14‏/04‏/2007

مديح الغابة

ديوان
مديح الغابة
لـ
محمد أبو زيد
الآن
بجميع مكتبات الهيئة العامة للكتاب
ومكتبات وسط البلد

10‏/04‏/2007

من أخبر هذا المقهى أني صعلوك


(1)
يبدو لي
أن الحارة نفس الحارة
أن المنزل نفس المنزل
أن الغيمة نفس البنت
فلماذا
حين تمر السيارات كصيادٍ
أتلكأ في خطوي
وأمد الكف إلى رُخٍ
كي أمنع موتاً يتأرجح فوق شواربه
أحياناً
يتركنا الوقت ويرحل
فنظل بلا أصحاب
إلى أن يرجع
يحمل تحت الإبط غيوماً
ويدس نهاراً في جيبه
أحياناً
تصبح نفس البنت القديسة
قهراً يمنعني من أن
أرتق ثوبي
أو أصلح حيطاناً نزّت ماءً
أحياناًً يبدو لي
أن المنزل نفس المنزل
أن الحارة نفس الحارة
أني لست أنا

(2)
صوت التلفاز
المندلق كنهدِ عجوزٍ
لن يقفز من هذي الشرفة منتحراً
قد يتسلل من أسفل عُقب الباب
قد يهجو سكين المطبخ
كي أصبح ظلاً . .
أتمطّى في الكون المتثائب فمّاً
وأدندن بالصمت
عن البنت المجنونة
ــ بنت المجنونة ــ
اختارت مقهى من غير مقاعد
كي تلقى تنيناً من غير
أظافر
أو ربطة عنق خضراء .
البنت :
السارقة البهجة من عينيّ بترمومتر أصابعها
ستحط البسمة في شفتيها
وتلوك للحظٍ ثم تغني
تخطو فوق العشب
لكي يخضر الكتفين
يرفرف عصفور في الجلباب
ويورق ورد في جسد الموتى .
حين خروجي من ثوبي
سوف أراعي
أني ودعت الغابة من غير أسود
أني صافحت اللبلاب بلا سلم
أني خضت البحر بلا . .
محبوبة

(3)
ماذا قالت ؟
في العادة تركع كل متون النص لقدميها
كي تطلي أظفاري من أزرق عينيها
تُنبت أولاداً في كفيها
ليُقبّلها باب مكسوٌ بالبلّور
تشد حبال الساعة
فيقهقه نادل مقهى لم يفهم أني
لا أبغي شاياً باللبن
أريد فقط بعض النعناع
لكي أتذكر
أني من أسبوع تقريباً
لم أرتق نعلي
لم أركب مكوك فضاء
لم أعرف ماذا قالت .

في العادة
أدرك بعد ثلاثة أيام
أني مجنون ببقايا علب التبغ الفارغة
فأثقب ليلي بالموسي
لكي يسقط بعض الطمي على وجهي
أتحمم من ذنبي
وأعيق البحر عن الهذيان
أرش مقاعد مقهاي من الصنبور
القاعد مثل بقايا بوذا
ثم أقول :
ماذا قالت ؟

(4)
الشارع ليس فماً
والمنزل ليس كتاباً
وأنا ما زلت أنا
حين يمر الغيم بلا كفين
ولا يسرق بلحات النخل
سأنصب خيماتي جلباباً للصحراء
أصب عيوناً للبحر
وأشري عرياً لسريري
وأناجي الله
فقد أصبح ملكاً
النيل تمطى حتى كسرت ترقوته
الليل : بلاد الغرباء الفقراء
حين يمر الصبح الحافي كل مساء
قد يلقانا في نفس القعدة
لا نفعل شيئاً
غير غناء البردة
وهجاء الناموس
ننتصب مسامير موات في وجه الباب
من سيدق الباب ؟
من يدخل ؟
من يوقظنا
والشارع ليس إلهاً كي نعبده
ليس فتاةً نتجول في عينيها
الشارع طول الوقت
يعد الأشجار المارة غصناً غصناً
يُلبس أقدام الناس ثياباً كاروهات
المقهى يرتاد الناس
ويشرب أعمار الحمقى
ويصول / يجول
فمن يوقفه
من يخبره
أن الوقت كتاب الموتى
أن الحارة نفس الحارة
أن الغيمة نفس البنت
أني لست أنا

09‏/04‏/2007

نعناعة لمريم من محمد أبو زيد

نعناعة لمريم من محمد أبو زيد
بهاء الدين رمضان

نشرت في مجلة الثقافة الجديدة


"نعناعة مريم " قصائد جميلة لأطفال أجمل ، أطفال المستقبل ، هكذا تخيلت الأطفال الذين سيقرؤون هذا الديوان للشاعر " محمد أبو زيد " بداءة استطاع الرسام الجميل الفنان " محمود الهندي" أن يبدع مجموعة من الرسوم التي تشد الكبار والصغار معا بدءا من الغلاف ومرورا بصفحات الديوان .
لم يضع الشاعر إهداء كعادة أغلب الشعراء والكتاب ؛ وإنما وضع ما يمكن أن يسمى استهلالا رائعاً أو كما يقال "حسن الاستهلال " فقد بدء الديوان بقصيدة قصيرة جدا هي فاتحة قبل كل شيء :
قبل ما
تدخل
خبط
........
........
.......
كدهه
كدهه
من الملاحظ أن هذه الأبيات القصيرة جدا والتي افتتح الشاعر بها ديوانه تقدم قيمة عظيمة للأطفال وهي الاستئذان ، بل من الواضح أن الشاعر يركز في البداية على الموروث الديني من ضرورة الاستئذان ثلاث ويفهم من قوله :
قبل ما / تدخل / خبط /
ثم يضع ثلاثة أسطر من النقاط وكأنه يرسم لنا عملياً عملية الاستئذان .
وفي القصيدة الأولى " مريم " يوضح لنا الشاعر من هي مريم التي يقدم لها هذه النعناعة الجميلة الرقيقة ، فهي بنت جميلة تغني للورد وللقناديل وتحب مستقبلها ووطنها الجميل بكل ما فيه ، لذا تسبق أحلامها الخيول ، ثم يوجه الشاعر الكاميرا لوجه مريم ليأخذ لها صورة متكاملة مؤكدا بعض القيم التي يحاول الشاعر أن يبثها من خلال الديوان وذلك في إطار فني جميل وربط بين قصائد الديوان فكل قصيدة مرتبطة بالأخرى وكأن الديوان قصيدة واحدة متنوعة .
المفردات :
استطاع الشاعر أن يقدم مفرداته بصورة جميلة تتناسب والمرحلة العمرية التي يقدم لها هذا الديوان بل إنه وضع مفردات من أجل إثراء الحصيلة اللغوية للطفل ، منها :
( المريخ ، التاريخ ، القناديل ، سابقة ، الخيل ، اضبط ، بشاير ، شعر ، محامي ، دكتورة ، طيار ، كاميرا ، الحلم، إنسان خيوط ، مركب ، قلم ، كمان ، السحاب ، الصحاب ، الحنين ، الكتكوت ، شاي ، قهوة ، فنجان ، جبال ، وديان ) .
وقد حاولت أن أحصي هذه الألفاظ التي هي في صورة اللفظ الفصيح والتي تنتشر داخل قصائد الديوان ، وبذلك استطاع الشاعر أن يعمق قصائده بهذه الألفاظ ، بالإضافة لما تحدثنا عنه من قبل من إثراء للحصيلة اللغوية وتقديم مفردات جديدة للطفل في إطار المفردات العامية التي يسمعها من حوله وعلى الرغم من أني صارحت الشاعر للوهلة الأولى حين أمسكت بالديوان وقبل قراءته أني أفضل القصائد الفصحى على العامية في خطاب الطفل الصغير ، غير أني وجدت أن هذا الحكم بالنسبة للديوان الذي بين يدي كان متسرعا ، فقد حاول الشاعر من خلال هذه اللغة العامية وتطعيمها بالألفاظ الفصحى أن يكون أقرب للطفل ؛ ليرقى به بعد ذلك للمستوى الفصيح ، وأظن أن حكمي السابق هذا لم يكن إلا لسبب واحد معروف جداً وهو أن كتاب الشعر العامي الذين يكتبون للطفل قليل منهم جدا من يستطيع أن يرقى بألفاظ الأطفال بهذه الطريقة .
القيم المعرفية :
أقصد بالقيم المعرفية هي تلك المعلومات المعرفية والحداثية التي تخص العصر تقدم للطفل في صورة تجعله مرتبطا بها وتثير داخله تشوقا للسؤال والمعرفة ، ونرى أن الديوان مفعماً بهذه القيم :
طيخ طوخ طاخ طيخ طيخ
بتسافر دغري للمريخ
لا زعيق ولا زحمة ولا صريخ
عالم عايش في تاريخ
الدنيا الجاي معانا
فألفاظ مريخ وعالم وتاريخ من المفترض أنها تثير داخل الطفل قيما معرفية من خلال السؤال عن هذه الأشياء ؛ والتي يكملها بعد ذلك من خلال "المزيكا " العامية في الأنهار والأرض التي تزغزغ في الأشجار ويوضح بعد ذلك في نهاية القصيدة هذه القيمة المعرفية بطريقة مباشرة ، ولا أعد المباشرة هنا عيبا ، فيقول :
اضبط على طول المواعيد
والعلم ياخدني من إيدي
لبشاير أحلام في سمانا
في القصيدة التالية " أحلام مريم " تتجلى هذه القيم المعرفية بشكل أوسع وأرحب حين يجعل من مريم طبيبة أو محامية أو طيار حقيقي ، وكل هذا في إطار غير مباشر هذه المرة ليثير تساؤلات معرفية عن هذه المهن :
مريم عايزة تكتب شعر
تداويني وكأني عييت
..........
مريم عاوزة تبقى محامي
أو دكتورة ... أو طيار
......
شايله الكاميرا وعاملة حوار
وفي قصيدة " حلم ولا علم " تتأكد هذه الفكرة من خلال النجوم البعيدة وأمنيات مريم أن تصبح نجمة لكنه يعيدها للمعرفة الأكثر واقعية وهي حب العلم ، وتتعدد الألوان المعرفية في الديوان من خلال تقديم قصائد كاملة عن الرسم " زيتية مريم " ، وعن النعناع " نعناعة مريم " ، و عن القطار " قطر مريم " .
وحقيقة فإن تقديم المعرفة للأطفال هي أكثر القيم التي استطاع الشاعر أن يؤكد عليها في هذا الديوان .


القيم الأخلاقية :
وقد تحدثت في البداية عن الاستهلال الذي بدء به الشاعر الديوان والذي قدم من خلاله قيمة أخلاقية جميلة وهي الاستئذان وفي الديوان يؤكد الشاعر هذه القيم أيضا بشكل لا بأس به :
بنسافر دغري للمريخ
لا زعيق ولا زحمة ولا صريخ
فيؤكد قيمة الهدوء والأدب بالنسبة للأطفال ، وكذلك فيه الالتزام بالمواعيد :
" واضبط على طول مواعيدي " .
ثم يؤكد على قيمة أخلاقية أخرى وهي في غاية الأهمية ، وهي حب الصحاب والإخوة والوالدين : " لكن انا حابب علمي واصحابي واخواتي وامي "
ثم يؤكد على أخلاقيات الكرم والتسامح حين يطلب الطفل الصغير من القطار أن يشرب شايا " يا وابور عطشان اتفضل شاي " ، أما قصيدة " صباح الخير يا مريم " فهي تؤكد على قيمة من أهم القيم الأخلاقية وهي قيمة التحية ، فالطفل يلقي تحية الصباح على كل شيء من حوله ملموس بالنسبة له سواء أصحابه أو أهله أو كتابه .
وفي نهاية الديوان أيضا يؤكد على القيمة التي بدء بها الديوان بقوله :
ما تنساش لما تخرج تستأذن
....
كدهه
كدهه
أخيرا
استطاع الشاعر الجميل محمد أبو زيد أن يقدم للأطفال ديوانا شعريا في ظل ندرة كتاب أدب الأطفال ، وخاصة الكتاب الجادين منهم والذين يمتازون بالوعي الكبير لعملية الكتابة بالنسبة للأطفال ، هذه الكتابة الشاقة والشائقة ، التي لا يسهل لأي مبدع أن ينبري لها مهما أوتي من مقدرة على الكتابة ما لم يتوفر لديه خبرة ووعي كاملين بالطفل وعالمه وما يمكن أن يقدم له .

ـ نعناعة مريم صدر عن كتاب قطر الندى للأطفال ـ الهيئة العامة لقصور الثقافة 2005م

29‏/03‏/2007

الغمة العربية


فاصل إعلاني قديم بمناسبة الغمة العربية
ـ بابا
ـ ؟
ـ إنت بابا
ـ ؟
ـ أنا بحبك أوي يا بابا
ـ برضه مش راح تاخد عصير جهينة بتاعي يا عمرو
.........
.ـ عمو
ـ إنسى يا عمرو
ــــــــــــــــــــــــــــ
ملاحظة
إعلان قديم جاء على بالي هذه الأيام ، لكن على السادة حسني النية عدم الربط بين الغمة العربية التي أتحدث عنها ، وبين الفاصل الكوميدي الذي نراه حاليا بعنوان القمة العربية ، عليهم أيضا عدم الربط بين " إنسى يا عمرو" ، وشهيد طواحين الهواء العربية عمرو موسى

24‏/03‏/2007

حنا السكران



(1)

لأنه كان طويلا
فلم يحلم يوما بامتلاك طائرة
ولا بمصارعة نملة
كان يضرب على صدره كالغوريلا
ويقول : أنا شاعر
أكره الورد
ومسيلمة الكذاب
والذين يموتون بالأجر
ليوهمونا بثلاثة أشياء :
الأول : أنهم يفعلون ذلك بكامل إرادتهم
الثاني : لكي يعرفونا معنى الحياة
الثالث : نسيته

لأنه كان طويلا
أصبح الضحك يؤلم عينيه
فقط ..
يقف خلف قميصه
يحكى للمارة بزاوية فمه اليسرى
عن العذراء التي تجلت له
في صحن الجامع الأزهر
عن كراهيته الكتابة
بالأسود .

(2)

كل يوم يصوم حتى الظهر
ينتظر في رضا نوبة السُّكّر
يعانق صاحبه – لما يلقاه – ليفترقا
يضع يده في النار
ليحس بوجوده ،
بأنه جدير بالكحول النائم
تحت السرير
ينتظر فى رضا
يفرق شعره من الجنب
يصر على أن اقتراح الرفض ..
لم يخترعه الموتى

قبل أن يصعد قال :
أخشى أن يجرح الهواء
رقبتي
قبل أن يصعد قال :
بطولاتي التي رويتها لكم
كلها كاذبة

(3)
لماذا كان يحب فيروز ؟

22‏/03‏/2007

كتابة ـ العدد الثاني


الآن
كتابة
موقع الكتابة العربية الجديدة
العدد الثاني
اقرأ فيه

عدنان الصائغ يتابط منفاه
ملف خاص عن طارق إمام
نهى محمود تحكي فوق مكعبات الرخام
الخروج من جلباب الإفيه
بهاء جاهين وعمل يجبرك على الانحناء
غواية المكان في رواية لمحمد العشري
كل ما يمكن ان يكون لأحمد شعبان
خيانة الذاكرة في قصائد محمود درويش
يوتوبيا الأنوثة
أرض رطبة
نسوة صالح الحربي يسقين الجثث

ونصوص لـــــ
يزيد الديراوي
محمد سعد شحاته
محمود مغربي
فرات إسبر
يسري عبد الله
شريف الغندور
فوزي الديماسي
سارة مطر
زياد خداش

ونصوص أخرى

22‏/02‏/2007

ملك


أنا كنت ذات مرة ملك
لكني صرت كتابة
جاهي وزماني اتهلك
والصحبة كدابة
يا ميت ندامة على قلبي اللي كان بيقش
دلوقتي يا قلبي يا عش القش
خايف من الضلمة
من الفرقة
من أمنا الغولة
واقف وحيد ببكي بحرقة
وعيونكو مسئولة
دنا قلبي كان ف يوم محجّ لْكُم
وكنت اسافر ياما وباجيلكم
أنا قلبي كان ف يوم ممشّاكم
إيه اللي صار
وايه اللي مشاكم ؟
دنا كنت ذات مرة ملك
لكني صرت كتابة
آه يا عيون خاينين
ويا ضحكة كدابة

10‏/02‏/2007

ارتد جميع ملابسك فالسماء تمطر بالخارج


عندما يبدأ الشتاء طرقاته على البيوت تغلق النوافذ والأبواب، تضاء الشوارع بنور خافت، تخرج البطاطين، والملابس الشتوية الثقيلة من الحقائب المخزنة فوق الدواليب، يعود الناس من أعمالهم مبكرا، ينشط باعة الجوارب والآيس كاب والمعاطف الفرو، يبدأ فيروس الانفلونزا فترة عمله الحقيقية منتقلا من فرد إلى آخر، يبدأ البعض بياتهم الشتوي، تشتعل البوتاجازات في البيوت بالمشروبات الساخنة، تبدأ الأمهات في تلقين وصاياهن لأولادهن، وأزواجهن بأن « يتغطوا كويس»، ويرتدوا ملابس ثقيلة وهم خارجون، وألا يعطوا وجوههم للهواء، يطول الليل ويقصر النهار، يخرج البخار من أفواه البنات الذاهبات إلى مدارسهن البعيدة، فينفخنه في زجاج المترو، ثم يكتبن عليه أسماءهن وأرقام فصولهن، يرتدي الأولاد القفازات ولا يمسكن بأيدي بعضهم في الطريق، تغلق المقاهي مبكرا، وتزدهر الشيشة التي تدفئ الصدور، يبدأ الشعراء كتابة قصائد جديدة.
الشتاء يعني أن ترتدي جميع ملابسك، أن تغلق جميع أزرار القميص والمعطف وأنت تسير بردانا تحت المطر تدندن بلحن أغنية قديمة، محتضنا صحف اليوم، وكتاب قديم لم تتم قراءته بعد، فيما السماء تزمجر مبشرة بأمطار جديدة.
الشتاء يعني العودة من العمل مبكرا والهرولة إلى البيت، ارتداء جوربين، وملابس ثقيلة ونصائح الأمهات بألا تجلس في البلكونة خوفا من لسعة البرد، ألا تجلس أمام التلفاز انتظارا لفيلم السهرة وأن تدخل إلى السرير مبكرا، وأن تتغطى ببطانيتين، وربما ثلاث، محاولا أن تدفئ أطرافك.
الشتاء يعني القراءة في السرير قبل النوم، أن تتناول كتابا، أو ديوان شعر، من جوارك، وجسدك غاطس في الأغطية، تبدأ القراءة وأسنانك تصطك ببعضها، وتنام قبل أن تكمل الصفحة الثانية، أن تشعل المدفأة، وألا تشعر بما تقدمه لك من دفء، فتنوي أن تحضر المهندس صباحا ليصلحها وتنسى ذلك في الصباح.
«أحن إلى خبز أمي وقهوة أمي ولمسة أمي وتكبر فيّ الطفولة يوما على صدر أمي وأعشق عمري لأني إذا مت أخجل من دمع أمي»، الشتاء يعني صوت مارسيل خليفة الذي يشدو بقصيدة لمحمود درويش وأنت نائم في سريرك تحيط بجسدك جميع أغطية البيت مصاب بالإنفلونزا منذ ثلاثة أيام لا تفعل شيئا سوى شرب المواد الساخنة، ينسون، ليمون مغلي، وأمك تحذر إخوتك من العدوى وترسل أخاك الصغير إلى الصيدلية القريبة لكي يشتري «مجموعة أنفلونزا» لك.
شتاء المصريين يختلف عن غيره، فالقاهرة التي لا تعرف الهدوء، تعرف ما يشبهه في ليل الشتاء، ومواقف السيارات التي تكون مزدحمة طوال الشتاء تعرف الهدوء في هذا الفصل، وترى سائقي الحافلات وهم ينتظرون راكبا حتى يعودوا إلى بيوتهم الهادئة، في الشتاء تنام القاهرة باكرا، وتسري حالة تشبه الحنين بين الناس، تشبه قصيدة كتبها صلاح جاهين ذات يوم تقول «دخل الشتا وقفل البيبان ع البيوت، وجعل خيوط الشمس خيط عنكبوت، وحاجات كتير بتموت في ليل الشتا، لكن حاجات أكتر بترفض تموت ».

الموعد الرسمي لبدء فصل الشتاء يوم 21 ديسمبر، لكن المصريين يبدأونه قبل ذلك بكثير، ربما مع بداية شهر نوفمبر، ورغم تقلبات الجو في الخمس سنوات الأخيرة، والتي يردها المصريون إلى السحابة السوداء إلا أنهم يحرصون على ارتداء الملابس الثقيلة، ورغم أن الحافلات العامة تكون مزدحمة على الدوام بين تأفف الراكبين، إلا أنها في الشتاء أكثر ازدحاما بدون تأفف، بسبب الملابس الثقيلة والمعاطف التي تملأ الأمكنة، فالكل يريد العودة إلى منزله بأي طريقة.
يزدهر في شوارع مصر الجانبية والرسمية في هذا الفصل باعة البطاطا الساخنة والتي يتصاعد بخارها من مدخنة العربة مع رائحتها اللذيذة، بالإضافة إلى باعة الذرة المشوية والذين يشوونها أمام الزبائن على جمرات تدفعهم للتدفؤ عليها، هناك أيضا باعة مشروب الحمص الساخن، أما أكثر الباعة انتشارا في الشتاء، فهم باعة المناديل الورقية، مع النشاط المذهل لفيروس الانفلونزا. كثير من المصريين لا يحبون فصل الشتاء ويرون أن الصيف أفضل، يبررون ذلك بحالة الكسل التي تنتابهم، وحالة البرد التي تعطلهم عن العمل، لكن الذين يحبون بيوتهم يحبونه بلا شك، ويرونه أفضل من الصيف الذي تنتشر فيه الأوبئة وروائح العرق الكريهة، لكنهم لا ينكرون أن الموظفين في المصالح الحكومية يبدون مثل الروبوتات التي لا تريد أن تتحرك.
«بعد ما ادي وبعد ما خد، شد لحاف الشتا م البرد، حط الدبلة وحط الساعة، حط سجايره والولاعة، علق حلمه على الشماعة، اللي قضى العمر هزار، واللي قضى العمر بجد، شد لحاف الشتا م البرد» تلخص أغنية المطرب محمد منير حال الكثير من المصريين في هذا الشهر، لكن الحالة الأبرز هي حالة الاكتئاب، والتي يرى البعض أن منظر السماء والجو والبرد تجعل الإنسان معرضا لها بشكل كبير، حالات الاكتئاب موجودة بكثرة، لكنها لدى الكثيرين تزداد في هذا الشهر.
الشتاء يعني البيات الشتوي للعائلة كلها والالتفاف حول المدفأة، تبادل الحكايات والأخبار، والنكات «يحكى أن بخيلا سألوه، ماذا تفعل عندما يشتد البرد، فقال أقترب من المدفأة، فسألوه: وإذا اشتد أكثر؟ فقال: أقترب من المدفأة أكثر، فسألوه وإذا اشتد أكثر وبدأ الجو يعصف، فقال التصق بالمدفأة، فسألوه: وإذا اشتد أكثر وأكثر حتى أمطرت السماء ثلجا، فقال البخيل: في هذه الحالة أشعل المدفأة». أسعد مخلوقات الله بالشتاء النساء، ففصل الشتاء كما يصفه الخبراء هو فصل الجمال والأناقة فلا عرق أو أتربة تفسد الماكياج ويبدو هذا مبررا لهن لاستعماله، واستعمال أردية ثقيلة وأحيانا خفيفة تجعل السؤال الرجالي الشتوي يتردد «ألا يصبن بالبرد؟».
الثلج رمز الشتاء. اليوم الذي يمر بدون ثلوج ليس شتاء حقيقيا في الدول الأوروبية، لكن مصر ليس فيها هذا الثلج، المصريون يتابعونه فقط عبر شاشات التلفزيون، وفي رعشات أصوات أصدقائهم الذين يكلمونهم من الخارج، رغم الاختلاف على الشتاء، رغم البرد والملابس الثقيلة والجوارب والفرو والبيجامات الكستور، إلا أن هذا الفصل يبدو جديرا بالحب، بأن تسير الساعة الحادية عشرة مساء في الشوارع التي تكاد أن تخلو إلا منك متدثرا بالمعطف تغطي رأسك بالجريدة من السماء التي تهطل خفيفا، تهرول ناحية بائع الجرائد على الناصية تشتري جرائد الغد، وقد تجري اتصالا هاتفيا متعجلا من هاتف بالشارع، وأنت ترمق ولدا وفتاة يرقصان في مرح، تحت المطر.

12‏/01‏/2007

الجلوس على رصيف الوطن

الحياة زي الرصيف
لازم تتكنس
فيه ناس بتعرق ع الرغيف
وناس بتعرق م التنس


الشاعر الراحل : فؤاد قاعود
الرصيف ،هذا الهامش ، والذي تحول إلى متن رئيسي ، يلتهمما سواه من متون ، هوأحد ملامح الوطن ، هو الوطن ذاته في أحد تجلياته ، فقره وغناه ، قسوته ، ورحمته ، ضحكه وبكاه ،وجوهه المتعددة ، الرصيف الذي ظل مهملا طويلا ، الآن يقتحم المشهد بكامل لياقته ليضع تفاصيل حياتنا اليومية، ليصبح بطلا رئيسيا
في هذا الملف .. قراءة لبعض ملامح الرصيف ..ملامح الوطن

رصيف نمرة خمسة


"رصيف نمرة خمسة والشارع زحام ، وساكت كلامنا ما لاقي كلام ، تسالي يا خال تدخن يا عم ، تتوه المعاني في لساني لجام " ، أضبط نفسي كثيرا سائرا على الرصيف أدندن بصوت خفيض هذه الأغنية فيما أضع يدي في جيبي البنطلون ، دائما أكتشف أن هذه الأغنية بالنسبة لي على الأقل أجمل أغاني عمرو دياب ، أكثرها قربا لي ، ربما لأنها تتحدث عن أشياء حقيقية ، لأنها قائمة بالرصيف ، بالناس ، بالزحام ، بالوجوه الباسمة ، والوجوه المتجهمة ، بالقاهرة ، المدينة الغاضبة ، بالأرصفة ، المدينة الموازية للقاهرة الحقيقية ، هامش الحياة الذي أصبح متنا ، السطر الأخير في الصفحة الذي يحتوي على كل ما فيها من حكايات ، وغرائب .
الأرصفة تعني أشياء كثيرة : زحام، وأناس يتدفقون ليلحقوا بمصالحهم، وباعة يبيعون كل شيء من الإبرة، وحتى الصاروخ ، وباعة كتب، وجوارب وألعاب أطفال وكل شيء وارد الصين ، وسيارات لم يكفها الطريق فقررت أن تصعد علي الرصيف لتركن، أو لتواصل سيرها ، وشحاذون استوطنوا ظل البنايات العالية ، وصيدليات شعبية تداوي الأمراض المستعصية ، مقاه ( فرشت عدتها) في الشارع ،وعاشقون ، وباعة عرقسوس ، وباعة آيس كريم و شاورمة وجرائد أمس واليوم وغدا ، وباعة يانصيب ، ومحطات مترو ، رجال وسيدات وشيوخ ، وأطفال وتلاميذ يحملون حقائبهم فوق ظهورهم ويهرولون نحو مدارسهم ، وأشياء أخري كثيرة ، عالم مليء بكل أنواع المتناقضات ورغم كل هذا نعبر هذا العالم الغريب الصعب المزعج المحبوب ،عالم الأرصفة ، حيث تختزل المدينة ، الحياة كلها في أرصفتها ، تتحول بكل زخرفها بكل تراثها بكل قدرة المصريين علي الاحتمال وعلي ابتكار الوسائل البديلة للتكيف مع ظروفهم الاقتصادية الصعبة ، فهنا فوق الأرصفة يوجد كل شيء وأي شيء ، هنا فوق الأرصفة تصبح على البلاج صيفا إذا لم تكن تستطيع الذهاب إلى مصيف ، بعد رشه بقليل من الماء ،هنا أنت في نافذة تطل على العالم إذا فضلت الجلوس على مقاعد المقهى الخارجية ، هنا أنت في أكبر سوبر ماركت شعبي مصري حيث كل شيء يباع ، فوق الأرصفة أيضا تكتشف مصر الأرستقراطية ومصر الشعبية ،ومصر أغنياء الحرب ومصر الفقيرة ، فرصيف الغورية يختلف عن المهندسين رصيف حلوان عن رصيف مصر القديمة ، لكل خصائصه ومميزاته وعالمه الفريد .
" كلاكس التروللي ، بيسور وداني ، وشحته المزين بياكل وداني ، يا نادل باريس ، تعالى حاسبني ، وجدول ديونه عشانه وعشاني ، وعبد الله رشدي المحامي القدير ، بيرفع قضية في باب الوزير ، على عم فكري بتاع البليلة ، عشان مرة زعق بصوته الجهير " ليست هذه أغنية من فيلم رصيف نمرة خمسة الشهير والذي قام ببطولته فريد شوقي وتحدث عن أحد أشهر أرصفة مصر ، بل هي جزء من أغنية مغمورة لعمرو دياب غناها في فيلم" آيس كريم في جليم " ، تحكي جزءا عن هذا التاريخ للرصيف التاريخ الذي كان مخصصا للعبور ، بأبطاله المغمورين ، ملايين الوجوه التي تعبر أمامك وبجوارك ، من خلفك تحمل كل تفاصيل مصر الحقيقية ، فقراء وأغنياء ، يمينيون ويساريون ، فلاحون وصعايدة وبدو وأبناء بلد ، بعضهم أصبح الرصيف مكانا لإقامته ، لأنه لم يعد هناك مكان آخر له لكي يقيم فيه ففي الأزمنة الصعبة وحدها يصبح الرصيف مكانا للإقامة ولأننا نعيش زمنا صعبا ، فلم يعد صعبا أن ترى عائلات بأكملها تفترش أرصفة لأنه مأواها الأخير .
" بقالة الأمانة ، ونصحي السروجي ، عاملين لي شركة ف مشروع بوتيك ،ونادوا لعبده ، الفرارجي يشاركهم ، فرد بألاطة ، ما احبش شريك " الرصيف هو التفاصيل الصغيرة للحياة ، والحياة ليست إلا مجموعة تفاصيل ، أعني أن الرصيف هنا يتحول إلى حياة كاملة ، قد تكون الأسماء وهمية ، لكن لا بد أنهناك أسماء كهذه مرت من فوق الرصيف عصرا ، تتنفس ببطء ، وتتأملالعالمالمحيط ، الفاترينات ، والناس ، المقاهي ، المصالح الحكومية ، باعة اللعب والولاعات ، الشحاذين العاشقين الصغار ، الغرباء الذين يسألون عن الطريق إلى محطة مصر كي يعودوا إلى أهاليهم ، الرصيف ابن للمدينة نفس الملامح، نفس العبق، نفس فستان الفرح والحزن والأحلام، و القاهرة لها ألف معنى وألف لون المهم هو كيف ستراها عيونك ، الرصيف في الريف يكاد أن يختفي من تفاصيل الحياة ربما لأن التفاصيل هناك قليلة ولأن هناك عالم متسع أما في المدينة ونظرا لضيق الأماكن فيصبح الرصيف هو المهرب الأخير ، والنافذة الأم
" وجات وقعة سودة في سوق الإمام ، عشان عم لمعي بتاع الحمام ، ماقدرش يوصل لأي اتفاق، مع سبع أفندي في قضية سلام ، وأطفال عجايز ، في مهد الطفولة وأفلام قديمة ، وإعلان كاكولا، تبزنز تعيش ، لآخر حياتك ، ولو باعوا فرخة، هتاخد عمولة، تروماي بسنجة في روض الفرج ، وأعمار تعدي لاييجي الفرج، ولا البحر باين في آخره مراسي ، ولا حد راسي ، منين الفرج " هذه هي حياة الرصيف، بيع وشراء ، وجوه تمرق وتمر وحب وكراهية زعيق وهدوء .. إنها جميع وجوه الحياة .

أيها العابرون فوق الرصيف

أول ملامح الأرصفة عابروها.. وعابرو الأرصفة يختلفون ، لأنهم في أغلبهم غرباء، و ربما لان القاهرة تحبهم فهم أيضا يحبونها، ويأتون إليها دائما. القاهرة مدينة بالمعنى الكامل لكلمة مدينة بكل ما تطرحه هذه الكلمة من قسوة، وصرامة، وحميمية في آن واحد، لكن أرصفة القاهرة أكثر حميمية منها، ربما لان ساكنيها استطاعوا أن يحولوا هذه الأرصفة إلي جزء من الحياة، بل حياة كاملة متكاملة، مستقلة بذاتها، فيها كل شيء: البيوت، بعد أن اعتبر الشحاذون الأرصفة بيوتهم، المقاهي، بعد أن أصبح أصحاب المقاهي يعتبرون الأرصفة امتدادا طبيعيا لمقاهيهم، السوبر ماركت، طبعا هنا يباع كل شيء والصين عندما غزت السوق المصري غزته من السلم الخلفي الأسرع انتشارا، اتجهت مباشرة للطبقة الأكثر انتشارا، والأكثر فقرا، والتي تفضل أن تشتري احتياجاتها من على الأرصفة لانها الاقرب لها، والأكثر التصاقا بها وان تكتفي فقط بالفرجة على الملابس اللامعة المغسولة جيدا، والمغرية جدا والتي تقف وراء فاترينات وزجاج المحلات الكبرى تغريهم بالدخول لكن جيوبهم لا تساعدهم علي ذلك، ثم يذهبون إلي الأرصفة بحثا عن التقليد.
العابرون يعتبرون الأرصفة بيتهم الثاني، ولاسيما في الصيف حين تضيق الشقق الضيقة بمن فيها، فيقررون البحث عن نسمة من الهواء، على الأرصفة التي تحتويهم جميعا رغم الضغط الشديد عليها، لكن العابرين أيضا ينقسمون إلى أنواع، أولهم الغرباء الذين تحدثنا عنهم من قبل الذين يجدون في أرصفة القاهرة ملاذا من وحشة المدينة، من غضبتها، وقسوتها على ريفيتهم التي لم يلوثها بعد زعيق السيارات، وتدافعها ودخانها الذي يسود الجو، ريفيتهم التي لم تدهسها عجلة السرعة في المدينة لذا يسيرون على الأرصفة يستندون إلى الحوائط، وهم ينظرون نظرة ـ في أعمها داهشة ـ ذاهلة، غاضبة أحيانا، إلى هذه الحياة، هم فقط يشعرون بالامتنان الشديد لهذا الرصيف الذي استطاع ان يحميهم، هم يخافون ان يهبطوا الى نهر الطريق، فالسيارات لا تتوقف، واذا ساروا معا ساروا جماعات متراصة، مع ان هذا ضد قوانين السير في العاصمة وعلى أرصفتها، ففي قراهم الشوارع متسعة فارغة لا يمر بها احد إلا لماما لذا هم يسيرون هنا كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا، اما هنا، على ارصفة العاصمة فليس من المجدي اطلاقا ان يمروا هكذا.
الأرصفة تتيح للغرباء أيضا فرصة رؤية القاهرة السفلية كيف يعيش أهلها، أهلها الحقيقيون، كيف يأكلون: عربات الفول والكشري تنتشر على أرصفة كثيرة ، ولا سيما في أحيائها الشعبية، وعربات البسبوسة والبسيمة «التشكيلة» وبلح الشام موجودة ايضا، ماذا يشرب ساكنو الأرصفة: هنا ستجد أن باعة العرقسوس الذين لا يكفون عن النداء «شفا وخمير ياعرقسوس» لا يكفون ايضا عن التجوال على الأرصفة حيث جمهورهم الأوحد، الطبقة الحقيقية التي تكون مصر الحقيقية البعيدة عن الارستقراطية الخادعة، هنا ستجد باعة الخروب والتمر هندي والسوبيا، ومحلات عصير القصب، القادم من أقصى الصعيد على عربات ربع نقل قطعت عشرات الكيلومترات إلى العاصمة، الأرصفة تتيح للغرباء أيضا أن يشاهدوا عيون القاهرة المفتوحة، أقصد مقاهيها، أن يشاهدوا محلاتها، ودكاكينها، وحلاقيها وعطاريها ومكتباتها، خردواتها التي أصبح الرصيف جزء مكملا لها. الرصيف كما هو مهم تماما في حياة المدينة هو مهم أيضا في حياة الغرباء عنها.. لأن يضع أيديهم على ما يبحثون عنه، تاريخ القاهرة، بل القاهرة ذاتها.
بالنسبة إلى الكثير من العابرين الغرباء يعتبر الرصيف مكان للتلاقي ، فأين تستطيع أن تقابل صديقا ، أو صاحب عمل ، غير هنا ، في مقهى يطل على الرصيف ، أو محطة مترو ، أو محطة أتوبيس ، أو رصيف كبير كالتحرير ، هو مكان للتعرف أيضا على الحياة ، العابرون يعتبرونه نافذتهم ، نظارتهم التي يخشون أن تسقط من فوق أنوفهم .

الثقافة على الرصيف


عندما كنا طلابا في المدارس الإعدادية والثانوية ، وأحرقنا النهم للقراءة ، ولم يكن في جيوبنا ما يكفي لشراء نجيب محفوظ و وتوفيق الحكيم ومصطفى محمود و طه حسين ، وزكي نجيب محمود من المكتبات الكبرى ، بأسعارها الغالية ، كان الرصيف ، وباعة كتب الرصيف هم ملاذنا الآمن ، هم من أطفئوا نهمنا بكتبهم التي كنا نبحث عنها ،والتي كانت تناسب إمكانياتنا المالية المحدودة ، الرصيف هو أكبر مكون ثقافي إذن ،وبنظرة على خريطة باعة كتب الرصيف ، ستجد أن الكتب لديهم القديمة والمستعملة هي التي تكون ثقافة أجيال سباقة ولاحقة .
وطبعا غني عن الذكر هنا أن نقول أن جميع باعة الجرائد يتخذون الرصيف مكانا آمنا لهم ، لعرض بضاعتهم ، على الرغممنن مضايقات البلدية لهم .
بنظرة سريعة على أشهر أرصفة القاهرة ، تستطيع أيضا أن تكتشف أشهر باعة كتبها :
1 – باعة الكتب أمام جامعة القاهرة والمنطقة المحيطة
2 – أسفل محطة مترو حدائق القبة ، من الناحيتين
3 – أمام دار القضاء العالي
4 – أمام محطة مترو الإسعاف
5 – أمام محطة مترو كوبري الليمون " تروماي مصر الجديدة "
6- سور الأزبكية بالعتبة
7 – سور السيدة زينب
7 – بجوار ميدان المطرية
8 – أمام مسجد الاستقامة بالجيزة
9 – بطول سور جامعة الأزهر بمدينة نصر

ثقافة الرصيف تختلف تماما عن تلك الثقافة التي تختفي خلف المكتبات الأنيقة بأسعار توشك أن تكون في حجم راتب احد أبناء هذا الرصيف، قارئو ثقافة الرصيف هم الذين يذهبون إلي معرض الكتاب لكي يذهبوا إلى «سور الازبكية» بحثا عن كتاب قديم، وقيم، وسعره «مهاود».
ويمكننا تقسيم ثقافة الرصيف إلى ثلاثة أنواع: النوع الأول هم الذين يبيعون كتبا لا علاقة لها بالثقافة، ويستغلون الرصيف لترويجها وهي كتب العفاريت والجن، ومثلث برمودا والجنس، وليلة الزفاف وهي كتب من الطبيعي ألا يكون مكانها في المكتبات الفاخرة، فهي تبحث عن قارئ معين، هناك ثقافة أخرى تنتشر على الرصيف هي ثقافة الكتب الدينية، ملخصات من أمهات الكتب، أو التي ألفها بعض مشايخ الأزهر المغمورين، لمداعبة أحلام المراهقين، وتدور معظم عناوينها في إطار عذاب القبر ونعيمه وماذا ترى في النار، سكرات الموت إلى آخر هذه القائمة، النوع الثالث من الكتب هو ثقافة جادة وان كان لا يجد قارئا متميزا، وهي الكتب الأدبية والثقافية والفلسفية والعلمية، وهي مكتبات كاملة يبيعها أصحابها، بعد أن يصلوا إلى حد اليأس من الثقافة، ومن المثقفين، أو ربما لحاجة إلى المال، ورغم رخص سعر هذه الكتب إلا أنها اقل أنواع الكتب الثلاثة السابقة مبيعا.

يسير العاشقون فرادى


حروف مكتوبة بأيد مرتعشة فوق أسوار كوبري قصر النيل ، عبارة " للذكرى الخالدة " ، قلب مرسوم بقلم أحمر فلوماستر يشقه سهم ، في كل جهة اسم ، وتحته بخط بناتي " أحمد ومنى .. إلى الأبد " ارتعاشة من الشتاء ، ودفء قلب لم تجرحه تدابير الحياة بعد ، باعة الورد والياسمين ، وأغنيات تنطلق بصوت طارق الشيخ من مركب يمر بالأسفل ، باعة لب وسوداني ومياه غازية، أولاد يشوون الذرة ، وبنات تبيع المناديل، وعشاق يمشون بخطى وئيدة على كورنيش النيل ، ينظرون إلى المباني العلية المقابلة ولا يعلقون .
رصيف الكورنيش غني عن التعريف يعرفه كل عاشقي النيل، بل كل من كوى صدره العشق، خاصة العشاق الذين لا يملكون ثمن الدخول إلى الأماكن المغلقة، الأماكن التي بها نادل يبتسم ابتسامة دبلوماسية وهو يمرر في آخر الجلسة ورقة بها مبلغ قد يفزع منه العاشق، وقد يفرق بينه وبين حبيبته. لذا فهو يحتمل ضجيج باعة اللب والفول السوداني وباعة الورد الذي يصرون «وردة للهانم يا بيه» وباعة الياسمين وباعة الكوكاكولا الساخنة.
رصيف الكورنيش أيضا لا يقتصر فقط على العاشقين به أيضا الأسر التي تخرج لتشم الهواء، أب وأم، وطفل رضيع، عندما يكبر فلا شك أن ن الأب حتما سينشغل في أن يجمع له ثمن الدروس الخصوصية وسينسي تماما فكرة الخروج والتمشية علي الكورنيش ربما فقط سيتذكر مع زوجته ذات ليلة «أيام زمان» وعندما كان الكورنيش هادئا، وقبل أن يقتل الزحام الرحمة في قلوب الناس ثم يتنهد قائلا «هيه.. دنيا».
رصيف الكورنيش به المهمشون الحقيقيون في مصر، الذين يبحثون عن موطئ قدم لهم في العاصمة، هنا باعة لا أماكن لهم يبيعون فيها بضاعتهم سوى هنا ولا توجد دكاكين لعرض بضاعتهم، باعة الذرة الشامة ومؤجرو المراكب وباعة الياسمين والفل والترمس
على أرصفة كورنيش النيل تولد يوميا عشرات قصص الحب ، وتموت المئات ، ربما لا يوجد عاشقان لم يمرا من هنا ، لم يسيرا فوق أرصفته ، لم يرمقا بائع الفل وهو ينادي " فل للآنسة يا أستاذ " ، لم تبدأ قصتهم من هنا ، وهنا أيضا تموت عشرات القصص بعد أن تجهضها طلبات الأهل ، والرقابة المجتمعية ، وعيون الناس .
العاشق ، الذي يعطي للشارع ظهره، أمام مبنى ماسبيرو، على الكورنيش ينقل نظره بين الفتاة التي تجلس بجواره، والنيل أمامه، يلجأ إلى كورنيش النيل هربا من أسعار الكافيتريات الملتهبة في وسط البلد ، فهنا يستطيع أيضا أن يتناول الشاي والكولا لكن بأسعار «مهاودة»، وإن كان الباعة يلحون بشكل مرعب ، ربما يكون أكثر ما يضايقه هو العيون المتطفلة والتي تنظر إليه وإلى التي معه بإلحاح وكأنهما يرتكبان إثما، لكنه سيتعود على ذلك حين يدرك أن مصر كلها تأتي إلى أرصفة الكورنيش «عشان تحب».
العين المتفحصة لأرصفة كورنيش النيل تجد العشاق يسيرون معا، قلة من الشباب من كانوا يقفون وحدهم، يتطلعون إلى النيل، إلى برج القاهرة من الناحية الأخرى، وفندق الماريوت ومبنى الاوبرا ثم ينقلون عيونهم إلى مياه النيل، قلة من يأتون لكي يروا النيل ويستمتعون بجماله ، هناك أيضا فئة من الذين يأتون للبكاء على الأطلال إن صح التعبير ،من يأتون لكي يقفوا ويتذكروا حكاية قديمة مرت بهم من هنا ، لكنها تركت في القلب جرحا غائرا . الذين يأتون فرادى لكي يبكوا على الأطلال كشف لي عنهم، مطاوع، العامل في أحد المراكب الموجودة على النيل لتقل من يريد أن يتنزه في النيل من العشاق، او الزائرين القادمين من أماكن بعيدة، وأحيانا بعض السياح الاجانب مقابل جنيهين للدورة الواحدة، مطاوع قال لي: نحن لا نتعامل إلا مع مثل هؤلاء، وهناك وجوه مألوفة بالنسبة لنا، منهم من يأتي لوحده، وفي المرة الثانية يأتي مع أحد آخر، مطاوع لا يؤمن بالحب الذي يولد على كورنيش النيل، ويرى أنه ينتهي بمجرد أن تمر أي عاصفة أمامه. يعرف مطاوع أيضا العاشق الحقيقي من هيئته، ولكن قصصهم معظمها تنتهي بالفشل، بعد أن يكتشفوا أن الحياة أعقد من «مجرد كلمة حلوة على الكورنيش، معظم هؤلاء طلبة جامعة، وبمجرد أن يتخرج الواحد منهم، ويكف عن أخذ المصروف من أبويه تجده توقف عن المجيء إلى هنا ويبدأ في البحث عن وظيفة لن يجدها، لتنتهي قصة الحب التي لم تكتمل».
ما قاله مطاوع رغم أنه قاس قليلا، إلا أنه واقعي تماما. هناء التي كانت تنتظر بجوار أسد كوبري قصر النيل، وتنظر في الساعة بين حين وآخر، ورفضت الحديث معي، إلا بعد أن أتى شخص آخر، قالت لي إنه زميلها في الجامعة، وأنهما اتفقا على الزواج بعد انتهائهما من الدراسة، من معها قال إنه يعمل فترة بعد الدراسة، ولا يأخذ راحة إلا يوم الجمعة، وهو اليوم الذي يخرج فيه معها، وأضاف أيضا أن أسرته وأسرتها لا يعلمون أنهما يلتقيان هنا «وسط البلد كبيرة ما حدش عارف حد فيها ، وكل واحد هنا مشغول في اللي معاه ، كمان إحنا من حتة بعيدة ما حدش فيها بييجي هنا».
العاشقان الفقيران اللذان هربا من الرقابة المجتمعية، ومن البطالة للكورنيش ، قد تنتهي قصتهما على خير إذا حدثت معجزة، كأن يجدا عفريت مصباح علاء الدين الذي سوف يحضر لهما المهر والشبكة والشقة والعمل الذي سوف يكفي لإعالتهما. ، و إلا فإنه على هذا الرصيف سوف تنتحر قصتهما ، كما انتحرت أحلام كثيرة من قبل . باعة الفل والبطاطا واللب والكولا على رصيف كورنيش النيل يحفظون قصصا كثيرة ماتت مبكرا، لكن العشاق يكرهونهم لإلحاحهم، أحد باعة عقود الفل قال لي نحن نعلم أن الولد سيصاب بالإحراج من إلحاحنا وسيشتري فلا للبنت التي معه وإلا اتهمته بالبخل، وأضاف: نحن أيضا ليس لنا مورد رزق إلا هذا ولا توجد طريقة لكسب العيش إلا بهذه الطريقة. كورنيش النيل الذي يبدو جميلا مرحا، يخفي الكثير من الأحزان خلفه، ويضم أيضا إلى جوار العشاق من كانوا عشاقا وتزوجوا فيما بعد.
الأولاد الذين يلبسون بنطلونات جينز، ويمسكون في أيديهم علب سجائر من النوع الرخيص، و يغرقون شعرهم بالجل ، والبنات اللائي يرتدين حجابا صغيرا، أسفله بودي ذا لون فاقع لا يسر الناظرين ، وبنطلون استرتش يلمع من كثرة الكي حتى يبدو جديدا ، ويخفين وجوههن بالنظر إلى كورنيش النيل، يحملون حتما قلوبا تدق، أو ربما تجرب الخفقان لأول مرة، لكن أمامهم يقف عائق الرقابة المجتمعية، والبطالة التي جعلتهم يأتون إلى هذا المكان لأنه الأرخص ، باعة الورد يبيعون لهم حتما مع ورودهم شوك الفراق الذي سوف يأتي يوما ما، حينما تصدمهم حقيقة الواقع ، حقيقة الرصيف ، وعندها ، عندها سيسر العاشقون فرادى .

الأشهر

أشهر الأرصفة رصيف نمرة خمسة ، بعد إن مثل له فريد شوقي فيلما وغنى له عمرو دياب أغنية ، رغم أن الكثيرين لا يعرفون مكانه ، هناك أيضا رصيف التحرير الذي شهد تجمهرات كثيرة ومظاهرات عدة طوال نصف القرن الماضي، واستطاعت الدولة أن تحاصره، أن تسوره، أن تغلقه حتى على العشاق الذين يبحثون عن نسمة حب بدعوى تجميله، رصيف التحرير الذي يمتد بطول وعرض ودائرية ميدان التحرير من أشهر ارصفة مصر، يكفي ان تقول لصديقك سوف انتظرك في التحرير، أمام علي بابا، أو أمام «عم رمضان بتاع الجرايد»، أو أمام مقهي وادي النيل، أو أمام كشري هيلتون أو أمام المجمع، أو أمام تمثال عبد المنعم رياض، أو امام مسجد عمر مكرم، مئات الأماكن للانتظار في ميدان التحرير وفي رصيف التحرير ربما ليخلق بهذا وظيفة جديدة للرصيف لم تتحدث عنها من قبل نعم وظيفة الانتظار، فرغم أن الرصيف تمر به الحياة بسرعة، متدافعة متلاصقة، بلا دقيقة واحدة للتوقف والتقاط الأنفاس، إلا أن الانتظار أهم سمات الرصيف، أصدقاء ينتظرون بعضهم، عاشقون، أعداء، ولصوص أيضا.
هناك أيضا رصيف شارع عماد الدين ، فإلى جانب المئات الذين يسيرون للفرجة على محلاته واستوديوهاته القديمة ،هناك المئات الذين يقفون على أرصفته انتظارا لدخول السينمات الكثيرة المنتشرة بطوله ، ولا تنسوا رصيف شاع طلعت حرب والذي كانت له أهمية خاصة خلال القرن الماضي ، في بدايته كان يمشي عليه الأجانب والمثقفين للذهاب إلى جروبي لتناول الشاي وقراءة الصحف ، وفي الستينيات كان ملجئا للمثقفين المصريين الذين كانوا يفضلون الجلوس عليه أمام مقاهي أغلقت في السبعينيات مثل إسترا ، وايزافيتش ، وريش قبل أن تتحول .
سلم الجامعة ، المقولة الشهيرة ، لو اعتبرناه رصيفا ، فإنه سيكون الأشهر على الإطلاق ، يكفي فقط أن تستعيد الصورة الكلاسيكية للطلبة وهم يجلسون عليه في انتظار محاضراتهم ، أو للحديث عن المحاضرة السابقة والامتحانات والمستقبل والحب . .

رصيف المترو


لا يملك رصيف المترو كنز التجارب والخبرة الذي تملكه أرصفة باب الحديد، ربما لأن قطاراته تمر كل فترة وجيزة ، فلا تترك لرواده فرصة خلق حالة من الألفة معه ، على عكس رصيف أو أرصفة باب الحديد فإنها عقدت فيما يبدو علاقة اتفاقية مع أهل مصر الذين يبيت الكثير منهم فوقها في انتظار قطار سيتأخر قليلا .
رصيف المترو حديث النشأة في ربع قرنه الأول ، أي انه في مرحلة الشباب ، قد يبدو أكثر نظافة وتنظيما ، لكنه يبدو أحيانا أكثر قسوة ، ربما لأنه يدخل في دوامة الحياة ، ولأنه جزء من عجلة تسير سريعا ، لا يعطي رصيف المترو فرصة للتعارف ، ولا لإقامة العلاقات ، ولا لرسم خطوط على حيطانه القريبة يكتب فيها " للذكرى الخالدة " .
كيوبيد إله الحب ، قد يبدو هو الوحيد الذي كسر هذا الحاجز ، فقد قرر أن يٌهرّب أبناءه الصغار إليه ، التلاميذ الصغار ، الذين يكتشفون الحب لأول مرة على طرقاته فيما يذهبون إلى مدارسهم ، فيقررون أن يتركوا قطاراته تمر بينما هم يجلسون على كراسيه السوداء البلاستيكية ، أو الحجرية
رصيف المترو، أهم ظواهره: احتفاؤه بالعشاق الصغار، لأن عينك ستقع حتما، على ولد وبنت في سنواتهما الأولى يجلسان متجاورين على رصيف محطات المترو يمر القطار تلو القطار ولا ينصرفان، فقط يتحدثان ولا يأبهان كثيرا بالمترو، ولا بالعيون المتطلعة إليهما ، رصيف المترو خلق مكانا جديدا للحب يختلف كثيرا عن رصيف الكورنيش في انه مغلق كما انه يمكن وصفه بالحب «المقنع»، ما يضايق فقط الأحبة هو العيون المتطلعة والعساكر الذين يروحودن ويجيئون كثيرون ، لذا فهم لا يجلسون كثيرا ، وينتقلون كل قليل من محطة إلى أخرى .
أشهر أرصفة المترو، رصيف محطة المرج الجديدة ، حيث يدخلها يوميا ما يزيد عن المليون راكب ، الساكنون بالقرب من هناك ، والقادمين من منطقة القناة، الإسماعيلية وبورسعيد والسويس ، والقادمين من المدن الجديدة القريبة ، هناك أيضا رصيف محطة جمعة حلوان ،وهذا ينشط شتاء ، بسبب فترة الدراسة ، ورصيف محطة رمسيس ، فهي المصب الأساسي للقاهرة ،كما أن من رصيف المحطة تستطيع أن تتوجه إلى أي مكان في الاتجاهات الأربعة .