؤال الأول الآن في مصر، ومن العجب أن طرفي النزاع يطرحانه، فغالبية الشعب المصري يوجهونه إلى جماعة الإخوان، التي تعيث فساداً في الأرض منذ 30 يونيو (حزيران) الماضي، وتنحية مرسي عن الحكم في مظاهرات حاشدة. المصريون لا يستطيعون أن يفهموا لماذا يبادلهم من كانوا يعتبرونهم أبناء وطنهم ومن صوتوا لهم في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، هذا الكره، لم يستطع المصريون تفسير هذا الكم من الشماتة الإخوانية في سقوط الجنود الأبرياء في سيناء، وفي تفجير الشوارع، وحرق الجامعات، ما سبب هذه الكراهية والحقد؟ من الجهة الأخرى يجد من يتابع ما يكتبه الإخوان أنهم يطرحون نفس السؤال بصيغة أخرى، فهم لا يعرفون لماذا يرفض المصريون مشروعهم لأستاذية العالم، وإقامة دولة الخلافة الإسلامية، ولماذا لا يتعاطفون مع "شهدائهم"، الذين يعتبرونهم في الجنة "وقتلى الآخرين في النار"، وأصدروا حكمهم بكراهية المصريين للإسلام والمشروع الإسلامي، لذا تصبح دماءهم حلالاً، ويستحقون حكم الطغاة.
وبغض النضر عن التعليق على أسئلة كلا الطرفين، إلا أن الأكيد أن سؤال الكراهية، الذي يطرحه طرفا الصراع في مصر يتحول إلى هوة تتسع يوماً بعد الآخر، حتى تبتلع أحد الطرفين، لأنها إذا لم تفعل فستظل الكراهية قائمة، وهي لمن لا يعلم أسرع من البارود في إبادة الشعوب، وقد ظهرت في صورة حرب أهلية في بلدان أخرى
قبل رحيله، وقف أبو الثوار(أحد أشهر وجوه الثورة المصرية) في ميدان التحرير، ظهره لجامعة الدول العربية، وعينه على نهر النيل الذي مال لون مائه للسواد، خلفه تتصارع الشرطة مع الإخوان في الميدان، ويرتفع دخان قنابل الدخان كأنه إعلان لحرب طويلة، وأمامه لافتة يحملها بكلتا يديه مكتوب فيها "اللي فات ظلم، واللي جاي ظلمات".
الظلمات التي حذر منها أبو الثوار هي نار الكراهية التي لا تبقى ولا تذر، وقودها الطائفية والمذهبية والتصنيف العرقي والديني ونبذ وكراهية الآخر، دخانها يتصاعد من العراق وسوريا ولبنان واليمن، وبالتأكيد، يتغذى قطاع من الإعلام على تلك النيران، لكن الضحية دائماً هي الشعوب.
بعد سنوات، قد لا تذكر كتب التاريخ عما يحدث في أيامنا هذه سوى أسطر قليلة، وقد تتحدث في النهاية عن صلح سياسي، لأن "السياسة فن الممكن" كما نعرف، لكن الشعوب لا تعرف ذلك، فخيط الدماء الذي يسيل إلى النهر، ويشرب منه الناس جميعاً، ويختلط بالقلب، لا يمكن محو آثاره بسهولة.
لم تجد أمريكا رغم مرور ثلاثة عشر عاماً إجابة على سؤالها، لكن الناس في مصر وسوريا وتونس وليبيا والعراق واليمن يعرفون الإجابة، وقد يكون من المناسب هنا إيراد اسم كتاب  بول فندلي الشهير للتعبير عنهم: "من يجرؤ على الكلام؟".
ــــــــــــــــــــــــــ
نشر في موقع 24