09‏/09‏/2011

صلاح عبد الصبور يرتدي جبة الحلاج

محمد أبو زيد

كلمة السر في مسرحية "مأساة الحلاج" للشاعر صلاح عبد الصبور، هي "الكلمة"، التي لا يملك الحلاج سواها، لمواجهة الفقر والسلطان والقاضي والتماهي مع الذات الإلهية، الكلمة التي جمعت حوله أتباعه، وفرقت بينه وبين الحاكم، ووصفت العلاقة بينه وبين محبوبه الأسمى، الكلمة التي قتلته "أقتلناه حقا بالكلمات .. أحببنا كلماته/ أكثر مما أحببناه / فتركناه يموت لكي تبقى الكلمات".

الهاجس الذي يؤرق عبد الصبور في المسرحية هي الكلمة ، كلمة الصوفي / المثقف، فالجميع يتكلم عنها، الحلاج يقول "لا يعنيني أن يرعوا ودي/ يعنيني أن يرعوا كلماتي"، لأن الكلمات هي التي تبقى "قد خبت إذن لكن ما خابت كلماتي / فستأتي آذان تتأمل إذ تسمع / تنحدر منها كلماتي في القلب / وقلوب تصنع من ألفاظي قدره / وتشد بها عصب الأذرع"، إذن فرهان الحلاج الذي يقدمه عبد الصبور على الكلمات، لكن الذين قتلوا الحلاج، كما يقدمهم عبد الصبور "أصحاب طريق مثله"، يمتلكون كلمات مثله، رغم أن القتلة يقولون" كنا نلقاه بظهر السوق عطاشا فيروينا / من ماء الكلمات/ جوعي / في طاعمنا من أثمار الحكمة/ وينادمنا بكؤوس الشوق إلى العرس النوراني"، الكلمات أيضا كانت سببا في صلبه "أبكانا أنا فارقناه / وفرحنا حين ذكرنا أنا علقناه في كلماته / ورفعناه بها فوق الشجرة"

مأساة الحلاج تتكون من فصلين ، أو جزءين كما سماهما، الجزء الاول: "الكلمة" والثاني "الموت"، ولذلك دلالة واضحة، ففي مقاطع كثيرة من المسرحية يبدو أن صلاح عبد الصبور هو الذي يتكلم وليس الحلاج، حالة التماهي بين الشاعر والصوفي، تكف مأساة الاثنين في علاقتهما بالسلطة، فالحلاج الذي صلب لأنه فكر، في السلطة الإلهية، والسلطة الدنيوية، يقابله عبد الصبور، الذي كان جزءا من نظام الحكم في مصر ، لكنه كان يقف على شفا حفرة من السلطة و الكتابة، الكلمة هي مأساة الاثنين.

إشكالية العلاقة بين المثقف والسلطة أزلية، لكن عندما يكون الأمر يتعلق بمستقبل الوطن الذي يسير نحو الضياع فالأمر محسوم، كانت مصر تقترب من نكسة 1976، لم يكن أحد يعلم بها، لكن المؤشرات كانت تؤكد ذلك، خاصة أن المسرحية كتبت قبل النكسة، مأساة صلاح عبد الصبور مع السلطة، التي كان جزءا منها، وحاول أن يتطهر منها بمأساة الحلاج، فجعل الحلاج شاعرا مثله، وأنطقه "مثلى لا يحمل سيفاً / لا أخشى حمل السيف ولكنى / أخشى أن أمشى به / فالسيف إذا حملت مقبضه كفٌّ عمياء / أصبح موتاً أعمى"،

المثقف/ الحلاج / الصوفي، في المسرحية كان ينزل إلى الشارع، يمشي في الأسواق، خرج على إجماع المثقفين / الصوفيين بأن يختبئ في عباءته، في برجه العاجي، مكتفيا بالعلاقة بينه وبين مولاه، لكن الحلاج ينزل إلى الشارع ، يخاطب الناس بلغتهم، فيلتفون حوله، والتفاف الناس حول الصوفي / المثقف، في عين السلطة / السيف، هو بداية الخراب لهم، لأن به تأليب على الحاكم، وتذكير للفقراء بفقراء، وبجوعهم، وعطشهم، وألمهم، وأن هناك رب أعلى من الحاكم، يمكن اللجوء إليه، وأنه يمكن الخروج على الحاكم، وتغييره.

هل يمكن أن ينظر للحلاج كرجل دين يدعو للإصلاح الديني، أم كمثقف يدعو للتغيير، المكفر والشاعر الهندي محمد إقبال (1877-1938) الحلاج يصور في ملحمته "جاويدنامه"، أي "كتاب الخلود"، الحلاج، مفكرا مبدعا حاول بث الحياة في معاصريه الموتى روحياً وفكرياً، أي حاول منحهم إيماناً حياً جديداً، وتحريرهم من التقليد واجترار القواعد المتوارثة الخالية من كل روح، ويضع عبد الصبور رجل الدين جانبا، ويركز على المثقف، ويورد فى مسرحيته ، على لسان أحد الصوفية "هل أخذوه من أجل حديث الحب ؟ / لا ، بل من أجل حديث القحط / أخذوه من أجلكمو أنتم / من أجل الفقراء المرضى ، جزية جيش القحط"، وما يورده عبد الصبور في آخر مسرحيته، عن ظروف كتابتها، والمراجع التي عاد إليها، فضلا عن الموجود في متنها، يؤكد أنه اختار أن ينحاز للكلمة، فمأساة الحلاج في رأي عبد الصبور هي الكلمة، كيف تخرج، ولمن تصل، حتى المسجون الذي يلقاه في سجنه، ويتبعه، كانت مأساته الكلمة في صغره، لكنه لم يستطع أن يكمل طريقه إليها، حتى التقى الحلاج فعاد إليها مرة أخرى، الكلمة قد تكون رداء رجل الدين، لكنها سلاح المثقف الأول، الذي يهدي به الناس، ويواجه به سيف السلطان.

انعزالية الصوفي / المثقف، يرفضها الحلاج / عبد الصبور، مع خلع خرقة/ انعزالية الصوفي "تعني هذه الخرقة / إن كانت قيدا في أطرافي / يلقبني في بيتي جنب الجدران الصماء / حتى لا يسمع أحبائي كلماتي فأنا أجفوها .. أخلعها يا شيخ/ إن كانت شارة ذل ومهانة / رمزا يفضح أنا جمعنا فقر الروح إلى فقر المال / فأنا أجفوها .. أخلعها يا شيخ" إذن فمكان الصوفي/ المثقف كما يقدمه عبد الصبور ، ليس بين أوراقه، وبرجه العاجي فقط، بل مع التغيير في الشارع ، التغيير الذي يحسه الأعرج فيقول "أحس إذا سمعت حديثه الطيب/ بأني قادر أن أثني الساق/ أن أعدو / وأن ألعب / بلي / أحس بأنني طير طليق / في سماواته" ، في حين يشكك الأحدب في دور كلمات الصوفي / المثقف "نعم / إني أحب الشيخ / ولكن أسائل نفسي الحيري / تري هل يستطيع أن ينصب ظهري / بعدما احدب".

قصة الحلاج ظهرت في كل الثقافات، وليس لدى عبد الصبور وحده، كتعبير عن أزمة الضمير لدى المثقف، وظهر أيضا لدى أدونيس وعبد الوهاب البياتي في الثقافة العربية، وأصبحت سنة 309 هجرية من أعظم السنوات حسماً وتحوُّلاً فى تاريخ التصوف، وبالتحديد : يوم الثلاثاء 24 من ذى القعدة، أحيث ُخرج الحسين بن منصور الحلاَّج من سجنه، فجُلد، وقُطعت يداه ورجلاه ، وشُوِّه، وصُلب، وقُطعت رأسه ، وأُحرقت جثته، مصيرا لمن يخرج على سلطة الحاكم، الذي يستخدم سلطة الدين ، لكي يشغل العامة، وربما حري هنا أن نتذكر حادث محاولة اغتيال نجيب محفوظ، من شاب لم يقرأه لكنه سمع أنه يشتم الذات الإلهية، ونفس ما حدث مع المفكر فرج فودة، وقريب منه ما تكرر مع المفكر حسن حنفي، ونصر أبوزيد ، وطه حسين من قبل، بل وسقراط منذ قرون، فإشغال العامة بالدين، وإيهامهم بأن فردا يتجرأ على الدين، كفيل بأن تكسب السلطة، المؤمنة في هذه الحالة، مساحة لدى العامة، ويخسر الآخر، حتى لو كان يدعوهم إلى التفكير ليس أكثر "قالوا : صيحوا .. زنديقٌ كافر / صحنا : زنديقٌ .. كافر / قالوا : صيحوا ، فليُقتل أنَّا نحمل دمه فى رقبتنا / فليُقتل أنا نحمل دمه فى رقبتنا / قالوا : امضوا فمضينا / الأجهرُ صوتاً والأطول / يمضى فى الصَّفِّ الأول / ذو الصوت الخافت والمتوانى / يمضى فى الصَّفِّ الثانى" وهكذا تحرك السلطة الجموع.

والحلاج هو أبو المغيث الحسين بن منصور الملقَّب بالحلاج، ولد فى حدود سنة 244 هجرية بقريةٍ قريبةٍ من بلدة البيضاء الفارسية، وتوفى مقتولاً ببغداد سنة 309 هجرية،مصلوباُ بباب خراسان المطل على دجلة على يدي الوزير حامد ابن العباس، تنفيذاً لأمر الخليفة المقتدر، وقد نشأ الحلاج بواسط ثم دخل بغداد وتردد إلى مكة واعتكف بالحرم فترة طويلة وأظهر للناس تجلدًا وتصبرًا على مكاره النفوس من الجوع والتعرض للشمس والبرد على عادة متصوفة الزرادشتين، وانتقل من مكان لآخر يدعو إلى الحق على طريقته، فكان له أتباع في الهند وخراسان، وفي سركسان وبغداد والبصرة، قبض عليه بتهمة ادعاء النبوة فأنكر ما نسب إليه فوضعوه في السجن فترة ثم صلبوه حيًا صلب تشهير، ثم أعيد للسجن ثم أطلق فلم يرتدع عن طريقه،وفي يوم الثلاثاء 24 من ذي القعدة سنة 309هـ تم تنفيذ حكم الخليفة فيه بإعدامه، على مرأى من الناس.

المسرحية تلقي ظلالا على دور النخبة، النخبة التي يعتبرها عبد الصبور في حوار معه لا بد أن تقود المجتمع "وتزرع فيه القيم الجديدة، وتعوده بسلوكها عادات متقدمة من السلوك والتصرف. وقد خضع مجتمعنا العربي لفترة طويلة لنخبة المفكرين الذين علموه احترام العدالة والحرية والتفكير العلمي. ففي الفترة التي عرفناها في صبانا كان الدكتور طه حسين والعقاد وسلامه موسى وهيكل وغيرهم هم نخبة المجتمع وقد نختلف مواقعهم السياسية داخل الأحزاب المختلفة، ولكنهم جميعا يكونون أفقا سياسيا واجتماعيا يتحدث عن الديمقراطية والتفكير المنظم ، وشرع طريقهما للمجتمع، وقد سقطت قيادة المثقفين في عصرنا الحديث ، وكان المظنون أن تقوم مقامها قيادة التكنوقراطيين. ولكن هذه القيادة الجديدة لا تقوم إلا في مجتمع صناعي متقدم. وهنا سقط مجتمعنا في فراغ ، حاولت العشائرية السياسية استغلاله وملأه ولكن ثمن ذلك كله كان ثمنا باهظا . ولست في مجال الزهو بالنفس ، ولكن أريد أن أقول إني رأيت ذلك كله قبل 5 يونيو 1967م ، ووضعت يدي على قلبي خوفا منه فلما وقعت الواقعة انفطر قلبي ، ولعل هذا هو سر حزني وكآبتي"، وهو الأمر الذي يفسره بعض الباحثين بأن الحلاج رأي أن التغيير يجب أن يكون عن طريق الصفوة، وهو الأمر الذي تم مع الصوفي / المثقف/ الحلاج.

كتب عبد الصبور مأساة الحلاج، عام في العام 1964، و نال عنها جائزة الدولة التشجيعية عام 1966 ، وهي ثاني أعماله في المسرح الشعري بعد "بعد أن يموت الملك"، والمسرح الشعري لدى صلاح عبد الصبور يحتاج إلى وقفة طويلة، فهو سياسي في المقام الأول، كما رصد بدايات قصيدة التفعيلة في مصر، وربما كانت المسرح الشعري السابقة عليه قليلة، وربما يكون أبرزها مسرح أحمد شوقي، الذي كان عموديا، مقفى، على عكس مسرح عبد الصبور الذي اعتمد التفعيلة في مسرحه، وإن لم يعتمد على تفعيلة واحدة، بل استخدم تفعيلة الرجز، والوافر، والمتقارب، والمتدارك، مع ما يجوز فيها من تحويرات، كما تغلب على حقيقة أن "الحلاج" شاعر بالأساس، فلم ينطقه بمقوله، بل حورها لينطق بما كتبه عبد الصبور، وأسقطه على عصره.

مأساة الحلاج هي مأساة كل عصر، فنحن نتكلم في النهاية عن واقعة حقيقية، وشخوص حقيقيين، حتى لو أسقطها صلاح عبد الصبور على نفسه، ورأي أنها مأسساته، وهي تتكرر طوال الوقت، مع المثقف الذي يقرر أن يقترب من العامة، ويحذرهم من السلطان، ويذكرهم بفقرهم، ويطالبهم بالتغيير، فالسلطان والنظام الحاكم، إما أن يعامله كخارج عليه، أو خارج على الله،هي إشكالية المثقف والسلطة التي لن تحل، لأن الضمير لا يقايض، والكلمة لاتباع، وربما لهذا السبب يكون قد لقي نفس مصير المسيح عليه السلام.

ــــــــــــــــــــــــ

* نشر في جريدة القاهرة

أبو زيد: الأيديولوجيا تتسرب ولا تطغى على النص


عناية جابر
محمد أبو زيد شاعر مصري متميّز، له خمس مجموعات شعرية ورواية تحت عنوان «أثر النبي» صدرت في العام 2010، وتحمل هموم دواوينه الشعرية والإنسانية ذاتها، كشاب مصري عربي عاجز سوى عن التفرج على انكسارات وخيبات في مجتمعنا الكبير. الكتابة عند أبو زيد محاولته لإعادة ترتيب العالم حتى يصبح كما يروق له على ما يقول. معه كان هذا الحديث عن الكتابة، بالأخص كتابته الشعرية.
في قصائدك دائماً ذلك الشيء غير المتحقق، من هنا سر جاذبيتها؟
ـ التحقق هو النهاية، عندما أشعر بأنني قد وصلت سأجلس في بيتي، وأحادث أصحابي في فيس بوك وتويتر، وأتوقف عن الكتابة، الشاعر صوفي يبحث عن الله، عن الحقيقة، ويظل يبحث ويمضي العمر ولا يصل، الصوفي إذا وصل جن، أو كفر، أو مات، والشاعر إذا وصل فقد قدرته، لا يتبقى منه سوى كعب اخيل.
فيها أيضاً فن التعرية والتجريد من دون فقدان الوضوح المعماري للقصيدة على الصعيد الداخلي والخارجي؟
ـ كل ما كتبت منذ أول ديوان لي، وحتى آخر ديوان لي لا أعرف متى سيصدر، هو قصيدة واحدة، مختلفة المستويات، تتطور مع كل ديوان، قد تتكون هذه القصيدة من عشرة دواوين، ربما أكثر وربما أقل، أنا أعمل على «مشروع عمر»، أكتب وأنا أفكر في الدواوين المقبلة، والدواوين الفائتة، لذا فبعض شخوص الرواية موجودون في دواوين، مثل «عائشة»، أو «الشيخ أحمد عبد التواب»، وفي ديواني الجديد «مدهامتان»، الذي أعده للنشر قريبا، ستجدين إشارات لقصائد سابقة، وربما لاحقة، ما أريد أن أقوله هو أن لدي بناء معمارياً واضحاً لتجربتي الشعرية، أعمل عليه منذ ديواني الأول، أدرك أنني في كل عمل جديد أضيف لبنة جديدة فيه، عندما أضع آخر واحدة، سأتنهد ساعتها بارتياح وأقول: «حسنا يا رفاق، لقد انتهيت».
ما مصادر شعرك بمعنى ما هي قراءاتك ولمن من العرب والأجانب؟
ـ أقرأ لمن يكتب نصاً جميلاً، أحياناً أتمنى أن أستعيد مرحلة البدايات التي كنت أقرأ فيها كل ما يقع تحت يدي، من نصوص عربية أو مترجمة، لكن يبدو أنه مع الزمن وكثرة الإصدارات صار ذلك صعباً، لكن مع ذلك أحب دائما أن أقرأ النصوص الأولى لكتابها الشباب، دائما ما تكون ممتلئة بالطزاجة والبكارة، لكن قراءتي الأساسية، تبدأ من التراث العربي، وربما هذا ما يجعلني ألجأ كثيرا للتناص، أقرأ كثيرا في التراث الشعبي الإبداعي، أحب كتابة جيلي، وجيلي الثمانينيات والتسعينيات العربيين، أحب أدب أميركا اللاتينية، وأدب أميركا السوداء، أحب كثيرين، لكني أحب النصوص أكثر، النصوص هي التي تعرفني بالمبدعين.
المشهد متجمد
كيف ترى المشهد الشعري في مصر؟
ـ المشهد الشعري في مصر متجمد عند الخمسينيات، تمر الحياة ولا يمر، تجري السنون وهو واقف لا يزال يناقش قضايا انتهت منذ زمن، ما زلنا نناقش «هل هناك ما يسمى قصيدة النثر»، ما زلنا نتساءل «هل هي قصيدة أم نثر»، ما زلنا عندما نناقش ديوانا لشاعر نجد من يهب كعنترة وسط الندوة شاهرا سيفه في وجوهنا «تبت أياديكم، هل هذا شعر»، المشهد متجمد، ربما لأن الحياة نفسها متجمدة، ربما لأن التعليم يسحبنا إلى الخلف، ربما لأنه بعد ثلاثين عاماً من القهر لا زلنا نقف عند النقطة التي كنا نقف عندها، وربما لأن ناقداً خرج ذات يوم علينا بأن هذا زمن الرواية «فهرول الناس إلى الحواديت، وتركوا الشعر، ربما لأن أراوحنا صدئت ولم تعد تفهم الشعر، وربما لأن الشعر الذي يكتب لم يعد قادرا على إزالة كل هذا الصدأ عن الأرواح.
ثم هل تنقي الثورة الثقافة من شوائب عدة؟
ـ أعتقد أن الكتابة ستختلف بعد الثورة، أنا لا أستطيع أن أكتب بمعزل عن عالمي، والعالم تغير، العالم هو شارعي وجريدتي وقهوة الصباح و غرفة نومي وكتبي وجاري وضحكة طفلي وعبوس سائق الباص، كل ذلك تغير بعد الثورة، الثورة منحت العالم أسئلة جديدة لم يجب عنها أحد بعد، وأجابت عن كثير من الأسئلة التي كنا نطرحها من قبل، كان لدي نص طويل أعمل عليه قبل الثورة، لم أستطع استكماله بعدها، لأني شعرت بطاقة نور أضاءت النص كلها، وتركته معلقا، ربما يبقى على الثورة أن تنقي كما تقولين الثقافة من أمراضها، أن تخرج المثقفين من «الحظيرة» التي وضعهم فيها النظام السابق، على حد وصف وزير ثقافته فاروق حسني، أن تمنحنا الحرية في كتابة نصوص أكثر انفتاحا، من دون أسئلة تقليدية ظللنا ندور في فلكها خمسين عاما.
ماذا عن روايتك؟ لماذا الرواية؟
ـ لم أكتب الرواية عن قصد، وربما لن أكتبها مرة أخرى، في تعريفي على الرواية كتبت «شاعر مصري»، أقصد أنني شاعر كتب الرواية برؤيته، وهذا ليس انتقاصا من نوع معين من الكتابة، لكني أحب الشعر، ولذلك كنت أعطي الرواية لأصدقائي وأنا متردد وأقول لهم «أنا شاعر على فكرة يا جماعة».
هل تتيح المزيد من البوح الذي لا يتحمله الشعر؟
ـ الرواية لم تتح مزيدا من البوح بالنسبة إلي، بعض ما جاء في الرواية قلته في قصائد لي من قبل، لكن أريد أن أذكر بما قال الشاعر الإنكليزي «فيليب لاركن»، من أن الشعر يكتب الذات، والرواية تكتب الآخر، حسنا في الرواية كنت أريد أن أكتب الآخر، الرواية التي استغرقت كتابتها سبع سنوات، بدأتها في لحظة حاسمة في تاريخ الأمة العربية، وهي الاحتلال الأميركي للعراق في العام 2003، كنا نرى الحرب على الهواء، الأطفال والنساء والشيوخ يصرخون وتسيل دماؤهم على الشاشات أمامنا، ونحن لا نفعل شيئا سوى أن نشرب الشاي واليانسون على المقهى ونتفرج، نخرج في مظاهرات ندرك أنها غير ذات جدوى، فالحكام تآمروا كي تسقط بغداد، كتبت همي هذا في قصيدة اسمها «يقول محمد: نقية لدرجة أنه من المؤكد اسمها مريم»، في ديوان مديح الغابة، لكنني في الرواية أردت أن أكتب هم الآخرين، الذين كانوا حولي، كان الهم أكبر مني، ومن الآخرين، الذين رأيتهم يشيخون، لأن العجز أقعدهم عن فعل أي شيء سوى الفرجة ووضع الخد على اليد، وستجدين عالم القصيدة والديوان عالما واحدا، بل ستجدين الشخوص واحدة أيضا.
«الدوغما»
هنا سؤال يرتبط بوجود الأيديولوجيا في الرواية لديك، ألم تخش من الاتهام بالمباشرة؟
ـ أقول دوما إنه لا أدب بدون أيديولوجيا، حتى الذي يكتب رواية ذاتية، فهو في ظني يكتب أيديولوجيته الخاصة، وجهة نظره وإبداعه، نحن في عالم عربي تزيد السعادة فيه في متوالية عددية، فيما يزيد الشقاء في متوالية هندسية، كما قال ماركس، في ظل هذا يكون من الصعب أن تنخلع عن عالمك، ربما تسخر، ربما تخبئ أيديولوجيتك، لكنك لا يمكنك أن تخلعها تماماً، ولا يمكنك أيضاً أن تشهرها في وجوه الناس، شعرة معاوية التي بين الاثنين هي التي يمكن أن تنقذ النص، أعمال ماركيز ويوسا وكونديرا والليندي وساراماغو وبوليستر لا تخلو من الأيديولوجيا حتى لو بدت كذلك، القضية كيف ينتصر الإبداع على الأيديولوجيا في النص، لا أن يقتله تماما، وفي الرواية كنت أتناول حدثاً مهماً، وملهماً وهو الاحتلال الأمريكي للعراق، تناولته من خلال تأثيره في مجموعة من الشباب يعيشون في عالم مغلق، تحاصره قيود الأمن والفقر والعوز والوحدة، فهل سيهتم هؤلاء المشغولون بقضايا وأحلام بسيطة، بالقضايا الضخمة، كان هذا أحد أسئلة الرواية.
هل هذا يعني أنك تكتب أدبا في خدمة الأيديولوجيا؟
ـ هناك فارق بين أن تكون لدي أيديولوجيتي الخاصة، وبين أن أكتب أدبا أيديولوجيا، بالنسبة إلي أفضل فكرة المثقف المستقل، البعيد عن أي حزب، أو تيار سياسي، فحزبه وتياره هو إخلاصه لإبداعه وإنسانيته، أرفض تماما فكرة «الدوغما» في السياسة، والأدب والحياة، لكن هذا لا يعني أن الأديب لا يحمل وجهات نظر في الحياة، وجهة النظر هذه هي التي تجعله يكتب نصه، كل شيء وجهة نظر، هذه الإجابات وجهات نظر، وأيديولوجيا، الشيء الثاني أنني أرفض تماما فكرة أن يكون الأدب في خدمة الأيديولوجيا، لأنه في هذه الحالة لن يصبح أدبا، لكن ما أريد أن أقوله، هو أن الكاتب في لحظة الكتابة يتخلى عن هذه الأيديولوجيا لكنها تتسرب إلى نصه لأنها أفكاره، المهم ألا تطغى الأيديولوجيا والمباشرة على النص فيفقد فنيته، أنت لا تستطيعين نزع الشاعرية من محمود درويش أو محمد الماغوط رغم أيديولوجيتهما الواضحة، لا تستطيعين نزع الفنية من صنع الله إبراهيم أو إبراهيم الكوني أو رشيد الضعيف أو أمين معلوف أو عبد الرحمن منيف لمجرد أنهم كتبوا نصا يحتمل التأويل، المهم ألا يزعم الأدب أنه يقدم الأيديولوجيا، الإشكالية عندنا في العالم العربي، أننا لا نرى إلا جانبا واحدا من العملة، ولا نصدق أن هناك جانبا آخر، ونريد من الجميع أن ينظر من جهتنا نحن فقط، فنفي الآخر هو أسهل ما نمارسه.
ــــــــــــــــــــــ

29‏/05‏/2011

أثر النبى: رواية بين بدايتها واكتمالها خمسة دواوين شعر

عزة حسين*

محمد أبوزيد أجمل شعراء جيله. هو من ندرة يفعلون أشياء عديدةٍ بنجاح، أجملها الشعر: يكتب تدويناته الـ«حزاينى شوية».ويجمع الأعمال الإبداعية والنقدية على موقعه الناجح «الكتابة»، ويذهب إلى عمله بالتليفزيون، ويجالس أصدقاءه على مقهى «عم صالح»، ويداعب ابنه «سيف» بالمنزل. ومؤخرا كتب محمد أبوزيد رواية بعنوان «أثر النبى»، لها نفس هموم أشعاره، فى دواوينه الخمسة السابقة.

حيث: اليتم الضاغط، أسى الوحدة، مراثى الحروب، الالتصاق الشعرى بالهم العام، والتمرغ فى التراث الصوفى، لكنه يرى أن هم الرواية كان مختلفا وزائدا يقول: «كان هما خاصا متوازيا مع الهم العام، هم الوطن بأكمله، حيث حالة من التدين الظاهرى.

اصطدم بها بطل الرواية مع جماعة الإخوان المسلمين، أو عضو الجماعة الإسلامية الذى قابله فى القطار، أو فى سكنه ببيت الطلبة التابع للسلفيين، ويعلق لافتة «حلاق الجمعية الشرعية ممنوع حلق اللحية»، وحيث العجز الذى يلاحق وطنا بأكمله، بما فى ذلك طلاب الجامعة أبطال الرواية، العاجزون، وهم بعد فى العشرينيات، عن فعل أى شىء أو حتى الحلم بأى شىء للمستقبل، فضلا عن الهم السياسى للرواية وهو احتلال أمريكا للعراق.

بدأ أبوزيد كتابة روايته عام 2003، بعيد الاحتلال الأمريكى للعراق ولم ينته منها إلا عام 2010، وخلال هذه السنوات أنجز خمسة دواوين: «بدأت كتابتها وسط المظاهرات التى كانت تعم القاهرة، وحالة الاكتئاب التى أصابتنا جميعا، لأنه ليس بأيدينا شىء سوى الفرجة والعجز، فكانت الكتابة بالنسبة لى مهربا مما يحدث، وطريقة للنسيان، وللإدانة.

إدانة الذات العاجزة، وإدانة جيلنا بأكمله أمام الأجيال التالية بأنه لم يستطع أن يفعل شيئا سوى أن يتفرج».

لتناسخ الهموم، تقريبا، بين شعره والرواية، وتقاطعها مع ما يعرفه البعض عن محمد أبوزيد، وشعره، واشتباك ذلك مع أحداث واقعية مجايلة، سيظن البعض «أثر النبى» سيرة ذاتية لكاتبها، وسيحتفظ محمد بحق الاعتراض قائلا: «ليس معنى أن تكتب الرواية بصيغة المتكلم أنها سيرة ذاتية، لكننى أعتبرها رواية جيل بأكمله»، يوضح: «فى الفترة الأخيرة انتشرت على الفيس بوك «جروبات» تؤرخ لأهم ذكريات الجيل الذى ولد فى أوائل الثمانينيات، من أغانٍ، وإعلانات، ومسلسلات، وصور.

وقد فعلت فى الرواية شيئا ربما يشبه ذلك، إذ ستجدين فيها رصدا لأهم أغانى، وإعلانات، وعبارات، ومطربى أوائل القرن، وغيرها من تفاصيل يذكرها الجيل جيدا: كغرق العبارة سالم اكسبريس، احتلال العراق للكويت، الغزو الأمريكى لبغداد، وغيرها، والرواية بهذا الشكل تؤرخ لجيلى بأكمله، وفى النهاية لا أنكر أن فى الرواية جزءا من مشاهداتى، لكنها ليست أنا، هى الآخر، ولذلك هى رواية وليست قصيدة».

‏«كان‏ ‏الجو‏ ‏حارا‏ ‏وخانقا، عندما كان‏ ‏أستاذ‏ ‏الجامعة‏ ‏في‏ ‏المحاضرة‏ ‏يقول‏: «‏أنتم‏ ‏الجيل‏ ‏الذى‏ ‏تغرب‏ ‏آباؤه‏ ‏في‏ ‏مدارس‏ ‏ومزارع‏ ‏ومستشفيات‏ ‏المغـــــرب‏ ‏العربــــــى‏ ‏والخليج، ‏وعادوا‏ ‏ليشتروا‏ ‏شققا‏ ‏ويبنوا‏ ‏بيوتا‏ ‏في‏ ‏قراهم‏، ‏سقطت‏ ‏فى‏ ‏الزلزال‏ ‏أو‏ ‏غرقت‏ ‏في‏ ‏السيول‏، ‏أو‏ ‏نصبت‏ ‏عليهم‏ ‏شركات‏ ‏التوظيف‏ ‏وسرقت‏ ‏تحويشة‏ ‏العمر‏.

أنتم‏ ‏الجيل‏ ‏الذي‏ ‏لم‏ ‏يتعاطف‏ ‏مع‏ ‏تعامل‏ ‏الحكومة‏ ‏مع‏ ‏أهالى‏ ‏الجماعات‏ ‏الإسلامية‏ ‏وفضل‏ ‏تسلية‏ ‏أيامه‏ ‏بحكايات‏ ‏ليالي‏ ‏الحلمية‏ ‏والراية‏ ‏البيضا‏ ‏وأحلام‏ ‏الفتي‏ ‏الطائر‏، ‏أنتم‏ ‏الجيل‏ ‏الذى‏ ‏شاهد‏ ‏فى‏ ‏طفولته‏ ‏الطيور‏ ‏وهى‏ ‏تغرق‏ ‏فى‏ ‏بترول‏ ‏الكويت‏ ‏المسكوب‏ ‏في‏ ‏الخليج‏ ‏وشاهد‏ ‏انتهاء‏ ‏حلم‏ ‏الوحدة‏ ‏العربية‏ ‏علي‏ ‏الهواء‏، ‏أنتم‏ ‏جيل‏ ‏فاشل‏»، ‏ثم‏ ‏قاء‏ ‏فى‏ ‏طرف‏ ‏قاعة‏ ‏المحاضرات‏ ‏دما، ‏فتسللت‏ ‏أصابع‏ ‏الولد‏ ‏إلي‏ ‏أصابع‏ ‏البنت‏، ‏بينما‏ ‏عاد‏ ‏الدكتور‏ ‏ليرسم‏ ‏علي‏ ‏السبورة‏ ‏سارية‏ ‏وعلما‏».

أستاذ ‏الجامعة فى رواية أبوزيد كان من جيل نكسة 1967، بينما كان محمد من جيل نكسة سقوط بغداد، ومن قبلها غزو العراق للكويت، وبينهما فرق يشير إليه الكاتب قائلا: «نكسة 67 كانت نكسة أمة عربية فى زعيم كانت تلتف حوله هو عبدالناصر، بينما كان غزو العراق نهاية التفاف هذه الأمة حول ذاتها، ونهاية ما يعرف بالوحدة العربية.

ويضيف: «فى 67 خرجت الشعوب العربية تطالب عبدالناصر بالبقاء حتى يجمعهم مرة أخرى، وفى غزو العراق خرجنا دون أن نلتف حول أحد، لأنه لم يكن هناك أحد، وكل الزعماء يرتجفون خوف من غضب أمريكا».

فى نكسة 67 كانت هزة خفيفة لحلم الوحدة العربية، وكان غزو العراق زلزالا وبركانا وضع نهاية هذا الحلم».

الاحتماء بالدين سواء بالأخونة أو التصوف، وجنى حصاد التحول الرأسمالى، والفقر، والقهر هموم كبرى عمقتها شاعرية لغة محمد أبوزيد، وخففتها سخريته، لدرجة أن فصلا كاملا بالرواية، كان مرويا بطريقة التعليق على مباريات كرة القدم، وفصولا أخرى تخللتها شخصيات كاريكاتيرية كالتى تحتشد بها قصائد محمد أبوزيد وتحتشد بها الحياة:

«السخرية هى سلاح العاجز، وقلت لك من قبل إن كتابة الرواية كان دليل عجز عن التغيير، لكن السخرية تيمة أساسية لدى فى الكتابة سواء فى الشعر والرواية، والشخصيات الكارتونية والمأساوية ربما أحد تجليات هذه التيمة.

وربما هى وجهة نظرى فى هذا العالم، الذى أعتبر الكتابة محاولة لإعادة ترتيبه، حتى يصبح كما يروق لى، أو يصبح أفضل، لهذا تصادفك شخصيات فانتازية أو أسطورية أو كرتونية لدى.

فى روايته، كما فى دواوينه، لا يكتب أبوزيد دون بنتٍ يحكى لها أو عنها، زينب المروى لها فى «أثر النبى»، وعائشة، ومن قبلهما مريم، وميرفت عبدالعزيز، وسلوى، ورايان فى بقية الدواوين، يصر على اختلاقهن كأنهن مبرر للحكى: «هو ليس اختلاقا، لكنه جزء من مشروعى الإبداعى التراكمى.

ولذلك ستلمسين تكرار هذه الشخصيات فى أكثر من عمل، فشخصية عائشة موجودة فى الرواية وفى ديوانى الأول، وشخصية ميرفت موجودة فى أكثر من ثلاثة دواوين، فضلا عن شغفى بالبحث عن شعرية الأسماء والأماكن».

وبالطريقة نفسها يصر الكاتب على ترديد أسماء الأماكن، المدن، والشوارع، والمقاهى وكأنما يؤكد أنهم كانوا هنا، وأن ما يرويه حدث بالفعل: «أنا مغرم بالتفاصيل الصغيرة، هذه التى تتراص فتكون العالم، أو الرواية، أو القصيدة، كلنا مغرمون بقرية ماكوندو الأسطورية التى خلقها ماركيز فى «مائة عام من العزلة»، وأنا أسعى فى الكتابة إلى تحويل الواقع إلى أسطورة، وتحويل الأسطورى إلى معاش، وأعتقد أن الفن يسكن هنا».

أخيرا فقد حكى محمد أبوزيد فى روايته، على طريقة الاعتراف أو الشهادة، ما يصير معه غامضا التنبؤ بما كان سيقطع كتابة الشعر بالرواية مرة ثانية، أم سيواصل الشعر بعد شهادته تلك، المهم أن لديه ديوانا يجهز له حاليا باسم «مدهامتان»، يقول إنه استفاد فيه من تجربته الروائية، ويوضح أن ما يؤمن به طوال الوقت هو التجريب، على جميع الأشكال، سواء فى اللغة، أو الصورة، أو الإيقاع، أو الأسلوب، ويرى أن نهاية المبدع تكون عندما يتوقف عن ذلك.

‏يذكر أن رواية أبوزيد الصادرة عن دار شرقيات 2010، سبقتها خمسة دواوين هى: ‏ ‏«ثقب‏ ‏فى‏ ‏الهواء‏ ‏بطول‏ ‏قامتى» ‏ ‏عام‏ 2004‏، «قوم‏ ‏جلوس‏ ‏حولهم‏ ‏ماء» عام‏ 2005، «نعناعة‏ ‏مريم‏» ديوان للأطفال عام 2006، «‏مديح‏ ‏الغابة‏» ‏عام‏ 2007‏، و«طاعون‏ ‏يضع‏ ‏ساقا‏ ‏فوق‏ ‏الأخرى‏ ‏وينظر‏ ‏للسماء‏» ‏عام‏ 2008.

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

* نشر في جريدة الشروق

أثر النبي: رواية تستقصي حالات من الحلم والطيران والسقوط


هويدا صالح*
'أكتب لأنسى، لأفرغ ذاكرتي على الورق وأصير طليقا، لأنسى وحدتي في هذا العالم' هكذا أطلق محمد أبو زيد سؤال الكتابة منذ اللحظة الأولى في روايته: 'أثر النبي' فالكتابة هي التي ستحرر الذات وتعينها على التحرر والنسيان، نسيان الألم والوحدة، فبعد خمسة من الدواوين الشعرية يصدر أولى تجاربه السردية. أبو زيد راهن فيها على كتابة سيرة المهمشين والمنسيين في لغة تجمع بين الشعرية والصوفية في صنع فضاء سردي مميز. هم المهمشون الذين يعيشون على هامش المجتمع لا يشعر بهم أحد، يتتبع أبو زيد حيواتهم في سرد مكثف شحيح إلا أنه متخم بالدلالات والإحالات التي يفرضها العالم الصوفي الذي يتناص معه، وكأنه استعار من الصوفية خطابها ولغتها المليئة بالإشارات والمكثفة بشكل كبير.
أبطال الرواية هم مجموعة من شباب الجامعات الذين تشكل وعيهم السياسي والثقافي في عقد انتكست فيه الحريات والقومية والقضايا الكلية، شباب عاصروا حربي الخليج الأولى والثانية، وانكسر حلمهم مع الحلم العربي وموقف مصر السياسي الخارجي نحو القضايا العروبية.
قدم هؤلاء الشباب من قراهم ومدنهم الصغيرة في العمق المصري ليكملوا تعليمهم في القاهرة المدينة المرعبة التي أكلت روحهم وزادتهم تهميشا على هامشيتهم الاجتماعية والجغرافية.
المشهد الأول أو الفصل الأول الذي عنونه بـ'الدم' يلقي بكل خيوط الرواية التي سوف نراها ونجمعها فيما بعد، فالسارد أو البطل الذي يعتلي السلم ويدخل غرفته الآن ليتعثر في جثة زميله ودمه وقيئه يعطينا في جمل خاطفة نبذات عن أبطال الرواية أو زملاء السكن الجامعي الذي يسكنونه: 'مئذنة باب زويلة تلوح من الشباك، وجسد عادل هياكل ملقى أمام سريره على الأرض بارد تماما، الدم الذي تقيأه يملأ الأرضية، تجتاحني حالات متفاوتة من الرعب والغضب والرغبة في البكاء'.
البطل منذ صغره يحلم بالحصول على قبس من أثر النبي، أثر النبي الذي حكى له جده عنه وهو صغير: 'أنتقل من شارع إلى آخر، كتابع يبحث عن نبيه، لا أجيد قص الأثر، لا دربة لدي ولا طاقة لأفعل، لا أثر لأي شيء، طوال الوقت أشعر أن كل شيء سينتهي بعد قليل، علي فقط أن أواصل التنقل والانتظار'.
منذ اللحظات الأولى والسارد يغرق في الغربة، ليست غربة جغرافية فقط، بل هي غربة نفسية، وكأنه فر بغربته من قريته في الصعيد ليأتي وتبتلعه المدينة الكبيرة، فيبحث طوال الوقت عما حكى عنه جده الذي كان يأتي في رحلة صوفية إلى المدينة، ويعود ليحكي للطفل الصغير عن شخوص وحكايات، فحين يكبر الصغير، ويهرب بغربته إلى المدينة يتتبع أثر النبي، ويبحث عن حكايات الجد، فلا يجدها إنما يجد آلاما وطلابا يحملون غربتهم داخلهم، ونظاما يقهر الطلاب في الجامعات وأمن الدولة والأمن المركزي. تصاحبه في غربته مجموعة من الشخصيات لا تقل عنه غربة، فها هو القذافي من البحيرة، أبو العزايم من الشرقية، حمدي من بني سويف، يوسف من الأقصر، الشيخ سيد وعادل هياكل من الفيوم. تحمل كل شخصية من هؤلاء أحلامها البسيطة، حلم حياة المدينة، والتعبير عن الذات، والبحث عن فتيات قد يشاركنهم ذات الحلم: 'ينتهي الشيخ سيد من تناول العشاء، يجلس منتظرا حمدي الذي عليه الدور في إعداد الشاي الليلة، يلتقط كوب حلف البر الذي يفضل تناوله، ويبدأ سهرة كل ليلة مع القذافي وعادل هياكل وأبو العزايم في ركن الحجرة بالحديث عن بنات الغورية، وأفعالهن التي يشيب لهولها الولدان، أو بقراءة فصل من كتاب تحفة العروس الذي يخفيه حمدي عن أعين عم رجب حارس السكن'.
دأب أبو زيد على أن يصدر كل فصل بنص صوفي يتناص معه، وبالطبع يأتي النص الصوفي بذاكرته المعرفية في ذهن القارئ، وتنوعت التناصات ما بين مقطوعات شعرية صوفية أو مدائح أو أغان ومواويل صوفية أيضا، يقول في مقدمة الفصل الأول الذي يقدم فيه لشخصياته يأتي بموال صوفي مكتوب بالعامية المصرية، وكأنه يبرر سرديا رحلة البحث عن الذات التي بدأها السارد إلى القاهرة، ليسكن في جوار آل البيت يقول: 'يا آل بيت النبي أمانة ما تفوتونيش.. عايز أنول مطلبي بس في حماكم أعيش. قال يا جريح الهوى إذا كنت غويت سافر إلى مصر واشكي لمولانا ـ لسيدنا الحسين ـ حالك .. هاتنول آمالك ـ يا حبيبي ـ وتتهنى مع الدراويش'.
كما أنه يتناص مع نصوص شعرية صوفية مثلما تناص مع أبيات لابن الفارض حيث يقول:
ما لي سوى روحي وباذِل تفسِه
في حب من يهواه ليس بمسرفِ
فلئن رضيت بها فقد أسعفتني
يا خيبة المسعى إذا لم تسعفِ'
ولقد افاد الكاتب من تقنيات التجريب في السرد، فقد خرج على كلاسية السرد، فلم يقدم لنا حكاية محبوكة أو تناميا زمنيا خطيا، بل يقدم لنا سرديات متجاورة كل سردية فيها تضيف قطعة من قطع البازل الذي يصنع منه لوحة مكتملة يسميها 'أثر النبي' كما أنه يتلاعب بالزمن ما بين الفلاش باك والزمن الآني في محاولة لقص أثر الإنسان الذي مات داخله منذ أن كان طفلا يحلم بالطيران على سطوح الدار وحتى أصبح شابا يحلم بطيران من نوع جديد في شوارع القاهرة، لكن حلمه بالطيران يجهض طوال الوقت، فلا يشعر بتلك النشوة التي يحلم بها، نشوة أن يعلو الجسد لأعلى، لأعلى، ثم يشعر بالخفة كام طائر يفرد جناحيه بعرض الفضاء، لكن السقوط دوما ينتظره، بدءا من موت الأم وهو صغير ومرورا بكل الخيبات التي أوصلته إلى حيث يقف الآن مرتعبا من موت زميله في الحجرة عادل هياكل، ورغم أن زميله عُرف أنه مصاب بالسل، وأنه وارد أن يموت وسط قيئه ودمه إلا أن الذات الساردة التي تعودت على الخوف والاضطهاد تخشى أن يُتهم بقتله.
ولا تقف الرواية عند خيبات الأبطال الشخصية، بل يعمد الكاتب إلى أن يركز الكاميرا على الخيبات القومية التي شكلت وعي هذا الجيل وزادته غربة، فيتداخل الهم الخاص بالهم العام، فها هم طلاب الجامعات والشباب يثورون على دخول أمريكا العراق، وسقوط بغداد، سقطت بغداد وسقط الحلم العام، فلم يكتف الكاتب بحلم الطيران والسقوط للذات الساردة، بل أسقط الحلم العام بسقوط بغداد : 'في جرائد السبت: كانت صور المظاهرة في صدر الصفحات الأولى، كانت صورتي بعروق وجهي النافرة وأنا أهتف في طرف صورة في الصفحة الأولى من جريدة الوفد'، إذن حاول لملمة شتات الذات بأن يتلاشى همه الفردي في الهم العام، وكأن حلم الخفة والطيران تحقق حين نسي الهم الذاتي، فها هو يتصدر الصفحة الأولى هو وزملاؤه في مظاهرات الاعتراض على سقوط بغداد، لكن الأمن والنظام يقمعان التظاهرات، فلم يلق المتظاهرون إلا القهر والاستبداد 'أهرول من شارع شمبليون لشارع معروف لشارع عدلي هربا من الهراوات، أهرب من لا شيء إلى لا شيء، في المساء'.
في لغة شفيفة وسرديات تشبه كادرات سينما خاطفة يتوالى السرد ليصور لنا شحنات الألم والبكاء التي تنتاب السارد ويتناص مع فيلم 'العصفور' وجاء استدعاؤه لفيلم العصفور لأنه يصور لحظات سقوط للأمة العربية والمصرية لا تقل عن سقوط بغداد، فمشهد النكسة وعبد الناصر الذي يحاول التنحي، والشعب الذي يطلع للشوارع ليجبره على عدم التنحي هو أشد المشاهد التي سيطرت على الناس، فمصر لم تتصور كيف تواصل دون زعيم أو بطل يأخذ بيدها ليخرجها من نفق النكسة المظلم، يجيد الكاتب اللعب بكادرات فيلم العصفور، فمحسنة توفيق بطلة الفيلم على مستوى الواقع كانت تشارك في المظاهرات التي تندد بسقوط بغداد، وعلى مستوى الفيلم كانت تستنهض الهمم وتصرخ صرختها الشهيرة وهي تجري في شوارع القرية 'هنحارب، هنحارب' إذن السقوط واحد وإن اختلف العصر، والقهر والألم واحد، ومحمد أبو زيد يختم روايته بمشهد عبد الناصر ـ في الفيلم ـ وهو يخبر الشعب المصري بقرار التنحي، وبطل محمد أبو زيد وهو يفر من كابوسية الواقع 'صوت عبد الناصر يواصل تلاوة خطاب التنحي في أذني: فإنني على استعداد لتحمل المسؤولية كلها، وقد اتخذت قرارا أريدكم جميعا أن تساعدوني فيه... أهرول والشوارع تزداد ضيقا، لا أشعر بثقل الحقيبة التي مزقت كتفي، تسقط جميع الأشياء من ذاكرتي، يقفز وجهك أمامي، أهرول أكثر'.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
' روائية وناقدة من مصر

أثر النبي.. الشاعر روائياً

فريدة النقاش

شيخ الطريقة الذي أجلسني بجواره في إحدي حلقات الذكر في مسجد الحسين قال لي:

«اعرف الفارق بين العلامة والأثر».. ثم يضيف الشيخ «إن الفارق مثل ما بين الحياة والآخرة فاتبع العلامة، واترك الأثر.. كلنا نبي نفسه، فالبس رداء تقشفك، واترك الناس تتبع أثرك». وهناك صندوق يضع فيه «أدهم صبري» الراوي في رواية أثر النبي «لمحمد أبوزيد» كتبا وصورا قديمة وقصاصات صحف.. ويتساءل هل هذا الصندوق هو أثري الذي سأتركه أم علامات مرت؟ فهل يبحث صاحبنا عن خلود ما هو التواق إلي السفر، الحالم بالطيران «فاردا ذراعي كلاعب سيرك يخاف من السقوط أرفع يدي لأعلي لكنني لا أطير يا زينب».

«زينب» هي الحاضر الغائب لا تطل علينا أبدا في الرواية لكنها ملاذ صاحبنا الطالب الذي ينتقل من مكان بائس لآخر أشد بؤسا يهرب «من عالم ضيق، فأجد العالم يضيق أكثر» عالم يقف علي أظافره في انتظار أن تدق الشرطة الباب في أي لحظة «احتمال أن يرجعوا مرة أخري، يدقوا الباب فيقتلوني حين يجدونني وحيدا».. فنحن أمام مدينة بلا قلب وبوسعنا طيلة قراءة النص أن نستعيد الديوان الأول بهذا الاسم للشاعر «أحمد عبدالمعطي حجازي» كما نستدعي قصيدته «لا أحد» ففي هذه الرواية الشعرية «الغرباء يموتون هنا دون أن يحس بهم أحد»، ومعظم شخصيات الرواية هاجرت من الريف إلي هذه المدينة الموحشة التي لم يجدوا فيها سوي القهر والقمع علي كل المستويات وطنية حيث ينتهي القص بالغزو الأمريكي للعراق، وشعور الجميع بقلة الحيلة إزاءه، واجتماعية حيث الرزق الشحيح والمساكن الخانقة والأحلام المجهضة، وروحية حيث التمزق بين حلم الشخصية الراوية بالطيران وضغوط الإخوان المسلمين الذين يحرمون القصص وكل أشكال الفن، ويحلق الموت بين هذه العوالم كلها كأنه طائر الرخ، فمن موت حقيقي «لعادل هياكل» زميل السكن الذي وصفوه هذا الوصف بسبب مرض السل الذي أكله إلي الكتب «عن عذاب القبر» وعلامات الساعة الصغري التي يعطيها له الرجل المكلف بتجنيده لحركة الإخوان.. ويجد الراوي أنه بذلك يخرج من نفسه الحقيقية إلي نفس أخري «أتخلي عن وجهي وأرتدي وجها آخر»، هذا بينما تبدأ الرواية «بالدم» في فصلها الأول حيث ينزف عادل وتنتهي بتصريح بالدفن أي أننا بصدد بنية دائرية تبدأ بالموت وتنتهي من حيث بدأت.

ولمثل هذه البنية دلالات كثيرة، فهي اغتراب حيث يدور الراوي حول نفسه، وهي انغلاق دائرة القمع واللوعة التي تعيشها الشخصيات في بحثها المضني عن ثغرة، وذلك كله علي خلفية من الكدح موت الأم وتسلط الأب وزوجته.

تنفتح ثغرة في الدائرة المغلقة فقط في حالة التصالح مع العالم التي يجريها الراوي أثناء غزو أمريكا للعراق واندلاع المظاهرات الاحتجاجية «كنا نوصل الطعام يوميا إلي الطلبة المحاصرين وأشعر أنني قد بدأت أتصالح مع الناس.. مع الشوارع» إنه التصالح الذي يتم فحسب في حالة الفعل الإيجابي من أجل هدف كبير يتجاوز الأشخاص.

يلجأ الكاتب إلي السخرية حين يتعامل الراوي بمنتهي الجدية مع «حجازي» رفيقه في السكن الذي تخيل أنه ممثل وقام بدور «ضجيج في المقهي»، ولكننا أيضا سوف نبتسم ساخرين حين يخبرنا أنه كان يقرأ في المترو والباص والترام ونحن نتساءل كيف كان يفعل ذلك حقا؟

نحن بصدد نص أدبي جميل مفعم بالمشاعر كتبه شاعر فيه اكتناز وكثافة في اللغة الآسرة بادئا بالمعرفة كألم في مفتتح الكتاب يقول في مناجاته «لزينب» التي هي قارب نجاته «هنا خنتك يا زينب، أنا الذي أعرف كل شيء، وأنت التي لا تعرفين، أتذكر فأتعذب» ويتشبع النص بمقتطفات من أشعار الصوفية إضافة للتاريخ المكثف للصمود أمام العدوان الذي يحكيه محمود المليجي في فيلم «الأرض» كمقدمة لفصل الحرب.

يستطيع «محمد أبوزيد» أن يطمئن بعد روايته الشعرية تلك إلي أنه ترك أثرا حتي وهو «ينتقل من شارع لآخر كتابع يبحث عن نبيه» فهو نبي نفسه كما قال له الشيخ وحتي بعد أن أصبح حلم الطيران جريا في الطرقات اتقاء للألم وبحثا عن معني.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*نشر في جريدة الأهالي

20‏/05‏/2011

ركوب الموجة التي تجري ورا الموجة وعاوزة تطولها

تقريبا كل الكتاب الصحفيين ، والشعراء ، و الروائيين ، والنقاد ، والإعلاميين ، والفنانين ، والبقالين ، كلهم تنبئوا بالثورة ، بل أكاد أجزم بأن 85 مليون مصري تنبأ بالثورة في كلمة قالها ، أو حوار مع النفس أو تصريح أو مقال أو قصيدة أو رواية أو أغنية ـ بس الناس ما خدتش بالها ـ كلهم تنبئوا بالثورة إلا أنا الوحيد الذي كنت غافلا نائما متنيلا على عيني ، وأعتقد أيضا أن كل المصريين ـ حكومة ومعارضة عمالا وفلاحين ـ كانوا ضد النظام ، وقالوا للأعور إنت أعور في عينه ، وخرجوا في المظاهرات والاحتجاجات وطالبوا بإسقاط النظام طوال الثلاثين عاما الماضية ، إلا أنا ـ برضه ـ ، وما عرفش إيه الخيبة اللي الواحد فيها دي ، يعني مصر كلها تبقي عارفة إنه فيه ثورة هتقوم من قبلها ، وما حدش يقول لي ؟ .
طبعا ما يحدث هو نوع من أنواع المزايدة ، و محاولة ارتداء ملابس الآخرين ـ حتى لو كانت واسعة أو ضيقة ـ ليس مهما ، واللحاق بأي مكسب ، بأي فتفوتة من تورتة الثورة ، المهم أن يبدو الواحد ثوريا، بطلا ـ ولو من ورق ـ مع أنه ليس عيبا إن الواحد لم يتوقع بالثورة ، بل أكاد أجزم إن أحدا حتى مساء جمعة الغضب ( 28 يناير 2011) لم يكن يتوقع أن تصبح هذه ثورة ، تؤدي إلى خلع النظام الفاسد السابق ، وأحدا لم يتوقع ممن مشوا في مظاهرات 25 ، و26 ، و27 يناير أن تكون هذه الاحتجاجات التي رفعت شعار " تغيير حرية عدالة اجتماعية " أن يسقط النظام ، حتى الذين رفعوا شعار " الشعب يريد إسقاط النظام " ـ ومع فكرة الحلم الثوري الطاغي ـ لم يكونوا يتوقعوا أن يسقط النظام .
لذا فما يحدث الآن من أن تجد فنانا يقول لك أنا قلت من 50 سنة في حوار مع جريدة البعكوكة أن هناك ثورة ستقوم في مصر أو يقدم نفسه على اعتبار أنه كان ضحية أو مناضلا ـ بس انتم ما كنتوش واخدين بالكم ـ ليس إلا كلاما من قبيل التنكيت ، ولا يختلف شيئا عن كلام وفاء عامر التي قالت أنها ذهبت إلى ميدان التحرير إثناء الثورة بالنقاب ،  وبسبب انتقادها الدائم لحكم الطاغية الفرد ، ومن يصدق مصطفى الفقي الذي كتب مقالا في المصري اليوم بعد إزاحته ـ و لله الحمد ـ من جامعة الدول العربية يقول فيه أنه يعلم أن كل شباب الثورة كانوا يدعمونه للوصل إلى المنصب ، مع أنني لم أجد شابا ولا كهلا يحبه ، المشكلة أن أمثال هؤلاء الأشخاص يبدوا أنهم يصدقون أنفسهم و يطالبوننا أن نصدقهم ، الكلام ليس عليه جمرك ولا يعاقب عليه القانون ، لذا من حق كل واحدا أن يتكئ ويقول ما يريد ، لكن نرجو ألا يتكئ علينا .
مشكلة المتنطعين والمزايدين والراكبين ـ الموجة ـ أنهم حتى يثبتوا أنهم كانوا ثورار وقارئي فنجان ومتنبئين ـ فلا بد من ضحايا ، وهناك ضحايا سههلة وهي أذناب النظام السابق الموجودين في السجن ـ وهناك ضحايا آخرين لا يعرفهم أحد ، تجد نفسك قاعدا في بيتك ـ لا بيك ولا عليك ـ فتجيلك طوبة في راسك ـ إيه اللي حصل يا جماعة ـ يقول لك ده فلان الفلاني بيقول تصريح إنه كان ثوري مع أنه كان نائما في أحضان الحزب المحلول
بالأمس كتب أحد ثوار يناير على حسابه في تويتر " بعض المناضلين إذا جلس مع جيفارا لخرج جيفارا من الجلسة وهو يشعر أنه خائن وعميل وجبان " ، هذا حقيقي ، فالمزايدة على كل أحد ، وعلى كل شيء ، ليست هي الحل لنجاح الثورة ، وركوب الموجة التي تجري ورا الموجة ، ورا الموجة ـ للأسف ـ مش هيخليها تطولها ، فحنانيكم بأنفسكم .
أحيانا تكون أفضل خدمة يقدمها بعض المتنطعين والمدعين وراكبي الموجة والمزيداين ، أقول أفضل خدمة يقدمونها للثورة هي أن يظلوا صامتين .

24‏/01‏/2011

كل الذين أحبهم ماتوا


حين ماتت جدتي فقط شعرت أنني يتيم ، شعرت أن كل الذين أحبهم ماتوا ، رحلت أمي وأنا دون الخامسة ، ورحلت جدتي لأبي بعدها بعامين ، ورحل جدي الذي رباني بعدهما بأعوام قليلة ، في رحلة الحياة مات كثير ممن أحبهم ، من الأصدقاء والأهل ، واستمرت الحياة ، لكن حين ماتت جدتي فقط شعرت أنني يتيم ، شعرت بالعجز ، شعرت بالوحدة ، شعرت بكم هي سيئة هذه الحياة التي تتركنا وحيدين في صحراء جرداء بدون أحد معنا يدلنا على الطريق .
أسوأ إحساس في الحياة هو الفقد ، وأسوأ ما في الفقد حين تكون ضعيفا و لا تجد من تستند عليه في أزماتك التي لا تنتهي ، أنك لن تجد الدعم الذي تحتاجه ممن يعطونك الدعم ، ليس مهما أن يكون دعما ماديا ، ربما هو دعم نفسي أكثر ، أنك لن تجد من كانوا معك في أشد لحظاتك ضعفا ، في كل هزائمك ، من ربتوا على كتفك ، وساعدوك على النهوض لتكمل مواجهة الحياة ، من أحبوك واحتملوك بكل أخطائك وإخفاقاتك وجنونك وتمردك مرارة الفقد في أن في لحظات ضعفك القادمة لن تجد من يساعدك على النهوض ، ولا من يربت على كتفك ، ولا من يقول لك " انت ولد جيد ستستطيع أن تكمل " ، ولا من تنجح حتى تسعده ويكون سعيدا لسعادتك ونجاحك ، أسوأ ما في الفقد هو ذلك الإحساس بالمرارة الذي ينتابك بمدى تقصيرك ، هو ذلك الإحساس بالعجز ، هو تلك الغصة الهائلة التي تقف في حلقك .
يأتي الخبر عبر الهاتف ، فأترك كل شيء وأهرول ، هل كانت محاولة يائسة لمنع الرحيل ، ثماني ساعات يقطعها الميكروباص في الطريق ، أسترجع فيها مشاهد ربما هي رحلة حياتي ، حياتها ، حياتنا المشتركة ، أدرك أنني دائما من كان يأخذ وأنها دائما التي كانت تعطي ، تعطي بلا انقطاع ، تعطي بلا حاجة للأخذ ، تعطي بلا رغبة في الرد ، وآخذ أمنا وسلامة ومحبة ولا أعطي شيئا ، تجارة خاسرة تدركها لكنها لا تتوقف عنها ، منذ كنت صغيرا ضعيفا لا أقوى على شيء وهي قوية كبيرة تقوى وتساعدني في كل شيء، وحتى صرت كبيرا قويا أقوى على فعل كل شيء ، وصارت ضعيفة كبيرة السن لا تقوى على فعل شيء ، لكنها تستمر في العطاء في كلتا الحالتين ، وأستمر في الأخذ .
هل كنت تحتاج إلى وقت طويل لتعرف أن الذين يحبونك قد رحلوا ، الذين يحبونك دون أي هدف ، الذين يحبونك لأنك أنت ليس أكثر ، لا يريدون منك شيئا ، يريدونك أن تصير أفضل ، أفضل منهم ، يأخذون من أنفسهم ويعطونك ، الذين أخذوا بيدك حين كنت لا تستطيع أن تفعل شيئا ، حين كنت لا تستطيع أن تمد يدك لالتقاط كوب الماء ، ثماني ساعات أدركت خلالها كم كانوا رحماء بك ، وكم كنت ولدا عاقا .
مر على الرحيل أكثر من شهر ونصف ، لم أستطع أن أكتب إلا الآن ، لا أستطيع أن أجد طعما لشيء ، لا أستطيع تخطي مرحلة النسيان ، ، لا أريد أن أخطو تجاه النسيان ، لا أريد أن أودع عمري الذي مضى في الذاكرة وأمضي .
مع رحيل جدتي ـ فقط ـ أدركت أن كل الذين أحبهم ماتوا .

01‏/12‏/2010

الشاعر محمد أبو زيد بعد روايته الأولي‮:‬ تحوّلنا إلي أصنام

حوار‮ ‬ : نائل الطوخي
الشاعر محمد أبو زيد أصدر رواية بعنوان‮ "‬أثر النبي‮". ‬ولكن علي عكس جميع الشعراء الذين كتبوا الرواية بعد تمرّسهم في الشعر،‮ ‬فالصيغة الأولي من روايته كانت قد اكتملت قبل نشره أي ديوان‮. ‬كتب الرواية عام‮ ‬2003،‮ ‬وكان ديوانه الأول‮ "‬ثقب في الهواء بطول قامتي‮" ‬لا يزال ينتظر دوره للنشر في الهيئة العامة لقصور الثقافة‮. ‬يقول‮: "‬كنت أجرب‮. ‬كتبت القصة والشعر ولكنني كنت واعياً‮ ‬وقتها أن الشعر مشروعي‮. ‬الكتابة في النهاية لعبة،‮ ‬قد تبدو علي هيئة رواية أو شعر أو مسرحية أو حتي نص عائم،‮ ‬المهم هو فكرة الكتابة ذاتها،‮ ‬بالإضافة إلي أنني كتبت روايتي هذه بنَفَس شعري‮. ‬لم ألتزم بقواعد الرواية المتعارف عليها‮. ‬الحدث كان يتعطل كثيرا لصالح الكثير من فقرات‮ ‬مناغاة الراوي وغيره‮."‬
العام‮ ‬2003‮ ‬له دلالة أخري،‮ ‬عام الاحتلال الأمريكي للعراق‮: "‬كان احتلال العراق نكسة حقيقية للجيل كله‮. ‬نكسة جيل الستينيات والسبعينيات تمحورت حول سقوط الزعيم الروحي لهم،‮ ‬عبد الناصر،‮ ‬الذي لم يعد هو الزعيم القائد،‮ ‬ولكن الأمة العربية كانت لا تزال موحدة‮. ‬بعد الاحتلال العراقي للكويت عام‮ ‬90،‮ ‬ثم الاحتلال الأمريكي للعراق عام‮ ‬2003‮ ‬أصبح موضوع الوحدة العربية مزحة ثقيلة‮. ‬الآن السودان والعراق ينقسمان،‮ ‬وفلسطين تتحول إلي‮ ‬غزة والضفة الغربية منفصلين عن بعضهما البعض،‮ ‬ولبنان ينقصها القليل لتنفجر‮. ‬في عام‮ ‬2003‮ ‬كنت مهزوما وأريد التنفيس عن هزيمتي‮."‬
العام‮ ‬2003‮ ‬هو العام الذي تدور فيه أحداث الرواية،‮ ‬خلفيتها الأخبار المذاعة عن سقوط العراق بيد الجيش الأمريكي،‮ ‬والبطلان الرئيسيان لها هما شخصية عادل هياكل،‮ ‬الذي يسكن مع زملائه في بيت الطلبة ولا يتوقف عن المزاح،‮ ‬يعيش قصة حب في الجامعة،‮ ‬ويخرج في المظاهرات وفوق هذا هو مريض بالسل ويموت في نهاية الرواية،‮ ‬هو المعبر عن الجيل في الرواية،‮ ‬كما يشرح أبو زيد،‮ ‬بالإضافة إلي بطلة أخري‮: ‬الفنانة محسنة توفيق‮. ‬تنتهي الرواية بخبرعن ضربها علي يد قوات الأمن التي تقوم بتفريق المظاهرات،‮ ‬مع مشاهد من نهاية فيلم‮ "‬العصفور‮"‬،‮ ‬بعد إعلان تنحي عبد الناصر وهي تنزل الشارع وتهتف‮ "‬هنحارب‮".‬
أسأله إن لم يكن الربط بين احتلال العراق ونكسة‮ ‬67‮ ‬بهذه الطريقة مباشراً‮ ‬قليلاً؟‮ ‬فيقول إنه حاول الابتعاد عن المباشرة قدر الإمكان‮. ‬علي العموم‮.. ‬فكرة المباشرة تبدو بالنسبة له محيرة قليلا،‮ ‬يتوقف أمامها ليطرح تساؤلاته‮:‬
‮"‬ظهور عبد الناصر في الرواية كان محايداً‮. ‬قد يفهم منه القارئ أنني أدينه وقد يفهم أنني أسترجعه بنوع من الحنين‮. ‬لم أحب أن توضع الرواية في إطار سياسي‮. ‬ولكن في نفس الوقت،‮ ‬هل المطلوب من الكاتب أن يتخلي تماماً‮ ‬عن قضيته؟ نيرودا يتساءل إذا ما فتحت النافذة صباحاً‮ ‬ورأيت قتيلاً‮ ‬ورأيت وردة،‮ ‬فهل أكتب عن الوردة؟‮! ‬أنا هنا ضد الجيل الحالي الذي يريد الانغلاق علي ذاته ويكتب شعرا عن تفاصيل‮ ‬صغيرة‮. ‬الكاتب بلا قضية ليس كاتباً‮. ‬لا أطلب من الكاتب الدفاع عن فلسطين ولكن علي الأقل أن يكون لديه هم‮. ‬عندما نتوقف عن التعب بحثاً‮ ‬عن لقمة العيش،‮ ‬ونتوقف عن الموت من البطالة،‮ ‬سيكون متاحاً‮ ‬لنا أن نكتب عن قضايا ذاتية تماماً‮."‬
كتب أبو زيد روايته هذه أربع مرات،‮ ‬وفي كل مرة كان يعاود عملية التنقيح ويحذف الأجزاء الأكثر مباشرة‮ (‬هو‮ ‬_‮ ‬مع رأيه هذا‮ - ‬يرفض المباشرة الزاعقة،‮ ‬يري أبياتا مثل‮ "‬دع سمائي فسمائي محرقة‮" ‬تصلح أكثر للأغاني،‮ ‬بينما النص الأدبي خُلق ليبقي‮)‬،‮ ‬كما أضاف شخصيات وحذف أخري وأضاف تفاصيل‮ ‬علي مدار عملية تنقيح الرواية لتضيف بعض المصداقية للعمل،‮ ‬مثل كلمات الأغاني والإعلانات المنتشرة عام‮ ‬2003‮. ‬وفي أثناء عملية التنقيح المتواصلة هذه،‮ ‬قدم الرواية لمسابقة يحيي حقي بالمجلس الأعلي للثقافة وفازت فيها‮. ‬يواصل حديثه عن المباشرة‮: ‬
‮"‬نحن كأدباء شباب تحولنا إلي أصنام،‮ ‬ثرنا علي الأصنام القديمة لأنهم كانوا يقومون بنفينا،‮ ‬وقلنا إنهم كانوا مباشرين،‮ ‬وثرنا علي الشعر التفعيلي والعمودي،‮ ‬ثم تحولنا نحن أنفسنا إلي أصنام،‮ ‬صرنا نقدس الرواية القصيرة والنص المشفر والذاتي تماماً‮. ‬أنا ضد فكرة نفي الآخر‮."‬
هناك مقطع كامل من الرواية يرويه‮ "‬عادل هياكل‮" ‬معلقا‮ ‬_‮ ‬بشكل ساخر‮ ‬_‮ ‬علي مباراة كرة يتخيلها بين زملائه في السكن‮. ‬المقطع مكتوب بعامية بسيطة ويبدو فيه أبو زيد‮ ‬_بإضفائه عنصر السخرية‮ - ‬متمردا علي اللغة المعتمدة للروايات وعلي لغة الحوار بشكل خاص‮. ‬
أسأله ألم يرغب في اختراقات لغوية أكثر تدخل نصه الروائي؟‮ ‬
فيجيب بأن شخصية عم رجب حارس المسجد هي شخصية كارتونية أيضاً،‮ ‬وهناك شخصية حجازي الذي يكتب خطابات تحوي أحداثا مختلقة لأهله ليثبت لهم أنه أصبح ممثلا كبيرا،‮ ‬الخطابات تحوي‮ "‬شعرية الركاكة‮" ‬كما يسميها‮. ‬بالإضافة إلي اختراقات من نوع مختلف‮: "‬هناك مقاطع حاولت فيها تكثيف اللغة الصوفية،‮ ‬والنص الذي أقدم فيه وثيقة إقرار الطلبة علي السكن في البيت كانت لغته مختلفة،‮ ‬الموضوع أنني في مواضع كثيرة كنت أكتب بلغة شعرية،‮ ‬اللغة لم تكن تعمل إذن في إطار ذروة وحبكة وشخصية ونقطة تنوير تحل في النهاية‮."‬
طرح الكاتب في روايته مفهوما مختلفا للتدين،‮ ‬مفهوما محايداً،‮ ‬لم يعد المتدينون هم الظلاميون الإرهابيون الأفاقون كما هو الحال في روايات سابقة‮: "‬الدين بالفعل منذ عام‮ ‬1995‮ ‬وحتي‮ ‬2003‮ ‬كان هو المحرك الرئيسي للمجتمع‮. ‬هناك في الرواية من انضم للجماعات الصوفية لأنه ببساطة أراد إطاراً‮ ‬ينتشله من الوحدة‮. ‬النظام السياسي لا يحل المشاكل ولذلك يلجأ الناس للدين،‮ ‬هذا موضوع بسيط ومفهوم تماماً‮. ‬قصدت أن أجعل أحد الشخصيات اسمه‮ "‬سيد قطب‮" ‬وأن أمرر هذا ببساطة،‮ ‬بدون أن يعني أنه من الإخوان مثلاً‮."‬
مصادر أبو زيد في الكتابة متنوعة جدا‮. ‬يحكي أنه في ديوانه السابق‮ "‬كطاعون يضع ساقاً‮ ‬فوق الأخري وينظر للسماء‮"‬،‮ ‬وضع ثبتاً‮ ‬بمراجع الديوان،‮ ‬وكان منها القرآن الكريم والأعمال الكاملة لعمر خيرت ولمارسيل خليفة،‮ ‬ونظرية النسبية ونظرية الثورة لعبد الناصر،‮ ‬وتقرير حركة كفاية حول الفساد في مصر‮: "‬لم تكن الفكرة أنني أخذت مقاطع من هذه الأعمال ووضعتها في قصائدي،‮ ‬وإنما هذه المصادر هي التي كوّنت ثقافتي وكتابتي ببساطة‮."‬
بجانب إبداعه،‮ ‬يرأس أبو زيد تحرير موقع بعنوان‮ "‬الكتابة‮" ‬يتم فيه الاحتفاء بالكتابة المصرية الشابة‮. ‬يقول إن موقع الكتابة بدأ كحلم منذ أكثر من سبع سنوات،‮ ‬كمحاولة‮ ‬للتغلب علي مشاكل‮ ‬النشر الحكومي،‮ ‬والانتظار سنوات تتجاوز الخمس من أجل نشر كتاب،‮ ‬أو البحث عن مجلة أو صفحة ثقافية لنشر قصيدة‮. ‬المجلات الثقافية لا يتجاوز عددها الاثنتين،‮ ‬ومن يفلت من كل هذا يسقط في فخ ذوق معين سائد في الكتابة‮. ‬ومع ظهور جيل جديد يكتب وينشر علي الإنترنت،‮ ‬كانت الهجرة للنشر الجماعي في مواقع ثقافية عربية‮ "‬مثل كيكا،‮ ‬وجهة الشعر،‮ ‬وأوكسجين وغيرها‮"‬،‮ ‬في الوقت الذي لا يوجد موقع ثقافي مصري واحد‮. ‬من هنا بدأ حلمه‮. ‬يقول‮: "‬حين قررت إطلاق الموقع كان الهدف هو الانتصار لجيلي بأكمله،‮ ‬الانتصار للكتابة الجميلة هكذا كتبت في بيان التدشين‮. ‬أطلقت موقعا تجريبياً‮ ‬في عام‮ ‬2007،‮ ‬لكن لأنه كان مجانيا فقد كان ضعيف الإمكانيات،‮ ‬حتي تمكنت في إبريل‮ ‬2009‮ ‬من إطلاق موقع احترافي ينشر النصوص بشكل يومي،‮ ‬من كل أنحاء العالم العربي،‮ ‬ينشر نقداً‮ ‬وقصة وشعراً‮ ‬وترجمات ومقالات في السينما،‮ ‬كما استحدثت فيه بابا عن التدوين علي اعتبار أن التدوين صار فناً‮ ‬كتابياً‮ ‬خاصاً‮." ‬قدم الموقع خلال عام ونصف مضت ملفات عن أهم كتاب ورموز الكتابة الشابة و الجادة ذات المشاريع الحقيقية‮: "‬لا أبغي من وراء الموقع أي شيء سوي استمتاعي الشخصي بالنصوص التي أقرأها،‮ ‬وبأنك تملك نافذة يدخل منها الهواء النقي إلي رئات تستحق ذلك‮". ‬يضيف أنه مع الاحتفال ببداية العام الثالث للموقع سيتم إطلاق مسابقة ثقافية خاصة بالموقع،‮ ‬كما أن هناك تفكيراً‮ ‬طويل المدي بأن يتحول الموقع إلي دار نشر أيضاً‮: "‬هناك حلم كبير اسمه‮ "‬مؤسسة الكتابة ‮" ‬تشمل الموقع والمسابقة والإذاعة ودار النشر،‮ ‬بأن تكون لدينا أول مؤسسة ثقافية‮ ‬مصرية خاصة،‮ ‬لكن الأمر يحتاج إلي صبر وجهد‮".‬
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشر في جريدة أخبار الأدب

شاعر يكتب الرواية


بهاء جاهين
محمد أبو زيد شاعر شاب من مواليد‏1980,‏ صدرت له خمسة دواوين‏,‏ وها هو ينشر‏-‏ عن دار شرقيات‏-‏ رواية بعنوان أثر النبي‏.‏ الرواية لاتختلف كثيرا عن معظم أعمال المبدعين الشبان‏,‏ حيث العالم الضيق‏,‏ والسيرة شبه الذاتية‏,‏ وشوارع ومقاهي وسط البلد‏,‏ حيث يجتمعون مع رفاقهم من الكتاب‏. ,‏ ويسكنون هذا العالم الصغير عوضا عن الريف الذي نزحوا منه .
لكن أبو زيد أضاف الي هذا العالم اتساعا وجدة‏,‏ حين تحدث عن بيت للطلبة الأزهريين بالغورية‏,‏ أقام فيه بقدرة قادر‏,‏ ومساعدة أصدقاء‏,‏ وهو الطالب بتجارة عين شمس‏,‏ وشقته المظلمة الضيقة بدار السلام حيث اقام في سنته الأولي بالجامعة‏.‏
وبطل الرواية‏-‏ وهو الشاعر لكن ليس بالضبط‏-‏ من المشائين‏,‏ الطوافين في شوارع القاهرة‏,‏ حبا لها وافتقارا لقروش الميكروباص‏,‏ جعلته الغربة صعلوكا‏,‏ فهو بلا أسرة‏,‏ واتخذ من أصدقائه بيتا وعائلة‏.‏ وهم مجموعة من الفقراء اليائسين‏,‏ الحالمين مع ذلك‏,‏ أحلامهم ذاتها تعسة‏,‏ العمل والمرمطة في الخليج وبعضهم ينتهي به المطاف الي المعتقل في هوجة الإخوان‏,‏ مع أنهم أبعد ما يكونون عن السياسة‏.‏
هم كرسوا أنفسهم للضحك‏,‏ رغم أن بينهم واحدا يحتضر‏,‏ عادل هياكل الذي ظل يقيء دم السل وهم يهزرون حوله ليبعثوا فيه بعض الحياة‏.‏
يموت عادل هياكل في حجرة المغتربين الأزهريين وقد قاء آخر قطرة من دمه‏,‏ آخر نفثة من روحه الشابة‏,‏ يموت ويبقي بطل الرواية المصاب بمرض الاكتئاب النوباتي‏,‏ الذي تتلوه في أحيان قليلة كما نري في الرواية فترات انبساط‏,‏ يبقي تائها بين محبوبات لاينالهن‏,‏ واليتم الذي نما معه منذ وفاة أمه وهو طفل‏..‏ يبقي وليس له مستقبل‏,‏ أو لا يلوح أمامه طريق مضيء يسلكه‏.‏ فهو تائه ضائع‏,‏ فقد حجرة الرفاق الأزهريين بالغورية‏,‏ التي فر منها مطاردا بخوفه من الاعتقال‏,‏ وحين عاد ليأخذ أشياءه وجد عادل هياكل منطرحا جنب سريره علي بركة دم‏,‏ دم غاص فيه البطل الذي لم يهتم الشاعر بذكر اسمه‏,‏ لأسباب كثيرة كلها وجيهة‏.‏ مات عادل هياكل ليصير في حياته وموته رمزا لهذا الجيل‏,‏ الذي يموت بأشكال مختلفة‏,‏ قهرا واختيارا‏,‏ في البحر او في الحياة‏.‏
يهرب البطل من جثة صاحبه‏,‏ مطاردا بخوفه‏,‏ مبحرا في سواد بلا نهاية‏,‏ كما يقول في النهاية‏.‏
إنه الجنين المتكور بحثا عن رحم الأم‏,‏ الذي تنقبض روحه وتنبسط‏,‏ طبقا لمصطلحات المتصوفة والأطباء النفسيين‏,‏ الذي يفقد عالمه في النهاية‏,‏ وينادي محبوبته الأولي‏,‏ التي ظل يناديها طوال الرواية‏,‏ والتي كانت أمامه في القرية ولم يستطع أن ينالها‏,‏ ولم يحرص في روايته علي تقديم الأسباب‏,‏ او لنقل لم يحرص في رواية شاعره‏.‏
إن زينب التي يخاطبها هذا الشاب‏,‏ الذي لا اسم له‏,‏ لاتحتل في الأحداث مكانا يذكر‏,‏ لكنها تحتل مساحة كبري في قلب مناديها‏,‏ هل لأن اسمها‏-‏ وصاحبها من المتطوحين في الحضرة‏-‏ يربطها في وجدانه بأم العواجز؟ هل لأنها صاحبة قنديل يضيء في قلبه؟ هل لهذا لاتوجد في أرض الحكاية إلا قليلا؟
هذه لمحة من عالم الرواية‏,‏ وهذا العالم جزء في حد ذاته من فنيتها‏,‏ فالمادة نفسها نوع من الصياغة‏,‏ وزاوية الرؤية جزء أساسي في جماليات التصوير‏.‏ أما التشكيل هنا‏,‏ فهو متحرر من كلاسيكيات السرد‏,‏ لأنه يمتد أفقيا من حيث التزامن او اختلاط الزمن‏,‏ كما يمتد طولا من حيث اتجاه الأحداث في النهاية نحو نقطتها القصوي‏,‏ نحو الذروة‏,‏ او الفاجعة‏.‏
والرواية أيضا تشبه شخصية صاحبها ـ بطلها أو كاتبها ـ الذي يمحي رغم وجوده الطاغي‏,‏ يجرد نفسه من الاسم والصنعة‏,‏ لايذكر إلا لمحا أنه كاتب‏,‏ بكلمة عابرة‏,‏ وتتراوح روايته بين المقاطع شديدة القتامة وأخري شديدة المرح‏,‏ وان غلبت الأولي علي الثانية‏.‏
إن حكايته شخصية وفي الوقت نفسه هي حكاية جيله‏,‏ الغالبية العظمي من جيله الفاقدة القدرة البائسة الآمال‏,‏ الواقعة تحت ضغط الفقر والداء والموت وهي تضحك‏,‏ وهذا جمالها‏.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشر في جريدة الأهرام

أثر‏ ‏النبي‏ .. ‏رواية‏ ‏أولي‏ ‏للشاعر‏ ‏محمد‏ ‏أبوزيد‏ ‏تفتش‏ ‏عن‏ ‏أسباب‏ ‏الهزيمة


أحمد الشهاوي
عن‏ ‏دار‏ ‏شرقيات‏ ‏بالقاهرة‏ ‏صدرت‏ ‏رواية‏ ' ‏أثر‏ ‏النبي‏ ‏للشاعر‏ ‏محمد‏ ‏أبو‏ ‏زيد‏ , ‏وهي‏ ‏أولي‏ ‏روايايه‏ ,‏وتدور‏ ‏في‏ ‏أجواء‏ ‏صوفية‏ ‏متنقلة‏ ‏ما‏ ‏بين‏ ‏ابن‏ ‏الفارض‏ ‏وجلال‏ ‏الدين‏ ‏الرومي‏ , ‏وتدور‏ ‏حول‏ ‏إحباطات‏ ‏جيل‏ ‏بكامله‏ ‏نشأ‏ ‏في‏ ‏ظل‏ ‏نكسة‏ ‏عربية‏ ‏جديدة‏ ,‏وتتخذ‏ ‏الرواية‏ ‏الفترة‏ ‏بين‏ ‏احتلال‏ ‏العراق‏ ‏للكويت‏ ‏عام‏ 1990 ‏وحتي‏ ‏الاحتلال‏ ‏الأمريكي‏ ‏للعراق‏ ‏عام‏ 2003 ‏غطاء‏ ‏زمنيا‏ ‏وسياسيا‏ , ‏يتتبع‏ ‏الروائي‏ ‏من‏ ‏خلاله‏ ‏رصده‏ ‏للتغيرات‏ ‏الاجتماعية‏ ‏والسياسية‏ ‏التي‏ ‏حدثت‏ ‏خلال‏ ‏هذه‏ ‏الفترة‏ , ‏عبر‏ ‏تتبعه‏ ‏لشخصيات‏ ‏تعيش‏ ‏علي‏ ‏هامش‏ ‏الحياة‏ ‏تصارع‏ ‏لأن‏ ‏تكون‏ ‏في‏ ‏متنهاالأساسي‏.
‏يوقع‏ ‏الكاتب‏ ‏روايته‏ ‏بأنها‏ ‏كتبت‏ ‏بين‏ ‏عامي‏ (2003 ‏وحتي‏ 2010 ‏أي‏ ‏أنها‏ ‏استغرقت‏ ‏سبع‏ ‏سنوات‏ ‏في‏ ‏الكتابة‏ , ‏غير‏ ‏أن‏ ‏الرواية‏ ‏نفسها‏ ‏تستغرق‏ ‏رحلة‏ ‏حياة‏ ‏شخص‏ ‏منذ‏ ‏طفولته‏ ‏و‏ ‏تنتهي‏ ‏مع‏ ‏دخول‏ ‏القوات‏ ‏الأمريكية‏ ‏بغداد‏ ‏عام‏ 2003 .‏
تبدأ‏ ‏الرواية‏ ‏بخطاب‏ ‏موجه‏ ‏إلي‏ ‏شخصية‏ ‏افتراضية‏ ‏اسمها‏ ‏زينب‏ ‏يخاطبها‏ ‏الراوي‏ ‏المتكلم‏ ‏بقوله‏ ' ‏أكتب‏ ‏لأنسي‏ , ‏لأفرغ‏ ‏ذاكرتي‏ ‏علي‏ ‏الورق‏ ‏وأصير‏ ‏طليقا‏ , ‏لأنسي‏ ‏وحدتي‏ ‏في‏ ‏هذا‏ ‏العالم‏ , ‏أفكر‏ ‏أن‏ ‏أمسك‏ ‏يدك‏ , ‏أخترق‏ ‏بك‏ ‏الشوارع‏ ‏والمقاهي‏ ‏والمشربيات‏ ‏والبنايات‏ ‏العالية‏ , ‏أشير‏: ‏هنا‏ ‏وقفت‏ , ‏هنا‏ ‏تكلمت‏ , ‏هنا‏ ‏تذكرتك‏ , ‏وهنا‏ ‏خنتك‏ ‏يا‏ ‏زينب‏ , ‏أنا‏ ‏الذي‏ ‏أعرف‏ ‏كل‏ ‏شيء‏ , ‏وأنت‏ ‏التي‏ ‏لا‏ ‏تعرفين‏ , ‏أتذكر‏ ‏فأتعذب‏ , ‏أكتب‏ ‏لأحسدك‏ ‏علي‏ ‏النسيان‏ ' ,تبدو‏ ‏الكتابة‏ ‏هنا‏ ‏كذنب‏ ‏واجب‏ ‏علي‏ ‏الراوي‏ ‏أن‏ ‏يفعله‏ , ‏وتبدو‏ ‏الذاكرة‏ ‏عبئا‏ ‏واجب‏ ‏التخلص‏ ‏منه‏ ‏لذا‏ ‏هو‏ ‏يحسد‏ ‏زينب‏ ‏علي‏ ‏قدرتها‏ ‏علي‏ ‏النسيان‏ , ‏وتظل‏ ‏شخصية‏ ‏زينب‏ ‏شبه‏ ‏موجودة‏ ‏طوال‏ ‏الرواية‏ ‏فهي‏ ‏لا‏ ‏تظهر‏ ‏إلا‏ ‏من‏ ‏خلال‏ ‏توجه‏ ‏الراوي‏ ‏إليها‏ ‏بالخطاب‏ ‏والحديث‏ .‏
تبدأ‏ ‏الرواية‏ ‏من‏ ‏حادثة‏ ‏موت‏ , ‏يكتشفها‏ ‏بطل‏ ‏الرواية‏ ‏حين‏ ‏عودته‏ ‏إلي‏ ‏المبني‏ ‏الذي‏ ‏يسكنه‏ ‏مع‏ ‏مجموعة‏ ‏من‏ ‏طلبة‏ ‏الجامعة‏ , ‏وما‏ ‏بين‏ ‏هاجس‏ ‏الفرار‏ ‏وهاجس‏ ‏الخوف‏ , ‏تعود‏ ‏الرواية‏ ‏إلي‏ ‏نقطة‏ ‏البدء‏ ‏حيث‏ ‏طفولة‏ ‏الراوي‏ , ‏رابطا‏ ‏بين‏ ‏موت‏ ‏البطل‏ ‏الموازي‏ ' ‏عادل‏ ‏هياكل‏ ' ‏عقب‏ ‏احتلال‏ ‏العراق‏ ‏بأحداث‏ ‏سابقة‏ ‏تجيء‏ ‏علي‏ ‏لسان‏ ‏أستاذ‏ ‏الجامعة‏ ' ‏قال‏ ‏الولد‏ ‏للبنت‏: ‏أحبك‏, ‏فابتسم‏ ‏عامل‏ ‏البوفيه‏ ‏وهو‏ ‏يناولهما‏ ‏الشاي‏, ‏دقت‏ ‏ساعة‏ ‏الجامعة‏ ‏دقتين‏, ‏كان‏ ‏الجو‏ ‏حارا‏ ‏وخانقا‏, وكان‏ ‏أستاذ‏ ‏الجامعة‏ ‏في‏ ‏المحاضرة‏ ‏يقول‏: ' ‏أنتم‏ ‏الجيل‏ ‏الذي‏ ‏تغرب‏ ‏أباؤه‏ ‏في‏ ‏مدارس‏ ‏ومزارع‏ ‏ومستشفيات‏ ‏المغرب‏ ‏العربي‏ ‏والخليج‏, ‏وعادوا‏ ‏ليشتروا‏ ‏شققا‏ ‏ويبنوا‏ ‏بيوتا‏ ‏في‏ ‏قراهم‏, ‏سقطت‏ ‏في‏ ‏الزلزال‏ ‏أو‏ ‏غرقت‏ ‏في‏ ‏السيول‏, ‏أو‏ ‏نصبت‏ ‏عليهم‏ ‏شركات‏ ‏التوظيف‏ ‏وسرقت‏ ‏تحويشة‏ ‏العمر‏,أنتم‏ ‏الجيل‏ ‏الذي‏ ‏لم‏ ‏يتعاطف‏ ‏مع‏ ‏تعامل‏ ‏الحكومة‏ ‏مع‏ ‏أهالي‏ ‏الجماعات‏ ‏الإسلامية‏ ‏وفضل‏ ‏تسلية‏ ‏أيامه‏ ‏بحكايات‏ ‏ليالي‏ ‏الحلمية‏ ‏والراية‏ ‏البيضا‏ ‏وأحلام‏ ‏الفتي‏ ‏الطائر‏ , ‏أنتم‏ ‏الجيل‏ ‏الذي‏ ‏شاهد‏ ‏في‏ ‏طفولته‏ ‏الطيور‏ ‏وهي‏ ‏تغرق‏ ‏في‏ ‏بترول‏ ‏الكويت‏ ‏المسكوب‏ ‏في‏ ‏الخليج‏ ‏وشاهد‏ ‏انتهاء‏ ‏حلم‏ ‏الوحدة‏ ‏العربية‏ ‏علي‏ ‏الهواء‏ , ‏أنتم‏ ‏جيل‏ ‏فاشل‏ ' , ‏ثم‏ ‏قاء‏ ‏في‏ ‏طرف‏ ‏قاعة‏ ‏المحاضرات‏ ‏دما‏, ‏فتسللت‏ ‏أصابع‏ ‏الولد‏ ‏إلي‏ ‏أصابع‏ ‏البنت‏ , ‏بينما‏ ‏عاد‏ ‏الدكتور‏ ‏ليرسم‏ ‏علي‏ ‏السبورة‏ ‏سارية‏ ‏وعلما‏ ' ‏

ويقول‏ ‏في‏ ‏مقطع‏ ‏آخر‏ ' ‏سيقول‏ ‏عنها‏ ‏السادات‏: ‏انتفاضة‏ ‏الحرامية‏ , ‏وسيقول‏ ‏لطفي‏ ‏الخولي‏: ‏انتفاضة‏ ‏الجوعي‏ , ‏ويقول‏ ‏أستاذ‏ ‏الجامعة‏ ‏بعد‏ ‏خمسة‏ ‏وعشرين‏ ‏عاما‏ ‏منها‏ ‏بينما‏ ‏يراهما‏ ‏في‏ ‏مظاهرة‏ ‏مشتعلة‏: ‏ما‏ ‏فيش‏ ‏فايدة‏, ‏وستقول‏ ‏هي‏: ‏بلاش‏, ‏لكنه‏ ‏سحبها‏ ‏من‏ ‏يدها‏ ‏وخرجا‏ ‏معا‏ ‏يهتفان‏, ‏سقطت‏ ‏نظارتها‏ ‏من‏ ‏فوق‏ ‏أنفها‏, ‏تحطمت‏, ‏ناولها‏ ‏نظارته‏ ‏لكنها‏ ‏لم‏ ‏تر‏ ‏بها‏, ‏أعيدت‏ ‏إلي‏ ‏المدرج‏ ‏وهي‏ ‏تفتش‏ ‏عنه‏ , ‏كان‏ ‏صوته‏ ‏يصلها‏ ‏ببحة‏ ‏مميزة‏, ‏حين‏ ‏زارته‏ ‏في‏ ‏مسكن‏ ‏الغورية‏ ‏رفض‏ ‏عم‏ ‏رجب‏ ‏دخولها‏ ‏حتي‏ ‏بعد‏ ‏أن‏ ‏ادعت‏ ‏أنها‏ ‏أخته‏, ‏وحين‏ ‏سار‏ ‏معها‏ ‏في‏ ‏شوارع‏ ‏الدرب‏ ‏الأحمر‏ ‏غني‏ ‏لها‏ ‏وسط‏ ‏دهشة‏ ‏المارة‏ ‏وباعة‏ ‏الخضراوات‏ ‏وساندوتشات‏ ‏المربي‏ ‏بالقشطة‏ ‏والكشري‏ : ' ‏علي‏ ‏طول‏ ‏الطريق‏ ‏نقابل‏ ‏ناس‏, ‏ونعرف‏ ‏ناس‏ , ‏ونرتاح‏ ‏ويا‏ ‏ناس‏ ‏عن‏ ‏ناس‏' , ‏أمام‏ ‏جامع‏ ‏السلطان‏ ‏حسن‏ ‏غنيا‏ ‏مع‏ ‏حارس‏ ‏المسجد‏ ' ‏عدي‏ ‏النهار‏ ', ‏في‏ ‏القلعة‏ ‏رسم‏ ‏في‏ ‏غفلة‏ ‏من‏ ‏الحارس‏ ‏علي‏ ‏السور‏ ‏سارية‏ ‏وتمثالا‏ ‏جديدا‏ ‏لنهضة‏ ‏مصر‏, ‏ونسي‏ ‏أن‏ ‏يرسم‏ ‏حمامتين‏ '‏
هذان‏ ‏المقطعان‏ ‏يكشفان‏ ‏عن‏ ‏همين‏ ‏أساسيين‏ ‏متوازيين‏ ‏تقدمهما‏ ‏الرواية‏, ‏الأول‏ ‏هو‏ ‏الهم‏ ‏الديني‏ , ‏والثاني‏ ‏هو‏ ‏الهم‏ ‏السياسي‏ , ‏فنجده‏ ‏يطرح‏ ‏علاقة‏ ‏بطل‏ ‏الرواية‏ ‏بالجماعات‏ ‏الأصولية‏ ‏في‏ ‏مصر‏ ‏جماعة‏ ‏الإخوان‏ ‏المسلمين‏ , ‏و‏ ‏الجماعة‏ ‏الإسلامية‏ , ‏والجماعات‏ ‏الصوفية‏ , ‏غير‏ ‏أنه‏ ‏لا‏ ‏يجد‏ ‏الخلاص‏ , ‏في‏ ‏جماعة‏ ‏الإخوان‏ ‏المسلمين‏ .‏
الهاجس‏ ‏الديني‏ ‏في‏ ‏الرواية‏ ‏يتضح‏ ‏حين‏ ‏يسأل‏ ‏أحد‏ ‏المصلين‏ ‏شيخ‏ ‏الجامع‏ ‏عقب‏ ‏الصلاة‏ ‏وبعد‏ ‏احتلال‏ ‏العراق‏ ' ‏هو‏ ‏ربنا‏ ‏مش‏ ‏عاوز‏ ‏يستجيب‏ ‏لنا‏ ‏ليه‏ ‏؟‏ '‏
في‏ ‏اقترابه‏ ‏من‏ ‏الجماعات‏ ‏الصوفية‏ ‏يقول‏ ‏له‏ ‏شيخ‏ ‏الطريقة‏ ‏الذي‏ ‏أجلسه‏ ‏بجواره‏ ‏في‏ ‏إحدي‏ ‏حلقات‏ ‏الذكر‏ ‏في‏ ‏مسجد‏ ‏الحسين‏ ' ‏اعرف‏ ‏الفارق‏ ‏بين‏ ‏العلامة‏ ‏والأثر‏ ' ' ‏وفيما‏ ‏يتصايح‏ ‏الأتباع‏ ‏و‏ ‏الجلوس‏ ‏ب‏' ‏الله‏ ‏عليك‏ ‏يا‏ ‏مولانا‏ ' ‏منتظرين‏ ‏الحكمة‏ ‏منه‏ ‏ضغط‏ ‏علي‏ ‏كتفي‏ :‏ـ‏ ‏الفارق‏ ‏مثل‏ ‏ما‏ ‏بين‏ ‏الحياة‏ ‏والآخرة‏ , ‏فاتبع‏ ‏العلامة‏ ‏و‏ ‏اترك‏ ‏الأثر‏ , ‏لا‏ ‏يفهم‏ ‏أحد‏ ‏لكنهم‏ ‏يهمهمون‏ ‏بالاستحسان‏ : ‏كلنا‏ ‏نبي‏ ‏نفسه‏ , ‏فالبس‏ ‏رداء‏ ‏تقشفك‏ , ‏واترك‏ ‏الناس‏ ‏تتبع‏ ‏أثرك‏ ,‏يحدق‏ ‏في‏ ‏عيني‏ ‏فلا‏ ‏أقوي‏ ‏علي‏ ‏الحركة‏ ‏ويقول‏ ‏بطيبة‏ : ‏العلامات‏ ‏حكاها‏ ‏السلف‏ .. ‏و‏ ‏الآثار‏ ‏سيحكيها‏ ‏الخلف‏ '‏
تبدو‏ ‏هذه‏ ‏العبارات‏ ‏في‏ ‏الرواية‏ ‏هي‏ ‏الإجابة‏ ‏عن‏ ‏السؤال‏ ‏الملح‏ ‏الذي‏ ‏تطرحه‏ ‏الرواية‏ ‏عن‏ ‏الأثر‏ , ‏ما‏ ‏الأثر‏ ‏الذي‏ ‏سنتركه‏ ‏وكل‏ ‏شيء‏ ‏يضيع‏ ‏ويسرق‏ , ‏سواء‏ ‏كان‏ ‏هذا‏ ‏الشيء‏ ‏هو‏ ‏أعمارنا‏ ‏أو‏ ‏حيواتنا‏ ‏الخاصة‏ ‏أو‏ ‏أوطاننا‏ , ‏وهذا‏ ‏هو‏ ‏مدخل‏ ‏الهاجس‏ ‏السياسي‏ ‏في‏ ‏الرواية‏ .‏
يختار‏ ‏المؤلف‏ ‏أن‏ ‏تدور‏ ‏روايته‏ ‏في‏ ‏أجواء‏ ‏حرب‏ ‏العراق‏ ‏الأخيرة‏ ‏ما‏ ‏بين‏ ‏تصريحات‏ ‏الصحاف‏ ‏بأن‏ ‏النصر‏ ‏قادم‏ , ‏وما‏ ‏بين‏ ‏المظاهرات‏ ‏التي‏ ‏تنطلق‏ ‏في‏ ‏قلب‏ ‏القاهرة‏ ‏لا‏ ‏تقدم‏ ‏ولا‏ ‏تؤخر‏ .‏
يقدم‏ ‏الكاتب‏ ‏تصورا‏ ‏أنه‏ ‏إذا‏ ‏كانت‏ ‏الأجيال‏ ‏السابقة‏ ‏عانت‏ ‏من‏ ‏نكسة‏ 1967 ‏فإن‏ ‏الأجيال‏ ‏الجديدة‏ ‏عانت‏ ‏من‏ ‏نكسة‏ ‏ضياع‏ ‏الحلم‏ ‏العربي‏ ‏علي‏ ‏الهواء‏ , ‏احتلال‏ ‏دولة‏ ‏عربية‏ ‏لدولة‏ ‏أخري‏ ‏عام‏ 1990 ‏عندما‏ ‏قامت‏ ‏العراق‏ ‏باحتلال‏ ‏الكويت‏ , ‏وعام‏ 2003 ‏عندما‏ ‏احتلت‏ ‏الولايات‏ ‏المتحدة‏ ‏الأمريكية‏ ‏العراق‏ ‏علي‏ ‏مرأي‏ ‏ومسمع‏ ‏من‏ ‏الجميع‏ ,
‏وعلي‏ ‏الهواء‏ ‏مباشرة‏ ‏دون‏ ‏أن‏ ‏يتحرك‏ ‏أحد‏ ‏من‏ ‏أمام‏ ‏شاشات‏ ‏التليفزيون‏ .‏يقول‏ ‏أبو‏ ‏زيد‏ ‏في‏ ‏روايته‏ ' ‏الأستاذ‏ ‏أحمد‏ ‏مدير‏ ‏السكن‏ ‏جمعنا‏ ‏فوق‏ ‏السطح‏ ‏وقرأ‏ ‏لنا‏ ‏عمود‏ ‏أنيس‏ ‏منصور‏ ‏من‏ ‏الصفحة‏ ‏الأخيرة‏ ‏في‏ ‏جريدة‏ ‏الأهرام‏ ‏الذي‏ ‏يتحدث‏ ‏عن‏ ‏أهمية‏ ‏السلام‏, ‏وأن‏ ‏الطلبة‏ ‏يجب‏ ‏أن‏ ‏يتفرغوا‏ ‏لمذاكرتهم‏ ‏وليس‏ ‏للمظاهرات‏ ‏أوأي‏ ‏كلام‏ ‏فارغ‏ ‏آخر‏, ‏الأستاذ‏ ‏أحمد‏ ‏كما‏ ‏لم‏ ‏يفعل‏ ‏من‏ ‏قبل‏, ‏خلع‏ ‏ساقه‏ ‏البلاستيكية‏ ‏أمامنا‏, ‏وأخبرنا‏ ‏أن‏ ‏هذا‏ ‏من‏ ‏الحرب‏, ‏الأستاذ‏ ‏أحمد‏ ‏هدد‏ ‏من‏ ‏سيعرف‏ ‏أن‏ ‏له‏ ‏أي‏ ‏نشاط‏ ‏سياسي‏ ‏بالطرد‏ ‏من‏ ‏السكن‏ , ‏أتركهم‏ ‏وأنام‏ ‏طوال‏ ‏اليوم‏ ‏هربا‏ ‏من‏ ‏التفكير‏ ‏في‏ ‏العجائز‏ ‏والشيوخ‏ ‏والنساء‏ ‏والأيتام‏ , ‏أجهز‏ ‏حقيبة‏ ‏سفري‏ , ‏أضع‏ ‏الكتب‏ ‏والصحف‏ ‏التي‏ ‏تحكي‏ ‏سقوط‏ ‏بغداد‏ ‏في‏ ‏كرتونة‏ ‏مستقلة‏ ‏استعدادا‏ ‏للطرد‏ ‏في‏ ‏أية‏ ‏لحظة‏ '‏
ويقول‏ ‏في‏ ‏مقطع‏ ‏آخر‏ ' ‏اليوم‏ ‏التالي‏ ‏كان‏ ‏الجمعة‏, ‏ميعاد‏ ‏مظاهرة‏ ‏ضخمة‏ ‏في‏ ‏ميدان‏ ‏التحرير‏, ‏تنتهي‏ ‏بإحراق‏ ‏سيارة‏ ‏مطافئ‏ , ‏في‏ ‏جرائد‏ ‏السبت‏ : ‏كانت‏ ‏صور‏ ‏المظاهرة‏ ‏في‏ ‏صدر‏ ‏الصفحات‏ ‏الأولي‏ , ‏كانت‏ ‏صورتي‏ ‏بعروق‏ ‏وجهي‏ ‏النافرة‏ ‏وأنا‏ ‏أهتف‏ ‏في‏ ‏طرف‏ ‏صورة‏ ‏في‏ ‏الصفحة‏ ‏الأولي‏ ‏من‏ ‏جريدة‏ ‏الوفد‏ , ‏لم‏ ‏أفعل‏ ‏شيئا‏, ‏فقط‏ ‏لساني‏ ‏ينطلق‏ ‏مع‏ ‏الهتافات‏ ,
' ‏الجهاد‏ ‏الجهاد‏ .. ‏شدي‏ ‏حيلك‏ ‏يا‏ ‏بغداد‏ ' , ‏أجري‏ ‏بعيدا‏ ‏عن‏ ‏هراوة‏ ‏عسكري‏ , ‏تهوي‏ ‏علي‏ ‏قدمي‏ , ' ‏يا‏ ‏للعار‏ ‏يا‏ ‏للعار‏ ..‏باعوا‏ ‏الوطن‏ ‏بالدولار‏ ' , ‏أصرخ‏ ‏من‏ ‏الألم‏ , ' ‏اللي‏ ‏بيضرب‏ ‏في‏ ‏العراق‏ .. ‏بكره‏ ‏هيضرب‏ ‏في‏ ‏الوراق‏ ' ‏أجرجر‏ ‏ساقي‏ ‏ورائي‏ ‏ككلبة‏ ‏عرجاء‏ ‏يائسة‏ , ' ‏يا‏ ‏صحاف‏ ‏فينك‏ ‏فينك‏ .. ‏العلوج‏ ‏بينا‏ ‏وبينك‏ ' , ‏أهرول‏ ‏من‏ ‏شارع‏ ‏شامبليون‏ ‏لشارع‏ ‏معروف‏ ‏لشارع‏ ‏عدلي‏ ‏هربا‏ ‏من‏ ‏الهراوات‏ , ‏أهرب‏ ‏من‏ ‏لاشيء‏ ‏إلي‏ ‏لا‏ ‏شيء‏ , ‏في‏ ‏المساء‏ ‏أقابل‏ ‏محمد‏ ‏خليل‏ ‏علي‏ ‏مقهي‏ ‏التكعيبة‏ , ‏بعد‏ ‏انقطاع‏ , ‏كان‏ ‏يائسا‏ :‏ـ‏ ‏تفتكر‏ ‏فيه‏ ‏فايدة‏ ‏كان‏ ‏الشاي‏ ‏بحليب‏ ‏قد‏ ‏برد‏ , ‏وكنت‏ ‏أرتدي‏ ‏قميصا‏ ‏خفيفا‏ ‏علي‏ ‏اللحم‏ , ‏تمزقت‏ ‏ياقته‏ , ‏كان‏ ‏منفعلا‏ ‏فخفت‏ ‏عليه‏ , ‏حاولت‏ ‏أن‏ ‏أغير‏ ‏الموضوع‏ ‏لكنه‏ ‏أصر‏: ‏ـ‏ ‏اشهد‏, ‏النهارده‏ ‏تمانية‏ ‏إبريل‏ 2003 ‏السقوط‏ ‏الأخير‏ ‏للعرب‏ '‏وتبدو‏ ‏هذه‏ ‏الحدة‏ ‏في‏ ‏التعامل‏ ‏مع‏ ‏الحدث‏ ‏السياسي‏ ‏تأكيدا‏ ‏علي‏ ‏أن‏ ‏هذا‏ ‏الاحتلال‏ ‏الأمريكي‏ ‏نكسة‏ ‏أخري‏ ‏لم‏ ‏يتم‏ ‏التأريخ‏ ‏لها‏ ‏بعد‏ .‏ تتقاطع‏ ‏رواية‏ ' ‏أثر‏ ‏النبي‏ ' ‏للشاعر‏ ‏محمد‏ ‏أبو‏ ‏زيد‏ ‏مع‏ ‏دواوينه‏ ‏الخمسة‏ ‏السابقة‏ ‏ثقب‏ ‏في‏ ‏الهواء‏ ‏بطول‏ ‏قامتي‏ ‏الذي‏ ‏صدر‏ ‏عام‏ 2004‏عن‏ ‏الهيئة‏ ‏العامة‏ ‏لقصور‏ ‏الثقافة‏ , ‏وديوان‏ (‏قوم‏ ‏جلوس‏ ‏حولهم‏ ‏ماء‏ )‏الصادر‏ ‏عام‏ 2005 ‏عن‏ ‏دار‏ ‏شرقيات‏ ‏للنشر‏ , ‏و‏(‏نعناعة‏ ‏مريم‏ )‏الذي‏ ‏صدر‏ ‏عام‏ 2006 ‏ديوانه‏ ‏الوحيد‏ ‏للأطفال‏ ‏الصادر‏ ‏عن‏ ‏كتاب‏ ‏قطر‏ ‏الندي‏ ,‏وديوانه‏ ‏مديح‏ ‏الغابة‏ ‏الذي‏ ‏صدر‏ ‏عام‏ 2007 ‏عن‏ ‏الهيئة‏ ‏المصرية‏ ‏العامة‏ ‏للكتاب‏ ,
‏وديوانه‏ ‏الأخير‏ ( ‏طاعون‏ ‏يضع‏ ‏ساقا‏ ‏فوق‏ ‏الأخري‏ ‏وينظر‏ ‏للسماء‏ )‏الذي‏ ‏صدر‏ ‏عام‏ 2008 ‏عن‏ ‏دار‏ ‏شرقيات‏ ‏للنشر‏ , ‏فبالإضافة‏ ‏إلي‏ ‏اللغة‏ ‏الشعرية‏ ‏التي‏ ‏يلجأ‏ ‏إليها‏ ‏الكاتب‏ ‏في‏ ‏بعض‏ ‏فصول‏ ‏روايته‏ , ‏والمقاطع‏ ‏الشعرية‏ ‏التي‏ ‏استعاض‏ ‏بها‏ ‏عن‏ ‏أسماء‏ ‏الفصول‏ ‏فهناك‏ ‏أيضا‏ ‏بعض‏ ‏العوالم‏ ‏الشعرية‏ ‏الموجودة‏ ‏لديه‏ ‏في‏ ‏دواوين‏ ‏سابقة‏ , ‏فشخصية‏ ' ‏عائشة‏ ' ‏وهي‏ ‏إحدي‏ ‏الشخصيات‏ ‏المركزية‏ ‏في‏ ‏الرواية‏ ‏التي‏ ‏تظهر‏ ‏لتحل‏ ‏بعض‏ ‏ألغاز‏ ‏الرواية‏ ,
‏وتقوم‏ ‏بدور‏ ‏الأم‏ ‏البديلة‏ ‏هي‏ ‏شخصية‏ ‏قدمها‏ ‏محمد‏ ‏أبو‏ ‏زيد‏ ‏من‏ ‏قبل‏ ‏في‏ ‏ديوانه‏ ‏الأول‏ ' ‏ثقب‏ ‏في‏ ‏الهواء‏ ‏بطول‏ ‏قامتي‏ ' , ‏وأيضا‏ ‏في‏ ‏ديوانه‏ ‏الذي‏ ‏سيصدر‏ ‏بعد‏ ‏شهور‏ ' ‏مدهامتان‏ ' , ‏وشخصية‏ ' ‏الشيخ‏ ‏أحمد‏ ‏عبد‏ ‏التواب‏' ‏قدمها‏ ‏الشاعر‏ ‏من‏ ‏قبل‏ ‏في‏ ‏قصيدة‏ ‏بعنوان‏ ' ‏يقول‏ ‏محمد‏ : ‏نقية‏ ‏لدرجة‏ ‏أن‏ ‏اسمها‏ ‏مريم‏ ' ‏في‏ ‏ديوانه‏ ‏الرابع‏ ' ‏مديح‏ ‏الغابة‏ ' ‏والطريف‏ ‏أنه‏ ‏قدمها‏ ‏في‏ ‏نفس‏ ‏الدور‏ ‏الرجل‏ ‏الذي‏ ‏يدعو‏ ‏علي‏ ‏أحفاد‏ ‏القردة‏ ‏والخنازير‏ , ‏لكن‏ ‏يتوقف‏ ‏عن‏ ‏الدعاء‏ ‏عقب‏ ‏الحرب‏ , ‏والاحتلال‏ ‏الفعلي‏ ‏للعراق‏ ,
‏يقول‏ ‏في‏ ‏روايته‏ ' ‏توقف‏ ‏الشيخ‏ ‏أحمد‏ ‏عبد‏ ‏التواب‏ ‏عن‏ ‏الدعاء‏ ‏علي‏ ' ‏أحفاد‏ ‏القردة‏ ‏والخنازير‏' ‏عقب‏ ‏الصلوات‏ , ‏أصبح‏ ‏يختم‏ ‏صلاته‏ ‏في‏ ‏الطريق‏ ‏إلي‏ ‏المقهي‏ ‏الذي‏ ‏يعرض‏ ‏مشاهد‏ ‏السقوط‏ , ' ‏آمين‏ ' ‏التي‏ ‏كانت‏ ‏تهز‏ ‏المسجد‏ ‏بقوة‏ ‏وراءه‏ ‏خمدت‏ ‏بعد‏ ‏أن‏ ‏دخلت‏ ‏أمريكا‏ ‏قلب‏ ‏بغداد‏ , ‏قابلته‏ ‏جالسا‏ ‏علي‏ ‏باب‏ ‏المسجد‏ ‏لا‏ ‏يعرف‏ ‏كيف‏ ‏يجيب‏ ‏علي‏ ‏أحد‏ ‏المصلين‏ ‏اليائسين‏ :‏ـ‏ ‏هو‏ ‏ربنا‏ ‏مش‏ ‏عاوز‏‏يستجيب‏ ‏لنا‏ ‏ليه‏ ‏؟‏ ' , ‏ويقول‏ ‏في‏ ‏قصيدته‏ ' 8/ 4 / 2003 ‏ـ‏ ‏هذه‏ ‏المرة‏ ‏لم‏ ‏يدع‏ / ‏الشيخ‏ ‏أحمد‏ ‏عبد‏ ‏التواب‏ / ‏عقب‏ ‏العصر‏ / ‏بترميل‏ ‏نسائهم‏ '‏
يقدم‏ ‏الشاعر‏ ‏والروائي‏ ‏محمد‏ ‏أبو‏ ‏زيد‏ ‏في‏ ‏روايته‏ ‏الأولي‏ ‏بعيدا‏ ‏عن‏ ‏الهمين‏ ‏السياسي‏ ‏و‏ ‏الديني‏ ‏شخصيات‏ ‏هامشية‏ ‏غاية‏ ‏في‏ ‏الإنسانية‏ .‏
يقدم‏ ‏أبو‏ ‏زيد‏ ‏في‏ ‏روايته‏ ‏الأولي‏ ‏عالما‏ ‏صامتا‏ , ‏هامسا‏ , ‏هامشيا‏ , ‏مكبلا‏ ‏بالعجز‏ , ‏لكنه‏ ‏يقدمه‏ ‏بلغة‏ ‏شعرية‏ ‏متدفقة‏ , ‏واهتمام‏ ‏بالتفاصيل‏ , ‏وبالتأريخ‏ ‏للعالم‏ ‏السري‏ ‏للحياة‏
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشرت في مجلة نصف الدنيا