29‏/05‏/2011

أثر النبى: رواية بين بدايتها واكتمالها خمسة دواوين شعر

عزة حسين*

محمد أبوزيد أجمل شعراء جيله. هو من ندرة يفعلون أشياء عديدةٍ بنجاح، أجملها الشعر: يكتب تدويناته الـ«حزاينى شوية».ويجمع الأعمال الإبداعية والنقدية على موقعه الناجح «الكتابة»، ويذهب إلى عمله بالتليفزيون، ويجالس أصدقاءه على مقهى «عم صالح»، ويداعب ابنه «سيف» بالمنزل. ومؤخرا كتب محمد أبوزيد رواية بعنوان «أثر النبى»، لها نفس هموم أشعاره، فى دواوينه الخمسة السابقة.

حيث: اليتم الضاغط، أسى الوحدة، مراثى الحروب، الالتصاق الشعرى بالهم العام، والتمرغ فى التراث الصوفى، لكنه يرى أن هم الرواية كان مختلفا وزائدا يقول: «كان هما خاصا متوازيا مع الهم العام، هم الوطن بأكمله، حيث حالة من التدين الظاهرى.

اصطدم بها بطل الرواية مع جماعة الإخوان المسلمين، أو عضو الجماعة الإسلامية الذى قابله فى القطار، أو فى سكنه ببيت الطلبة التابع للسلفيين، ويعلق لافتة «حلاق الجمعية الشرعية ممنوع حلق اللحية»، وحيث العجز الذى يلاحق وطنا بأكمله، بما فى ذلك طلاب الجامعة أبطال الرواية، العاجزون، وهم بعد فى العشرينيات، عن فعل أى شىء أو حتى الحلم بأى شىء للمستقبل، فضلا عن الهم السياسى للرواية وهو احتلال أمريكا للعراق.

بدأ أبوزيد كتابة روايته عام 2003، بعيد الاحتلال الأمريكى للعراق ولم ينته منها إلا عام 2010، وخلال هذه السنوات أنجز خمسة دواوين: «بدأت كتابتها وسط المظاهرات التى كانت تعم القاهرة، وحالة الاكتئاب التى أصابتنا جميعا، لأنه ليس بأيدينا شىء سوى الفرجة والعجز، فكانت الكتابة بالنسبة لى مهربا مما يحدث، وطريقة للنسيان، وللإدانة.

إدانة الذات العاجزة، وإدانة جيلنا بأكمله أمام الأجيال التالية بأنه لم يستطع أن يفعل شيئا سوى أن يتفرج».

لتناسخ الهموم، تقريبا، بين شعره والرواية، وتقاطعها مع ما يعرفه البعض عن محمد أبوزيد، وشعره، واشتباك ذلك مع أحداث واقعية مجايلة، سيظن البعض «أثر النبى» سيرة ذاتية لكاتبها، وسيحتفظ محمد بحق الاعتراض قائلا: «ليس معنى أن تكتب الرواية بصيغة المتكلم أنها سيرة ذاتية، لكننى أعتبرها رواية جيل بأكمله»، يوضح: «فى الفترة الأخيرة انتشرت على الفيس بوك «جروبات» تؤرخ لأهم ذكريات الجيل الذى ولد فى أوائل الثمانينيات، من أغانٍ، وإعلانات، ومسلسلات، وصور.

وقد فعلت فى الرواية شيئا ربما يشبه ذلك، إذ ستجدين فيها رصدا لأهم أغانى، وإعلانات، وعبارات، ومطربى أوائل القرن، وغيرها من تفاصيل يذكرها الجيل جيدا: كغرق العبارة سالم اكسبريس، احتلال العراق للكويت، الغزو الأمريكى لبغداد، وغيرها، والرواية بهذا الشكل تؤرخ لجيلى بأكمله، وفى النهاية لا أنكر أن فى الرواية جزءا من مشاهداتى، لكنها ليست أنا، هى الآخر، ولذلك هى رواية وليست قصيدة».

‏«كان‏ ‏الجو‏ ‏حارا‏ ‏وخانقا، عندما كان‏ ‏أستاذ‏ ‏الجامعة‏ ‏في‏ ‏المحاضرة‏ ‏يقول‏: «‏أنتم‏ ‏الجيل‏ ‏الذى‏ ‏تغرب‏ ‏آباؤه‏ ‏في‏ ‏مدارس‏ ‏ومزارع‏ ‏ومستشفيات‏ ‏المغـــــرب‏ ‏العربــــــى‏ ‏والخليج، ‏وعادوا‏ ‏ليشتروا‏ ‏شققا‏ ‏ويبنوا‏ ‏بيوتا‏ ‏في‏ ‏قراهم‏، ‏سقطت‏ ‏فى‏ ‏الزلزال‏ ‏أو‏ ‏غرقت‏ ‏في‏ ‏السيول‏، ‏أو‏ ‏نصبت‏ ‏عليهم‏ ‏شركات‏ ‏التوظيف‏ ‏وسرقت‏ ‏تحويشة‏ ‏العمر‏.

أنتم‏ ‏الجيل‏ ‏الذي‏ ‏لم‏ ‏يتعاطف‏ ‏مع‏ ‏تعامل‏ ‏الحكومة‏ ‏مع‏ ‏أهالى‏ ‏الجماعات‏ ‏الإسلامية‏ ‏وفضل‏ ‏تسلية‏ ‏أيامه‏ ‏بحكايات‏ ‏ليالي‏ ‏الحلمية‏ ‏والراية‏ ‏البيضا‏ ‏وأحلام‏ ‏الفتي‏ ‏الطائر‏، ‏أنتم‏ ‏الجيل‏ ‏الذى‏ ‏شاهد‏ ‏فى‏ ‏طفولته‏ ‏الطيور‏ ‏وهى‏ ‏تغرق‏ ‏فى‏ ‏بترول‏ ‏الكويت‏ ‏المسكوب‏ ‏في‏ ‏الخليج‏ ‏وشاهد‏ ‏انتهاء‏ ‏حلم‏ ‏الوحدة‏ ‏العربية‏ ‏علي‏ ‏الهواء‏، ‏أنتم‏ ‏جيل‏ ‏فاشل‏»، ‏ثم‏ ‏قاء‏ ‏فى‏ ‏طرف‏ ‏قاعة‏ ‏المحاضرات‏ ‏دما، ‏فتسللت‏ ‏أصابع‏ ‏الولد‏ ‏إلي‏ ‏أصابع‏ ‏البنت‏، ‏بينما‏ ‏عاد‏ ‏الدكتور‏ ‏ليرسم‏ ‏علي‏ ‏السبورة‏ ‏سارية‏ ‏وعلما‏».

أستاذ ‏الجامعة فى رواية أبوزيد كان من جيل نكسة 1967، بينما كان محمد من جيل نكسة سقوط بغداد، ومن قبلها غزو العراق للكويت، وبينهما فرق يشير إليه الكاتب قائلا: «نكسة 67 كانت نكسة أمة عربية فى زعيم كانت تلتف حوله هو عبدالناصر، بينما كان غزو العراق نهاية التفاف هذه الأمة حول ذاتها، ونهاية ما يعرف بالوحدة العربية.

ويضيف: «فى 67 خرجت الشعوب العربية تطالب عبدالناصر بالبقاء حتى يجمعهم مرة أخرى، وفى غزو العراق خرجنا دون أن نلتف حول أحد، لأنه لم يكن هناك أحد، وكل الزعماء يرتجفون خوف من غضب أمريكا».

فى نكسة 67 كانت هزة خفيفة لحلم الوحدة العربية، وكان غزو العراق زلزالا وبركانا وضع نهاية هذا الحلم».

الاحتماء بالدين سواء بالأخونة أو التصوف، وجنى حصاد التحول الرأسمالى، والفقر، والقهر هموم كبرى عمقتها شاعرية لغة محمد أبوزيد، وخففتها سخريته، لدرجة أن فصلا كاملا بالرواية، كان مرويا بطريقة التعليق على مباريات كرة القدم، وفصولا أخرى تخللتها شخصيات كاريكاتيرية كالتى تحتشد بها قصائد محمد أبوزيد وتحتشد بها الحياة:

«السخرية هى سلاح العاجز، وقلت لك من قبل إن كتابة الرواية كان دليل عجز عن التغيير، لكن السخرية تيمة أساسية لدى فى الكتابة سواء فى الشعر والرواية، والشخصيات الكارتونية والمأساوية ربما أحد تجليات هذه التيمة.

وربما هى وجهة نظرى فى هذا العالم، الذى أعتبر الكتابة محاولة لإعادة ترتيبه، حتى يصبح كما يروق لى، أو يصبح أفضل، لهذا تصادفك شخصيات فانتازية أو أسطورية أو كرتونية لدى.

فى روايته، كما فى دواوينه، لا يكتب أبوزيد دون بنتٍ يحكى لها أو عنها، زينب المروى لها فى «أثر النبى»، وعائشة، ومن قبلهما مريم، وميرفت عبدالعزيز، وسلوى، ورايان فى بقية الدواوين، يصر على اختلاقهن كأنهن مبرر للحكى: «هو ليس اختلاقا، لكنه جزء من مشروعى الإبداعى التراكمى.

ولذلك ستلمسين تكرار هذه الشخصيات فى أكثر من عمل، فشخصية عائشة موجودة فى الرواية وفى ديوانى الأول، وشخصية ميرفت موجودة فى أكثر من ثلاثة دواوين، فضلا عن شغفى بالبحث عن شعرية الأسماء والأماكن».

وبالطريقة نفسها يصر الكاتب على ترديد أسماء الأماكن، المدن، والشوارع، والمقاهى وكأنما يؤكد أنهم كانوا هنا، وأن ما يرويه حدث بالفعل: «أنا مغرم بالتفاصيل الصغيرة، هذه التى تتراص فتكون العالم، أو الرواية، أو القصيدة، كلنا مغرمون بقرية ماكوندو الأسطورية التى خلقها ماركيز فى «مائة عام من العزلة»، وأنا أسعى فى الكتابة إلى تحويل الواقع إلى أسطورة، وتحويل الأسطورى إلى معاش، وأعتقد أن الفن يسكن هنا».

أخيرا فقد حكى محمد أبوزيد فى روايته، على طريقة الاعتراف أو الشهادة، ما يصير معه غامضا التنبؤ بما كان سيقطع كتابة الشعر بالرواية مرة ثانية، أم سيواصل الشعر بعد شهادته تلك، المهم أن لديه ديوانا يجهز له حاليا باسم «مدهامتان»، يقول إنه استفاد فيه من تجربته الروائية، ويوضح أن ما يؤمن به طوال الوقت هو التجريب، على جميع الأشكال، سواء فى اللغة، أو الصورة، أو الإيقاع، أو الأسلوب، ويرى أن نهاية المبدع تكون عندما يتوقف عن ذلك.

‏يذكر أن رواية أبوزيد الصادرة عن دار شرقيات 2010، سبقتها خمسة دواوين هى: ‏ ‏«ثقب‏ ‏فى‏ ‏الهواء‏ ‏بطول‏ ‏قامتى» ‏ ‏عام‏ 2004‏، «قوم‏ ‏جلوس‏ ‏حولهم‏ ‏ماء» عام‏ 2005، «نعناعة‏ ‏مريم‏» ديوان للأطفال عام 2006، «‏مديح‏ ‏الغابة‏» ‏عام‏ 2007‏، و«طاعون‏ ‏يضع‏ ‏ساقا‏ ‏فوق‏ ‏الأخرى‏ ‏وينظر‏ ‏للسماء‏» ‏عام‏ 2008.

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

* نشر في جريدة الشروق

أثر النبي: رواية تستقصي حالات من الحلم والطيران والسقوط


هويدا صالح*
'أكتب لأنسى، لأفرغ ذاكرتي على الورق وأصير طليقا، لأنسى وحدتي في هذا العالم' هكذا أطلق محمد أبو زيد سؤال الكتابة منذ اللحظة الأولى في روايته: 'أثر النبي' فالكتابة هي التي ستحرر الذات وتعينها على التحرر والنسيان، نسيان الألم والوحدة، فبعد خمسة من الدواوين الشعرية يصدر أولى تجاربه السردية. أبو زيد راهن فيها على كتابة سيرة المهمشين والمنسيين في لغة تجمع بين الشعرية والصوفية في صنع فضاء سردي مميز. هم المهمشون الذين يعيشون على هامش المجتمع لا يشعر بهم أحد، يتتبع أبو زيد حيواتهم في سرد مكثف شحيح إلا أنه متخم بالدلالات والإحالات التي يفرضها العالم الصوفي الذي يتناص معه، وكأنه استعار من الصوفية خطابها ولغتها المليئة بالإشارات والمكثفة بشكل كبير.
أبطال الرواية هم مجموعة من شباب الجامعات الذين تشكل وعيهم السياسي والثقافي في عقد انتكست فيه الحريات والقومية والقضايا الكلية، شباب عاصروا حربي الخليج الأولى والثانية، وانكسر حلمهم مع الحلم العربي وموقف مصر السياسي الخارجي نحو القضايا العروبية.
قدم هؤلاء الشباب من قراهم ومدنهم الصغيرة في العمق المصري ليكملوا تعليمهم في القاهرة المدينة المرعبة التي أكلت روحهم وزادتهم تهميشا على هامشيتهم الاجتماعية والجغرافية.
المشهد الأول أو الفصل الأول الذي عنونه بـ'الدم' يلقي بكل خيوط الرواية التي سوف نراها ونجمعها فيما بعد، فالسارد أو البطل الذي يعتلي السلم ويدخل غرفته الآن ليتعثر في جثة زميله ودمه وقيئه يعطينا في جمل خاطفة نبذات عن أبطال الرواية أو زملاء السكن الجامعي الذي يسكنونه: 'مئذنة باب زويلة تلوح من الشباك، وجسد عادل هياكل ملقى أمام سريره على الأرض بارد تماما، الدم الذي تقيأه يملأ الأرضية، تجتاحني حالات متفاوتة من الرعب والغضب والرغبة في البكاء'.
البطل منذ صغره يحلم بالحصول على قبس من أثر النبي، أثر النبي الذي حكى له جده عنه وهو صغير: 'أنتقل من شارع إلى آخر، كتابع يبحث عن نبيه، لا أجيد قص الأثر، لا دربة لدي ولا طاقة لأفعل، لا أثر لأي شيء، طوال الوقت أشعر أن كل شيء سينتهي بعد قليل، علي فقط أن أواصل التنقل والانتظار'.
منذ اللحظات الأولى والسارد يغرق في الغربة، ليست غربة جغرافية فقط، بل هي غربة نفسية، وكأنه فر بغربته من قريته في الصعيد ليأتي وتبتلعه المدينة الكبيرة، فيبحث طوال الوقت عما حكى عنه جده الذي كان يأتي في رحلة صوفية إلى المدينة، ويعود ليحكي للطفل الصغير عن شخوص وحكايات، فحين يكبر الصغير، ويهرب بغربته إلى المدينة يتتبع أثر النبي، ويبحث عن حكايات الجد، فلا يجدها إنما يجد آلاما وطلابا يحملون غربتهم داخلهم، ونظاما يقهر الطلاب في الجامعات وأمن الدولة والأمن المركزي. تصاحبه في غربته مجموعة من الشخصيات لا تقل عنه غربة، فها هو القذافي من البحيرة، أبو العزايم من الشرقية، حمدي من بني سويف، يوسف من الأقصر، الشيخ سيد وعادل هياكل من الفيوم. تحمل كل شخصية من هؤلاء أحلامها البسيطة، حلم حياة المدينة، والتعبير عن الذات، والبحث عن فتيات قد يشاركنهم ذات الحلم: 'ينتهي الشيخ سيد من تناول العشاء، يجلس منتظرا حمدي الذي عليه الدور في إعداد الشاي الليلة، يلتقط كوب حلف البر الذي يفضل تناوله، ويبدأ سهرة كل ليلة مع القذافي وعادل هياكل وأبو العزايم في ركن الحجرة بالحديث عن بنات الغورية، وأفعالهن التي يشيب لهولها الولدان، أو بقراءة فصل من كتاب تحفة العروس الذي يخفيه حمدي عن أعين عم رجب حارس السكن'.
دأب أبو زيد على أن يصدر كل فصل بنص صوفي يتناص معه، وبالطبع يأتي النص الصوفي بذاكرته المعرفية في ذهن القارئ، وتنوعت التناصات ما بين مقطوعات شعرية صوفية أو مدائح أو أغان ومواويل صوفية أيضا، يقول في مقدمة الفصل الأول الذي يقدم فيه لشخصياته يأتي بموال صوفي مكتوب بالعامية المصرية، وكأنه يبرر سرديا رحلة البحث عن الذات التي بدأها السارد إلى القاهرة، ليسكن في جوار آل البيت يقول: 'يا آل بيت النبي أمانة ما تفوتونيش.. عايز أنول مطلبي بس في حماكم أعيش. قال يا جريح الهوى إذا كنت غويت سافر إلى مصر واشكي لمولانا ـ لسيدنا الحسين ـ حالك .. هاتنول آمالك ـ يا حبيبي ـ وتتهنى مع الدراويش'.
كما أنه يتناص مع نصوص شعرية صوفية مثلما تناص مع أبيات لابن الفارض حيث يقول:
ما لي سوى روحي وباذِل تفسِه
في حب من يهواه ليس بمسرفِ
فلئن رضيت بها فقد أسعفتني
يا خيبة المسعى إذا لم تسعفِ'
ولقد افاد الكاتب من تقنيات التجريب في السرد، فقد خرج على كلاسية السرد، فلم يقدم لنا حكاية محبوكة أو تناميا زمنيا خطيا، بل يقدم لنا سرديات متجاورة كل سردية فيها تضيف قطعة من قطع البازل الذي يصنع منه لوحة مكتملة يسميها 'أثر النبي' كما أنه يتلاعب بالزمن ما بين الفلاش باك والزمن الآني في محاولة لقص أثر الإنسان الذي مات داخله منذ أن كان طفلا يحلم بالطيران على سطوح الدار وحتى أصبح شابا يحلم بطيران من نوع جديد في شوارع القاهرة، لكن حلمه بالطيران يجهض طوال الوقت، فلا يشعر بتلك النشوة التي يحلم بها، نشوة أن يعلو الجسد لأعلى، لأعلى، ثم يشعر بالخفة كام طائر يفرد جناحيه بعرض الفضاء، لكن السقوط دوما ينتظره، بدءا من موت الأم وهو صغير ومرورا بكل الخيبات التي أوصلته إلى حيث يقف الآن مرتعبا من موت زميله في الحجرة عادل هياكل، ورغم أن زميله عُرف أنه مصاب بالسل، وأنه وارد أن يموت وسط قيئه ودمه إلا أن الذات الساردة التي تعودت على الخوف والاضطهاد تخشى أن يُتهم بقتله.
ولا تقف الرواية عند خيبات الأبطال الشخصية، بل يعمد الكاتب إلى أن يركز الكاميرا على الخيبات القومية التي شكلت وعي هذا الجيل وزادته غربة، فيتداخل الهم الخاص بالهم العام، فها هم طلاب الجامعات والشباب يثورون على دخول أمريكا العراق، وسقوط بغداد، سقطت بغداد وسقط الحلم العام، فلم يكتف الكاتب بحلم الطيران والسقوط للذات الساردة، بل أسقط الحلم العام بسقوط بغداد : 'في جرائد السبت: كانت صور المظاهرة في صدر الصفحات الأولى، كانت صورتي بعروق وجهي النافرة وأنا أهتف في طرف صورة في الصفحة الأولى من جريدة الوفد'، إذن حاول لملمة شتات الذات بأن يتلاشى همه الفردي في الهم العام، وكأن حلم الخفة والطيران تحقق حين نسي الهم الذاتي، فها هو يتصدر الصفحة الأولى هو وزملاؤه في مظاهرات الاعتراض على سقوط بغداد، لكن الأمن والنظام يقمعان التظاهرات، فلم يلق المتظاهرون إلا القهر والاستبداد 'أهرول من شارع شمبليون لشارع معروف لشارع عدلي هربا من الهراوات، أهرب من لا شيء إلى لا شيء، في المساء'.
في لغة شفيفة وسرديات تشبه كادرات سينما خاطفة يتوالى السرد ليصور لنا شحنات الألم والبكاء التي تنتاب السارد ويتناص مع فيلم 'العصفور' وجاء استدعاؤه لفيلم العصفور لأنه يصور لحظات سقوط للأمة العربية والمصرية لا تقل عن سقوط بغداد، فمشهد النكسة وعبد الناصر الذي يحاول التنحي، والشعب الذي يطلع للشوارع ليجبره على عدم التنحي هو أشد المشاهد التي سيطرت على الناس، فمصر لم تتصور كيف تواصل دون زعيم أو بطل يأخذ بيدها ليخرجها من نفق النكسة المظلم، يجيد الكاتب اللعب بكادرات فيلم العصفور، فمحسنة توفيق بطلة الفيلم على مستوى الواقع كانت تشارك في المظاهرات التي تندد بسقوط بغداد، وعلى مستوى الفيلم كانت تستنهض الهمم وتصرخ صرختها الشهيرة وهي تجري في شوارع القرية 'هنحارب، هنحارب' إذن السقوط واحد وإن اختلف العصر، والقهر والألم واحد، ومحمد أبو زيد يختم روايته بمشهد عبد الناصر ـ في الفيلم ـ وهو يخبر الشعب المصري بقرار التنحي، وبطل محمد أبو زيد وهو يفر من كابوسية الواقع 'صوت عبد الناصر يواصل تلاوة خطاب التنحي في أذني: فإنني على استعداد لتحمل المسؤولية كلها، وقد اتخذت قرارا أريدكم جميعا أن تساعدوني فيه... أهرول والشوارع تزداد ضيقا، لا أشعر بثقل الحقيبة التي مزقت كتفي، تسقط جميع الأشياء من ذاكرتي، يقفز وجهك أمامي، أهرول أكثر'.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
' روائية وناقدة من مصر

أثر النبي.. الشاعر روائياً

فريدة النقاش

شيخ الطريقة الذي أجلسني بجواره في إحدي حلقات الذكر في مسجد الحسين قال لي:

«اعرف الفارق بين العلامة والأثر».. ثم يضيف الشيخ «إن الفارق مثل ما بين الحياة والآخرة فاتبع العلامة، واترك الأثر.. كلنا نبي نفسه، فالبس رداء تقشفك، واترك الناس تتبع أثرك». وهناك صندوق يضع فيه «أدهم صبري» الراوي في رواية أثر النبي «لمحمد أبوزيد» كتبا وصورا قديمة وقصاصات صحف.. ويتساءل هل هذا الصندوق هو أثري الذي سأتركه أم علامات مرت؟ فهل يبحث صاحبنا عن خلود ما هو التواق إلي السفر، الحالم بالطيران «فاردا ذراعي كلاعب سيرك يخاف من السقوط أرفع يدي لأعلي لكنني لا أطير يا زينب».

«زينب» هي الحاضر الغائب لا تطل علينا أبدا في الرواية لكنها ملاذ صاحبنا الطالب الذي ينتقل من مكان بائس لآخر أشد بؤسا يهرب «من عالم ضيق، فأجد العالم يضيق أكثر» عالم يقف علي أظافره في انتظار أن تدق الشرطة الباب في أي لحظة «احتمال أن يرجعوا مرة أخري، يدقوا الباب فيقتلوني حين يجدونني وحيدا».. فنحن أمام مدينة بلا قلب وبوسعنا طيلة قراءة النص أن نستعيد الديوان الأول بهذا الاسم للشاعر «أحمد عبدالمعطي حجازي» كما نستدعي قصيدته «لا أحد» ففي هذه الرواية الشعرية «الغرباء يموتون هنا دون أن يحس بهم أحد»، ومعظم شخصيات الرواية هاجرت من الريف إلي هذه المدينة الموحشة التي لم يجدوا فيها سوي القهر والقمع علي كل المستويات وطنية حيث ينتهي القص بالغزو الأمريكي للعراق، وشعور الجميع بقلة الحيلة إزاءه، واجتماعية حيث الرزق الشحيح والمساكن الخانقة والأحلام المجهضة، وروحية حيث التمزق بين حلم الشخصية الراوية بالطيران وضغوط الإخوان المسلمين الذين يحرمون القصص وكل أشكال الفن، ويحلق الموت بين هذه العوالم كلها كأنه طائر الرخ، فمن موت حقيقي «لعادل هياكل» زميل السكن الذي وصفوه هذا الوصف بسبب مرض السل الذي أكله إلي الكتب «عن عذاب القبر» وعلامات الساعة الصغري التي يعطيها له الرجل المكلف بتجنيده لحركة الإخوان.. ويجد الراوي أنه بذلك يخرج من نفسه الحقيقية إلي نفس أخري «أتخلي عن وجهي وأرتدي وجها آخر»، هذا بينما تبدأ الرواية «بالدم» في فصلها الأول حيث ينزف عادل وتنتهي بتصريح بالدفن أي أننا بصدد بنية دائرية تبدأ بالموت وتنتهي من حيث بدأت.

ولمثل هذه البنية دلالات كثيرة، فهي اغتراب حيث يدور الراوي حول نفسه، وهي انغلاق دائرة القمع واللوعة التي تعيشها الشخصيات في بحثها المضني عن ثغرة، وذلك كله علي خلفية من الكدح موت الأم وتسلط الأب وزوجته.

تنفتح ثغرة في الدائرة المغلقة فقط في حالة التصالح مع العالم التي يجريها الراوي أثناء غزو أمريكا للعراق واندلاع المظاهرات الاحتجاجية «كنا نوصل الطعام يوميا إلي الطلبة المحاصرين وأشعر أنني قد بدأت أتصالح مع الناس.. مع الشوارع» إنه التصالح الذي يتم فحسب في حالة الفعل الإيجابي من أجل هدف كبير يتجاوز الأشخاص.

يلجأ الكاتب إلي السخرية حين يتعامل الراوي بمنتهي الجدية مع «حجازي» رفيقه في السكن الذي تخيل أنه ممثل وقام بدور «ضجيج في المقهي»، ولكننا أيضا سوف نبتسم ساخرين حين يخبرنا أنه كان يقرأ في المترو والباص والترام ونحن نتساءل كيف كان يفعل ذلك حقا؟

نحن بصدد نص أدبي جميل مفعم بالمشاعر كتبه شاعر فيه اكتناز وكثافة في اللغة الآسرة بادئا بالمعرفة كألم في مفتتح الكتاب يقول في مناجاته «لزينب» التي هي قارب نجاته «هنا خنتك يا زينب، أنا الذي أعرف كل شيء، وأنت التي لا تعرفين، أتذكر فأتعذب» ويتشبع النص بمقتطفات من أشعار الصوفية إضافة للتاريخ المكثف للصمود أمام العدوان الذي يحكيه محمود المليجي في فيلم «الأرض» كمقدمة لفصل الحرب.

يستطيع «محمد أبوزيد» أن يطمئن بعد روايته الشعرية تلك إلي أنه ترك أثرا حتي وهو «ينتقل من شارع لآخر كتابع يبحث عن نبيه» فهو نبي نفسه كما قال له الشيخ وحتي بعد أن أصبح حلم الطيران جريا في الطرقات اتقاء للألم وبحثا عن معني.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*نشر في جريدة الأهالي

20‏/05‏/2011

ركوب الموجة التي تجري ورا الموجة وعاوزة تطولها

تقريبا كل الكتاب الصحفيين ، والشعراء ، و الروائيين ، والنقاد ، والإعلاميين ، والفنانين ، والبقالين ، كلهم تنبئوا بالثورة ، بل أكاد أجزم بأن 85 مليون مصري تنبأ بالثورة في كلمة قالها ، أو حوار مع النفس أو تصريح أو مقال أو قصيدة أو رواية أو أغنية ـ بس الناس ما خدتش بالها ـ كلهم تنبئوا بالثورة إلا أنا الوحيد الذي كنت غافلا نائما متنيلا على عيني ، وأعتقد أيضا أن كل المصريين ـ حكومة ومعارضة عمالا وفلاحين ـ كانوا ضد النظام ، وقالوا للأعور إنت أعور في عينه ، وخرجوا في المظاهرات والاحتجاجات وطالبوا بإسقاط النظام طوال الثلاثين عاما الماضية ، إلا أنا ـ برضه ـ ، وما عرفش إيه الخيبة اللي الواحد فيها دي ، يعني مصر كلها تبقي عارفة إنه فيه ثورة هتقوم من قبلها ، وما حدش يقول لي ؟ .
طبعا ما يحدث هو نوع من أنواع المزايدة ، و محاولة ارتداء ملابس الآخرين ـ حتى لو كانت واسعة أو ضيقة ـ ليس مهما ، واللحاق بأي مكسب ، بأي فتفوتة من تورتة الثورة ، المهم أن يبدو الواحد ثوريا، بطلا ـ ولو من ورق ـ مع أنه ليس عيبا إن الواحد لم يتوقع بالثورة ، بل أكاد أجزم إن أحدا حتى مساء جمعة الغضب ( 28 يناير 2011) لم يكن يتوقع أن تصبح هذه ثورة ، تؤدي إلى خلع النظام الفاسد السابق ، وأحدا لم يتوقع ممن مشوا في مظاهرات 25 ، و26 ، و27 يناير أن تكون هذه الاحتجاجات التي رفعت شعار " تغيير حرية عدالة اجتماعية " أن يسقط النظام ، حتى الذين رفعوا شعار " الشعب يريد إسقاط النظام " ـ ومع فكرة الحلم الثوري الطاغي ـ لم يكونوا يتوقعوا أن يسقط النظام .
لذا فما يحدث الآن من أن تجد فنانا يقول لك أنا قلت من 50 سنة في حوار مع جريدة البعكوكة أن هناك ثورة ستقوم في مصر أو يقدم نفسه على اعتبار أنه كان ضحية أو مناضلا ـ بس انتم ما كنتوش واخدين بالكم ـ ليس إلا كلاما من قبيل التنكيت ، ولا يختلف شيئا عن كلام وفاء عامر التي قالت أنها ذهبت إلى ميدان التحرير إثناء الثورة بالنقاب ،  وبسبب انتقادها الدائم لحكم الطاغية الفرد ، ومن يصدق مصطفى الفقي الذي كتب مقالا في المصري اليوم بعد إزاحته ـ و لله الحمد ـ من جامعة الدول العربية يقول فيه أنه يعلم أن كل شباب الثورة كانوا يدعمونه للوصل إلى المنصب ، مع أنني لم أجد شابا ولا كهلا يحبه ، المشكلة أن أمثال هؤلاء الأشخاص يبدوا أنهم يصدقون أنفسهم و يطالبوننا أن نصدقهم ، الكلام ليس عليه جمرك ولا يعاقب عليه القانون ، لذا من حق كل واحدا أن يتكئ ويقول ما يريد ، لكن نرجو ألا يتكئ علينا .
مشكلة المتنطعين والمزايدين والراكبين ـ الموجة ـ أنهم حتى يثبتوا أنهم كانوا ثورار وقارئي فنجان ومتنبئين ـ فلا بد من ضحايا ، وهناك ضحايا سههلة وهي أذناب النظام السابق الموجودين في السجن ـ وهناك ضحايا آخرين لا يعرفهم أحد ، تجد نفسك قاعدا في بيتك ـ لا بيك ولا عليك ـ فتجيلك طوبة في راسك ـ إيه اللي حصل يا جماعة ـ يقول لك ده فلان الفلاني بيقول تصريح إنه كان ثوري مع أنه كان نائما في أحضان الحزب المحلول
بالأمس كتب أحد ثوار يناير على حسابه في تويتر " بعض المناضلين إذا جلس مع جيفارا لخرج جيفارا من الجلسة وهو يشعر أنه خائن وعميل وجبان " ، هذا حقيقي ، فالمزايدة على كل أحد ، وعلى كل شيء ، ليست هي الحل لنجاح الثورة ، وركوب الموجة التي تجري ورا الموجة ، ورا الموجة ـ للأسف ـ مش هيخليها تطولها ، فحنانيكم بأنفسكم .
أحيانا تكون أفضل خدمة يقدمها بعض المتنطعين والمدعين وراكبي الموجة والمزيداين ، أقول أفضل خدمة يقدمونها للثورة هي أن يظلوا صامتين .

24‏/01‏/2011

كل الذين أحبهم ماتوا


حين ماتت جدتي فقط شعرت أنني يتيم ، شعرت أن كل الذين أحبهم ماتوا ، رحلت أمي وأنا دون الخامسة ، ورحلت جدتي لأبي بعدها بعامين ، ورحل جدي الذي رباني بعدهما بأعوام قليلة ، في رحلة الحياة مات كثير ممن أحبهم ، من الأصدقاء والأهل ، واستمرت الحياة ، لكن حين ماتت جدتي فقط شعرت أنني يتيم ، شعرت بالعجز ، شعرت بالوحدة ، شعرت بكم هي سيئة هذه الحياة التي تتركنا وحيدين في صحراء جرداء بدون أحد معنا يدلنا على الطريق .
أسوأ إحساس في الحياة هو الفقد ، وأسوأ ما في الفقد حين تكون ضعيفا و لا تجد من تستند عليه في أزماتك التي لا تنتهي ، أنك لن تجد الدعم الذي تحتاجه ممن يعطونك الدعم ، ليس مهما أن يكون دعما ماديا ، ربما هو دعم نفسي أكثر ، أنك لن تجد من كانوا معك في أشد لحظاتك ضعفا ، في كل هزائمك ، من ربتوا على كتفك ، وساعدوك على النهوض لتكمل مواجهة الحياة ، من أحبوك واحتملوك بكل أخطائك وإخفاقاتك وجنونك وتمردك مرارة الفقد في أن في لحظات ضعفك القادمة لن تجد من يساعدك على النهوض ، ولا من يربت على كتفك ، ولا من يقول لك " انت ولد جيد ستستطيع أن تكمل " ، ولا من تنجح حتى تسعده ويكون سعيدا لسعادتك ونجاحك ، أسوأ ما في الفقد هو ذلك الإحساس بالمرارة الذي ينتابك بمدى تقصيرك ، هو ذلك الإحساس بالعجز ، هو تلك الغصة الهائلة التي تقف في حلقك .
يأتي الخبر عبر الهاتف ، فأترك كل شيء وأهرول ، هل كانت محاولة يائسة لمنع الرحيل ، ثماني ساعات يقطعها الميكروباص في الطريق ، أسترجع فيها مشاهد ربما هي رحلة حياتي ، حياتها ، حياتنا المشتركة ، أدرك أنني دائما من كان يأخذ وأنها دائما التي كانت تعطي ، تعطي بلا انقطاع ، تعطي بلا حاجة للأخذ ، تعطي بلا رغبة في الرد ، وآخذ أمنا وسلامة ومحبة ولا أعطي شيئا ، تجارة خاسرة تدركها لكنها لا تتوقف عنها ، منذ كنت صغيرا ضعيفا لا أقوى على شيء وهي قوية كبيرة تقوى وتساعدني في كل شيء، وحتى صرت كبيرا قويا أقوى على فعل كل شيء ، وصارت ضعيفة كبيرة السن لا تقوى على فعل شيء ، لكنها تستمر في العطاء في كلتا الحالتين ، وأستمر في الأخذ .
هل كنت تحتاج إلى وقت طويل لتعرف أن الذين يحبونك قد رحلوا ، الذين يحبونك دون أي هدف ، الذين يحبونك لأنك أنت ليس أكثر ، لا يريدون منك شيئا ، يريدونك أن تصير أفضل ، أفضل منهم ، يأخذون من أنفسهم ويعطونك ، الذين أخذوا بيدك حين كنت لا تستطيع أن تفعل شيئا ، حين كنت لا تستطيع أن تمد يدك لالتقاط كوب الماء ، ثماني ساعات أدركت خلالها كم كانوا رحماء بك ، وكم كنت ولدا عاقا .
مر على الرحيل أكثر من شهر ونصف ، لم أستطع أن أكتب إلا الآن ، لا أستطيع أن أجد طعما لشيء ، لا أستطيع تخطي مرحلة النسيان ، ، لا أريد أن أخطو تجاه النسيان ، لا أريد أن أودع عمري الذي مضى في الذاكرة وأمضي .
مع رحيل جدتي ـ فقط ـ أدركت أن كل الذين أحبهم ماتوا .

01‏/12‏/2010

الشاعر محمد أبو زيد بعد روايته الأولي‮:‬ تحوّلنا إلي أصنام

حوار‮ ‬ : نائل الطوخي
الشاعر محمد أبو زيد أصدر رواية بعنوان‮ "‬أثر النبي‮". ‬ولكن علي عكس جميع الشعراء الذين كتبوا الرواية بعد تمرّسهم في الشعر،‮ ‬فالصيغة الأولي من روايته كانت قد اكتملت قبل نشره أي ديوان‮. ‬كتب الرواية عام‮ ‬2003،‮ ‬وكان ديوانه الأول‮ "‬ثقب في الهواء بطول قامتي‮" ‬لا يزال ينتظر دوره للنشر في الهيئة العامة لقصور الثقافة‮. ‬يقول‮: "‬كنت أجرب‮. ‬كتبت القصة والشعر ولكنني كنت واعياً‮ ‬وقتها أن الشعر مشروعي‮. ‬الكتابة في النهاية لعبة،‮ ‬قد تبدو علي هيئة رواية أو شعر أو مسرحية أو حتي نص عائم،‮ ‬المهم هو فكرة الكتابة ذاتها،‮ ‬بالإضافة إلي أنني كتبت روايتي هذه بنَفَس شعري‮. ‬لم ألتزم بقواعد الرواية المتعارف عليها‮. ‬الحدث كان يتعطل كثيرا لصالح الكثير من فقرات‮ ‬مناغاة الراوي وغيره‮."‬
العام‮ ‬2003‮ ‬له دلالة أخري،‮ ‬عام الاحتلال الأمريكي للعراق‮: "‬كان احتلال العراق نكسة حقيقية للجيل كله‮. ‬نكسة جيل الستينيات والسبعينيات تمحورت حول سقوط الزعيم الروحي لهم،‮ ‬عبد الناصر،‮ ‬الذي لم يعد هو الزعيم القائد،‮ ‬ولكن الأمة العربية كانت لا تزال موحدة‮. ‬بعد الاحتلال العراقي للكويت عام‮ ‬90،‮ ‬ثم الاحتلال الأمريكي للعراق عام‮ ‬2003‮ ‬أصبح موضوع الوحدة العربية مزحة ثقيلة‮. ‬الآن السودان والعراق ينقسمان،‮ ‬وفلسطين تتحول إلي‮ ‬غزة والضفة الغربية منفصلين عن بعضهما البعض،‮ ‬ولبنان ينقصها القليل لتنفجر‮. ‬في عام‮ ‬2003‮ ‬كنت مهزوما وأريد التنفيس عن هزيمتي‮."‬
العام‮ ‬2003‮ ‬هو العام الذي تدور فيه أحداث الرواية،‮ ‬خلفيتها الأخبار المذاعة عن سقوط العراق بيد الجيش الأمريكي،‮ ‬والبطلان الرئيسيان لها هما شخصية عادل هياكل،‮ ‬الذي يسكن مع زملائه في بيت الطلبة ولا يتوقف عن المزاح،‮ ‬يعيش قصة حب في الجامعة،‮ ‬ويخرج في المظاهرات وفوق هذا هو مريض بالسل ويموت في نهاية الرواية،‮ ‬هو المعبر عن الجيل في الرواية،‮ ‬كما يشرح أبو زيد،‮ ‬بالإضافة إلي بطلة أخري‮: ‬الفنانة محسنة توفيق‮. ‬تنتهي الرواية بخبرعن ضربها علي يد قوات الأمن التي تقوم بتفريق المظاهرات،‮ ‬مع مشاهد من نهاية فيلم‮ "‬العصفور‮"‬،‮ ‬بعد إعلان تنحي عبد الناصر وهي تنزل الشارع وتهتف‮ "‬هنحارب‮".‬
أسأله إن لم يكن الربط بين احتلال العراق ونكسة‮ ‬67‮ ‬بهذه الطريقة مباشراً‮ ‬قليلاً؟‮ ‬فيقول إنه حاول الابتعاد عن المباشرة قدر الإمكان‮. ‬علي العموم‮.. ‬فكرة المباشرة تبدو بالنسبة له محيرة قليلا،‮ ‬يتوقف أمامها ليطرح تساؤلاته‮:‬
‮"‬ظهور عبد الناصر في الرواية كان محايداً‮. ‬قد يفهم منه القارئ أنني أدينه وقد يفهم أنني أسترجعه بنوع من الحنين‮. ‬لم أحب أن توضع الرواية في إطار سياسي‮. ‬ولكن في نفس الوقت،‮ ‬هل المطلوب من الكاتب أن يتخلي تماماً‮ ‬عن قضيته؟ نيرودا يتساءل إذا ما فتحت النافذة صباحاً‮ ‬ورأيت قتيلاً‮ ‬ورأيت وردة،‮ ‬فهل أكتب عن الوردة؟‮! ‬أنا هنا ضد الجيل الحالي الذي يريد الانغلاق علي ذاته ويكتب شعرا عن تفاصيل‮ ‬صغيرة‮. ‬الكاتب بلا قضية ليس كاتباً‮. ‬لا أطلب من الكاتب الدفاع عن فلسطين ولكن علي الأقل أن يكون لديه هم‮. ‬عندما نتوقف عن التعب بحثاً‮ ‬عن لقمة العيش،‮ ‬ونتوقف عن الموت من البطالة،‮ ‬سيكون متاحاً‮ ‬لنا أن نكتب عن قضايا ذاتية تماماً‮."‬
كتب أبو زيد روايته هذه أربع مرات،‮ ‬وفي كل مرة كان يعاود عملية التنقيح ويحذف الأجزاء الأكثر مباشرة‮ (‬هو‮ ‬_‮ ‬مع رأيه هذا‮ - ‬يرفض المباشرة الزاعقة،‮ ‬يري أبياتا مثل‮ "‬دع سمائي فسمائي محرقة‮" ‬تصلح أكثر للأغاني،‮ ‬بينما النص الأدبي خُلق ليبقي‮)‬،‮ ‬كما أضاف شخصيات وحذف أخري وأضاف تفاصيل‮ ‬علي مدار عملية تنقيح الرواية لتضيف بعض المصداقية للعمل،‮ ‬مثل كلمات الأغاني والإعلانات المنتشرة عام‮ ‬2003‮. ‬وفي أثناء عملية التنقيح المتواصلة هذه،‮ ‬قدم الرواية لمسابقة يحيي حقي بالمجلس الأعلي للثقافة وفازت فيها‮. ‬يواصل حديثه عن المباشرة‮: ‬
‮"‬نحن كأدباء شباب تحولنا إلي أصنام،‮ ‬ثرنا علي الأصنام القديمة لأنهم كانوا يقومون بنفينا،‮ ‬وقلنا إنهم كانوا مباشرين،‮ ‬وثرنا علي الشعر التفعيلي والعمودي،‮ ‬ثم تحولنا نحن أنفسنا إلي أصنام،‮ ‬صرنا نقدس الرواية القصيرة والنص المشفر والذاتي تماماً‮. ‬أنا ضد فكرة نفي الآخر‮."‬
هناك مقطع كامل من الرواية يرويه‮ "‬عادل هياكل‮" ‬معلقا‮ ‬_‮ ‬بشكل ساخر‮ ‬_‮ ‬علي مباراة كرة يتخيلها بين زملائه في السكن‮. ‬المقطع مكتوب بعامية بسيطة ويبدو فيه أبو زيد‮ ‬_بإضفائه عنصر السخرية‮ - ‬متمردا علي اللغة المعتمدة للروايات وعلي لغة الحوار بشكل خاص‮. ‬
أسأله ألم يرغب في اختراقات لغوية أكثر تدخل نصه الروائي؟‮ ‬
فيجيب بأن شخصية عم رجب حارس المسجد هي شخصية كارتونية أيضاً،‮ ‬وهناك شخصية حجازي الذي يكتب خطابات تحوي أحداثا مختلقة لأهله ليثبت لهم أنه أصبح ممثلا كبيرا،‮ ‬الخطابات تحوي‮ "‬شعرية الركاكة‮" ‬كما يسميها‮. ‬بالإضافة إلي اختراقات من نوع مختلف‮: "‬هناك مقاطع حاولت فيها تكثيف اللغة الصوفية،‮ ‬والنص الذي أقدم فيه وثيقة إقرار الطلبة علي السكن في البيت كانت لغته مختلفة،‮ ‬الموضوع أنني في مواضع كثيرة كنت أكتب بلغة شعرية،‮ ‬اللغة لم تكن تعمل إذن في إطار ذروة وحبكة وشخصية ونقطة تنوير تحل في النهاية‮."‬
طرح الكاتب في روايته مفهوما مختلفا للتدين،‮ ‬مفهوما محايداً،‮ ‬لم يعد المتدينون هم الظلاميون الإرهابيون الأفاقون كما هو الحال في روايات سابقة‮: "‬الدين بالفعل منذ عام‮ ‬1995‮ ‬وحتي‮ ‬2003‮ ‬كان هو المحرك الرئيسي للمجتمع‮. ‬هناك في الرواية من انضم للجماعات الصوفية لأنه ببساطة أراد إطاراً‮ ‬ينتشله من الوحدة‮. ‬النظام السياسي لا يحل المشاكل ولذلك يلجأ الناس للدين،‮ ‬هذا موضوع بسيط ومفهوم تماماً‮. ‬قصدت أن أجعل أحد الشخصيات اسمه‮ "‬سيد قطب‮" ‬وأن أمرر هذا ببساطة،‮ ‬بدون أن يعني أنه من الإخوان مثلاً‮."‬
مصادر أبو زيد في الكتابة متنوعة جدا‮. ‬يحكي أنه في ديوانه السابق‮ "‬كطاعون يضع ساقاً‮ ‬فوق الأخري وينظر للسماء‮"‬،‮ ‬وضع ثبتاً‮ ‬بمراجع الديوان،‮ ‬وكان منها القرآن الكريم والأعمال الكاملة لعمر خيرت ولمارسيل خليفة،‮ ‬ونظرية النسبية ونظرية الثورة لعبد الناصر،‮ ‬وتقرير حركة كفاية حول الفساد في مصر‮: "‬لم تكن الفكرة أنني أخذت مقاطع من هذه الأعمال ووضعتها في قصائدي،‮ ‬وإنما هذه المصادر هي التي كوّنت ثقافتي وكتابتي ببساطة‮."‬
بجانب إبداعه،‮ ‬يرأس أبو زيد تحرير موقع بعنوان‮ "‬الكتابة‮" ‬يتم فيه الاحتفاء بالكتابة المصرية الشابة‮. ‬يقول إن موقع الكتابة بدأ كحلم منذ أكثر من سبع سنوات،‮ ‬كمحاولة‮ ‬للتغلب علي مشاكل‮ ‬النشر الحكومي،‮ ‬والانتظار سنوات تتجاوز الخمس من أجل نشر كتاب،‮ ‬أو البحث عن مجلة أو صفحة ثقافية لنشر قصيدة‮. ‬المجلات الثقافية لا يتجاوز عددها الاثنتين،‮ ‬ومن يفلت من كل هذا يسقط في فخ ذوق معين سائد في الكتابة‮. ‬ومع ظهور جيل جديد يكتب وينشر علي الإنترنت،‮ ‬كانت الهجرة للنشر الجماعي في مواقع ثقافية عربية‮ "‬مثل كيكا،‮ ‬وجهة الشعر،‮ ‬وأوكسجين وغيرها‮"‬،‮ ‬في الوقت الذي لا يوجد موقع ثقافي مصري واحد‮. ‬من هنا بدأ حلمه‮. ‬يقول‮: "‬حين قررت إطلاق الموقع كان الهدف هو الانتصار لجيلي بأكمله،‮ ‬الانتصار للكتابة الجميلة هكذا كتبت في بيان التدشين‮. ‬أطلقت موقعا تجريبياً‮ ‬في عام‮ ‬2007،‮ ‬لكن لأنه كان مجانيا فقد كان ضعيف الإمكانيات،‮ ‬حتي تمكنت في إبريل‮ ‬2009‮ ‬من إطلاق موقع احترافي ينشر النصوص بشكل يومي،‮ ‬من كل أنحاء العالم العربي،‮ ‬ينشر نقداً‮ ‬وقصة وشعراً‮ ‬وترجمات ومقالات في السينما،‮ ‬كما استحدثت فيه بابا عن التدوين علي اعتبار أن التدوين صار فناً‮ ‬كتابياً‮ ‬خاصاً‮." ‬قدم الموقع خلال عام ونصف مضت ملفات عن أهم كتاب ورموز الكتابة الشابة و الجادة ذات المشاريع الحقيقية‮: "‬لا أبغي من وراء الموقع أي شيء سوي استمتاعي الشخصي بالنصوص التي أقرأها،‮ ‬وبأنك تملك نافذة يدخل منها الهواء النقي إلي رئات تستحق ذلك‮". ‬يضيف أنه مع الاحتفال ببداية العام الثالث للموقع سيتم إطلاق مسابقة ثقافية خاصة بالموقع،‮ ‬كما أن هناك تفكيراً‮ ‬طويل المدي بأن يتحول الموقع إلي دار نشر أيضاً‮: "‬هناك حلم كبير اسمه‮ "‬مؤسسة الكتابة ‮" ‬تشمل الموقع والمسابقة والإذاعة ودار النشر،‮ ‬بأن تكون لدينا أول مؤسسة ثقافية‮ ‬مصرية خاصة،‮ ‬لكن الأمر يحتاج إلي صبر وجهد‮".‬
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشر في جريدة أخبار الأدب

شاعر يكتب الرواية


بهاء جاهين
محمد أبو زيد شاعر شاب من مواليد‏1980,‏ صدرت له خمسة دواوين‏,‏ وها هو ينشر‏-‏ عن دار شرقيات‏-‏ رواية بعنوان أثر النبي‏.‏ الرواية لاتختلف كثيرا عن معظم أعمال المبدعين الشبان‏,‏ حيث العالم الضيق‏,‏ والسيرة شبه الذاتية‏,‏ وشوارع ومقاهي وسط البلد‏,‏ حيث يجتمعون مع رفاقهم من الكتاب‏. ,‏ ويسكنون هذا العالم الصغير عوضا عن الريف الذي نزحوا منه .
لكن أبو زيد أضاف الي هذا العالم اتساعا وجدة‏,‏ حين تحدث عن بيت للطلبة الأزهريين بالغورية‏,‏ أقام فيه بقدرة قادر‏,‏ ومساعدة أصدقاء‏,‏ وهو الطالب بتجارة عين شمس‏,‏ وشقته المظلمة الضيقة بدار السلام حيث اقام في سنته الأولي بالجامعة‏.‏
وبطل الرواية‏-‏ وهو الشاعر لكن ليس بالضبط‏-‏ من المشائين‏,‏ الطوافين في شوارع القاهرة‏,‏ حبا لها وافتقارا لقروش الميكروباص‏,‏ جعلته الغربة صعلوكا‏,‏ فهو بلا أسرة‏,‏ واتخذ من أصدقائه بيتا وعائلة‏.‏ وهم مجموعة من الفقراء اليائسين‏,‏ الحالمين مع ذلك‏,‏ أحلامهم ذاتها تعسة‏,‏ العمل والمرمطة في الخليج وبعضهم ينتهي به المطاف الي المعتقل في هوجة الإخوان‏,‏ مع أنهم أبعد ما يكونون عن السياسة‏.‏
هم كرسوا أنفسهم للضحك‏,‏ رغم أن بينهم واحدا يحتضر‏,‏ عادل هياكل الذي ظل يقيء دم السل وهم يهزرون حوله ليبعثوا فيه بعض الحياة‏.‏
يموت عادل هياكل في حجرة المغتربين الأزهريين وقد قاء آخر قطرة من دمه‏,‏ آخر نفثة من روحه الشابة‏,‏ يموت ويبقي بطل الرواية المصاب بمرض الاكتئاب النوباتي‏,‏ الذي تتلوه في أحيان قليلة كما نري في الرواية فترات انبساط‏,‏ يبقي تائها بين محبوبات لاينالهن‏,‏ واليتم الذي نما معه منذ وفاة أمه وهو طفل‏..‏ يبقي وليس له مستقبل‏,‏ أو لا يلوح أمامه طريق مضيء يسلكه‏.‏ فهو تائه ضائع‏,‏ فقد حجرة الرفاق الأزهريين بالغورية‏,‏ التي فر منها مطاردا بخوفه من الاعتقال‏,‏ وحين عاد ليأخذ أشياءه وجد عادل هياكل منطرحا جنب سريره علي بركة دم‏,‏ دم غاص فيه البطل الذي لم يهتم الشاعر بذكر اسمه‏,‏ لأسباب كثيرة كلها وجيهة‏.‏ مات عادل هياكل ليصير في حياته وموته رمزا لهذا الجيل‏,‏ الذي يموت بأشكال مختلفة‏,‏ قهرا واختيارا‏,‏ في البحر او في الحياة‏.‏
يهرب البطل من جثة صاحبه‏,‏ مطاردا بخوفه‏,‏ مبحرا في سواد بلا نهاية‏,‏ كما يقول في النهاية‏.‏
إنه الجنين المتكور بحثا عن رحم الأم‏,‏ الذي تنقبض روحه وتنبسط‏,‏ طبقا لمصطلحات المتصوفة والأطباء النفسيين‏,‏ الذي يفقد عالمه في النهاية‏,‏ وينادي محبوبته الأولي‏,‏ التي ظل يناديها طوال الرواية‏,‏ والتي كانت أمامه في القرية ولم يستطع أن ينالها‏,‏ ولم يحرص في روايته علي تقديم الأسباب‏,‏ او لنقل لم يحرص في رواية شاعره‏.‏
إن زينب التي يخاطبها هذا الشاب‏,‏ الذي لا اسم له‏,‏ لاتحتل في الأحداث مكانا يذكر‏,‏ لكنها تحتل مساحة كبري في قلب مناديها‏,‏ هل لأن اسمها‏-‏ وصاحبها من المتطوحين في الحضرة‏-‏ يربطها في وجدانه بأم العواجز؟ هل لأنها صاحبة قنديل يضيء في قلبه؟ هل لهذا لاتوجد في أرض الحكاية إلا قليلا؟
هذه لمحة من عالم الرواية‏,‏ وهذا العالم جزء في حد ذاته من فنيتها‏,‏ فالمادة نفسها نوع من الصياغة‏,‏ وزاوية الرؤية جزء أساسي في جماليات التصوير‏.‏ أما التشكيل هنا‏,‏ فهو متحرر من كلاسيكيات السرد‏,‏ لأنه يمتد أفقيا من حيث التزامن او اختلاط الزمن‏,‏ كما يمتد طولا من حيث اتجاه الأحداث في النهاية نحو نقطتها القصوي‏,‏ نحو الذروة‏,‏ او الفاجعة‏.‏
والرواية أيضا تشبه شخصية صاحبها ـ بطلها أو كاتبها ـ الذي يمحي رغم وجوده الطاغي‏,‏ يجرد نفسه من الاسم والصنعة‏,‏ لايذكر إلا لمحا أنه كاتب‏,‏ بكلمة عابرة‏,‏ وتتراوح روايته بين المقاطع شديدة القتامة وأخري شديدة المرح‏,‏ وان غلبت الأولي علي الثانية‏.‏
إن حكايته شخصية وفي الوقت نفسه هي حكاية جيله‏,‏ الغالبية العظمي من جيله الفاقدة القدرة البائسة الآمال‏,‏ الواقعة تحت ضغط الفقر والداء والموت وهي تضحك‏,‏ وهذا جمالها‏.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشر في جريدة الأهرام

أثر‏ ‏النبي‏ .. ‏رواية‏ ‏أولي‏ ‏للشاعر‏ ‏محمد‏ ‏أبوزيد‏ ‏تفتش‏ ‏عن‏ ‏أسباب‏ ‏الهزيمة


أحمد الشهاوي
عن‏ ‏دار‏ ‏شرقيات‏ ‏بالقاهرة‏ ‏صدرت‏ ‏رواية‏ ' ‏أثر‏ ‏النبي‏ ‏للشاعر‏ ‏محمد‏ ‏أبو‏ ‏زيد‏ , ‏وهي‏ ‏أولي‏ ‏روايايه‏ ,‏وتدور‏ ‏في‏ ‏أجواء‏ ‏صوفية‏ ‏متنقلة‏ ‏ما‏ ‏بين‏ ‏ابن‏ ‏الفارض‏ ‏وجلال‏ ‏الدين‏ ‏الرومي‏ , ‏وتدور‏ ‏حول‏ ‏إحباطات‏ ‏جيل‏ ‏بكامله‏ ‏نشأ‏ ‏في‏ ‏ظل‏ ‏نكسة‏ ‏عربية‏ ‏جديدة‏ ,‏وتتخذ‏ ‏الرواية‏ ‏الفترة‏ ‏بين‏ ‏احتلال‏ ‏العراق‏ ‏للكويت‏ ‏عام‏ 1990 ‏وحتي‏ ‏الاحتلال‏ ‏الأمريكي‏ ‏للعراق‏ ‏عام‏ 2003 ‏غطاء‏ ‏زمنيا‏ ‏وسياسيا‏ , ‏يتتبع‏ ‏الروائي‏ ‏من‏ ‏خلاله‏ ‏رصده‏ ‏للتغيرات‏ ‏الاجتماعية‏ ‏والسياسية‏ ‏التي‏ ‏حدثت‏ ‏خلال‏ ‏هذه‏ ‏الفترة‏ , ‏عبر‏ ‏تتبعه‏ ‏لشخصيات‏ ‏تعيش‏ ‏علي‏ ‏هامش‏ ‏الحياة‏ ‏تصارع‏ ‏لأن‏ ‏تكون‏ ‏في‏ ‏متنهاالأساسي‏.
‏يوقع‏ ‏الكاتب‏ ‏روايته‏ ‏بأنها‏ ‏كتبت‏ ‏بين‏ ‏عامي‏ (2003 ‏وحتي‏ 2010 ‏أي‏ ‏أنها‏ ‏استغرقت‏ ‏سبع‏ ‏سنوات‏ ‏في‏ ‏الكتابة‏ , ‏غير‏ ‏أن‏ ‏الرواية‏ ‏نفسها‏ ‏تستغرق‏ ‏رحلة‏ ‏حياة‏ ‏شخص‏ ‏منذ‏ ‏طفولته‏ ‏و‏ ‏تنتهي‏ ‏مع‏ ‏دخول‏ ‏القوات‏ ‏الأمريكية‏ ‏بغداد‏ ‏عام‏ 2003 .‏
تبدأ‏ ‏الرواية‏ ‏بخطاب‏ ‏موجه‏ ‏إلي‏ ‏شخصية‏ ‏افتراضية‏ ‏اسمها‏ ‏زينب‏ ‏يخاطبها‏ ‏الراوي‏ ‏المتكلم‏ ‏بقوله‏ ' ‏أكتب‏ ‏لأنسي‏ , ‏لأفرغ‏ ‏ذاكرتي‏ ‏علي‏ ‏الورق‏ ‏وأصير‏ ‏طليقا‏ , ‏لأنسي‏ ‏وحدتي‏ ‏في‏ ‏هذا‏ ‏العالم‏ , ‏أفكر‏ ‏أن‏ ‏أمسك‏ ‏يدك‏ , ‏أخترق‏ ‏بك‏ ‏الشوارع‏ ‏والمقاهي‏ ‏والمشربيات‏ ‏والبنايات‏ ‏العالية‏ , ‏أشير‏: ‏هنا‏ ‏وقفت‏ , ‏هنا‏ ‏تكلمت‏ , ‏هنا‏ ‏تذكرتك‏ , ‏وهنا‏ ‏خنتك‏ ‏يا‏ ‏زينب‏ , ‏أنا‏ ‏الذي‏ ‏أعرف‏ ‏كل‏ ‏شيء‏ , ‏وأنت‏ ‏التي‏ ‏لا‏ ‏تعرفين‏ , ‏أتذكر‏ ‏فأتعذب‏ , ‏أكتب‏ ‏لأحسدك‏ ‏علي‏ ‏النسيان‏ ' ,تبدو‏ ‏الكتابة‏ ‏هنا‏ ‏كذنب‏ ‏واجب‏ ‏علي‏ ‏الراوي‏ ‏أن‏ ‏يفعله‏ , ‏وتبدو‏ ‏الذاكرة‏ ‏عبئا‏ ‏واجب‏ ‏التخلص‏ ‏منه‏ ‏لذا‏ ‏هو‏ ‏يحسد‏ ‏زينب‏ ‏علي‏ ‏قدرتها‏ ‏علي‏ ‏النسيان‏ , ‏وتظل‏ ‏شخصية‏ ‏زينب‏ ‏شبه‏ ‏موجودة‏ ‏طوال‏ ‏الرواية‏ ‏فهي‏ ‏لا‏ ‏تظهر‏ ‏إلا‏ ‏من‏ ‏خلال‏ ‏توجه‏ ‏الراوي‏ ‏إليها‏ ‏بالخطاب‏ ‏والحديث‏ .‏
تبدأ‏ ‏الرواية‏ ‏من‏ ‏حادثة‏ ‏موت‏ , ‏يكتشفها‏ ‏بطل‏ ‏الرواية‏ ‏حين‏ ‏عودته‏ ‏إلي‏ ‏المبني‏ ‏الذي‏ ‏يسكنه‏ ‏مع‏ ‏مجموعة‏ ‏من‏ ‏طلبة‏ ‏الجامعة‏ , ‏وما‏ ‏بين‏ ‏هاجس‏ ‏الفرار‏ ‏وهاجس‏ ‏الخوف‏ , ‏تعود‏ ‏الرواية‏ ‏إلي‏ ‏نقطة‏ ‏البدء‏ ‏حيث‏ ‏طفولة‏ ‏الراوي‏ , ‏رابطا‏ ‏بين‏ ‏موت‏ ‏البطل‏ ‏الموازي‏ ' ‏عادل‏ ‏هياكل‏ ' ‏عقب‏ ‏احتلال‏ ‏العراق‏ ‏بأحداث‏ ‏سابقة‏ ‏تجيء‏ ‏علي‏ ‏لسان‏ ‏أستاذ‏ ‏الجامعة‏ ' ‏قال‏ ‏الولد‏ ‏للبنت‏: ‏أحبك‏, ‏فابتسم‏ ‏عامل‏ ‏البوفيه‏ ‏وهو‏ ‏يناولهما‏ ‏الشاي‏, ‏دقت‏ ‏ساعة‏ ‏الجامعة‏ ‏دقتين‏, ‏كان‏ ‏الجو‏ ‏حارا‏ ‏وخانقا‏, وكان‏ ‏أستاذ‏ ‏الجامعة‏ ‏في‏ ‏المحاضرة‏ ‏يقول‏: ' ‏أنتم‏ ‏الجيل‏ ‏الذي‏ ‏تغرب‏ ‏أباؤه‏ ‏في‏ ‏مدارس‏ ‏ومزارع‏ ‏ومستشفيات‏ ‏المغرب‏ ‏العربي‏ ‏والخليج‏, ‏وعادوا‏ ‏ليشتروا‏ ‏شققا‏ ‏ويبنوا‏ ‏بيوتا‏ ‏في‏ ‏قراهم‏, ‏سقطت‏ ‏في‏ ‏الزلزال‏ ‏أو‏ ‏غرقت‏ ‏في‏ ‏السيول‏, ‏أو‏ ‏نصبت‏ ‏عليهم‏ ‏شركات‏ ‏التوظيف‏ ‏وسرقت‏ ‏تحويشة‏ ‏العمر‏,أنتم‏ ‏الجيل‏ ‏الذي‏ ‏لم‏ ‏يتعاطف‏ ‏مع‏ ‏تعامل‏ ‏الحكومة‏ ‏مع‏ ‏أهالي‏ ‏الجماعات‏ ‏الإسلامية‏ ‏وفضل‏ ‏تسلية‏ ‏أيامه‏ ‏بحكايات‏ ‏ليالي‏ ‏الحلمية‏ ‏والراية‏ ‏البيضا‏ ‏وأحلام‏ ‏الفتي‏ ‏الطائر‏ , ‏أنتم‏ ‏الجيل‏ ‏الذي‏ ‏شاهد‏ ‏في‏ ‏طفولته‏ ‏الطيور‏ ‏وهي‏ ‏تغرق‏ ‏في‏ ‏بترول‏ ‏الكويت‏ ‏المسكوب‏ ‏في‏ ‏الخليج‏ ‏وشاهد‏ ‏انتهاء‏ ‏حلم‏ ‏الوحدة‏ ‏العربية‏ ‏علي‏ ‏الهواء‏ , ‏أنتم‏ ‏جيل‏ ‏فاشل‏ ' , ‏ثم‏ ‏قاء‏ ‏في‏ ‏طرف‏ ‏قاعة‏ ‏المحاضرات‏ ‏دما‏, ‏فتسللت‏ ‏أصابع‏ ‏الولد‏ ‏إلي‏ ‏أصابع‏ ‏البنت‏ , ‏بينما‏ ‏عاد‏ ‏الدكتور‏ ‏ليرسم‏ ‏علي‏ ‏السبورة‏ ‏سارية‏ ‏وعلما‏ ' ‏

ويقول‏ ‏في‏ ‏مقطع‏ ‏آخر‏ ' ‏سيقول‏ ‏عنها‏ ‏السادات‏: ‏انتفاضة‏ ‏الحرامية‏ , ‏وسيقول‏ ‏لطفي‏ ‏الخولي‏: ‏انتفاضة‏ ‏الجوعي‏ , ‏ويقول‏ ‏أستاذ‏ ‏الجامعة‏ ‏بعد‏ ‏خمسة‏ ‏وعشرين‏ ‏عاما‏ ‏منها‏ ‏بينما‏ ‏يراهما‏ ‏في‏ ‏مظاهرة‏ ‏مشتعلة‏: ‏ما‏ ‏فيش‏ ‏فايدة‏, ‏وستقول‏ ‏هي‏: ‏بلاش‏, ‏لكنه‏ ‏سحبها‏ ‏من‏ ‏يدها‏ ‏وخرجا‏ ‏معا‏ ‏يهتفان‏, ‏سقطت‏ ‏نظارتها‏ ‏من‏ ‏فوق‏ ‏أنفها‏, ‏تحطمت‏, ‏ناولها‏ ‏نظارته‏ ‏لكنها‏ ‏لم‏ ‏تر‏ ‏بها‏, ‏أعيدت‏ ‏إلي‏ ‏المدرج‏ ‏وهي‏ ‏تفتش‏ ‏عنه‏ , ‏كان‏ ‏صوته‏ ‏يصلها‏ ‏ببحة‏ ‏مميزة‏, ‏حين‏ ‏زارته‏ ‏في‏ ‏مسكن‏ ‏الغورية‏ ‏رفض‏ ‏عم‏ ‏رجب‏ ‏دخولها‏ ‏حتي‏ ‏بعد‏ ‏أن‏ ‏ادعت‏ ‏أنها‏ ‏أخته‏, ‏وحين‏ ‏سار‏ ‏معها‏ ‏في‏ ‏شوارع‏ ‏الدرب‏ ‏الأحمر‏ ‏غني‏ ‏لها‏ ‏وسط‏ ‏دهشة‏ ‏المارة‏ ‏وباعة‏ ‏الخضراوات‏ ‏وساندوتشات‏ ‏المربي‏ ‏بالقشطة‏ ‏والكشري‏ : ' ‏علي‏ ‏طول‏ ‏الطريق‏ ‏نقابل‏ ‏ناس‏, ‏ونعرف‏ ‏ناس‏ , ‏ونرتاح‏ ‏ويا‏ ‏ناس‏ ‏عن‏ ‏ناس‏' , ‏أمام‏ ‏جامع‏ ‏السلطان‏ ‏حسن‏ ‏غنيا‏ ‏مع‏ ‏حارس‏ ‏المسجد‏ ' ‏عدي‏ ‏النهار‏ ', ‏في‏ ‏القلعة‏ ‏رسم‏ ‏في‏ ‏غفلة‏ ‏من‏ ‏الحارس‏ ‏علي‏ ‏السور‏ ‏سارية‏ ‏وتمثالا‏ ‏جديدا‏ ‏لنهضة‏ ‏مصر‏, ‏ونسي‏ ‏أن‏ ‏يرسم‏ ‏حمامتين‏ '‏
هذان‏ ‏المقطعان‏ ‏يكشفان‏ ‏عن‏ ‏همين‏ ‏أساسيين‏ ‏متوازيين‏ ‏تقدمهما‏ ‏الرواية‏, ‏الأول‏ ‏هو‏ ‏الهم‏ ‏الديني‏ , ‏والثاني‏ ‏هو‏ ‏الهم‏ ‏السياسي‏ , ‏فنجده‏ ‏يطرح‏ ‏علاقة‏ ‏بطل‏ ‏الرواية‏ ‏بالجماعات‏ ‏الأصولية‏ ‏في‏ ‏مصر‏ ‏جماعة‏ ‏الإخوان‏ ‏المسلمين‏ , ‏و‏ ‏الجماعة‏ ‏الإسلامية‏ , ‏والجماعات‏ ‏الصوفية‏ , ‏غير‏ ‏أنه‏ ‏لا‏ ‏يجد‏ ‏الخلاص‏ , ‏في‏ ‏جماعة‏ ‏الإخوان‏ ‏المسلمين‏ .‏
الهاجس‏ ‏الديني‏ ‏في‏ ‏الرواية‏ ‏يتضح‏ ‏حين‏ ‏يسأل‏ ‏أحد‏ ‏المصلين‏ ‏شيخ‏ ‏الجامع‏ ‏عقب‏ ‏الصلاة‏ ‏وبعد‏ ‏احتلال‏ ‏العراق‏ ' ‏هو‏ ‏ربنا‏ ‏مش‏ ‏عاوز‏ ‏يستجيب‏ ‏لنا‏ ‏ليه‏ ‏؟‏ '‏
في‏ ‏اقترابه‏ ‏من‏ ‏الجماعات‏ ‏الصوفية‏ ‏يقول‏ ‏له‏ ‏شيخ‏ ‏الطريقة‏ ‏الذي‏ ‏أجلسه‏ ‏بجواره‏ ‏في‏ ‏إحدي‏ ‏حلقات‏ ‏الذكر‏ ‏في‏ ‏مسجد‏ ‏الحسين‏ ' ‏اعرف‏ ‏الفارق‏ ‏بين‏ ‏العلامة‏ ‏والأثر‏ ' ' ‏وفيما‏ ‏يتصايح‏ ‏الأتباع‏ ‏و‏ ‏الجلوس‏ ‏ب‏' ‏الله‏ ‏عليك‏ ‏يا‏ ‏مولانا‏ ' ‏منتظرين‏ ‏الحكمة‏ ‏منه‏ ‏ضغط‏ ‏علي‏ ‏كتفي‏ :‏ـ‏ ‏الفارق‏ ‏مثل‏ ‏ما‏ ‏بين‏ ‏الحياة‏ ‏والآخرة‏ , ‏فاتبع‏ ‏العلامة‏ ‏و‏ ‏اترك‏ ‏الأثر‏ , ‏لا‏ ‏يفهم‏ ‏أحد‏ ‏لكنهم‏ ‏يهمهمون‏ ‏بالاستحسان‏ : ‏كلنا‏ ‏نبي‏ ‏نفسه‏ , ‏فالبس‏ ‏رداء‏ ‏تقشفك‏ , ‏واترك‏ ‏الناس‏ ‏تتبع‏ ‏أثرك‏ ,‏يحدق‏ ‏في‏ ‏عيني‏ ‏فلا‏ ‏أقوي‏ ‏علي‏ ‏الحركة‏ ‏ويقول‏ ‏بطيبة‏ : ‏العلامات‏ ‏حكاها‏ ‏السلف‏ .. ‏و‏ ‏الآثار‏ ‏سيحكيها‏ ‏الخلف‏ '‏
تبدو‏ ‏هذه‏ ‏العبارات‏ ‏في‏ ‏الرواية‏ ‏هي‏ ‏الإجابة‏ ‏عن‏ ‏السؤال‏ ‏الملح‏ ‏الذي‏ ‏تطرحه‏ ‏الرواية‏ ‏عن‏ ‏الأثر‏ , ‏ما‏ ‏الأثر‏ ‏الذي‏ ‏سنتركه‏ ‏وكل‏ ‏شيء‏ ‏يضيع‏ ‏ويسرق‏ , ‏سواء‏ ‏كان‏ ‏هذا‏ ‏الشيء‏ ‏هو‏ ‏أعمارنا‏ ‏أو‏ ‏حيواتنا‏ ‏الخاصة‏ ‏أو‏ ‏أوطاننا‏ , ‏وهذا‏ ‏هو‏ ‏مدخل‏ ‏الهاجس‏ ‏السياسي‏ ‏في‏ ‏الرواية‏ .‏
يختار‏ ‏المؤلف‏ ‏أن‏ ‏تدور‏ ‏روايته‏ ‏في‏ ‏أجواء‏ ‏حرب‏ ‏العراق‏ ‏الأخيرة‏ ‏ما‏ ‏بين‏ ‏تصريحات‏ ‏الصحاف‏ ‏بأن‏ ‏النصر‏ ‏قادم‏ , ‏وما‏ ‏بين‏ ‏المظاهرات‏ ‏التي‏ ‏تنطلق‏ ‏في‏ ‏قلب‏ ‏القاهرة‏ ‏لا‏ ‏تقدم‏ ‏ولا‏ ‏تؤخر‏ .‏
يقدم‏ ‏الكاتب‏ ‏تصورا‏ ‏أنه‏ ‏إذا‏ ‏كانت‏ ‏الأجيال‏ ‏السابقة‏ ‏عانت‏ ‏من‏ ‏نكسة‏ 1967 ‏فإن‏ ‏الأجيال‏ ‏الجديدة‏ ‏عانت‏ ‏من‏ ‏نكسة‏ ‏ضياع‏ ‏الحلم‏ ‏العربي‏ ‏علي‏ ‏الهواء‏ , ‏احتلال‏ ‏دولة‏ ‏عربية‏ ‏لدولة‏ ‏أخري‏ ‏عام‏ 1990 ‏عندما‏ ‏قامت‏ ‏العراق‏ ‏باحتلال‏ ‏الكويت‏ , ‏وعام‏ 2003 ‏عندما‏ ‏احتلت‏ ‏الولايات‏ ‏المتحدة‏ ‏الأمريكية‏ ‏العراق‏ ‏علي‏ ‏مرأي‏ ‏ومسمع‏ ‏من‏ ‏الجميع‏ ,
‏وعلي‏ ‏الهواء‏ ‏مباشرة‏ ‏دون‏ ‏أن‏ ‏يتحرك‏ ‏أحد‏ ‏من‏ ‏أمام‏ ‏شاشات‏ ‏التليفزيون‏ .‏يقول‏ ‏أبو‏ ‏زيد‏ ‏في‏ ‏روايته‏ ' ‏الأستاذ‏ ‏أحمد‏ ‏مدير‏ ‏السكن‏ ‏جمعنا‏ ‏فوق‏ ‏السطح‏ ‏وقرأ‏ ‏لنا‏ ‏عمود‏ ‏أنيس‏ ‏منصور‏ ‏من‏ ‏الصفحة‏ ‏الأخيرة‏ ‏في‏ ‏جريدة‏ ‏الأهرام‏ ‏الذي‏ ‏يتحدث‏ ‏عن‏ ‏أهمية‏ ‏السلام‏, ‏وأن‏ ‏الطلبة‏ ‏يجب‏ ‏أن‏ ‏يتفرغوا‏ ‏لمذاكرتهم‏ ‏وليس‏ ‏للمظاهرات‏ ‏أوأي‏ ‏كلام‏ ‏فارغ‏ ‏آخر‏, ‏الأستاذ‏ ‏أحمد‏ ‏كما‏ ‏لم‏ ‏يفعل‏ ‏من‏ ‏قبل‏, ‏خلع‏ ‏ساقه‏ ‏البلاستيكية‏ ‏أمامنا‏, ‏وأخبرنا‏ ‏أن‏ ‏هذا‏ ‏من‏ ‏الحرب‏, ‏الأستاذ‏ ‏أحمد‏ ‏هدد‏ ‏من‏ ‏سيعرف‏ ‏أن‏ ‏له‏ ‏أي‏ ‏نشاط‏ ‏سياسي‏ ‏بالطرد‏ ‏من‏ ‏السكن‏ , ‏أتركهم‏ ‏وأنام‏ ‏طوال‏ ‏اليوم‏ ‏هربا‏ ‏من‏ ‏التفكير‏ ‏في‏ ‏العجائز‏ ‏والشيوخ‏ ‏والنساء‏ ‏والأيتام‏ , ‏أجهز‏ ‏حقيبة‏ ‏سفري‏ , ‏أضع‏ ‏الكتب‏ ‏والصحف‏ ‏التي‏ ‏تحكي‏ ‏سقوط‏ ‏بغداد‏ ‏في‏ ‏كرتونة‏ ‏مستقلة‏ ‏استعدادا‏ ‏للطرد‏ ‏في‏ ‏أية‏ ‏لحظة‏ '‏
ويقول‏ ‏في‏ ‏مقطع‏ ‏آخر‏ ' ‏اليوم‏ ‏التالي‏ ‏كان‏ ‏الجمعة‏, ‏ميعاد‏ ‏مظاهرة‏ ‏ضخمة‏ ‏في‏ ‏ميدان‏ ‏التحرير‏, ‏تنتهي‏ ‏بإحراق‏ ‏سيارة‏ ‏مطافئ‏ , ‏في‏ ‏جرائد‏ ‏السبت‏ : ‏كانت‏ ‏صور‏ ‏المظاهرة‏ ‏في‏ ‏صدر‏ ‏الصفحات‏ ‏الأولي‏ , ‏كانت‏ ‏صورتي‏ ‏بعروق‏ ‏وجهي‏ ‏النافرة‏ ‏وأنا‏ ‏أهتف‏ ‏في‏ ‏طرف‏ ‏صورة‏ ‏في‏ ‏الصفحة‏ ‏الأولي‏ ‏من‏ ‏جريدة‏ ‏الوفد‏ , ‏لم‏ ‏أفعل‏ ‏شيئا‏, ‏فقط‏ ‏لساني‏ ‏ينطلق‏ ‏مع‏ ‏الهتافات‏ ,
' ‏الجهاد‏ ‏الجهاد‏ .. ‏شدي‏ ‏حيلك‏ ‏يا‏ ‏بغداد‏ ' , ‏أجري‏ ‏بعيدا‏ ‏عن‏ ‏هراوة‏ ‏عسكري‏ , ‏تهوي‏ ‏علي‏ ‏قدمي‏ , ' ‏يا‏ ‏للعار‏ ‏يا‏ ‏للعار‏ ..‏باعوا‏ ‏الوطن‏ ‏بالدولار‏ ' , ‏أصرخ‏ ‏من‏ ‏الألم‏ , ' ‏اللي‏ ‏بيضرب‏ ‏في‏ ‏العراق‏ .. ‏بكره‏ ‏هيضرب‏ ‏في‏ ‏الوراق‏ ' ‏أجرجر‏ ‏ساقي‏ ‏ورائي‏ ‏ككلبة‏ ‏عرجاء‏ ‏يائسة‏ , ' ‏يا‏ ‏صحاف‏ ‏فينك‏ ‏فينك‏ .. ‏العلوج‏ ‏بينا‏ ‏وبينك‏ ' , ‏أهرول‏ ‏من‏ ‏شارع‏ ‏شامبليون‏ ‏لشارع‏ ‏معروف‏ ‏لشارع‏ ‏عدلي‏ ‏هربا‏ ‏من‏ ‏الهراوات‏ , ‏أهرب‏ ‏من‏ ‏لاشيء‏ ‏إلي‏ ‏لا‏ ‏شيء‏ , ‏في‏ ‏المساء‏ ‏أقابل‏ ‏محمد‏ ‏خليل‏ ‏علي‏ ‏مقهي‏ ‏التكعيبة‏ , ‏بعد‏ ‏انقطاع‏ , ‏كان‏ ‏يائسا‏ :‏ـ‏ ‏تفتكر‏ ‏فيه‏ ‏فايدة‏ ‏كان‏ ‏الشاي‏ ‏بحليب‏ ‏قد‏ ‏برد‏ , ‏وكنت‏ ‏أرتدي‏ ‏قميصا‏ ‏خفيفا‏ ‏علي‏ ‏اللحم‏ , ‏تمزقت‏ ‏ياقته‏ , ‏كان‏ ‏منفعلا‏ ‏فخفت‏ ‏عليه‏ , ‏حاولت‏ ‏أن‏ ‏أغير‏ ‏الموضوع‏ ‏لكنه‏ ‏أصر‏: ‏ـ‏ ‏اشهد‏, ‏النهارده‏ ‏تمانية‏ ‏إبريل‏ 2003 ‏السقوط‏ ‏الأخير‏ ‏للعرب‏ '‏وتبدو‏ ‏هذه‏ ‏الحدة‏ ‏في‏ ‏التعامل‏ ‏مع‏ ‏الحدث‏ ‏السياسي‏ ‏تأكيدا‏ ‏علي‏ ‏أن‏ ‏هذا‏ ‏الاحتلال‏ ‏الأمريكي‏ ‏نكسة‏ ‏أخري‏ ‏لم‏ ‏يتم‏ ‏التأريخ‏ ‏لها‏ ‏بعد‏ .‏ تتقاطع‏ ‏رواية‏ ' ‏أثر‏ ‏النبي‏ ' ‏للشاعر‏ ‏محمد‏ ‏أبو‏ ‏زيد‏ ‏مع‏ ‏دواوينه‏ ‏الخمسة‏ ‏السابقة‏ ‏ثقب‏ ‏في‏ ‏الهواء‏ ‏بطول‏ ‏قامتي‏ ‏الذي‏ ‏صدر‏ ‏عام‏ 2004‏عن‏ ‏الهيئة‏ ‏العامة‏ ‏لقصور‏ ‏الثقافة‏ , ‏وديوان‏ (‏قوم‏ ‏جلوس‏ ‏حولهم‏ ‏ماء‏ )‏الصادر‏ ‏عام‏ 2005 ‏عن‏ ‏دار‏ ‏شرقيات‏ ‏للنشر‏ , ‏و‏(‏نعناعة‏ ‏مريم‏ )‏الذي‏ ‏صدر‏ ‏عام‏ 2006 ‏ديوانه‏ ‏الوحيد‏ ‏للأطفال‏ ‏الصادر‏ ‏عن‏ ‏كتاب‏ ‏قطر‏ ‏الندي‏ ,‏وديوانه‏ ‏مديح‏ ‏الغابة‏ ‏الذي‏ ‏صدر‏ ‏عام‏ 2007 ‏عن‏ ‏الهيئة‏ ‏المصرية‏ ‏العامة‏ ‏للكتاب‏ ,
‏وديوانه‏ ‏الأخير‏ ( ‏طاعون‏ ‏يضع‏ ‏ساقا‏ ‏فوق‏ ‏الأخري‏ ‏وينظر‏ ‏للسماء‏ )‏الذي‏ ‏صدر‏ ‏عام‏ 2008 ‏عن‏ ‏دار‏ ‏شرقيات‏ ‏للنشر‏ , ‏فبالإضافة‏ ‏إلي‏ ‏اللغة‏ ‏الشعرية‏ ‏التي‏ ‏يلجأ‏ ‏إليها‏ ‏الكاتب‏ ‏في‏ ‏بعض‏ ‏فصول‏ ‏روايته‏ , ‏والمقاطع‏ ‏الشعرية‏ ‏التي‏ ‏استعاض‏ ‏بها‏ ‏عن‏ ‏أسماء‏ ‏الفصول‏ ‏فهناك‏ ‏أيضا‏ ‏بعض‏ ‏العوالم‏ ‏الشعرية‏ ‏الموجودة‏ ‏لديه‏ ‏في‏ ‏دواوين‏ ‏سابقة‏ , ‏فشخصية‏ ' ‏عائشة‏ ' ‏وهي‏ ‏إحدي‏ ‏الشخصيات‏ ‏المركزية‏ ‏في‏ ‏الرواية‏ ‏التي‏ ‏تظهر‏ ‏لتحل‏ ‏بعض‏ ‏ألغاز‏ ‏الرواية‏ ,
‏وتقوم‏ ‏بدور‏ ‏الأم‏ ‏البديلة‏ ‏هي‏ ‏شخصية‏ ‏قدمها‏ ‏محمد‏ ‏أبو‏ ‏زيد‏ ‏من‏ ‏قبل‏ ‏في‏ ‏ديوانه‏ ‏الأول‏ ' ‏ثقب‏ ‏في‏ ‏الهواء‏ ‏بطول‏ ‏قامتي‏ ' , ‏وأيضا‏ ‏في‏ ‏ديوانه‏ ‏الذي‏ ‏سيصدر‏ ‏بعد‏ ‏شهور‏ ' ‏مدهامتان‏ ' , ‏وشخصية‏ ' ‏الشيخ‏ ‏أحمد‏ ‏عبد‏ ‏التواب‏' ‏قدمها‏ ‏الشاعر‏ ‏من‏ ‏قبل‏ ‏في‏ ‏قصيدة‏ ‏بعنوان‏ ' ‏يقول‏ ‏محمد‏ : ‏نقية‏ ‏لدرجة‏ ‏أن‏ ‏اسمها‏ ‏مريم‏ ' ‏في‏ ‏ديوانه‏ ‏الرابع‏ ' ‏مديح‏ ‏الغابة‏ ' ‏والطريف‏ ‏أنه‏ ‏قدمها‏ ‏في‏ ‏نفس‏ ‏الدور‏ ‏الرجل‏ ‏الذي‏ ‏يدعو‏ ‏علي‏ ‏أحفاد‏ ‏القردة‏ ‏والخنازير‏ , ‏لكن‏ ‏يتوقف‏ ‏عن‏ ‏الدعاء‏ ‏عقب‏ ‏الحرب‏ , ‏والاحتلال‏ ‏الفعلي‏ ‏للعراق‏ ,
‏يقول‏ ‏في‏ ‏روايته‏ ' ‏توقف‏ ‏الشيخ‏ ‏أحمد‏ ‏عبد‏ ‏التواب‏ ‏عن‏ ‏الدعاء‏ ‏علي‏ ' ‏أحفاد‏ ‏القردة‏ ‏والخنازير‏' ‏عقب‏ ‏الصلوات‏ , ‏أصبح‏ ‏يختم‏ ‏صلاته‏ ‏في‏ ‏الطريق‏ ‏إلي‏ ‏المقهي‏ ‏الذي‏ ‏يعرض‏ ‏مشاهد‏ ‏السقوط‏ , ' ‏آمين‏ ' ‏التي‏ ‏كانت‏ ‏تهز‏ ‏المسجد‏ ‏بقوة‏ ‏وراءه‏ ‏خمدت‏ ‏بعد‏ ‏أن‏ ‏دخلت‏ ‏أمريكا‏ ‏قلب‏ ‏بغداد‏ , ‏قابلته‏ ‏جالسا‏ ‏علي‏ ‏باب‏ ‏المسجد‏ ‏لا‏ ‏يعرف‏ ‏كيف‏ ‏يجيب‏ ‏علي‏ ‏أحد‏ ‏المصلين‏ ‏اليائسين‏ :‏ـ‏ ‏هو‏ ‏ربنا‏ ‏مش‏ ‏عاوز‏‏يستجيب‏ ‏لنا‏ ‏ليه‏ ‏؟‏ ' , ‏ويقول‏ ‏في‏ ‏قصيدته‏ ' 8/ 4 / 2003 ‏ـ‏ ‏هذه‏ ‏المرة‏ ‏لم‏ ‏يدع‏ / ‏الشيخ‏ ‏أحمد‏ ‏عبد‏ ‏التواب‏ / ‏عقب‏ ‏العصر‏ / ‏بترميل‏ ‏نسائهم‏ '‏
يقدم‏ ‏الشاعر‏ ‏والروائي‏ ‏محمد‏ ‏أبو‏ ‏زيد‏ ‏في‏ ‏روايته‏ ‏الأولي‏ ‏بعيدا‏ ‏عن‏ ‏الهمين‏ ‏السياسي‏ ‏و‏ ‏الديني‏ ‏شخصيات‏ ‏هامشية‏ ‏غاية‏ ‏في‏ ‏الإنسانية‏ .‏
يقدم‏ ‏أبو‏ ‏زيد‏ ‏في‏ ‏روايته‏ ‏الأولي‏ ‏عالما‏ ‏صامتا‏ , ‏هامسا‏ , ‏هامشيا‏ , ‏مكبلا‏ ‏بالعجز‏ , ‏لكنه‏ ‏يقدمه‏ ‏بلغة‏ ‏شعرية‏ ‏متدفقة‏ , ‏واهتمام‏ ‏بالتفاصيل‏ , ‏وبالتأريخ‏ ‏للعالم‏ ‏السري‏ ‏للحياة‏
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشرت في مجلة نصف الدنيا

روايته أثر النبي كشفت إحباطات الجيل الجديد


أجرت الحوارهبة اسماعيل‏.‏
يقدم الشاعر محمد ابو زيد في روايته الاولي أثر النبي الصادرة عن دار شرقيات تصورا جديد للنكسة التي سكنت جيلا بأكمله واصبحت نكسة شخصية لكل فرد يعيش بحلم موءود‏,‏ كما تنظر في الإحباط الذي تمكن من جيل باكمله‏, ‏ مما جعله في حالة هروب دائمة‏,‏ بعد رحلة بحث عن علامات يتبعها أو عن أثر يتركه‏,‏ وكل هذا يدور في جو صوفي ما بين مديح لآل البيت أو بعض المقولات لابن الفارض وجلال الدين الرومي أبو زيد الذي يعمل في الصحافة صدر له من قبل خمسة دواوين شعرية هي ثقب في الهواء بطول قامتي‏2004‏ ـ هيئة قصور الثقافة قوم جلوس حولهم ماء‏2005‏ ـ عن دار شرقيات للنشر‏,‏ نعناعة مريم‏2006‏ ديوان للأطفال عن كتاب قطر الندي‏,‏ مديح الغابة‏2007‏ الهيئة المصرية للكتاب‏,‏ طاعون يضع ساقا فوق الأخري وينظر للسماء‏2008‏ دار شرقيات‏.‏وفي حوارنا معه يكشف الكثير من معاناة جيله‏,‏ ليس علي صعيد الكتابة ولكن علي صعيد الحياة وهذا نص الحوار‏.‏
‏*‏ ماذا قصدت بفكرة الأثر القائمة في الرواية؟
‏**‏ ما قصدته بفكرة الأثر‏,‏ اتضح من خلال جملة لأحد شيوخ الطريقة الذي كان يذهب اليه البطل في قوله‏:‏ اتبع العلامة واترك الأثر‏..‏ كلنا نبي نفسه‏,‏ فاللبس رداء تقشفك‏,‏ واترك الناس تتبع أثرك وهو بذلك فك شفرة الرواية‏,‏ فكل منا داخله نبيه الخاص وطريقه الخاصة‏,‏ وعلي خلفية احدي المقولات الصوفية إتبع قلبك‏,‏ حاول ابطال الرواية ان ينفذوها بحثا عن علامات يتبعوها وعن آثار يتركونها ولكن لم يجدوا شيئا‏,‏ وهذا يرجع إلي الجو السياسي العام والإحباطات العامة‏.‏
‏*‏ أظهر الجيل الحالي بالرواية كما انه الإكثر احباطا؟
‏**‏ الفكرة تتركز في ان جيل الستينيات دائما يقول انه جيل النكسة وجيل السبعينيات يقولون انهم من تأثروا بالنكسه في حين أنها نكسة لشخص واحد هو عبدالناصر الذي كان للعالم العربي اقرب إلي الأب منه إلي الزعيم‏,‏ وبالرغم من ذلك استمر الحلم العربي باقامة وحدة عربية‏,‏ لكن النكسة الحقيقية كانت لجيلنا وبدأت من غزو العراق للكويت سنة‏1990‏ وانتهت بسقوط بغداد في‏2003‏ وكلنا شهود علي هذه الاحداث‏,‏ كما يقول أبطال الرواية هي نهاية الوطن العربي‏,‏ وكل ما نفعله اننا نشاهد ولا نفعل شيئا آخر‏,‏ والخبر الذي كان يكتب عن مقتل عدد من العراقيين في الصفحات الأولي‏,‏ ربما لا يكتب الآن في الصفحات الداخلية‏,‏ وكل شخص اصبح منغلقا علي ذاته فهذه هي النكسة الحقيقية وهي عقدة الرواية وليست نكسة شخص لكنها وطن بالكامل‏.‏
‏*‏ لكنك عرضت النكسة علي مستويين؟
‏**‏ نكسة الوطن هي نكسة كل فرد‏,‏ فالوطن مجموعة أشخاص وكل واحد منهم يهزم وينقلب علي ذاته‏,‏ لن يصبح هناك وطن ولا حلم له‏,‏ كل شخص كان لديه حلم يوئد طوال الوقت وينتكس‏,‏ فقصدت أن تكون الإنتكاسة علي مستويين وكل منهما يسلم للآخر‏,‏ حتي القارئ يمكن أن يقرأها علي أنها هزيمة شخصية‏,‏ ويمكن لقارئ آخر أن يقرأها علي أنها هزيمة وطن كامل‏.‏
‏*‏ لماذا جعلت زمن الرواية دائري ينتهي من حيث بدأ؟
‏**‏ قصدت فكرة الدائرة فهي جزء من النص‏,‏ البطل يدور دائما في دائرة لاتنتهي ولايستطيع التوقف‏,‏ رغم محاولاته الدائمة للفرار منها دون تحديد هدف يهرب إليه‏.‏
‏*‏ ماذا قصدت عندما عرضت المشاهد بشكل عبثي؟
‏**‏ البطل يروي النص وهو مهزوم لذا ما يأتي في ذهنه من حكايات يرويها بدون ترتيب‏,‏ فقصدت ان أوضح انه ملعثم يحكي ويصرخ‏,‏ بالإضافة إلي أن بناء الرواية ليس طوليا به مشاهد مرتبة‏,‏ لكن أردت ان يكون البناء خليطا بين الطولي والعرضي حتي يصبح نصا مختلفا‏.‏
‏*‏ لماذا جعلت الهروب حيلة البطل الوحيدة؟
‏**‏ الاساس هو الهروب من الواقع المحيط حتي عندما فكر بطل الرواية في الطيران هذا في حد ذاته كان هروبا من الواقع‏,‏ وعندما حلم بالسفر للقاهرة ليكون مجرد رقم ضمن الموجودين بالشارع فهذا ايضا هروب وبعدها يريد ان يسافر إلي الخارج فهو ايضا هروب لأنه مش لاقي نفسه طول الوقت لذا يستمر بالهروب حتي أخر مشهد بالرواية‏.‏
‏*‏ ولماذا ربطت الهروب بالدين؟
‏**‏ الدين في مصر حالة من حالات الهروب من الواقع‏,‏ مثال التصوف هو هروب بحالة وجدانية‏,‏ والشخص الذي يدخل الجماعة يهرب من فراغ سياسي لحالة دينية‏,‏ كلنا نهرب للدين بشكل ما‏,‏ ونري أن الناس تصلي عند الحاجة‏,‏ وهذا عيب في شخصيتنا فيجب ان يكون الدين جزءا من حياتنا‏,‏ وبطل الرواية دخل كل هذه التيارات هروبا‏,‏ وأرد ت ان أطرح سؤال هل الهروب إلي الدين يؤتي ثمارة أم لا‏,‏ حتي عندما تحقق للبطل ذلك في لحظة في حلقة ذكر إلا أنه كان حلا لحظيا‏.‏
فأنا أكتب الرواية بصفتي شاعرا ولست روائيا محترفا‏,‏ فطوال الوقت أجرب وليس لدي أدوات مسبقة للكتابة الروائية‏,‏ فما اكتبه يحتمل الصواب ويحتمل الخطأ‏,‏ لكن الموضوع مجرد تجربة حول مباراة كرة قدم رأيت أن هذا مكانها‏.‏
‏*‏ ألا تري أن كتابة الرواية في سبع سنوات مده طويلة؟
‏**‏ بدأت في كتابة الرواية بعد حرب العراق‏,‏ ربما بسبب الشحن العاطفي‏,‏ فما كان يمكن فعله في ظل ما يحدث سوي الكتابة‏,‏ كتبت الهيكل الأساسي لها في‏2003,‏ واشتركت في مسابقة يحيي حقي التابعة للمجلس الأعلي للثقافة‏,‏ وأنا في السنة النهائية بالجامعة‏,‏ وفازت بجائزة‏,‏ ثم اصدرت خمسة دواوين شعرية‏,‏ لكن في السنة الأخيرة‏2010‏ بدأت العمل عليها مرة أخري‏,‏ وأخرجت منها الشحنة العاطفية‏,‏ وأكملت البناء الدرامي لها‏,‏ وقصدت ألا أغير في الشخصيات وأحافظ علي التظاجة التي كتبت بها‏.‏
‏*‏ ما دلالة ان تبدأ الرواية من فترة غزو العراق للكويت؟
‏**‏ لأن هذه بداية النكسة الحقيقية‏,‏ فالكاتب أحمد بهاء الدين مات بسبب هذه الحرب لأنه مثل الكثيرين الذين لم يصدقوا ما حدث لأنهم عاشوا حلم الوحدة العربية وأيام عبدالناصر‏,‏ ولم يصدقوا أن دولة عربية تحتل دولة عربية أخري ويضيع الحلم العربي‏,‏ لكن النكسة إكتملت بالحرب الأخيرة علي العراق‏.‏
‏*‏ لماذا استدعيت بعض شخصيات الرواية من دواوينك السابقة؟
‏**‏ هذا حقيقي لأن الكتابة بالنسبة لي ليست مجرد كتابة نص‏,‏ أو ككاتب يفرغ همه للناس أو للنشر حتي يوجد قراء‏,‏ كل هذا ليس المحرك الأساسي بالنسبة لي‏,‏ الكتابة هي الوجود وسبب أن يكون الإنسان موجودا في الحياة‏,‏ يمكن للبعض ألا يصدقوا ما أقول لكن هذه هي الحقيقة‏,‏ وكما قال الشاعر أمل دنقل الكتابة عندي بديل للإنتحار أي هي التي تجعل الانسان يعيش‏,‏ واستعنت بشخصيات من الرواية في ديواني القادم‏,‏ وهناك بعض من فصول الرواية هي شرح لقصائد يمكن ان يكون البعض لم يفهمها في دواويني السابقة‏,‏ لأن الكتابة بالنسبة لي مشروع واحد ونصوص أكملها في كتب ثانية‏,‏ أي أن الكتاب تمثل لي حالة مكتملة وعندما انتهي من مشروعي سيعرف القارئ ما اقصده‏.‏
‏**‏ كيف اخترت الفقرات التي سبقت كل فصل وماذا قصدته بها؟
‏*‏ كانت هذه الفواصل بديلا لاسم الفصل وهي تدور علي فكرة الفصل ليستطيع القارئ أن يستشف مضمونه قبل قراءته وأردت في النهاية ان اضع أربع مقاطع من اصل خمس في أجواء صوفية تكون رابطة للأحداث‏,‏ لأن هناك حالة صوفية من خلال اللغة ومن خلال الجو الديني‏,‏ ولأن الصوفية هي هروب وأن هذه المقاطع تصلح ان تكون بوابات للخروج‏.‏
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* نشر في جريدة الأهرام المسائي

أثر النبي وجع شباب ما بعد الألفية بلسان الستينيات

محمد فرج
على الرغم من كونها روايته الأولى بعد أربعة دواوين شعرية وديوان للأطفال ، وعلى الرغم من كونه من مواليد عام 1980 ، إلا أن محمد أبو زيد في روايته أثر النبي الصادرة حديثا عن دار شرقيات يبدو وكأنه يحمل نفس الهموم التي حملها أبناء جيلي الستينيات والسبعينيات وعبروا عنها من خلال إنتاجهم الكتابي ، مع اختلاف التفاصيل التاريخية والتي يبدو مع أثر أبو زيد وكأنها امتداد لما كان .
فعلى خلاف كتابة أبناء ما بعد الألفية والتي تميل أكثر إلى التجريب والفانتازيا وإعادة تخليق واقع مختلف بحس ساخر ، والبعد عما هو عام أو أيديولوجي بشكل عام ، يصنع أبو زيد نصا مختلفا عن هذه التجربة ويميل إلى رواية " نكسة " ذلك الجيل الذي ولد أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينات والتي يؤرخ لها في " أثر النبي " بغزو العراق للكويت ، وتنتهي بالاحتلال الأمريكي للعراق الذي يصفه أحد شخصيات الرواية بـ " نهاية العالم العربي" .
أثر النبي هي خطاب طويل موجه إلى شخصية لم تظهر خلال الرواية إلا في لمحات بسيطة ولكن خطاب الراوي موجه كله إليها ، بداية من مفتتح يبرر فيه لجوئه للكتابة حيث يكتب لينسى ، لأن التذكر بالنسبة له " عذاب " ، ويحسد زينب على " النسيان " ، تلك العلة للجوء للكتابة تختفي تقريبا من الكتابة الجديدة وتبقى واضحة في كتابات الستينيات والسبعينيات ، تبدأ الرواية وتنتهي عند نفس المشهد عندما يتسلل الراوي إلى مسكنه الذي يقطنه مع مجموعة من الطلبة ويكتشف موت زميله بالسل فيجد جثة ملقاة وسط بحيرة من الدم والقيء ، ليبدأ الراوي من هذا المشهد عبر فصول صغيرة يحمل كل منها عنوانا منفصلا ، ويتخللها مقاطع من قصائد وأغاني صوفية لا تخدم النص في كثير من الأحيان ، معاناة الراوي تبدأ منذ طفولته ، حيث تموت والدته فجأة في حادث أمام عينه ، ويتبع ذلك زواج الأب من امرأة أخرى لم يشعر تجاهها الطفل بأية عاطفة لينغلق على نفسه ويحسب الأب ذلك مسا من الجن فيدور به على المشايخ الذين يطردون العفاريت ، فيزداد انغلاق الطفل ثم الفتى على نفسه ، ويبدأ في حمل غربته التي تدفعه إلى الحلم الدائم بالسفر ، وعلى الرغم من أن ساحة أحداث الراوي الآتية التي يتحرك منها إلى ذكرياته القديمة هي شقق الطلبة ، المكتظة ، سيئة الترتيب ، الموضوعة دائما تحت المراقبة من قبل ملاكها أو جيرانها ، الممتلئة بأحلام الطلاب المراهقين النازحين إلى القاهرة والحالمين بإنهاء دراستهم والسفر إلى الخارج والمحاصرين برغباتهم المكبوتة التي يتلصصون لأجلها على شبابيك أصحاب الزيجات الجديدة ، تلك الشقق التي يرصد أبوزيد الكثير من تفاصيلها و التي تصلح لبناء عالم روائي متكامل ولا زال بكرا لم يمس كتابيا من أبناء ما بعد الألفية إلا أن أبو زيد فضل أن يتخذها فقط مسرحا لحركة الراوي وزملائه .
رواية أثر النبي تحكي عن مأساة جيل جديد بنفس لسان الأجيال التي سبقته ، ربما لأن الأزمة تبدو له واحدة وممتدة ويتجلى هذا الامتداد في المشهد الأخير في الرواية حيث يخرج الراوي إلى الشوارع بعد أن ترك جثة صديقه ملقاة على الأرض خائفا أن يتهم بقتله ، ويترامى إلى مسامعه المشاهد الأخيرة من فيلم العصفور ليوسف شاهين عندما تسمع بطلة الفيلم الفنانة محسنة توفيق ـ التي يشعر الراوي أنها تشبه أمه ـ خطاب تنحي عبد الناصر وتخرج إلى الشارع مع جموع ؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* نشرت في جريدة الأخبار

22‏/11‏/2010

محمد أبو زيد يكتب تغريبة القاهرة القديمة


د.شيرين ابو النجا *
يخوض الشاعرالمصري محمد أبو زيد (صدرت له خمسة دواوين) مجال الرواية فيكتب «أثر النبي» (دار شرقيات، 2010) ليكشف عن مأساة شريحة واسعة من الشباب الذي نزح إلى المدينة طلبا للتعليم. كأن القصيدة لم تتسع لرصد كل هذه الأوجاع وكل هذا الترحال من أجل الحصول على قبس من أثر النبي. يعلن الراوي بشكل مباشر «أنتقل من شارع إلى آخر، كتابع يبحث عن نبيه ، لا أجيد قص الأثر، لا دربة لدى ولا طاقة لأفعل، لا أثر لأى شىء، طوال الوقت أشعر أن كل شىء سينتهي بعد قليل، علي فقط أن أواصل التنقل والانتظار...» (ص43).
لا يتوقف الراوى طوال مسيرة السرد عن التنقل أو انتظار ما لا يأتي... هكذا يقدم محمد أبو زيد الشاعر في أولى رواياته «أثر النبي» تغريبة نفسية واجتماعية مكثفة، تغريبة يصورها كل من هاجر من قرية أو مدينة اقليمية إلى المدينة المركز ويحملها في ثنايا وجدانه ورؤيته للعالم. حشد الكاتبة مجموعة من الشخصيات التي تولت تصوير هذه التغريبة: القذافي من البحيرة، أبو العزايم من الشرقية، حمدي من بني سويف، يوسف من الأقصر، الشيخ سيد وعادل هياكل من الفيوم. تحمل كل شخصية من هؤلاء أحلامها البسيطة التي لا تتعدى «الستر» وإعالة الأم والأب، وربما الزواج من فتاة ملتزمة يرضى عنها الأهل والمجتمع. لكنها أيضا شخصيات تداري البؤس والهزيمة المسبقة بمحاولات طريفة (لا تخلو من السذاجة والطيبة) لكسر بعض القواعد المملة، من قبيل مداعبة عم رجب فراش سكن الطلبة بالغورية، التحايل على ميعاد العودة، التلصص على الجيران، مراوغة أستاذ أحمد مدير السكن...وغير ذلك من التحايل على شظف وقسوة الحياة.
عبر تصوير هذه التغريبة يتمكن أبو زيد من تسليط الضوء على مصر القديمة بكل دلالات هذا القدم. بداية «أثر النبي» هو اسم أحد المساجد الشهيرة في منطقة مصر القديمة وهو المسجد الذي يضم بعض آثار الرسول الكريم، ومن هنا يصنع الكاتب المفارقة التي ينبني عليها العمل.
تتحكم فكرة الأثر في السرد، يحاول الراوي تتبع الأثر، أى أثر، ويحاول أن يترك أثرا، بلا طائل. فكلما تشبث بأمل يخرجه من دائرة الوحدة النفسية المحكمة انقطع هذا الحبل في شكل مفاجىء يزلزل كيانه. كلما عقد الأمل واعتقد أنه قد وجد الأثر يتلاشى هذا الأثر وتذروه الريح، فلا يبقى سوى التوسل بأهل البيت الذي يفتتح كل فصل من الرواية. لا تبدو الرواية رحلة بحث عن الذات بقدر ما تبدو بحثا عن الأثر الذي يتوجب تتبعه أو بحثا عن نقطة ارتكاز تتيح العيش بالحد الأدنى من الفهم والأمان. وإن كانت الرواية تبدأ من آخر نقطة وهى موت عادل هياكل جرّاء مرض السل فإنها تنجح في توفير مساحة حكي لتبرر رد فعل الراوي تجاه موت عادل هياكل صديقه ورفيقه في سكن الغورية.
يبدأ الراوي الحكي عن طفولته حين كان يحلم بالطيران في القرية، وفي كل محاولة طيران كان السقوط مدويا. مع موت الأم كانت السقطة الأولى التي تركته عاجزا لا يملك سوى نوبات بكاء شديدة. لا تتفهم عائلته سبب هذا البكاء مطلقا مما يدفع والده إلى الدخول في عالم السحر والشعوذة والزار. في المدرسة لاحقا لا يجد الراوي البكّاء سوى جماعة الاخوان المسلمين التي توفر له الاحساس بأمان الانتماء. الا أنه يعاني ما يشبه الطرد لعجزه عن ضم أي «أخ» للجماعة وذلك على رغم محاولاته المستميتة في اعتناق كافة الأفكار خاصة تلك القائلة أن القصص «حرام».
طيران متوهم
بانتقاله إلى القاهرة ليلتحق بالجامعة لا تتوقف نوبات البكاء أو محاولات الطيران وإن كانت بدأت تتخذ أشكالا أخرى ودلالات نفسية تتعلق بالخفة. تفشل محاولات الطيران دائما ليبقى الراوى مغروسا في الأرض، منخرطا في نوبات البكاء التي تصيبه، ومسيطرا عليه عدم الرغبة في التواصل مع العالم ما ينتج عنه شعور مخيف بالوحدة. فقط عندما ينخرط في مجموعة سكن الغورية تخف النوبات قليلا.
لا تملك الرواية ان تتجاهل أهم ما شكل وعي هذا الجيل سواء كان أغاني أو مسلسلات أو ثقافة عامة يحتل فيها الخطاب الديني مساحة لا بأس بها أو الأحداث التي غيرت صورة العالم ومنها سقوط بغداد مباشرة على الهواء. هكذا ببساطة تسقط بغداد على شاشة الفضائيات. فقط عند هذه الضربة القاصمة يشعر الراوي بوجوده وبامتلاك ارادته تجاه هذا البؤس الكامل. لا ينتفض الراوى ليجلي الصدأ عن ذاته الفردية المنعزلة الا في مواجهة حدث سياسي عام صادم. « في جرائد السبت: كانت صور المظاهرة في صدر الصفحات الأولى، كانت صورتي بعروق وجهي النافرة وأنا أهتف في طرف صورة في الصفحة الأولى من جريدة الوفد» (ص111).
كان لا بد من هذا «السقوط الأخير للعرب» (112) ليتحول البكاء إلى هتاف، ليتلاشى الشخصي في العام، ليلتحم المهزوم بالأكثر هزيمة، إنها المحاولة الأخيرة للراوي للتشبث بحبل نجاة وهى المفارقة البائسة التي تستند عليها الرواية. فحبل النجاة ليس الا سقوطا مدويا حتى لو كان الاعتراض والتظاهر والرفض هي وسائل انقاذه. فكل محاولات الشجب والرفض لسقوط بغداد لم تواجه الا بقمع أمني واستبداد لا يمكن وصفه الا بالغاشم، وهو الوضع الذي أصبح سائدا ومعتادا في مجتمعاتنا. اختفى الشيخ سيد بعد مداهمة أمن الدولة لسكن الطلبة بالغورية، وتحول علم العراق- حبل النجاة الأخير- الذي يحتفظ به الراوي في السكن إلى دليل اتهام ضده أدى إلى طرده من السكن. وفي عودته الأخيرة ليلم حاجياته وجد عادل هياكل وقد قضى عليه السل في نوبة سعال. ما بين نوبات البكاء ونوبات السعال لا يجد الراوي أي نقطة ارتكاز وجودية، لا يبقى له سوى الشعور بالغربة الكاملة التي تملكته منذ أن فقد أمه، الغربة التي كانت تدفعه إلى محاولات طيران تبوء بالفشل دائماً.
في ما بين نوبات البكاء التي قضت على الراوي ونوبات السعال التي قضت على صديقه عادل هياكل- وبالتالي على قطاع كبير من الجيل الذي شهد سقوط بغداد- تظهر المرأة بصفتها محور أمان (عائشة) أو محاولة تشبث بالأمل (نيرة) أو حنين للمستحيل (زينب)، هذاعدا عن وجودها الانساني. أما على مستوى الوعى الجمعي فلا حظ للنساء الا التواجد كصور في النكات الطريفة للشيخ سيد أو أحلام حمدي بالزواج من فتاة لا ترتدي البنطلون ليرضي والدته أو التلصص على زوجة الجار بالمنظار المكبر.
ومع أن معظم السرد موجه لزينب- كحيلة تعويضية عن غيابها- يبقى وجود النساء المحكوم بالكثير من الأحكام الاجتماعية والأعراف مرهونا بخيبة المجتمع في مواجهة هزائمه الكثيرة التي تحاول الاختباء خلف ذلك الشكل القمعي من التعامل مع النساء كأطياف يحملن أوزار أمة كاملة.
وعلى رغم بعض المبالغة في تصوير نوبات البكاء التي يلجأ إليها الراوي عندما تضغط عليه المعطيات المادية، نجح الكاتب في التغلغل داخل أعماق نفس الراوي الشاب الذي لا يجد ذاته إلا وكأنه زائد على مجتمع لا يحتاجه ولا مكان له فيه، قمة الشعور بالاغتراب الانساني في أشد صوره قسوة. يعلن هذا الاغتراب عن نفسه في عدم امكان التواصل مع أى من التجمعات الانسانية، لتبقى فقط الخطابات المتبادلة بين الراوي وهشام هى الملاذ الوحيد الذي يؤكد على استمرار الحياة.
تزداد حدة الاغتراب بالصور المتناقضة التي تعمل عمل الدلالات الشعرية المكثفة، فمن منع التظاهر ضد السقوط إلى تجاهل أبطال حرب أكتوبر، ومن جلسات شيوخ الطريقة إلى النكات ، ومن المسجد إلى هشام، وما بين هذه الصور تتهاوى كل دلالات الأم وتتنوع أشكال القمع الأمنى والأيديولوجي والمجتمعي والعائلي. تبدو النهاية – وربما الرواية كلها بشخوصها البائسة- وكأنها محاولة أخيرة للقبض على الريح، محاولة لايجاد أثر غير موجود أو ترك علامة مستحيلة. «أثر النبي» قصيدة سردية للزمن الرديء تدور أحداثها بين أحياء القاهرة العتيقة بحثاً عن المتلاشي الغائب.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشر في جريدة الحياة اللندنية

محمد أبو زيد : الكتابة تشبه لعب الكرة في حقل ألغام

حوار - نهي محمود

محمد أبو زيد أحد الأصوات الشعرية المميزة جدا في الجيل الحالي . صنع لنفسه مكانا بارزا وسط شعراء قصيدة النثر بأربعة دواوين هي ثقب في الهواء بطول قامتي و مديح الغابة و قوم جلوس حولهم ماء وطاعون يضع ساقا فوق ساق وينظر للسماء ، أبو زيد الشاعر ورئيس تحرير موقع الكتابة الجديدة أول موقع الكتروني مصري ثقافي يحتفي فيه بالكتابة الجديدة في مصر والعالم العربي ، محمد صاحب الإيمان بأن الكتابة هي الحلم والحياة . تأخذنا كتابته لحالة حزن وشجن عامة يقول عنها هي حالة هذا الوطن وهذا الجيل . صدر للشاعر محمد ابو زيد رواية اولي هي اثر النبي عن دار شرقيات وكان لنا معه هذا الحوار .

ـ تقول إنك انجزت روايتك بين عام 2003 حتي 2010 سبع سنوات لإنجاز رواية أولي فيم احتجت كل هذا الوقت ؟

ـ بدأت في كتابة الرواية عقب احتلال العراق عام 2003. وكنت تقريبا قد انتهيت منها . وتقدمت بها لمسابقة يحيي حقي بالمجلس الأعلي للثقافة . وفازت بها . بعد ذلك صدر ديواني الأول وانشغلت ببناء تجربتي الشعرية . لكن ظل طوال الوقت لدي هاجس الرواية . فقررت إعادة العمل عليها عام 2008 . أضفت شخصيات وحذفت أخري أضفت فصولا . تضاعف تقريبا حجم الرواية . لكن حرصت في ظل هذا أن تحتفظ بروح كتابتها الأولي.

ـ ما الذي عجزت عن قوله بالشعر . واحتجت للرواية لتبوح به ؟

ـ قد أكون قلت في دواوين سابقة بعض ما في هذه الرواية . وهذا يفسر سؤال البعض عن وجود شخصيات موجودة في الرواية وموجودة في دواوين سابقة . فهناك شخصية عائشة وهي موجودة في ديواني الأول ثقب في الهواء بطول قامتي وفي ديواني القادم أيضا . وكذلك شخصية الشيخ أحمد عبد التواب و ميرفت عبد العزيز فالفكرة هنا أنني لم أعجز عن كتابة شيء بالشعر فكتبته بالرواية . لكنني كتبت الرواية بمنطق أنني مبدع . وأنني شاعر.

ـ ولاؤك الآن لقصيدة النثر أم للرواية ؟

ـ ولائي للكتابة الجميلة . والفيصل هنا هل هذه الرواية جيدة أم لا . لكنني كما قلت لك أنا شاعر كتب رواية . قد أكرر التجربة أو لا أكررها . والكتابة في ظني بشكل عام أشبه بلعب الكرة في حقل ألغام .في أي سطر من الممكن أن تفجري كل ما فعلتيه . وربما أيضا تقدمين شيئا جديدا لم يفعله أحد من قبلك . الكتابة لعبة . وأنا مستمتع بها أيا كان شكل هذه اللعبة.

ـ الشجن واللغة الشاعرية عامل مشترك بين دواوينك وروايتك . فهل تكرس عالمك الإبداعي للحزن وعنه؟

ـ أهتم جدا باللغة في بناء النص لدي . حتي إذا أدخلت لغة عامية أو مفردات أجنبية فأنا أختارها بعناية بحيث لا تجرح البناء اللغوي للنص . لا أكرس عالمي الإبداعي للكتابة عن الحزن . لكن الحزن هو حالة وطن . حالة جيل . حالة كتابة بالنسبة لي . الكتابة أحيانا تكون مبررا للوجود . أحيانا تكون مخرجا من هذا الحزن أوالاكتئاب . ثم أن لكل نص حالته . بطل الرواية كان يغني عندما يكون خائفا حتي يطرد العفاريت . والكتابة غنائي حتي أطرد الحزن.

ـ بطل روايتك يخاطب حبيبة خرافية ويتحدث عن إحباطاته . تيمة البطل المهزوم ما هي الرؤية الجديدة التي قدمتها فيها في أثر النبي؟

ـ أنا في الرواية أتحدث عن هزيمة جيل بكامله . دائما ما يتحدث جيل الستينيات والسبعينيات عن أن نكسة 1967 هي التي كسرت الجيل بأكمله . وأن الأجيال القادمة لم تمر بمثل هذه التجربة . مع أن ما حدث في احتلال العراق للكويت عام 1990 . ثم احتلال أمريكا للعراق علي مرأي ومسمع من الجميع . شاهدنا كل هذا ونحن نشرب النعناع والينسون علي المقاهي دون أن نتحرك . شاهدنا الحرب علي الهواء مباشرة وأستأنفنا حيواتنا كأن شيئا لم يحدث . كان هذا الاحتلال هو النكسة الحقيقية للعرب . ونهاية حلم الوحدة العربية كما جاء علي لسان أحد أبطال الرواية . هي هزيمة بطل الرواية الذي انكفأ علي هزائمه الشخصية . أبطال الرواية مهزومون . لأن هزائمنا الصغيرة هي التي تكون هزيمتنا الكبري . أعرف أن هذا قد يكون خطابا أيديولوجيا . وأعترف أنني مؤدلج . لأنه يجب أن يكون لدي الكاتب قضيته الخاصة وأيديولوجيته . لا أقصد بالأدلجة هنا الانتماء لحزب فلا توجد أحزاب في الشارع السياسي . لكن أقصد أن يكون لديه همه الخاص . لأن هذا الهم هو الذي يحركنا للكتابة . وحياة بلا قضية تشبه حياة السوائم .

ـ أول أعمالك صدرت عن سلاسل حكومية ثم تخليت تماما عن هذا الجانب ولجأت لدور النشر الخاصة لماذا؟

ـ أول دواويني ثقب في الهواء بطول قامتي صدر بعد أربع سنوات من تقديمه. عن الهيئة العامة لقصور الثقافة . ثاني دواويني مديح الغابة صدر بعد خمس سنوات من تقديمه للهيئة العامة للكتاب . صدر خلالها ديواني الثالث قوم جلوس حولهم ماء عن دار شرقيات الخاصة . وبهذا الشكل يمكنني أن أقدم أعمالي للسلاسل الحكومية . وأفعل ما تفعله سمكة الحنكليس . وهو الانتظار والتأمل في مياه المحيط حتي يصيبني الدور . فضلا عن أن الكتابة تشبه البناء التراكمي . فليس معقولا أن تقرأ الديوان الثالث أو الرابع قبل الثاني بسبب مشاكل النشر . وربما بسبب مشاكل النشر هذه فكرت في إطلاق موقع الكتابة حتي يحل قليلا من أزمة الكتاب الشباب في النشر بعد أن عانيت وعاني منها جيلي وأجيال سابقة الأمرين.

ـ أنت شاعر ومثقف مصري تؤمن بالكتابة الجديدة حدثني عن حلم موقع الكتابة الجديدة الذي تحول لواقع؟

ـ موقع الكتابة بدأ كحلم أن يكون هناك موقع ثقافي مصري . عندما بدأنا ننشر علي الانترنت كانت كل المواقع الثقافية الموجودة هي مواقع ثقافية عربية . مثل جهة الشعر . وكيكا . وأفق . وأوكسجين . ولم يكن هناك موقع ثقافي مصري . مع أن الثقافة هي بمثابة القوة الناعمة لمصر طوال المائة عام الماضية . ومصر كانت دائما ملجأ الكتاب والمبدعين . حتي مواقع الهيئات الثقافية غير محدثة وغير مهتمة بالإبداع . فبدأت الفكرة من هنا أن يكون هناك أول موقع ثقافي مصري . ويساعد في حل أزمة النشر . فلا توجد مجلات ثقافية في مصر سوي الثقافة الجديدة والمحيط الثقافي. وبعض رؤساء تحرير الصحف يعتقدون أن صفحة إعلان أو صفحة فن أفضل من صفحة ثقافة . ودائما صفحة الثقافة هي كبش الفداء الأول. فمن هنا جاء الموقع ليقف بجوار الكتابة ضد مأساة النشر . وليكون أول موقع ثقافي مصري . ولينحاز للكتابة الجميلة كما قلت في بيان إطلاقه.

ـ كيف قابلت تعرض موقع الكتابة للاعتداء؟

ـ قابلته بأن أعدت بناءه مرة أخري . وأطلقته مرة أخري . لم أتوقف عن نشر النصوص الجميلة الجادة . لم أقف . ولم أتراجع عن انحيازات الموقع الواضحة للكتابة الجميلة.

ـ ما هو مشروعك القادم ؟

ـ فضلا عن تطوير موقع الكتابة . أعمل الآن علي الانتهاء من ديوان مدهامتان . وسأقدم فيه نصوصا صوفية . ستكون هناك قصائد عمودية . وقصائد تفعيلة . وقصائد نثر . لأن أكثر ما يضايقني هي فكرة نفي الآخر في الثقافة المصرية . فشاعر القصيدة العمودية لا يري أحدا بعده . وشاعر قصيدة التفعيلة لا يري أحدا بعده ولا قبله . وشاعر قصيدة النثر لا يري أحدا قبله . وأصبحت الكتابة تشبه ما يحدث في أفغانستان والعراق . لذا ستجدين في الديوان ثلاثة أنواع من الكتابة . لأن الشعر هو الذي حين تقرأه تعرفين أنك تقرأين شعرا . بغض النظر عن الطريقة التي كتبت به .

ـ ما الذي تصدق أن الكتابة ستحققه لك بمعني آخر ما هي أحلامك التي تخص كتاباتك؟

ـ الكتابة بالنسبة لي علة وجود . هي سبب استمراري في الحياة . ولدي مشروع كتابة يكتمل بعمل بعد الآخر . وعندما أنتهي من آخر سطر منه . سأضع قلمي جانبا وأنتظر الموت . الكتابة هي الحلم . الكتابة هي الحياة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نشر في جريدة الجمهورية