04‏/12‏/2016

الغياب بكامل هيئته في "مقدمة في الغياب" لمحمد أبوزيد

جمال فتحي
ليست "مقدمة في الغياب" إنه الغياب ذاته. بكامل هيئته. بملامحه الواضحة وظلاله الخافتة. بتفاصيله الكبيرة والصغيرة البارزة والخفية. بمتنه وهامشه. غياب حضر حضورا طاغيا في ديوان الشاعر محمد أبو زيد البديع والصادر مؤخرا عن دار شرقيات بالعنوان ذاته " مقدمة في الغياب " وهو الديوان الذي جاءت قصائده تحت أربعة عناوين داخلية رئيسية هي: كهل يسير إلي الحافة / لا يؤنس الغريب سوي ذاته / من يتذكر الغائب؟ من يعرف ماذا يفعل الآن؟ / اسمي محمد أبو زيد.
غياب أبو زيد تنفتح دلالته علي كافة التأويلات والتفسيرات والمعاني. بدءا من الغياب بعيدا عن الوطن والأهل والأصدقاء وبعيدا عن المنشأ والبيت والأشياء الحميمة إلي غياب الإنسان عن الإنسان. وليس بعد غياب الإنسان من حضور. مرورا بالموت كأحد الطرق إلي الغياب. وليس انتهاء بتجاوز الشاعر إلي تأمل الغياب ذاته مجردا كلوحة وقف أمامها طويلا. ونفذ إلي أعماقها الدفينة بأكثر من طريقة بشكل يذكرنا كثيرا بوقفة الشاعر الكبير الراحل محمود درويش أمام ذات الغياب في معظم أعماله.
يقول أبو زيد مثلا ص11 في قصيدة " ما لا أستطيع تذكره ": في زيارتي الأخيرة / لم أعرف أحدا منهم / ولم يعرفني أحد . وفي قصيدة no news good news ص20 يقول: " لا تفاصيل هنا / لا تفاصيل أعبئ بهـا ذاكرتي / لا شيء يحدث / لا شيء أكتبه في قصيدتي ". وكما يتبدي لنا من السطور ومن مجمل القصائد في الديوان » فقد بدا الغياب كثقب كوني أسود ظل يتسع ليبتلع كل شيء » فالمعرفة غائبة وإن كانت مجرد معرفة الناس للناس. وكذلك الذاكرة غائبة. بل والتفاصيل أيضا كما يقول "لا تفاصيل هنا" ليس هذا فقط بل الفعل أيضا غائب علي حد تعبيره "لا شيء يحدث" حتي الشعر والكتابة والرؤية غائبة كما يقول: " لا شيء أكتبه في قصائدي ". وفي ص 47 يقول: لا أشعر بأي شيء / لا طعم في لساني/ لا شي في يدي /.. " إذن فالشعور يغيب والحواس ولاشيء في يد الشاعر يملكه. وقد لعبت " لا النافية للجنس " كما هو واضح دورا كبيرا في الكثير من القصائد في نفي جنس الحضور بكافة أشكاله في الديوان لصالح الغياب المسيطر المستبد. وهي الأداة اللغوية التي لجأ إليها الشاعر بحساسية لغوية مرهفة تدعمها ذائقة أصيلة وموهبة حقيقية آزرتها الكثير من الأدوات اللغوية والتقنيات الشعرية الأخري.. إلي أن وصل الشاعر إلي قمة غيابه عندما نفي ذاته وهويته وغيبهما بقوله " أنا لا أحد "
قصائد الديوان هامسة يدفعها في اتجاه الرؤية حس إنساني عميق لشاعر زاهد في الحضور مستسلم للهزائم يحيا وهو علي يقين بأن العالم لا يرغب في وجوده لذا يقول ص 98 " من يستعير عمري / من يريد يدا تكتب الشعر / وعينين تالفتين خلف نظارة / وشعرا يتحدي ضربات المقص / من يريد قدما تعبت من التجوال / وابتسامة بلهاء شاخت علي فمي ". غير أن القصائد الهامسة تنطوي أحيانا علي صور مفاجئة وصادمة تدهشك وتجرح سكينتك وتورطك في أزمة ذلك الكائن الذي يختفي خلف القصائد يبحث عن حضور لا يجده وعن غياب مؤكد. كقوله " كانوا ينظرون مليا إلي ذلك المتأنق / أكثر من اللازم / كأنه ذاهب إلي الموت ".. فهل يتأنق الذاهب إلي الموت أصلا؟! فضلا عن تأنقه أكثر من اللازم..ولما لا أليس ذاهبا للغياب؟! وكذلك قوله: " ص 14 لا أفهم ما يقولون / لكن سعادتهم / تحرك ستارة النافذة "
....................

نشر في جريدة الجمهورية

لا تنسوا رضوى عاشور

مرت أول من أمس (الخميس 30 نوفمبر)، الذكرى الثانية لرحيل الكاتبة الكبيرة رضوى عاشور، بهدوء ودون ضجيج، ودون اهتمام من الأوساط الثقافية الرسمية، إلا من إشارات من قرائها وعشاق أدبها وتلاميذها، وإشارات لعشرات المقولات المقتبسة من أعمالها عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
لم تكن رضوى عاشور في حياتها تنتظر شيئاً من المؤسسة الثقافية الرسمية، عاشت حياتها على هامش المؤسسة، منحازة لقضاياها التي آمنت بها، وتركتها منثورة في أعمالها، يحتفي بها قراؤها، وتحصل على جوائز من دول العالم، تتحقق وتؤثر بكتاب تلو الآخر، لكن ظلت بعيدة عن الدولة التي كانت مشغولة بمعاركها الشخصية، وموظفيها.
لم يكن لرضوى عاشور شلة، فرغم انتمائها جيلياً إلى جيل الستينيات، إلا أنها ظلت بمعزل عن خلافات ذلك الجيل، منغمسة في عملها الأكاديمي، وبنفس الدأب تعمل على مشروعها الأدبي في صمت وجدية، عملاً تلو الآخر، ونصاً رائقاً تلو الآخر.
رضوى عاشور حالة خاصة في الثقافة العربية عموماً، وفي المصرية خصوصاً، آمنت بما تكتب، وكتبت ما تؤمن به. لم تفصل بين اعتقادها في قضاياها السياسية وبين كتابتها، لكن رغم ذلك لا نلمح صوتاً أيديولوجياً في أي مما كتبت.
كانت منحازة للقضايا العربية، مهمومة بقضية العرب الأولى القضية الفلسطينية، مؤمنة بوطنها، رأينا ذلك في "ثلاثية غرناطة"، و"الطنطورية"، وغيرهما. في حديث معها قبل حوالي 12 عاماً قالت لي: "إذا كانت الكتابة مجرد قناع أيديولوجي فلا بد أنها رديئة جداً، وبالمناسبة ففي كل كتابة قدر من الأيديولوجيا، لكن اختزال الكتابة إلى مجرد أيديولوجيا يعني قتلها وتحويلها إلى أفكار غير أدبية". كانت ترى أن "النص الأدبي نص متعدد المراكز ومتعدد الأصوات ويحتمل التناقض والتشطي ويحتمل أشياء كثيرة، والقول بأنه أيديولوجيا مقنعة يعني إفقاده ثراء الفن والعديد من العناصر المشكلة لهذا الثراء".
كانت مؤمنة بقضية المرأة، ورأينا ذلك في بطلات رواياتها، بدءاً من غرناطة، مروراً بـ"خديجة وسوسن"، و"أطياف"، "وحجر دافئ"، و"فرج"، و"سراج"، والسيدة راء، لكن رغم ذلك لم نرها وسط عشرات الكاتبات اللائي يحتكرن الكتابة باسم المرأة في الصحف والفضائيات.
كانت حالة خاصة، بعائلة همّها الأدب والإنسانية، فلا يمكن أن نفصل حضورها عن تجربة الشاعر الكبير مريد البرغوثي، وتميم ابنهما. ومن يعرفهم عن قرب، يدرك أن هذه عائلة من خارج الإطار التقليدي للعائلة، يمكنك أن تتتبع سيرة مريد في كتابة رضوى، وأن تقرأ رضوى في قصائد مريد، وأن ترى أثر الاثنين في كتابة تميم.
كانت مؤمنة بقضية وطنها، وتدافع عنه، كانت تؤمن بالمقاومة، ابتداء من فلسطين وحتى مصر، ومروراً بكل الجراح العربية المفتوحة، كان يمكن أن تراها في ميدان التحرير بصحبة تميم ومريد، تفعل ما تؤمن به، لكنها لم تكن أبداً من سماسرة القضية، الذين ينتقلون من خندق إلى آخر، حسب نتائج الربح والخسارة.
كانت مؤمنة بالكتابة كمفتاح لحل الأزمة، منفحتة على الكتابة وتطويرها وبنائها، كما فعلت في "قطعة من أوروبا"، أو حتى بأن توظف شكل التقارير في نص أدبي كما في "تقارير السيدة راء"، وأن تتنقل بين السيرة والرواية والرحلة، بحثاً عن الشكل المناسب للكتابة.
كانت رضوى عاشور تكتب، تكتب فقط، وهي تدرك أنها بهذا الفعل تقاوم، تحارب اليأس، وتبني، تعلم، تربي أجيالاً ومحبين في الجامعة، وتمنح آخرين عطاء لا ينقطع في الكتابة.
لا أعتقد أن رضوى عاشور تنتظر احتفاء رسمياً، فقيمتها وقامتها باقية ـ مهما مضى من زمن ـ في عيون محبي الأدب الجاد والحقيقي، الذي لا يفنى، ومحبي إنسانيتها التي نفتقدها.     
......................
*نشر في المصري اليوم 

26‏/11‏/2016

"المهدي" الذي لم يجد أحداً في انتظاره

هذه حكاية درامية، ملهاة ومأساة في الوقت نفسه، تدعو للضحك والبكاء في الآن ذاته. لم يختر الشيخ محمد عبد الله نصر أن يكون مهدياً منتظراً، لم يختر أن يكون له متابعون ومريدون ومصفقون على كل ما يقول، أصاب أم أخطأ، لم يختر أن يُنَصّب "إماماً وخطيباً للثورة"، ويقدم بهذا التوصيف في الفضائيات والندوات وفي الميدان، لكنه صنيعة لإعلام ومشاهدين وحالة سياسية مجنونة.
اختطفت الأضواء المبهرة "الشيخ ميزو"، وأدرك هو كيف تدار اللعبة، كل المطلوب منه أن يقول تصريحاً ساخناً هنا، يرفع الحذاء في برنامج آخر هناك. تنقل من برنامج إلى برنامج، ومن فضائية إلى أخرى، ركب الموجة وهاجم وندد ووصل إلى أبعد مما وصل غيره، ثم انخفضت الموجة فخفتت الأضواء قليلاً. لكنه لم يدرك أن هذه طبيعة السياسة والإعلام، مد وجزر، لم تعد الفتاوى المثيرة تجتذب القنوات كثيراً، لم تعد هناك "ثورة" يدّعي الحديث باسمها، انشغل الناس في أمور أخرى، أسعار السكر والزيت والدولار، وفي ظل ذلك كان بريق الإعلام يلوح من بعيد، أضواء الكاميرات تنادي كأنها النداهة، صفحات الصحف فارغة بدون صورته وتصريحاته المثيرة، تناقصت اللايكات على صفحة فيس بوك. لذا قرر أن يضرب ضربته الكبرى، أن يقلب الأمور رأساً على عقب، وكله بالشريعة، "الدين بيقول إيه؟". المهدي المنتظر سيكون اسمه "محمد بن عبد الله"، والشيخ ميزو يحمل نفس الاسم أيضاً. وهكذا اكتملت الفكرة ولم يبق إلا أضواء الكاميرات وأخبار الصحف ومواقع الإنترنت.
لكن مأساة الشيخ ميزو أنه عندما قرر أن يصبح مهدياً منتظراً لم يجد أحداً في انتظاره، قابلته الضحكات والنكات الساخرة على وسائل التواصل الاجتماعي التي صنعت منه نجماً من قبل، اتسع الخرق على الراتق هذه المرة، صارت "الكذبة" أكبر من أن تصدق أو تردد. ربما تحقق له الظهور مرة أو اثنتين أو ثلاثاً في الفضائيات، ربما أقام بعض المحامين دعاوى ضده تضمن له استمرار نشر الأخبار عنه في الصحف شهراً أو شهرين، لكن بعد أيام سيصبح الأمر نكتة قديمة، ملّتها الفضائيات وسيحثون عن نكتة أخرى، فتذوي الأضواء أكثر، وهكذا حتى يختفي للأبد، وقد خسر كل شيء.
الشيخ ميزو ليس مجنوناً، ليس مريضاً نفسياً، وليس مهدياً منتظراً أيضاً، لكنه يبحث عن الأضواء التي انسحبت عنه. يبحث عن إحساس سلطة رجل الدين المشهور، وتحريك الجموع الذي منحته إياه الكاميرات. الشيخ ميزو ضحية الإعلام، ضحية اللهاث وراء الغريب والعجيب وغير المنطقي، ضحية صناعة نجوم وهميين بحثاً عن "اللايك" و"الشير" و"الترافيك"، ضحية الذين يجلسون في "العاشرة مساء" كل يوم على كنبتهم في انتظار إخراج العفريت والجن والميت الذي عاد.
ربما كان لدى الشيخ ميزو مشروع بحثي، ربما بدأ فعلاً بقراءة ومراجعة التراث الإسلامي، لكنه انتهي إلى مريض بالشهرة، يقدم ما يعجب الناس، ما يريده منه مقدمو البرامج حتى يستضيفوه مرة أخرى، حتى تتصدر صوره الإعلانات في الشوارع، فبعض الذين تصدرت صورهم إعلانات الشوارع السنوات الماضية، ليسوا أفضل منه في شيء، وهو محق إلى حد كبير في هذا الاعتقاد.
أحد الأفلام المهمة التي تتحدث عن صناعة الإعلام لنجوم لا حقيقة لهم، هو فيلم "قتلة بالفطرة"، الذي كتبه كوينتن تارانتينو وأخرجه أوليفر ستون، ويدور فيه حوار بين أحد الإعلاميين وأحد السفاحين الذي تحول بفضل الصحافة وكاميرات التلفزيون إلى نجم له مريدون وعشاق، يقول في نهايته الإعلامي"أنا مجرد طفيلي، أنتم لنا، للملأ والإعلام، هكذا هي الأمور"، نعم، هكذا تحول الإعلام إلى طفيلي، وهكذا هي الأمور في الصحافة المصرية الآن.

الشيخ ميزو ليس وحده "المهدي المنتظر" المزيف، كلنا مهديون منتظرون مزيفون بشكل أو بآخر، نلهث وراء ما يرضي "الجماهير الوهمية" على فيس بوك وتويتر والتلفزيون، لكن الشيخ ميزو امتلك وحده شجاعة الاعتراف وفضح الجميع.
............

22‏/11‏/2016

كيف تحول "أحمد التباع" إلى نجم المرحلة؟


اشتعلت وسائل التواصل الاجتماعي خلال الأسبوع الماضي بمعركة لفظية، بين إعلاميين شهيرين،  على مدار ثلاثة أيام، استخدم كل طرف فيها كل ما يملك من قوة وضغط وأتباع للوصول إلى هدفه، كانت البذاءة هي عنوانها الرئيس، واستخدمت الشتائم فيها كسلاح اغتيال معنوي، حتى وصلت إلى الترند العالمي على تويتر.
وبعيداً عن المعركة وشخوصها، كان السؤال الأبرز بالنسبة لي: كيف أصبح استخدام الشتائم "البذيئة"، ممن يفترض فيهم أنهم قادة رأي، وصناع رأي عام، وقدوة لكثير من الشباب والأطفال، سهلاً وبسيطاً، لدرجة إعلان مسابقة ـ بين هؤلاء الشباب ـ على اختيار "الشتيمة" الأكثر إيلاماً واغتيالاً وتأثيراً.
صعود هذه "البذاءة اللفظية" في المجتمع المصري، ليس حديث العهد، بل ارتبط بما جرى في المجتمع خلال الخمس سنوات ماضية من تغيرات، وصعود نجوم مجتمع، سواء في الفن أو السياسة أو الرياضة أو الإعلام أو الصحافة  أو الدعوة، لا يتورعون عن استخدام هذه الألفاظ، بل ويتسارعون لاختيار الأنسب والأكثر تأثيراً منها لمزيد من "الترافيك" و"الشهرة"، ويمكن بعملية بحث سريعة على يوتيوب، أن تدرك كم الشتائم المباشرة التي قيلت عبر الفضائيات خلال الفترة الماضية.
لكن الحالة الأبرز التي ترصد التغير الذي حدث، هي حالة "أحمد التباع" الذي تحول إلى نجم مرحلة دون أي سبب دال، سوى أنه دليل على مدى التحول القيمي في المتجمع. وأحمد التباع لمن لا يعرفه هو سائق إحدى عربات النقل الثقيل، تسربت مكالمة هاتفية جنسية له على يوتيوب يخاطب فيها فتاة اسمها "هبة"، وانتشرت بشدة خلال العام  2011، لكن بدلاً من أن يهرب أو ينزوي هذا الشخص خجلاً، تحول إلى نجم على مواقع التواصل الاجتماعي، وتحولت كلماته في المكالمة إلى "إفيهات" يتناقلها الشباب فيما بينهم، وتحول وجه التباع إلى علامة مميزة في كثير من الكوميكس على فيس بوك وتويتر. لكن الأمر لم يقف عند هذا الحد، بل وصل إلى أبعد مما كان يمكن تخيله، عندما تحول إلى نجم تلفزيوني، فظهر في قناة "القاهرة والناس" مع طوني خليفة، والغريب أن أحد ضيوف البرنامج كان يدافع عنه خلال الحلقة، ثم ظهر في إحدى حلقات برنامج "رامز واكل الجو" مع رامز جلال على شاشة إم بي سي، كما كان بطلاً لفيلم أنتجه أحد المواقع الإلكترونية حمل اسم "الأسطورة"، ثم تحول إلى بطل حملة إعلانية لإحدى شركات البطاطس الشهيرة، وهكذا أصبحت صورته في الشوارع والميادين والفضائيات.
في الأحوال العادية، كان تسريب مكالمة بهذا الشكل، لشخص أياً كان ـ مشهوراً أم مغموراً ـ كفيلاً بأن يتحول الأمر إلى فضيحة، وربما يصل إلى القضاء، لكن ما حدث مع التباع أنه تحول إلى نجم، من الإنتنت إلى الصحافة إلى التلفزيون إلى الإعلانات، وربما قريباً في السينما، وعندما يسألك طفلك: "من هذا؟"، ما الذي فعله كي يصبح نجماً تلفزيونيا، فعليك أن تبحث عن كذبة مناسبة.
ما الذي يربط بين حكاية الإعلاميين الشهيرين وأحمد التباع؟ الرابط هو المساهمة في صناعة "البذاءة"، والترويج لها، وجعلها نجمة المرحلة، حتى أصبح الاستماع إلى "الشتائم"، سواء في الشارع أوالفضائيات أو السينما والدراما أمراً عادياً وغير مستهجن. فكم شخصاً شارك في صناعة "الهاشتاج العالمي"، والذين بالضرورة استخدموا "الشتائم" للوصول إلى هذا الغرض؟ وهل هكذا يتم استخدام الجماهير؟ لست معنياً بالدفاع عن أحد ولا بمهاجمة أحد، لكني معني بالمجتمع الذي تتغير قيمه وأسسه وأخلاقياته، بسبب البحث عن الترافيك والترند والمعجبين والإثارة والانتشار والشهرة والانتقام.

لست قيّماً على الأخلاق، ولست رقيباً على أحد، لكن ما أعتقده أن حالة الانهيار الأخلاقي التي نعاني منها، والتي يشكو الجميع منها، لن تتوقف إلا إذا توقف صناع الرأي والإعلاميون وضيوف البرامج عن المساهمة في ذلك أولاً، وقبل ذلك لا تتوقف في الشارع لتتساءل عن سبب هذا الكم من الشتائم في التعاملات العادية للناس.
...................

08‏/11‏/2016

«الأرنب خارج القبعة»: عوالم المتعة والدهشة في الكتابة

«كيف تصبح كاتبًا فاشلاً؟!»
إبراهيم عادل
 بهذا السؤال يبدأ الشاعر المصري «محمد أبو زيد» كتابه الجديد الصادر إلكترونيًا مؤخرًا عن «مؤسسة هنداوي للثقافة»، والذي جمع فيه مقالاته المنشورة على الموقع بين عامي 2014 و2015، والتي يتناول فيها عوالم «الكتابة» و«السينما» ومحاولات التقاط الدهشة ولحظات صيد الإلهام، وهو -على حد تعبير صاحبه- كتاب عن «السحر»؛ سحر الإمساك بالقلم وتشكيل عالم جديد، أو سحر خلق عالم مدهش تتأمله بعينين مفتوحتين في صالة مظلمة، وهو كتاب عن الماضي والمستقبل.
يقسم «أبو زيد» الكتاب بشكل عام إلى أربعة أقسام؛ عن الكتابة، عن السينما، ثم جزء آخر عنونه «كتابة» وفي النهاية «عبور الزمن». ويبدو لنا القسمان الأولان مرتبطين بفكرة الكتاب بشكل عام، حيث يدوران حول عوالم الكتابة والإبداع والعلاقة بين القارئ/المتلقي والكاتب/المخرج (أو السيناريست)، وعن رؤى العالم المقدمة من خلال تلك الوسائط المختلفة سواء كانت رواية أو قصيدة أو فيلما سينمائيًا.
يضع أبو زيد يده على عدد من القضايا والأفكار التي تدور في أذهان الكثير من الكتّاب، وهو يربط ذلك بقراءاته واطلاعه على عدد من مقولات كبار الكتّاب والمؤلفين سواء في كتبهم أو في حواراتهم المنشورة، بدءًا بـ«ماركيز»، و«كونديرا»، و«إيزابيل الليندي»، وصولاً إلى «نجيب محفوظ»، و«أورهان باموق»، و«إيمان مرسال»، كما يجمع مع ذلك مقولات كبار السينمائيين «وودي آلان» و«كريستوفر نولان» وغيرهم.
يقول في مقال بعنوان «عزيزي القارئ من أنت؟»:
يجب علينا ألا نخلط الأوراق فيما يخص القارئ، فإذا سلّمنا بضرورة وجود المتلقي في المعادلة، ففي هذه الحالة علينا أن ندرك ما الذي سنقدمه له، وهنا الفارق الحقيقي بين الكاتب النخبوي المبتعد في عليائه، وبين الكاتب النخبوي الذي يسعى إلى تغيير ذائقة القارئ، وفَتْح مجالٍ جديدٍ للتَّلَقِّي، وسحب القارئ معه إلى فضاء أرحب وأوسع، وهذا هو ما يقصده «فلاديمير نابوكوف» بقوله: «إن كان القارئ يخلو من العاطفة والصبر؛ صبر العالِم وشغف الفنان، فمن الصعب عليه أن يستمتع بقراءة الأدب العظيم.» يقول ساراماغو في حوار معه نشرته «باريس ريفيو»؛ إن «المواضيع المفرطة بالجدية بطبيعتها لا تجذب القارئ، وإنه لأمر محيِّر أنني أحظى بمراجعات ممتازة من الولايات المتحدة». إذن ربما يستسيغ البعض الكتابة السهلة التي يمكن ببساطةٍ بيعُها، لكن الأصعب بالفعل هو أن تُجْبِرَ القارئ على شراء كتاب لم يتعوّد على قراءته.
يجيد محمد أبو زيد في حديثه عن «الأفلام» الانتقال من الخاص إلى العام، وتبدو هواجس عالم «الكتابة» مؤثرة على تلقيه، وربما اختياره لتلك الأفلام التي يتناولها هنا ويعرض أفكارها، ويلفت أنظارنا إلى جوانب هامة منها، بدءًا بالأفلام الأجنبية التي تحاكي ما يحدث في الواقع وتتجاوزه لاسيما أفلام «نهاية العالم» ومشاهد الدمار التي تحفل بها، مرورًا بالأفلام الهامة التي تتحدث عن «الإنسان» ومشكلاته الفلسفية القائمة وصراع الوجود والبقاء وعلاقة حاضره بمستقبله، مثلما نجده في أفلام «كريستوفر نولان» التي يتناول عددًا منها بشيءٍ من التركيز، انتهاءً بالأفلام التي تصوّر علاقة الإنسان بالواقع الافتراضي وسيطرة وسائل التكنولوجيا الحديثة على عالمنا وما يمكن أن ينتج عن ذلك، مثل فيلم «Her» الشهير ومعالجته لهذه الفكرة.
ويحضر بين هذه الأفلام كلها عالم «الكتابة» و«الكتّاب»، ودور الكاتب والمخرج هنا (لاسيما إذا كان هو كاتب أفلامه) في عرض الواقع أو تصوير رؤيته للعالم من خلال فيلم أو مجموعة أفلام من جهة، أو أن يُبنى أحد تلك الأفلام على روايةٍ معروفة مثلما حدث مع (بؤس) لـ«ستيفن كينج» الذي أخرجه «روب رينر» والذي تناول تلك العلاقة الملتبسة التي تربط القارئ بكاتبه المفضل.
في «ترومان شو»، يكتشف البطل أنه مجرد فأر تجارب، في عالم مصنوع بالكامل، وأن كل من حوله ممثلون، في عالم يؤدي كلُّ مَن فيه دوره بإتقان شديد، وأنه ليس أكثر من ممثل في أحد برامج «عالم الواقع»، وأن هناك من يتفرج عليه وعلى زوجته وعلى عمله، وأن كل ما يحدث ليس إلا جزءًا من عالم افتراضي.
البحث عن الخالق، عن الحقيقة المطلقة، وراء هذا الوهم العظيم الذي نحياه، عمن يقف خلف الذين يحركون البشر والمصائر كعرائس الماريونيت، وهو ما يشبه ما نعيشه يوميٍّا؛ حيث نفاجأ كل يوم بمصائر الأحياء تتغير، وكأنه مسرح، يغير فيه المخرج الأبطال والممثلين، في مشاهد دراماتيكية، لا يصدقها المشاهد.
الكتابة تصنع هذا في جزء منها، تتجاوز ما قَبِل به الذين يعرفون أنهم جزء من تمثيلية، للتعرف على ما وراء ذلك. هل الكتابة إذن هي محاولة للتصالح مع الذات، أم مع الخالق، أم مع العالم المحيط، أم محاولة لصنع عالم جديد، يخص الكاتب الوحيد؟، الإجابة أنها كل ذلك. وهكذا لا يبدو عالم «الكتابة» منفصلاً عن عالم السينما والأفلام، بل يبدو كل منهما مكملاً للآخر، طارحًا عددًا من الأفكار والرؤى المؤرقة والمهمة والملهمة في الوقت نفسه.
في الجزء الثاني من الكتاب والذي يحتوي على القسمين الآخرين اللذين أسماهما «كتابة» و«عبور الزمن»، ينتقل أبو زيد من الكلام النظري الذي أداره حول الكتابة والسينما بمستوياتها المختلفة، إلى نماذج تطبيقية من كتابته لا يبتعد فيها كثيرًا عن عالم «الأسئلة الكبرى» المؤرقة للإنسان -والكاتب بالضرورة- ولكنه يصوغها هذه المرة بطريقة كتابة أدبية فنية، عرف بمهارته فيها بالشعر (عبر دواوينه المختلفة) وها هو يجرّب طريقة أخرى لطرحها خلال هذه المقالات.
الغربة، والحنين للماضي، الموت/النهاية، الحياة/الرحلة، الصمت والكلام، أفكارٌ تدور حولها نصوص هذا الجزء الآخر من الكتاب، بطريقته الخاصة جدًا يطرح تلك الأفكار ويتركها تدور داخل عقولنا، يتحدث عن الغربة «في نصائح للغريب حتى يعود»، و«طوبى للغرباء»، بشكلٍ شاعري يجعل للبيوت والناس لونًا وطعمًا ورائحة. يتحدث عن وسائل المواصلات، والانتقال بين القرى والمدن، ورغبة الغريب في العودة لكي يدفن في بلاده، يستدعي ذكرياتٍ قديمة ربما نعرفها جميعًا ويلتقط تفاصيل حياتيه عابرة لا شك أنها تؤثر في أي قارئ سواء مر بتجربة الغربة تلك، أو يعيش في بلده وبين أهله غريبًا!.
وفي نصوصٍ أخرى يعمل الخيال ويلعب به لعبته المفضلة، التي طالما لعبها في قصائده:
في مكانٍ ما، وزمنٍ آخَر، سنفعل ذلك؛ نسحب الموز من أفواه القردة وندعوها للجلوس بأدب على الطاولات، نكتشف مدينة الإسكندر الأكبر، ونمدِّد البحر على جنباتها كهرَّةٍ نائمةٍ تتمطَّى، نستعير المسرح الكبير من فيلم «المصارع» حتى يستريح «راسل كرو» من الهرولة في الصحراء، نشاهد أفلام «توم هانكس» و«ميج رايان» ونتحدث عن السُحب وأقدامنا تغوص في البحر، ثم نقف كصديقين التقَيَا صدفةً في قطار، نتقاذف المدن مثل كرات البنج بونج، حتى نبهر الجنود والملوك، وتصفق الطيور بأجنحتها لتسير أسرع، وقبل أن نغادر سنقول أهلًا، ونبتسم ابتسامة النصر. إذا وقفتُ على السطح، ومددتُ صوتي سُلَّمًا، فهل سأصل إلى السماء؟. إذا أخرجتُ قلبي ورفعتُه لأعلى، فهل سيتحوَّل إلى مظلةٍ تُقلُّني إلى وسط البلد؟. إذا ناديتُ بأعلى صوتي من الناحية الأخرى من الكرة الأرضية، فهل ستسمعونني؟
في الجزء الأخير من الكتاب والذي جاء بعنوان «عبور الزمن»، يعود أبو زيد إلى ذكريات الطفولة والشباب المرتبطة أيضًا بعالم القراءة والكتابة، فيتذكر صالون الكاتب الكبير «محمد جبريل» الذي كان يقام أسبوعيًا في نقابة الصحفيين وفيه تعرّف أبو زيد على كثيرٍ من كتّاب هذا الجيل الذين أصبحوا أسماء لامعة ومميزة في الكتابة اليوم. ويسترجع ذكر أول كتابٍ فتح عينيه على عالم الصحافة والكتابة والأدب، وهو كتاب «فوانيس الحياة» لـ«علي أمين» الذي تحدث فيه عن أحلام طفولته التي تحققت بالمثابرة والعمل والإصرار، لذا يعتبره أبو زيد كتابه الخاص الذي كان محرضًا على الحلم، وهو الذي جعله يفكر في العمل بالصحافة أصلاً.
وكما يتذكر الماضي البعيد يعود إلى ذكرياتٍ من ماضينا القريب، التي ربما عاصرناها وتفاعلنا معها جميعًا، لاسيما ما يتعلق منها بتطور وسائل الاتصال الحديث، وانتقال الناس من موقع إلى آخر. يسترجع أبو زيد في مقال «زمن التدوين الجميل»، ذلك التحوّل الدرامي الذي نقل الناس من صفحات المنتديات في البداية إلى المدونات التي كانت طفرة في حينها وامتلأت بالسياسة وغدت حديث الناس لدرجة أن «دار الشروق» أفسحت لها المجال لتخرج أعمال المدونين إلى «كتب»، وما صاحب ذلك من انتشار لها. خبا هذا كله تدريجيًا بمجرد وجود وسائل أخرى سحبت البساط من «عالم التدوين»، وظهر «فيس بوك» و«تويتر» بعلاقات التشبيك القوية التي جعلت الناس كلها تتفاعل معه وتتعامل به الآن ويصبح هو حديث العصر.
والحديث عن الماضي على هذا النحو يستدعي بالضرورة حديثًا عن المستقبل وكيف سيكون؟، كيف ستؤثر علينا وعلى الناس في المستقبل وسائل التكنولوجيا تلك؟، وإلى أي مدى ستكون متحكمة في الإنسان بعد أن أصبح جزءًا منها ولا يعرف كيف يعيش بدونها؟. في مقال «عيون مفتوحة على اتساعها» يقول:
لم يعد من يستخدم هذا الكمبيوتر هو شخصية العام، بعد أن سقط في عبودية زمن المعلومات، وأصبح مجرد رقم في منظومة كبيرة، تتعامل مع الملايين، تجمع البيانات، وتحلل، تقوم بعمل الجواسيس القدامى، لكن هذه المرة من مكان بعيد، من خلف الآمر الناهي الساخر، « الأخ الكبير» الكمبيوتر الضخم، حيث الصوت العميق القادم من العالِم ببواطن الأمور، المفتوحة عيناه على اتساعهما، شخصية العام، وكل عام.
هذه إطلالة سريعة على ذلك الكتاب، وهذا العالم الذي أخذنا إليه  «محمد أبو زيد» بكل بساطة، فأصبحنا كما لو كنا قد سقطنا في حجر أرنب «أليس» وانتقلنا منه إلى «بلاد العجائب» السحرية المدهشة سواء كانت في «الكتابة» الثرية التي نحبها، ونود أن نكون جزءًا منها، ونبحث عن طرقٍ مختلفة للوصول إليها، أو «السينما» والأفلام التي شكّلت جزءًا كبيرًا من متعتنا، ولا زلنا نبحث فيها عن المتعة الجديدة المختلفة، ندور في ذكريات الماضي وأفكار المستقبل، لنستكشف ذلك العالم الغريب.
يبقى أن نشكر «مؤسسة هنداوي» على إتاحتها هذا الكتاب للقراء إلكترونيًا. تجدر الإِشارة إلى أن «مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة» مؤسسة غير هادفة للربح، تسعى إلى إحداث أثر كبير في عالم المعرفة عن طريق برامجها المتعددة. بدأت المؤسسة نشاطها بالاهتمام بالترجمة، وانتقلت إلى نشر المؤلفات القيمة مما كتب بالعربية أو ترجم عنها في مختلف المجالات لجعلها في متناول القارئ العربي، وتقوم المؤسسة بنشر الكتب بنسختيها الإلكترونية والورقية، حيث توفر العديد من الكتب إلكترونيًا على موقع المؤسسة مجانًا.

نشر المقال في إضاءات

18‏/10‏/2016

الأرنب خارج القبعة

18 شارع سليمان عزمي

أحفظ عنوان البيت عن ظهر قلب، رغم انقطاعي عن زيارته بسبب السفر خارج البلاد والانشغال غير المبرر بالعمل. أعرف الطريق جيداً. الترام من ميدان رمسيس يشق الطريق إلى مصر الجديدة، قاطعاً ميادينها الشهيرة: تريومف، سانت فاتيما، والحجاز، ثم يعبر بجوار نادي الشمس. أهبط من الترام وأقطع باقي الطريق سيراً. خطوات قليلة على الدرج، وأجد الأستاذ محمد جبريل يفتح لي باب شقته، بابتسامته المربّتة والأبوية والمرحبة دوماً.
لا أعرف عدد المرات التي قطعت فيها هذا الطريق، لكنها أكثر مما أذكر. لفترة طويلة كنت أذهب إلى هذا العنوان بشكل يومي، لأجد استقبالاً حاراً ومرحباً دوماً. لفترة طويلة كان ـ ولا زال ـ هذا البيت بيتي، الذي أرتاح فيه من هموم الغربة، وألقي شكواي بين يدي الأستاذ جبريل، الذي ينصمت باهتمام، ثم يصف لي بمحبة شديدة طريق الحل. أحفظ كل شبر في البيت الذي يمكن اعتباره ـ بلا مبالغة ـ مكتبة كبيرة، تحولت إلى شقة، في كل ركن كتاب، وإلى جوار كل حائط رف كتب، حتى سقف الممر بين الغرف تحول إلى مخزن للكتب.
لخمس سنوات متواصلة، كنت أحضر ندوة جبريل، في نقابة الصحافيين القديمة ثم الجديدة ثم في مقر جريدة الجمهورية، يتحول يوم الخميس إلى يوم مقدس، ألتقي فيه مع كتاب من جيلي، ومن أجيال سابقة، نتحدث في الشعر والأدب ونتناقش حول نصوصنا الجديدة. تبدأ الندوة في السابعة، وتتوقف قليلاً عندما يحضر النادل، فيطلب الأستاذ جبريل "شاياً باللبن" لنفسه، ويدعونا على مشروبات، يصر في كل مرة أن يدفع ثمنها. تتواصل الندوة، ينصت خلالها باهتمام إلى كل نص يقال، يرفض التدخل في النقاش، تاركاً لكل منا حرية التعبير عن رأيه في النصوص التي تطرح، يتدخل فقط ليصد الهجوم إذا طال كاتباً في بداية طريقه أو قال نصه الأول، مانحاً إياه دفعة للأمام ودعوة لمواصلة الطريق.
خلال هذه السنوات الخمس، التي عرفت فيها الأستاذ جبريل، في الندوة، والبيت، ومقر العمل أيضاً، تعلمت منه الكثير؛ أولها الإخلاص الشديد للكتابة، فلم أره مرة، في البيت، أو في الجريدة، أو في طريقه إلى العمل، أو في الندوة التي كان يسبقنا إليها ويجلس في انتظار وصولنا فرداً فرداً، إلا ممسكاً بكتاب، ينتهي الكتاب فيخرج آخر من حقيبته ويبدأ في قراءته على الفور، ويضع بقلم رصاص صغير ملاحظات على الهامش، أو منهمكاً في تدوين ملاحظات ما، أو منشغلاً في العمل على رواية أو كتاب جديد.
تعلمت من جبريل، أن تكون الكتابة هي الحياة، وأن تتحول الحياة إلى كتابة، فأزعم أنه يعيش بالكتابة، أعني أن الكتابة هي التي تمنحه الطاقة على العيش، واحتمال الحياة بمنغصاتها التي لا تنتهي.
تعلمت من جبريل فضيلة الاستغناء، أعرف جيداً أنه تخلى عن كل ما في الحياة، لم يخض معارك مع أحد على منصب أو جاه أو رغبة في ظهور، لم ولا ينتظر شيئاً من أحد، حتى من تلاميذه الكثر الذين تخرجوا من تحت يديه، في الندوة أو في الجريدة، ولسنوات طويلة، فشغلتهم الحياة وأنستهم فضله عليهم، وفضّل أن يكون في معية الكتابة، وهذا ما يريده.
لم يكن جبريل بالنسبة لي مجرد صاحب ندوة أحضرها كل يوم خميس في نقابة الصحافيين، تعرفت فيها على الكتابة الحقيقية وساهمت في تأسيسي فكرياً، ولا مجرد صديق وأب ـ كما أعتبره ـ فتح لي بيته ومقر عمله، ولا  مجرد روائي كبير، يخلص للكتابة ويمنحها جلَ وقتها. كان أكبر من ذلك بكثير. أعرف ذلك، ويعرفه كل أبناء جيلي والأجيال التي سبقتنا وتبعتنا ممن حضروا معي الندوة، وفعل معهم وساعدهم كثيراً مثلما ساعدني، وأعرف أيضاً أنه لا ينتظر شكراً ولا تقديراً من أحد، لكننا مدينون له كلنا بذلك.


25‏/07‏/2015

Voix Vives de Méditerrannée en Méditerrannée














 AD : Ton dernier recueil s’intitule « Le Poème des ruines ». Mais de quelle ruines s’agit-il vraiment ? On dirait que plusieurs types de ruines se superposent.

Mohammed Abu-Zaïd : J’ai écrit ce « Poème des ruines » environs 6 mois avant la révolution égyptienne de 2011. L’Egypte est devenue une ruine à cause de la corruption politique, sociale et culturelle. On a tenté de voler les richesses et l’héritage de ce pays, alors la vie devenait de plus en plus sombre, toutes les portes semblaient fermées. Dans ce genre de contexte, écrire de la poésie devient un luxe. Tout est déformé, il y a une sorte de distorsion entre cette « posture » d’écriture et la réalité tout autour, c’est assez effrayant. La vie est douce alors qu’elle fait tant de ravages ailleurs. Le poème était donc une tentative pour entrer dans cette ruine, pour engager un dialogue avec, et la miner de l’intérieur. Par ailleurs, le poème se déplace sans cesse du domaine privé au domaine public.

Certains critiques ont dit que ce poème était comme une « prophétie », qu’il annonçait la révolution, parce que ce texte évoque bien l’idée de révolte. Mais je ne voulais pas cela, je me méfiais du piège de l’idéologie. « Le poème des ruines » qui n’est qu’une partie du livre éponyme paru chez Al Manar cette année, (qui appartient initialement au recueil « Madhamtan » publié après la révolution égyptienne) est le seul poème vraiment écrit à propos de la « révolution ». Sinon, je pensais « ruine » dans un sens plus large. En écrivant ces poèmes, j’avais aussi en tête le poème de TS Eliot « The Waste Land ».


AD : Tu dis que le poème concerne à la fois le registre privé et le registre public. J’avais bien compris que cela pouvait avoir un lien avec les ruines du pays, ruines annoncées avant les ruines, mais j’ai parfois l’impression que ce sont d’autres ruines, plus personnelles, qui répondent à ces ruines, que tu dévoiles avec pudeur.

MAZ : Pour ce qui concerne le sujet politique, depuis que je suis né, et jusqu’à mes 30 ans, il n’y avait qu’une seule tête en Egypte, celle d’Hosni Moubarak, qui accumulait l’argent jour après jour, et préparait les ruines – il y a donc ça dans les poèmes. Mais je pense que c’est un grand trésor, pour moi, d’écrire aussi avec une forme de nostalgie, sur les ruines de l’enfance, avec peut-être le désir de revenir à l’innocence et de lutter contre tout ce qui a entaché la ville, la politique. C’est particulièrement évident, me semble-t-il, dans le poème « J’ai peur, Alice » : « Je pose ma main sur mon front en visière / Et observe de haut la vie qui a abandonné ma main / Et s’est éloignée en courant / Je cherche un gamin qui marchait ici devant moi / avant de disparaître. » (Le poème des ruines, p.25)

Ces poèmes sont aussi une tentative de comprendre. Écrire, pour moi, c’est essayer de résister. De retourner, par cette résistance, à ce qui était bon pendant l’enfance. L’écriture est un jeu très grave. Et revenir au jeu de la « petite écriture » est également une tentative de construire, pour essayer d’inspirer un monde meilleur que celui que nous avons sous les yeux, aujourd’hui.


AD : Tu écris de la poésie, mais tu es aussi romancier. Dans un poème, tu notes : «  L’année dernière j’étais romancier / J’étais content comme un pingouin / Qui a pris tôt son petit déjeuner / […] A présent, je suis poète / Et le poète est triste par nature ». Ce sont vraiment deux approches différentes pour toi ?

MAZ : Je crois à l’écriture dans sa forme générale. Je crois que l’art est dans tout. Le monde transcende et abolit les divisions des genres et du temps. Mais, en tant que poète, j’ai appris beaucoup en écrivant des romans, ça a nourri et aidé les projets en cours. Je pense que mes poèmes deviennent plus simples et plus accessibles au lecteur. Ils sont de plus en plus débarrassés du poids de la rhétorique. La différence entre la poésie et le roman est également devenue plus ténue. Mes poèmes sont assez narratifs. Il y a des gens qui étaient présent dans les romans qui passent aussi dans les poèmes, et de même pour certains événements. On dit la même chose différemment, avec beaucoup moins de mots dans les poèmes. Mais je ne peux pas dire que l’écriture de romans soit plus facile que l’écriture de poèmes. Je ne veux pas sous-estimer la valeur du roman. Je pense simplement, mais ce n’est que mon avis, que le poète est plus soucieux que le romancier. Il est peut-être davantage occupé par des questions philosophiques ou existentielles. On pourrait dire que le poète pose des questions. Et peut-être que le romancier propose des réponses. Des réponses qui soulèvent parfois des questions plus tristes encore. Il y a toujours le bonheur et la tristesse causés par la connaissance, dans le même mouvement.


AD : En ce moment, travailles-tu sur quelque chose de spécial ? Et comment cela se passe-t-il quand tu écris de la poésie ? Est-ce que c’est plutôt spontané, ou bien un travail long ?

MAZ : J’ai écrit un roman il y a un an. Il n’est pas encore terminé. Pour les poèmes, un livre vient d’être publié, il y a trois mois. Son titre est « Introduction à l’absentéisme ». J’écris tout en travaillant à Abu Dhabi, où je travaille maintenant en tant que journaliste. Je n’ai rien commencé de neuf pour le moment, même si j’ai quelques idées. Habituellement, je cesse d’écrire après la parution de chaque livre, je suis vide. L’écriture est une justification de ma vie. Je veux dire la justification de la poursuite de ma vie. Parfois, je suis prêt à exploser. Écrire me sauve de la mort. Dans le poème « ruine » j’ai écrit : « La poésie dégouline de mes yeux comme des larmes / Mon dernier poème ressemble à une tombe / remplie de cadavres / De ruines / De ruines ». Les poèmes montrent des détails de ma vie quotidienne. Je voudrais que les gens soient plus dans leur vie. Je ne sais pas si je peux changer la vie de quelqu’un avec des poèmes. Mais je peux commencer par changer la mienne. Seulement par le poème. Ça peut commencer comme ça.

Pour répondre à ta dernière question, la rédaction des poèmes est plutôt spontanée. Je ne peux pas, délibérément, choisir d’écrire un poème. J’attends le poème comme un étranger en attente du dernier train dans la ville qu’il ne connaît pas.

(c) Sabine Normand
tessons