03‏/11‏/2017

دهشة سيرافين


لم تحفظ ذاكرة الزمن سوى صورة واحدة للفنانة التشكيلية الفرنسية، سيرافين دو سينليس (1864- 1942)، تقف بجوار إحدى لوحاتها، وقد رفعت رأسها إلى أعلى. حين طلبت منها المصورة وقتها أن تنظر تجاهها "لماذا تنظرين إلى الأعلى؟ انظري إليّ، كي أستطيع أن أصورك بشكل جيد"، أصرّت سيرافين على موقفها "أنا أنظر إلى الملائكة، أصدقائي، هم الذين يساعدونني دائماَ في الرسم ويمنحونني هذه الأشكال".

ربما لم تقصد سيرافين "الملائكة"، ربما كانت تريد أن تتحدث عن الوحي، والإلهام، عن ذلك المكان الغامض الغريب الذي يأتي منه الفن، عن المس، عن السحر، عن لسعة النار الأولى التي تصيب المرء فيظل يشعر بها إلى الأبد، وتجعله يهرول إلى ريشته أو قلمه كلما باغتته. ربما كانت تقصد الدهشة، المظلة التي كانت تحميها  من صهد الواقع.

حياة سيرافين، التي تحوّلت إلى فيلم عام 2008 من إخراج مارتان بروفوست وبطولة يولاند مورو، تبدو مدخلاً جيداً للحديث عن الدهشة وعلاقتها بالجمال والفن وإعانتها على احتمال الحياة.

كانت سيرافين دو سينليس خادمة ريفية طيبة، ورثت مهنتها من والدتها، وعاشت حياتها محملة بإرث عائلي ثقيل، تعيش وحيدة، بلا أصدقاء، تتكلم باقتضاب حتى تظن أنها نسيت من أين تخرج الحروف، وهكذا ظلت حتى يومها الأخير. كان يمكن أن تمر مثل ملايين غيرها، يولدون ويموتون دون أن يشعر بوجودهم أحد، لكنه ذلك السحر الذي مسها يوما، فحوّلها إلى فنانة دخلت التاريخ دون قصد ودون أن تدرك ذلك.

لم تكن سيرافين تعرف القراءة ولا الكتابة، وكانت معدمة تماماً، لا تكفي النقود التي تحصلها من عملها كخادمة لسد رمقها، خاصة مع حالة الكساد الاقتصادي التي ضربت البلاد بسبب الحرب العالمية، لكنها رغم ذلك، كانت تشتري بهذه النقود القليلة مواداً تحولها إلى ألوان ترسم بها لوحات مبهرة، وعندما لا تجد تعتمد على عطايا الطبيعة وأوراق الشجر في تجهيز ألوانها وموادها الخاج التي لم يكتشف أحد سر سحرها الخاص ولا مكوناتها حتى الآن.

كان يمكن أن تموت سيرافين وهي تمارس هذا الفن دون أن يعرف أحد، ودون أن تعرف هي أن ما تفعله يساوي آلاف الدولارات، لم تكن تعرف أحداً من رسامي عصرها ولا العصور السابقة، لكنها كانت تؤمن بما تفعله، تؤمن بأن هذا السحر، هذه الدهشة، هي التي تجعلها تحتمل الحياة، وتصل الليل بالنهار لتكمل لوحات، لا يراها أحد. لم يكن هناك دافع إلا الدخول إلى مناطق الدهشة والمتعة والجمال.

تعلمت سيرافين الرسم بنفسها، لأنه كان معينها الأول على احتمال الحياة، وكانت تعتبره حياتها، فكانت تفضل أن تشتري طلاء على أن تشتري خبزاً، وعلى الرغم من أن أعمالها تصنف باعتبارها أقرب إلى "الفن الساذج"، إلا أنها في قيمتها توازي أعمال فان جوخ، لم يكن لديها مصادر للتعلم إلا الطبيعة، لذا في الفيلم الذي قًدّم عنها، نجدها عندما تجد شجرة تذهب لتحتضنها، فهي مصدر الدهشة والمتعة والجمال بالنسبة لها.

لم  تر لوحات سيرافين النور إلا بعد أن وصلت إلى الثامنة والأربعين، حين التقت بالصدفة بالرجل الذي اكتشف بيكاسو، مجمّع اللوحات الشهير، الألماني ويلهايم أودي الذي استأجر شقة في منزل مخدومها، ورأى لوحاتها التي تعكس حالتها النفسية ما بين التوهج والنشوة، وقادها إلى الشهرة، لكنها  انتهت إلى الجنون، وماتت فقيرة في مستشفى للأمراض العقلية، لكنه ليس الجنون، بل هي أسئلة الفن ومصير الفنان التي لم تستطع أن تجيب عليها، ربما كانت موهبتها أكبر من هذه الأسئلة، ربما فاجأها الفن بأسئلة أعظم فجعلها تقفز من سور الدهشة الذي يفصل بين العقل والجنون.

هذا ليس كتاباً عن سيرافين، بل عن السبب الذي قادها إلى الفن والجنون، عن الدهشة والجمال، المرتبطين بالضرورة معاً، أحدهما يقود إلى الآخر، أحدهما يسلمك من يدك إلى الآخر، ويمنح قلبك قبلة الحياة، ويساعده على النبض أسرع.

الدهشة، عدوة الاستعارات الميتة، قرينة كسر المألوف، ابنة الغرابة والفن، صديقة الأرنب الذي قفز من القبعة الفارغة. هل تذكر أول مرة شاهدت فيه هذا المشهد؟ بالنسبة لي كنت صغيراً جداً. أحدّق في الشاشة، في محاولة للفهم والاستيعاب مع إحساس بالمتعة،  يجعل الحياة متقدة، كشعلة مضيئة في ظلام اليومي العادي المميت.

هذا كتاب عن السحر، في شتى صوره، والتي تبدأ من وقوف الساحر ذي القبعة الطويلة، يمسك القبعة بيد، وأذني الأرنب في يد آخر، إلى سحر الإمساك بالقلم وتشكيل عالم جديد، لذا فهذل كتاب عن فن الكتابة، إلى سحر خلق عالم مدهش تتأمله بعينين مفتوحتين في صالة مظلمة، لذا فهذا كتاب عن السينما، عن المشهد الذي رأيته صغيراً فظل عالقاً حتى الآن لذا فهو كتاب عن الماضي والحاضر، ولأنني لا زلت حياً  بدهشة تجري في عروقي بدلاً من الدم، فهو كتاب عن المستقبل.

هذا كتاب عن الدهشة وضد علامات التعجب، أكن عداوة لعلامة التعجب عندما تكون في نهاية الكلام، لا أحتاج إلى من يرفع حاجبيّ نيابة عني، لا أريد من يضع يدي على موضع الدهشة، ويقول لي: تعجب، لا أريده سوى أن يتركني هكذا، هائماً في صحراء الكلام، فربما أتعثر في دهشة، تطيل الحياة يوماً آخر، أو تمنح لها معنى.

في البدء كانت الدهشة، ثم جاء بعدها كل شيء.  

...
*مقدمة كتاب "الأرنب خارج القبعة"
 

أبي فؤاد حدَّاد


 رغم أنني أكتب قصيدة النثر الفصحى، فإنه عندما يسألني أحدٌ عن أقرب الشعراء إليَّ، يكون اسم الشاعر الكبير الراحل فؤاد حداد دائمًا في المقدمة.

فؤاد حداد الذي تحلُّ ذكرى ميلاده هذه الأيام، أطلق على نفسه: «والد الشعراء»، وقد كان كذلك بالفعل، لجيله الذي عاصَرَه، وللجيل الذي اقترب منه ونهل من شاعريته وكتَبَ على طريقته، أو للأجيال التي تلَتْهُ وما زالت تقرؤه، وتقف طويلًا أمام شاعريته المذهلة:

أنا الأديب وابو الأُدَبا

اسمي بإذن الله خالد

وشعري مفرود الرقبَهْ

زي الألف

ورقم واحد

والساعة ٦ في العتبَهْ. 

يتجاوز فؤاد حداد فكرة «شاعر العامية»؛ فقد كان شاعر عاميَّةٍ أقرب للفصحى، وشاعر فصحى أقرب للعامية، وشاعر قصيدةٍ عموديةٍ أقرب للتفعيلة، وشاعر تفعيلةٍ أقرب للنثر. جمَعَ كلَّ ما يُمكن جَمْعُه في قصيدته التي لا تفارقها الدهشة في بيتٍ واحدٍ منها:

أنا عندي يا ولاد الحلال حدوته

أنا والدي هو اللي عاشها

ولا حد قبلي نقشها

في حجر ولا مخطُوطْ

كان والدي بالطبع زيي

أراجوز ولكن حزايني

وانا كنت واد قطقُوطْ

الخالق الناطق دماغي دماغه

الخالق الناطق كما الشمُّوطْ

كان صوته، الله يرحمه، صُفَّارَهْ

وجسمه رايح جاي زي الفارَهْ

وعظمه يا نجارين بيلق في الزعبُوطْ. 

 
كانت شاعرية فؤاد حداد المتدفِّقَة تدفعه لأن يكتب «النص الديوان»؛ أي إن الديوان وحدة واحدة، وليس قصائد متفرِّقة تَمَّ تجميعُها، وهو ما نلاحظه في أسماء الدواوين وفي موضوعها، وربما لهذا لا يمكن اقتناص فؤاد حداد في قصيدة واحدة، أو في ديوان واحد. لا يمكن اختزاله في أغنية يُردِّدها الجميع ويُحِبُّونها دون أن يعرفوا مَنْ كَتَبَها. حتى الشعراء الكُثر الذين حاولوا تقليده، حبًّا في شخصه أو غرامًا في تجرِبته، يدركون صعوبة ذلك. لا بدَّ من قراءته كاملًا لتكتشف وجوهه المتعددة: الشيوعي الذي يكتب للثورة رغم أنه قَبَعَ في سجونها طويلًا، وابن الطبقة المتوسطة الذي درس في الليسيه لكنه كتب عن الفقراء وانحاز لقضاياهم أكثر من أيِّ شاعر آخر، والشامي الذي عَرَفَ دقائق اللهجة المصرية وزادها جمالًا بقصائده، والمسيحي الذي كتب أجمل ما يُغَنِّيه المسلمون كل رمضان «المسحراتي» وأصبح جزءًا من الذاكرة الجَمعية العربية، والمسلم الذي كتب أجمل قصائد المديح والتصوف في ديوانه «الحضرة الذكية»:

أنا طالب القُرب من وحوي فى إياحَهْ

قَمَرَه … على خدها زغاريد وتفاحَهْ

قالوا لي تكبر عليك أنا قلت بالراحَهْ

دي أبوها سلطان لكن البنت فلَّاحَهْ. 

تبدو اللغة في يد فؤاد حداد ليِّنة طرية، مثل عجينة الصلصال التي يُشكِّلها كما يريد، فيُفاجَأ القارئ به وهو ينحت كلماتٍ جديدةً، ويدخل من الفصحى ليخرج من العامية في مرونة شديدة، ويستفيد من كلِّ الموروث العربي البلاغي من محسِّنات بديعية، من جناس كامل وناقص وطباق وسجع وموازنة:

بكيت مسحت دموعي

بامسح دموعي بكيت.
 
فالبيت الأول الذي يبدو اعتياديًّا تمامًا، تقضي على اعتياديته اعتياديةُ البيت الثاني؛ بسبب لعبة بلاغية بسيطة كان يُجِيدها تمامًا:

يا حضرة الباشا فاكر يامَا سحَّرتَكْ

ودمعي تحت القمر بالليل مسح حارتَكْ

وقلت لك خلِّي قطفه لك وقطفه لي

وربنا يخلِّي أطفالك وأطفالي 

وجمال هذا المقطع يبدو في الجناس الكامل بين «قطفه لك وقطفه لي» و«أطفالك وأطفالي»، لدرجة أنه لا بدُّ أن تقرأها حتى تعرف الفارق بين البيتين؛ وهو الأمر الذي يتكرر كثيرًا في قصائد حداد. لكن لا يتوقف الأمر عند فؤاد حداد على «التلاعب اللغوي» الفَذ، بل في الصُّوَر المبتكرة الجديدة المدهشة طوال الوقت، والتي تجعل القارئ واقفًا على أطراف أصابعه وهو يقرأ منتظرًا الصورة الجديدة المدهشة، والمفاجَأة الشعرية القادمة. وربما تبدو قصيدته «الحلزونة» هي الأقرب والأشهر كمثال لهذا:

ولَّع سيجارهْ والَّا مش حتولَّعْ

راجع لي بعد المدرسهْ تدَّلَّعْ

دخانك اسودْ يبقى قلبك شايِلْ

لكن حسيب حضني في حضنك مايِلْ. 

وأجمل ما في هذا المثال هو بساطته الشديدة، لكنها بساطة «السهل الممتنع» كما قلت، خاصة في قوله: «دخانك اسود يبقى قلبك شايِلْ»؛ وهو ما يمكن ملاحظته في جميع أبيات القصيدة:

ردِّيت كإني من بعيد مش سامعْ

يا لابسه من تحت الوَدَع تنُّورَهْ

معسِّلَهْ زي القمر في الشمسْ

يا ام الليالي الهاطلهْ المشمُورَهْ

يا ريتني أعمى أشربك باللَّمسْ

والَّا أشمك من بيار الأمسْ!

قالت حتِقْلب جدِّ يا مسكِينْ

قلت لها أستاهل حدود الموتْ

أنا الحرامي سارق السكِّينْ.
 
هنا يفاجئ قارئه بلعبة أخرى؛ إذ تتداخل الحواس وتتبادل أدوارها في قوله: «يا ريتني أعمى أشربك باللمس»، وفي قوله أيضًا: «والَّا أشمك من بيار الأمس»؛ حيث يتداخل الزمان مع المكان.

كانت قصائد فؤاد حداد الشيوعي المسيحي المسلم غارقة في الأيديولوجية، لكن رغم ذلك لم تقلِّل من شاعريتها، بل يبدو أن تلك الأيديولوجية منحَتْها أَلَقًا متزايدًا؛ لدرجة أن أول دواوينه حمل اسم «أفرجوا عن السجناء السياسيين: أحرار وراء القضبان»، وهو اسم يبدو أقرب لعُنوان منشور سياسي، وليس ديوان شعر. ويمكن ملاحظة ذلك في عناوين دواوين أخرى له؛ مثل: «استشهاد جمال عبد الناصر»، و«حنبني السد»، و«بقوة العمال وقوة الفلاحين»، و«قال التاريخ أنا شعري أسود: ديوان فيتنام»، و«كلمة مصر»، و«الحمل الفلسطيني». حتى في البرنامج الإذاعي الذي كتَبَه وغنَّاه سيد مكاوي «من نور الخيال وصنع الأجيال في تاريخ القاهرة»؛ الذي كتَبَه ردًّا على النكسة، وهي الأعمال التي كَسَرَ فيها القاعدة التقليدية عن عَلاقة الشعر بالأيديولوجيا؛ ليؤسِّس قاعدةً جديدةً، تقول إن البقاء للأجمل، والأجمل هو كلُّ ما كتَبَه عن مصر في ثورتها وهزيمتها ونصرها، وعن فلسطين ولبنان، وقصيدته الشهيرة التي تحوَّلَتْ إلى أيقونة يُردِّدها كلُّ الباحثين عن التحرُّر والثائرين ضد الطغيان:

ازرع كل الأرض مقاومَهْ

ترمي في كل الأرض جدُورْ

إن كان ضَلْمَهْ تمد النُّورْ

وإن كان سجن تهد السُّورْ

كُونِ البادئ كُونِ البادِئْ

كُل فروع الحق بنادِقْ

غير الدم محدش صادِقْ

من أيام الوطن اللاجِئْ

إلى يوم الوطن المنصُورْ.
 
معنى فؤاد حداد أكبر من تأثيره في جيله أو الأجيال التالية له، وفي كل التيارات الشعرية، سواء من كتبوا الفصحى أو العامية، أو العمودي أو التفعيلة أو قصيدة النثر، أكبر من كونه أول من كتب قصيدة العامية المصرية، وقصيدة النثر العامية، أكبر من شعره العروبي والوطني والقومي والإنساني، بل في حكاية سمعتها أنه عندما كان الفنان الراحل «علي الشريف» معتَقَلًا ذات مرة مع فؤاد حداد، وكان حراس السجن يجلدون حداد أمامه، كان علي الشريف يصرخ فيهم: «إنتو بتضربوا مصر يا ولاد الكلب؟!» وأعتقد أن هذا هو المعنى الحقيقي لفؤاد حداد.

سلالة "أديب الشباب"


أصبح من المعتاد كل عام، في معرض القاهرة الدولي للكتاب، أن نسمع عن ظاهرة جديدة. مرة عن كتب "غريبة" تتصدر قوائم الأكثر مبيعاً، ومرة عن طوابير ممتدة للحصول على توقيع مغن أصدر كتاباً قال إنه شعر، ومرة ـ كما حدث هذا العام ـ يتداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي، مقاطع من كتاب ـ قال صاحبه إنه شعر أيضاً ـ واستغل البعض هذا لوصم الشعر المصري، والثقافة كلها بأنها في طريقها للانحدار، إن لم تكن قد انحدرت بالفعل.
ولسنا هنا في موضع تقييم هذا الكتاب، أو غيره، وإن كانت الضجة الغريبة التي أثيرت حوله، ساهمت في الترويج له، لكني أود أن أطرح سؤالاً: هل يمكن للظواهر ـ الغريبة ـ التي تشهدها الساحة الثقافية، أن تكون مقياساً للحكم عليها؟، ربما يمكن الإجابة على هذا بكم الظواهر، التي لمعت واختفت طوال السنوات الماضية، والتي اندرج بعضها تحت ما يسمى بالـ "بوب آرت"، أو "الأدب الشعبي"، أو "الأكثر مبيعاً"، أو تلك التي ظهرت في مواسم سياسية، مثل مئات الكتب التي ظهرت بعد ثورة 25 يناير، تحت تصنيفات الأدب أو المذكرات أو السياسة، أو تلك التي ظهرت بعد هوجة صعود المدونين، وتحولهم من التدوين إلى النشر الورقي، وتحويل مدوناتهم إلى كتب.
قبل حوالي عشرين عاماً ـ تقريباً ـ شهدت شوارع القاهرة ظاهرة "أديب الشباب"،  وهي ظاهرة يذكرها أي شخص مر في شوارع العاصمة تقريباً، حيث امتلأت الجدران بكتابات وإعلانات ـ على غرار دعاية معلمي الدروس الخصوصية ـ تدعو إلى قراءة مؤلفات شخص اسمه محمود عبد الرازق عفيفي، ومنح نفسه لقب "أديب الشباب"، وحملت كتبه التي كانت تباع على الأرصفة عناوين مثيرة تجتذب المراهقين في الأساس.
اختفى "أديب الشباب"، ولم يعد أحد يذكر عنه شيئاً ولا عما كتبه، ولا عن اللقب الذي منحه لنفسه، لكن لم تختف "السلالة"، التي تخط "نوعية الكتابة" نفسها، أو التي تستعمل الدعاية ذاتها، لكن بدلاً من أن نشاهد الإعلانات على جدران الشوارع، أصبحنا نراها على "جدران" فيس بوك، وتويتر، هي دعاية حقيقة وكبيرة، حتى لو اكتست بطابع الاستنكار أو السخرية أو الاستهزاء.
هذه "السلالة" ستستمر، طالما ظل هناك كُتّاب يستسهلون النشر السريع، ويبحثون عن الشهرة، ويكتبون لـ"الوجاهة الاجتماعية" ويصدقون الدعاية المضللة التي يصنعونها بأنفسهم، وطالما ظل هناك ناشرون ينشرون أي شيء، لكن المهم أن يقبضوا المقابل أو يروجود لكتب لجذب جمهور مغرر به، وطالما ظل هناك قراء يفضلون الكتب السريعة، التي يمكن أن يقرءونها وهم ممددون على حمامات السباحة، أو أمام البحر، أو ظل هناك مراهقون يبحثون عن كتب خفيفة، ينقلون منها "سطوراً" لمحبوباتهم، لكن كل هذه ظواهر ما تلبث أن تختفي، نعم سيظهر غيرها، لكن يعرف كل دارس لتاريخ لأدب أن مصيرها النسيان.
هذه ظاهرة عالمية، وموجودة على مر التاريخ، ويمكن الرجوع ببساطة إلى إصدارات القرن الماضي في دار الكتب، أو الذهاب على الأقل إلى سور الأزبكية، وتصفح عشرات الكتب المشابهة التي لم تعد تجد قارئاً، لأنه تشبه الفقاقيع، التي ما تلبث أن تنفجر لتختفي.
لم يعبر "أديب الشباب" عن عصره، كما لا تعبر الكتب التي يتداول البعض أسماءها اليوم عن العصر الحالي، فالحقيقة هي أن هناك حركة شعرية جادة بدأت في السنوات الأخيرة، وهناك أسماء شابة بارزة في قصيدة النثر والرواية تشكل مشهداً سيتبلور في صورته الكاملة خلال سنوات قلائل.
لا أعتقد أن "الاحتفاء" أو "السخرية" من بعض "الكتابات" التي تظهر كل عام في معرض الكتاب، سيعطي أي قيمة مضافة لهذه الكتابات، ربما يمنحها فقط بعض الترويج، لكنها ستلحق مثيلاتها في طي النسيان، ولن يتبقى إلا الأدب الحقيقي، وهو موجود بالفعل، فقط، سلّطوا الضوء عليه.

رسالة من رمسيس الثاني إلى المصريين

نظر الملك رمسيس الثاني وهو معلّق في رافعة صفراء، حوله، فأدرك أنه غاب عشرات القرون عن العالم تحت الأرض. كان يتأرجح في الرافعة التي انتشلته  من تحت الأرض إلى فوقها مرة أخرى، لكن الوجوه المحيطة به لم يكن يعرفها. مصريون؟ نعم. لا زالت جينات الفراعنة فيهم لكنها اختفت تحت عشرات الهموم التي خلفتها السنوات.

كان المشهد الذي نقلته وكالات الأنباء العالمية وعشرات القنوات الفضائية والمواقع الإلكترونية الأسبوع الماضي غريباً: رافعة تنتشل جزءاً من جسد الفرعون المصري الأشهر، والذي ساهم في بناء حضارة تجاوز عمرها السبعة آلاف عام ولا زالت تبهر العالم، بينما وقفت نساء بسيطات أعلى بيوت تشبه علب الكبريت يزغردن، وفي محيط الرافعة وقف بعض من  شباب وأطفال منطقة المطرية بالقاهرة على كوم من القمامة وهم يرقصون ويهتفون للفرعون ويغنون: "بص وشوف مين قدنا.. رمسيس التاني عندنا"، و"بص شوف المطرية فيها إيه"، وفي الناحية الأخرى اصطفت عشرات الكاميرات لكي تنقل العالم المنظر المتناقض، بين الماضي والحاضر، بين عصرين مختلفين، جرت بينهما الكثير من المياه في النهر.

رأى رمسيس الثاني منذ استخراجه من تحت الأرض الكثير، تغطيته ببطانية مرسوم عليها "سبيدرمان" البطل الأمريكي الشاب، أقلها وإن كان يبعث بدلالة، البيوت المبنية بالطوب الأحمر دون أدنى عناية، القمامة التي تنتشر في كل مكان، وجوه الأطفال والمراهقين التي تقاوم تغير العالم، وجوه الحراس التي عقدت اتفاقاً أبدياً مع الفقر والصبر. تغير العالم بلا ريب. تغير منذ أن تسيد الفراعنة العالم وكانوا الحضارة الأبرز في المنطقة، لليوم الذي أصبح للحضارة منطق آخر، وطريقة أخرى، ومكان آخر.

لو كان لرمسيس أن يخاطب أحفاده لقال لهم إن العالم تغير، وهم أيضاً تغيروا. لا يكفي أن تعيش على عظام أجدادك حتى تستمر عظيماً. فكم من حضارات هلكت عندما أهمل أحفادها حكمة التاريخ والزمن. كم هي عظيمة حضارة الإغريق، لكن اليونان موشكة على الإفلاس، لم تنقذ الحضارة العظيمة أحفادها، لم يفعل هيرودوت ولا الآلهة الأسطوريين شيئاً حيال ذلك لأن هذا فعل الأحفاد، وهذا دورهم.

الحضارات العظيمة تنتشر في العالم، من الصين إلى الهند إلى بابل إلى أثينا. لكن ما يقيم الدول هو استمرار بنائها وليس الاعتماد على ما كان من قبل. لكن هل أفلحنا حتى في الاعتماد على حضارتنا القديمة؟ بعض الدول الغريبة التي بلا حضارة استطاعت أن تروّج لحضارتنا أكثر منا. والحديث عن إهمال الآثار من أدنى البلاد إلى أقصاها ليس خفياً على أحد على أية حال، من سرقة إلى إهمال إلى تحطيم إلى بيع وتجارة، إلى إلقاء في مخازن حتى تتحطم إلى عدم ترويج.

بنى المصريون حضارات عظيمة بلا ريب، الفرعونية والقبطية والإسلامية، وغيرها، لكنهم توقفوا عن البناء، رغم أن الحضارة الحقيقية، هي الاستمرار في بناء الحضارة، وليس التوقف عند ما صنعه الآخرون، بعض البلاد كانت بلا حضارة واستطاعت أن تصبح أكثر تأيراً في العالم؟ كم عمر الأمة الأمريكية؟ بعض الدول بدأت صناعة حضارتها للتو وربما قبل سنين. الحضارة ليس فعلاً ينتهي مع الوقت، الحضارة فعل متحرك مع الوقت.

هذه ليست دعوة لترك الحضارة القديمة. إطلاقاً. بل البناء عليها والاستفادة منها. انظر إلى الصينيين وكيف يستغلون حضارتهم في كل شيء يبيعونه، أما كيف أصبحت رمزاً لكل ما ينتجون فالإجابة بسيطة: لأنهم يعتمدون على دمج الماضي في الحاضر، لينتجوا المستقبل، وهذا هو الفارق.
 

 

27‏/10‏/2017

a ghost story

ـ عندما كنت صغيرةً
كنا كثيري التنقّل
كنت أكتبّ الرسائل
وأطويها بحجمٍ صغير
وأخفيها بأماكنٍ مختلّفة
فإذا رغبت يوماً بالعودة
ستكون هناك قطعة مني بانتظاري
ـ هل حدث وأن عدت؟
ـ كلا.
.....

من فيلم a ghost story

23‏/10‏/2017

Baby driver.. ماذا لو أخرجه تارانتينو؟


تذكرت المخرج الكبير كوينتن تارانتينو، بينما كنت أشاهد فيلم Baby driver أكثر من مرة. ليس فقط لأن الفيلم يدور في عوالم الجريمة التي تدور فيها معظم أفلام تارانتينو، بل لعدد من الإشارات ـ غير المقصودة ـ التي تضمنها، وتحيل إليه مباشرة.
أول هذه الإشارات كانت الحديث عن "الرومانسية الحقيقية"، لفظاً وبالشكل الذي قدمه تارانتينو في الفيلم الذي كتبه تارانينو في العام 1993 True Romance ، وأخرجه توني سكوت، وثانيها: هذا الولع بالموسيقى وبالحديث حولها ومشهد المطعم وهو ما ذكرني بالمشاهد الأولى في المطعم أيضاً من فيلم كلاب مستودع reservoir dogs والذي كتبه وأخرجه عام 1992، ناهيك عن الحوارات الغريبة والساخرة التي تذكر تماماً بحوارات تارانتينو.
لا أقصد هنا أن Baby driver استنساخ من أفلام أخرى، فإدغار رايت كاتب ومخرج  الفيلم، مخرج كبير، بل واشترك مع تارانتينو في إخراج فيلم Grindhouse  عام 2007. لكن أقصد أن "روح" كوينتن المتميزة في صنع هذه النوعية من الأفلام بدت حاضرة وبشدة في مشاهد الفيلم، وهو ما قد يراه البعض نقطة إيجابية.
لكن بعيداً عن هذا فـ Baby driver، فيلم يستحق الثناء، بداية من طاقم التمثيل الذي أضاف إليه كيفين سبيسي ثقلاً، والاختيار الموفق لبطله إنسيل إلغورت، مررواً بالسيناريو، وانتهاء بإخراج ممتيز . لكن الفيلم لا يتوقف عند هذا فقد استطاع أن يجمع بين أفلام الحركة والدراما والرومانسية والأكشن والموسيقى في بوتقة واحدة. وأكثر ما يميزه، أنه حول قصة عادية إلى فيلم غير عادي، وحول المشاهد التقليدية إلى مشاهد خارجة عن المألوف، حيث تم اختيار عدد من الأغنيات التي تتناسب تماماً مع مشاهد الحركة، لدرجة أنها تبدو كأنها رقصات غنائية وليست مشاهد مطاردات وعنف، (نستمع إلى أكثر من 30 أغنية على مدار الفيلم)  فصارت الموسيقى هي البطل الذي يحرك الأحداث، وكما أن الفيلم عن سرقات البنوك فنحن لم نر هذه السرقات بل نشاهد الترقب على وجه "بيبي" ونحن نستمع معه إلى موسيقاه.

لكن ثمة نقطتين تجلعان هذا الفيلم يختلف تماماً عن أفلام تارانتينو، أولاهما هي غياب بطله المفضل صمويل جاكسون، وإن كنت أظن أنه كان من الممكن أن يحل محل جيمي فوكس، النقطة الثانية الفاصلة هي النهاية، ففي حين قدم إدغار رايت نهاية لم ترق إلى جمال الفيلم، بأن استسلم "بيبي" في النهاية للشرطة، ففي ظني أن تارانتينو لم يكن ليسمح لهذه النهاية أن تحدث، ففي أفلامه ـ سواء تلك التي كتبها أو أخرجها ـ  بداية من "الرومانسية الحقيقية"، مرورواً بـ "جاكي براون"، لا تظهر الشرطة أبداً، بل يهرب المجرم الحالم بماله وجريمته مع قصة حب رومانسية، في سيارة تنطلق منها أغنية تقول كل شيء.

17‏/10‏/2017

بقايا الأيام

 
بعد ذلك سكتت مس كنتون لحظة ثم واصلت كلامها: "لكن هذا لا يعني بالطبع أن المرء لا تمر به أحياناً لحظات كئيبة، عندما يجلس ويفكر ويقول لنفسه: يا لها من غلطة مرعبة تلك التي ارتكبتها في حق حياتي، ثم يفكر بحياة أخرى، حياة أفضل كان يمكن أن يحياها، فأنا مثلاً أفكر في حياة كان يجب أن أعيشها معك يا مستر ستيفنس وأعتقد أن ذلك يحدث عندما أغضب لشيء تافه، وأترك البيت. ولكن في كل مرة أفعل فيها ذلك أدرك قبل وقت طويل أن مكاني الحقيقي هو أن أكون مع زوجي، على أيه حال عقارب الساعة لا تدور إلى الوراء ولا يمكن أن يظل المرء دائما يفكر فيما كان ينبغي أن يكون. لا بد من أن يدرك أنه أفضل من كثيرين، وأن يكون شاكراً لذلك.
بقايا الأيام
كازو إيشيجورو

06‏/10‏/2017

"عمري ف يوم ما غزيت"


"تعرف يا أبو زيد

أنا عمري ف يوم ما غزيت"

تطاردني أبيات قصيدة صديقي مجدي عبد الرحيم، تتردد في ذهني كناقوس خطر وأنا أتابع أخبار مرضه بقلق، أسأل الأصدقاء عنه، يأتي صوته مبحوحاً عبر الهاتف، ثم يتوقف عن الرد تماماً. يدهمني صمت كالموت عندما أقرأ نعيه على صفحة فيس بوك فجر يوم قاتم، تتحول كل الأشياء إلى اللون الأسود، وأنا أحس أن جزءاً مني يضيع إلى الأبد، هذا الإحساس الذي يطاردني حتى الآن كلما مرت أمام عيني صورته، أو ابتسامته الطيبة، أو صوته وهو يلقي قصائد لم تخرج إلا من قلبه.

"تعرف يا أبو زيد

أنا عمري ف يوم ما غزيت"

أتذكر جيداً الأيام التي كتب فيه هذه القصيدة وأهداها إلىّ قبل أن يضمها إلى ديوانه الأول. متى كان ذلك. ربما قبل ثمانية عشر عاماً. كنا نلتقي بشكل شبه يومي، نتنقل بين الندوات تلمّساً لطريق الكتابة، ما بين ندوات أسبوعية في نادي الجيزة ونقابة الصحافيين وجريدة الجمهورية، ومقهى خلف صحيفة الأهرام كنا نجلس فيه بالساعات، يصطحب معه ابنته فاطمة في أحيان كثيرة، التي تجلس بجواره وتنصت لما يقوله الشعراء رغم سنواتها القليلة. كنت قادماً لتوّي إلى القاهرة، فاعتبر نفسه أخاً أكبر لي واحتضنني، فتح لي بيته، عرفني إلى والدته التي كانت جزءاً من روحه. أتذكر أول قصيدة نشرها، أول كتاب له، أول مقال ساخر، خطواتنا معاً من ندوة إلى ندوة. مرت الأيام والسنين، وتغيرت أشياء كثيرة، تغيرتُ، لكنه ظل كما هو، محافظاً على قربه، على محبته، على إيمانه بذاته، على إيثاره للآخرين على نفسه، على ابتعاده عن الشللية، ورفضه المكاسب الزائفة. ظل كما عرفته في أول يوم، نقياً جميلاً، لا يستند في الحياة إلا إلى قصيدته.

"تعرف يا أبوزيد

أنا عمري ف يوم ما غزيت"

لماذا يا أستاذ مجدي؟ لماذا "عمرك ما غزيت"، لكنك حاولت كثيراً، ونجحت في أن يكون لك مكانك واسمك، لو كنت بيننا الآن وقرأت ما كتب عنك، لو رأيت كل هذا التقدير لعرفت أنك "غزيت"، وحققت ما حلمت به. لكن هل كنا ننتظر موته حتى نقول له إننا نحبه، أننا نقدره كشاعر وكإنسان، أنه قدم ما لم يقدمه غيره. هل كان يدرك هذا، هل لهذا ظل الحزن والموت رفيقاً دائماً لقصائده، أتذكر الآن عناوين دواوينه الموحية، ديوانه الأول "مشهد الوداع الأسبوعي"، ديوانه "قبل العتمة بمتر"، ديوانه الأخير "ريحة الموت"، لماذا إذن لم ننتبه ما دام قد حذرنا ونقول له كم كان إنساناً عظيماً، وشاعراً كبيراً.

 "تعرف يا أبوزيد

أنا عمري ف يوم ما غزيت" 

شخص ما ستقابله ذات يوم سيكون أخاك الذي لم تلده أمك، هذا الشخص كان بالنسبة لي مجدي عبد الرحيم، عشرات ومئات التفاصيل التي أتذكرها كلما مرت ذكراه، كلما لمحت صورة له على الكمبيوتر، كلما قرأت تعليقاً عنه على فيس بوك، كلما تصفحت رسالة منه. كل شيء يذكرني بأني أفتقده، أفتقد جزءاً من عمري الذي كان شريكاً فيه، سأفتقده كلما ذهبت إلى وسط البلد، كلما مررت على مقهى "عم صالح" الذي لن أجلس عليه مرة أخرى بدونه. كلما مررت في شاعر شاملبيون الذي قطعته عشرات المرات معه. هل أكتب عن نفسي هنا؟ لا بل أكتب عنه، لأنه كان جزءاً من تاريخي الشخصي.

لا أعرف شخصاَ في الوسط الأدبي حاز كل هذه المحبة والإجماع سواه، ليس مني فقط، بل من الجميع. من يعرفه ومن لم يكن قريباً منه. ربما تأخر الكثيرون في الاعتراف بهذا حتى رحيله، لكن محبته تظل باقية مضيئة كالشمس.

"تعرف يا أستاذ مجدي

نحن نفتقدك"

24‏/01‏/2017

#ادعم_شعر

تؤمن الشاعرة المصرية عبير عبد العزيز، بقدرة الشِّعر على الشفاء، سواء للبشر أو للوطن ككل، لذا قررت أن تجعل العام الجديد 2017، عاماً للشعر، عبر مبادرة أطلقتها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حملت اسم "#ادعم_شعر"، قررت خلالها أن تنشر الشعر عبر وسائط مختلفة في كل مكان.
ربما يرى البعض أن الحديث الآن عن الشعر رفاهية، في ظل ظروف اجتماعية وسياسية واقتصادية طاحنة، فضلاً عن تفشي الأمية، لكن ما تعتقده عبير عبد العزيز، أن الشعر بإمكانه إصلاح ما أفسده الزمن والجهل والفقر، وما أفسده الشعراء أيضاً بجعل نتاجهم الأدبي مقصوراً عليهم، أو على نسبة ضئيلة للغاية من القراء.
فكرة عبير أن تصل بالشعر إلى كل الفئات المجتمعية، أن تنزله من برجه العاجي الذي لا يراه أحد، وتعيده كائناً حياً يتنفس ويمشي في الأسواق، ويتواجد في كل مكان، وهي هنا لا تستهدف فئة المثقفين، بل تود الوصول إلى طلاب المدارس، لذا قررت أن تذهب وتقدم مبادراتها للطلبة، أن تصل للعمال في المصانع، والباعة في الشوارع وركاب المترو والأتوبيسات ومرتادي المقاهي والأمهات في المنازل، أن يصبح الشعر لسان حال البقال والجزار والسباك، وهي فكرة طموحة، تحتاج إلى جهد مؤسسات كاملة، لكن عبير قررت أن تقوم بها وحدها.
ليست هذه هي المحاولة الأولى لعبير لإيصال الشعر عبر وسائط مختلفة إلى القراء، فقبل ثلاثة أعوام ـ حسبما أذكر ـ أطلقت حملة أخرى طموحة للشعر حملة اسم "ذات للشاعرات"، ضمت من خلالها عدداً كبيراً من الشاعرات المتميزات، واستطاعت أن تجول في عدد من المراكز الثقافية والمحافظات وأن تصل إلى مئات القراء والمستعمين، ولم تكتف فيها بتقديم الشعر، بل أدخلت فنوناً أخرى مع الإلقاء، مثل العرائس والموسيقى، والفن التشكيلي، والكاتريكاتير والوسائط التكنولوجية، كما قدمت قبل حوالي العام، تجربة أخرى مميزة، وهي المزج بين الشعر والأبراج في كروت بوستال.
بدأت عبير الحملة الجديدة بفكرة مبتكرة قبل بداية العام بيومين، حيث حوّلت "شجرة الميلاد" التقليدية، إلى شجرة من الشعر، علّقت عليها "طوابع شعرية" تضم مقاطع شعرية ولوحات تشكيلية، واستطاعت الشجرة بشكلها المختلف أن تجذب "القارئ العادي" الذي تسعى عبير للوصول إليه.
ولا تنحاز عبير في اختياراتها الشعرية إلى ذوق شعري معين، فهي تقدم نصوصاً من العامية والفصحى، لشعراء مصريين وعرب وأجانب، وقصائد عمودية وتفعيلة ونثر، وقصائد من التراث العربي وأخرى حديثة، وتختار نصوصاً لكبار الكتاب وشبابهم، وهكذا قدمت، في فترة وجيزة، حوالي 160 شاعراً دون انحياز لأحد، سوى للشعر وحده، بالإضافة إلى نفس العدد تقريباً من الفنانين التشكيليين، حيث تصاحب كل نص لوحة مناسبة له في الطابع.
استطاعت حملة #ادعم_شعر خلال أسبوعين أن تخلق حالة مختلفة عبر فيس بوك، وأن تحقق جزءاً من طموحها بأن تصل إلى آلاف القراء، من خلال عشرات الطوابع، وعبر نشاط مكثف في المشاركة والمتابعة والرد على القراء ودعوة الشعراء للمشاركة بنصوصهم، من خلال دور ومجهود كبير تقوم به القاصة السكندرية رانيا منسي، كما تجهز عبير عبد العزيز إلى 11 مبادرة شعرية أخرى مختلفة، بواقع مبادرة لكل شهر من شهور السنة.
ما تفعله عبير عبد العزيز، هو دور مؤسسي كبير، كان يجب على المؤسسات الثقافية الرسمية أن تقوم به، لكن عبير اختارت أن تؤديه بحب ورضا وإيمان بقوة الشعر ومكانته التي يستحقها، وربما أقل ما يمكننا فعله ككتاب وشعراء هو دعم هذا المشروع والوقوف إلى جواره، كما على وزارة الثقافة والمؤسسات الثقافية الخاصة والمكتبات الكبرى أن تدعم هذا المشروع، إن لم يكن مادياً، فمعنوياً من خلال الترويج لشعار الحملة (#ادعم_شعر) على الأقل، وهناك عشرات الأفكار البراقة لدى عبير تستحق التنفيذ من خلال الحملة، لكنها فقط تحتاج إلى دعمنا جميعاً لها.

هذا المقال هو تحية خالصة للشاعرة عبير عبد العزيز، لإيمانها بقوة الشعر، ودورها في إيصاله لكل الفئات، متحملة كل التكلفة والمنغصات، ودون أن تنتظر أي مقابل، سوى أن ترى العالم أكثر جمالاً بالشعر، وأن توصل رسالتها. هذا المقال رسالة للعالم: #ادعم_شعر.
................
نشر في صحيفة "المصري اليوم"