01‏/05‏/2019

الحركة الأخيرة في مكعب روبيك


في حين بدأت الرواية بعناوينها في تراثنا العربي، مثل "حي بن يقظان" و"ألف ليلة وليلة"، لم يبدأ الشعر كذلك، بل كانت القصائد تنسب للشاعر مباشرة، فنقول "معلقة عمرو بن كلثوم"، أو "معلقة امرؤ القيس"، أو يتم توصيفها كأن نقول "مرثية الخنساء لأخيها"، وحين يتم جمعها في كتاب واحد بعد ذلك يقال "ديوان المتنبي"، بل إن هناك عشرات القصائد اليتيمة ومئات القصائد ذات البيت الواحد، التي تنسب لاسم صاحبها فقط، كأنها تنتمي بالنسب إليه، كأنها جزء منه، قطعة بازل تكوّن حياته. وهذا في رأيي هو الشعر، هو جزء من روح الشاعر لا ينتمي ولا ينسب إلا إليه. وفي ظني أيضاً أن اختيار عناوين الدواوين ـ لو وضعنا في اعتبارنا تطور الكتابة والنشر، يجب أن يكون كذلك، قطعة من الشعر. قصيدة مستقلة. واحدة من ملايين القصائد الهائمة في الهواء حولنا ولا نراها أو نحسها إلا حين تصعقنا في خفة، خاطفة، وصادمة، وموحية، وتقول كل شيء في أقل عدد من الكلمات، واحدة من القصائد القديمة ذات البيت الواحد.
أعتقد أن القارئ يشتري أي ديوان لأحد سببين، إما لأنه يحب الكاتب ـ وفي هذه الحالة لن يهتم كثيراً بما يقوله الغلاف ـ  أو لأن العنوان أعجبه، والعناوين في الآونة الأخيرة أصبحت تتبع ما صار يحدث في الرواية وفي الأغلفة، وهو "الهرولة وراء الترند"، فمرة يجب أن يكون العنوان صوفياً، ومرة يجب أن يكون العنوان غريباً، ومرة يجب أن يكون العنوان طويلاً، لكني أعتقد أن العنوان يجب أن يكون معبراً عن الديوان، حتى لو لم يكن عنوان واحدة من قصائده، يجب أن يكون قصيدة مستقلة، تستطيع أن تحفز القارئ لأن يضع يده في جيبه ويُخرج ثمن الديوان.
بالنسبة لي، أعتقد أن اختيار عناوين الدواوين تطور بتطور فهمي للشعر وإحساسي به، وإن ظل حتى الديوان الأخيرة تحت مظلة واحدة هي محبتي للتراث، فأربع دواوين لي تحمل عناوين ذات صبغة تراثية: "مدهامتان"، وهي أقصر آية في القرآن (سورة الرحمن)، و"سوداء وجميلة"، من نشيد الإنشاد، و"جحيم"، عنوان ديواني القادم بما يحمل من صبغة دينية، و"قوم جلوس حولهم ماء"، هو شطر بيت شعر شهير كنا ندرسه في التعليم الثانوي، للتدليل على رداءة الشعر، ووددت بهذا الاختيار أن أقول أن الشعر يأتي مما تظنونه رديئاً أيضاً، وهذا لا ينفصل عن روح الدواوين بالمناسبة. لكن التطور عموماً الذي لاحظته هو أنني صرت أختار عناوين أقصر، وأقل غرابة وتعقيداً، فعنوان ديواني الأول كان "ثقب في الهواء بطول قامتي"، وعنوان الديوان القادم كلمة واحدة، لا يعني هذا الانحياز لطول أو قصر أو بساطة أو تعقيد، لأن الشاعر يفعل ذلك دون أن يقصده، أقصد أن تطور فهمه للشعر ـ سواء كان محقاً في ذلك أم لا ـ هو الذي يدفعه لذلك.
أكتب الديوان أولاً، وهو في الأغلب يكون حالة واحدة،  وبعد أن أنتهي منه أختار عنواناً عن هذه الحالة، في بعض الأحيان يكون الأمر محسوماً، ديواني "مديح الغابة" مثلاً  مقسم من الداخل إلى "الغابيون"، و"الغابيات" و"كائنات أخرى"، فجاء العنوان متوافقاً مع ذلك، في بعض الأحيان لا يشي التقسيم بذلك. فأحتاج إلى عنوان مناسب وهو أمر صعب ومعقد ومرهق.
اختيار العنوان بالتأكيد ليس سهلاً، يشبه الإجابة على السؤال الشهير الذي وُجّه إلى ليوناردو دي كابريو    what about your first oscar، يشبه اختيار اسم طفلك الأول، يشبه روحك في تلك المرحلة الزمنية، لأن الشعر في ظني هو تأريخ شخصي لذواتنا  كشعراء، فكيف تصف كشاعر ذاتك في هذه المرحلة في كلمة أو اثنتين أو خمساً؟
أعرف أن البعض يختار حتى عناوين قصائده بدون اهتمام، كأن تكون كلمة من القصيدة أو أول بيت فيها، لكني أظن أن الأمر ليس بهذه السهولة بالنسبة لي، ديوان الشعر يشبه مكعب روبيك، يجب أن تقوم بأكثر من حركة لتقوم بحله، الحركة الأولى هي القصيدة، الحركة الثانية هي عنوان القصيدة، الحركة الثالثة هي عنوان الديوان.
...............
*نشر في أخبار الأدب