27‏/04‏/2018

La casa de papel.. لصوص مناضلون


قصة سرقة بنك عادية، قدمتها السينما في عشرات الأفلام، بعضها لا يمكن محوه من الذاكرة، مثل فيلمي آل باتشينو dog day afternoon وHeat أو فيلم وودي آلن Small Time Crooks، أو فيلم بن أفليك The Town، أو Italian Job بنسختيه، لكن ما يميز المسلسل الإسباني la casa de papel، أو "بيت من ورق" أو "البروفيسور" كما يسميه البعض، هو أنه قدّم لصوصه باعتبارهم مناضلين، وليس مجرد لصوص ومحتجزي رهائن عاديين.
تدور أحداث المسلسل حول "جريمة كاملة"، بطلها شخص مثقف يدعى "البروفيسور"، لم يرتكب أي جرائم من قبل، يقرر تكوين فريق من اللصوص لسرقة دار سك العملة الإسبانية واحتجاز رهائن وذلك عبر خطة محكمة، وضعت في اعتبارها جميع ردود الأفعال المتوقعة من الشرطة والرهائن واللصوص أنفسهم. إلى هنا وتبدو الأمور عادية غير أن الجديد في المسلسل هو أن اللصوص قرروا طباعة الأموال بأنفسهم بدلاً من سرقتها (ملياران و400 مليون يورو)، وذلك على خلفية حوارات تتحدث عن الظلم الاجتماعي، فضلاً عن أن الأغنية المفضلة للصوص والتي تصاحبهم نغماتها في سرقاتهم هي bella ciaw، وهي أشهر أغنيات المناضلين الإيطاليين ضد موسوليني والحركة الفاشية.
بدت السرقة في المسلسل وكأنها حالة ثورة على النظام الاقتصادي الإسباني ونضال ضد استغلال أنظمة العمل الاستعبادية في العالم الجديد، وبدا اللصوص مثل الثائرين وهم يضعون أقنعة سلفادور دالي على وجوههم أو وجه لوحة الصرخة لإدفارد مونك، ويحملون البنادق ويرتدون زياً أحمر يذكر بالشيوعية، بل إن البروفيسور يصف عملية السرقة بأنها "فعل مقاوم"، فلا يعتبر نفسه لصاً لأنه لن يسرق مال أحد، بل سيطبع ماله الخاص، لأن "طباعة الأوراق المالية خارج الميزانية الخاصة للدولة، تتم طوال الوقت لصالح بعض رجال الأعمال ومقابل بعض المصالح والرشاوى، فما الفرق بين فريقه ورجال الأعمال".
يسعى البروفيسور في خطته إلى أن يكسب تعاطف الشعب الإسباني الذي يعاني من الرأسمالية، فيطالب فريقه بعدم إطلاق الرصاص على الرهائن، ولا يتورع عن تسريب مكالمة تكشف بعض مساوئ جهاز الشرطة، ويسمح بدخول كاميرا تلفزيونية داخل دار سك العملة ـ مقابل إطلاق رهائن ـ لكي يكشف أن الشرطة ساهمت في تشويه سمعة فريقه، ولكي يكسب مزيداً من التعاطف الشعبي، وتأتي النهاية يأن ينجح اللصوص بالفعل في السرقة والفرار، بعد أن كسبوا تعاطف المشاهدين معهم ـ وليس الإسبان فقط ـ على نغمات الأغنية النضالية.
ومثل أي ثورة لا بد من ضحايا وانشقاقات وصراع بين القيادات على السيطرة، ولا بد من أب روحي ملهم لهم خارج البلاد/ مكان السرقة (البروفيسور)، ولا بد من مؤمنين بالفكرة ومتمردين عليها، لا بد من صراع مع الشرطة ومحاولة إخضاعهم، لا بد من محاولة شيطنة كل طرف للآخر، فالصراع هنا ليس على المال فحسب بل على كسب تعاطف الجماهير، ولا بد من أغنية نضالية (bella ciaw )، ولا بد من مصابين بمتلازمة استكهولم (تعاطف الرهينة مع الخاطف)، وهو ذات المصطلح الذي عرفناه في مصر بعد ثورة يناير وأطلق على المتعاطفين مع نظام مبارك، ولا بد أيضاً من انشقاقات في الجبهة الأخرى وانضمام أحدها لجبهة البروفيسور(نموذج المحققة).
 
حمل اللصوص/ الثوار أسماء مدن في المسلسل (طوكيو، برلين، دنفر، نيروبي، هلسنكي)، كأنها محاولة لإخفاء وجودهم الحقيقي لصالح الفكرة الأساسية (الثورة/ النضال)، ومن المناسب هنا الإشارة إلى أن الاسم الأول للمسلسل كان Los Desahuciados، أي "المطرودون"، بما يشير إليه من أنهم شخصيات مطرودة من المجتمع وخارجة وثائرة عليه، ولهذا قدم المسلسل تشريحاً داخليا لشخصيات اللصوص الثمانية وأحزانهم الإنسانية، لنكتشف في النهاية أنهم ليسوا مجرد لصوص عاديين، فكل واحد منهم يحمل في داخله جرحاً كبيراً دفعه لهذا الطريق، مثل نيروبي التي تريد أن تحصل على نصيبها من السرقة لتعيد ابنها الذي اضطرت للتخلي عنه، أو البروفيسور الذي خطط للسرقة لكي ينتقم لوالده، الذي كان يسرق البنوك كي يدفع ثمن علاجه، أو حتى برلين المصاب بمرض انتكاسي ويعرف أنه سيموت بعد 6 أشهر.
ولكن على الرغم من أن اللصوص المناضلين وعدوا الرهائن أن يرسلوا لهم مبالغ مادية إن ساعدوهم، ففي النهاية فهم ليسوا روبن هود كي يسرقوا من الأغنياء لكي يعطوا الفقراء، بل حصلوا على الأموال لأنفسهم وليس للشعب المتعاطف معهم ضد النظام الاقتصادي، وهو ما يعني إما أنهم سيصيرون بديلاً النظام الجديد اللص بانضمامهم إلى الرأسماليين، أو أنهم ليسوا أكثر من مجرد لصوص استغلوا كل هذه الشعارات، والثورة ونقمة الشعب على نظامه، للوصول إلى غايتهم.
على الرغم من أن المسلسل المعروف أيضاً باسمMoney Heist  وعرض محلياً لأول مرة في 2 مايو 2017 على قناة أنتينا 3 الإسبانية، وانتهى فى 23 نوفمبر 2017، ثم حصلت شبكة نتفليكس الأمريكية على حقوق بثه وقامت بعرضه عالمياً فى 20 ديسمبر 2017، على الرغم من أنه حصل على تقييم 8.8 على موقع IMDB، ما يجعله واحداً من أنجح وأشهر المسلسلات العالمية، إلا أنه لا يمكن إغفال أنه عانى في المقابل من العديد من المشكلات أبرزها المط والتطويل الزائد، خاصة في الموسم الثاني، فضلاً عن المبالغات الدرامية والمصادفات التي تبدو أحياناً غير قابلة للتصديق بل وتذكر بالدراما الهندية، فلو سلمنا بأن البروفيسور وضع فعلاً خطة محكمة تتضمن كل السيناريوهات الممكنة، فلا يمكن التسليم بكم المصادفات التي تقوده للإفلات من كل الفخاخ في طريقه والتي كانت يمكن أن تكشف أمره في كثير من الأوقات.
على الرغم من ذلك يبقى المسلسل مثيراً للاهتمام بأفكاره، وممتعاً مع أداء جيد من فريق التمثيل خاصة من ألفارو مورتي(البروفيسور) وأورسولا كوربيرو (طوكيو)، وألبا فلوريس (نيروبي) وبيدرو ألونسو (برلين)، والتنقل ببراعة بين لقطات الفلاش باك مع بنائه الزمني الخاص،  والحبكة القوية التي حافظت معظم الوقت على على عامل الإثارة والتشويق، كما أنه ـ وهذا هو الأهم ـ ما يطرحه من أسئلة مهمة حول الفرق بين اللص والثائر، وحول الأوطان واللصوص والأنظمة الحاكمة، ومن الذي علينا حقاً أن نصدقه.

 
 

لا بلد للعجائز

 


ـ إذا لم أعد، أخبري أمي أنني أحبها.
ـ أمك ميتة يا لويلين.
ـ سأخبرها بنفسي إذن.
..........

من فيلم no country for old men (2007)

26‏/04‏/2018

Nightcrawler.. لا تصدقوا الإعلام


على الرغم من أن فيلمي "قتلة بالفطرة"، و"المتسلل ليلاً" يتناولان قضية تغطية الإعلام للجريمة، إلا أن ثمة فارق كبير بينهما. فالأول ـ الذي كتبه كوينتن تارانتينو وأخرجه أوليفر تويست وقام ببطولته وودي هارلسون ـ يناقش كيف يحول الإعلام المجرم إلى نجم وكيف يمجد الجريمة من أجل مزيد من الأضواء، أما الفيلم الثاني الذي كتبه وأخرجه دان جيلروي وقام ببطولته جاك جلينهال، فيتحدث عن كيف يتحول الإعلام والإعلامي إلى مجرم من أجل مزيد من الشهرة.

في Nightcrawler ـ الذي نحن بصدد الحديث عنه هنا ـ نرى الشاب العاطل لو بلوم الذي لا يجد أي عمل فيضطر للسرقة، حتى يعمل صحافياً يصور الجرائم ويبيع لقطاته للقنوات الإخبارية، وبحثاً عن السبق الصحفي من أجل عائد مادي أعلى لا يمانع في ارتكاب جرائم أخلاقية وحتى جرائم قتل، كأن يضحي من أجل لقطات مصورة، أو يتستر على جرائم.

يحرك ليو هنا الجشع، جشع الشهرة وجشع المال وجشع النجاح، وهو ما يذكر بشخصية دانييل التي قدمها دانيال دي لويس في فيلمه الجميل "ستسيل الدماء There Will Be Blood"، فإذا كان هذا الأخير لا يسمح لأحد بأن ينافسه حتى لو كان ابنه ولا يمانع في ارتكاب جرائم قتل أو التخلي عن ابنه في سبيل المال والسلطة، فإن ليو يقوم تقريباً بالأمر نفسه فيساهم في مقتل مساعده وإصابة منافسه. في "ستسيل الدماء" يتحدث دانييل عن أن نجاحه مبني على الحقد على الآخرين، وعن الجشع الذي يقود كل هذا، ويناقش الفيلم عموما علاقة رأس المال بالمؤسسة الدينية، لكن في "المتسلل ليلاً"، تستبدل قضية الدين بالإعلام، ويظل الجشع قائماً وحاضراً.

في "قتلة بالفطرة Natural Born Killers" و"المتسلل ليلاً" نحن أمام شخصيتين مضطربتين نفسياَ، لكن الفارق هو أن الشخصية الأولى لمجرم والشخصية الثانية لصحفي تلفزيوني، فما يهم كلا الشخصيتين هو ما يتصدر شاشات القنوات، ما يدفع الناس للحملقة في التلفزيون، حتى لو كان هذا على حساب دماء وحياة الآخرين.

كلما زادت الدماء كلما زاد ثمن موادك الإعلامية، هذه هي القاعدة الأولى التي تعلمها لو بلوم في مهنته، وسار عليها فيما بعد. هنا نكتشف أن المشكلة ليست في شخصية لو المضطربة فقط، بل في القناة الفضائية التي علمته ذلك واشترطت عليه وجود دماء كي تشتري مواده المصورة، (من الأفضل أن يكن نساء بيضاوات ثريات، فالمهاجرين المكسيكيين بلا ثمن غالبا). فإذا كان الفيلم قدم لو باعتباره صحافياً بلا ضمير، فإن القناة التلفزيونية بلا أخلاق أيضاً، وهي التي تخلق كوادر يناسبون احتياجاتها، كي يكونوا شركاءها في الجريمة.

يسلط الفيلم الضوء على التحولات النفسية لدى الصحافي، الذي يبدو للناس كأنه يقدم الحقيقة، لكنه من جهة أخرى يدفعه اللهاث ليظل متصدراً لتجاوز الحد الفاصل بين أن يغطي جريمة وأن يرتكبها، بين أن يقول الحقيقة فقط، وأن يقول جزءاً منها من أجل مزيد من الإثارة وجذب الانتباه، فيتلاشى الهامش ما بين الصدق والكذب لصالح الإثارة وحدها أياً كان ثمنها.

ربما أمكن لدان جيلروي تبرير ما تفعله الشخصية وطموحها عبر سيناريو بديع، استطاع رصد تحولات شخصية لو، وعبر أداء متميز للغاية من جيك جلينهال، ورينيه روسو (في دور مخرجة النشرات الإخبارية نينا التي تحب أخبار الجرائم وتلتف على الحقائق من أجل رفع نسبة المشاهدة في ظل المنافسة مع القنوات الأخرى )، لكنه أيضاً طرح الجانب الأسود للإعلام الأمريكي ـ يمكننا أن نقيس الأمر على إعلامنا العربي بسهولة ـ من التفاف على الحقائق، وحتى في رمزيات الفيلم مثل ظهور لو في كل المشاهد النهارية وهو يرتدي  نظارة، كأنه لا يريد أن يرى النهار بما يرمز له، في حين تبرق عيناه في جنون في المشاهد الليلية، في مدينة لوس أنجلوس التي بدت في مشاهد الفيلم هادئة ونائمة كأنها تتقبل كل ما يقدم لها بينما سكانها في بيوتهم يتفرجون على القنوات الكاذبة.

ربما بنظرة واحدة على البرامج الإخبارية التي نتابعها، أو حتى برامج التوك شو المسائية، يمكننا أن نفهم شخصية لو، فهي تبدو كأنها انعكاس لعشرات الوجوه خلف الشاشات، حيث الحقيقة المجتزأة أو الملتوية، حيث لا يهم تدمير حيوات الآخرين الشخصية عبر اقتحامها بلا استئذان، ما دام هناك آلاف العيون ستحملق في الشاشة.

تحولت المنافسة في الفيلم ـ وفي الواقع أيضاً ـ إلى وحش لا يلتهم المشاهدين فحسب، بل يلتهم صناع الإعلام، فيحولهم لوحوش لا يعبأون بأي شيء آخر، في  مشهد من الفيلم نرى لو وهو يحرك جثة دون أدنى اهتمام  بقدسية الموت من أجل لقطة أفضل، في مشهد آخر نراه يترك شريكه يتلقى طلقات الرصاص من أجل لقطة أخرى، في مشهد ثالث يقتحم منزلاً ويصور تفاصيله من أجل سبق آخر، كل هذا وهو يدهس المشاعر الإنسانية، فلا يهم الإنسان ما دام قد صار خبراً، وهي تقريباً نفس العبارة التي رد بها على زميله عندما رآه يصور زميلاً آخر أصيب في حادث تصادم.

هنا يتحول ليو من مصور للجريمة، إلى صانع لها من أجل "جشعه" الإعلامي، ويستطيع بأجوبته الملتوية الكاذبةـ كأخباره ـ أن ينجو من استجوابات الشرطة، ويخرج في المشهد الأخير من المخفر إلى شركته التي توسعت أعمالها ليستكمل طريقه ـ وهو ما يتشابه بالمناسبة مع المشهد الأخير من فيلم ستسيل الدماء الذي قتل فيه دانييل على رجل الدين ـ كأننا إزاء إشارة إلى أن هذا هو الواقع الذي نعيشه ، والذي لن توقفه نهاية فيلم محسّنة تخدع الجمهور، لذا فالأفضل أن نترك الأمر كما هو، حيث يزداد جشع الإعلام وتغوله وتتكرر جرائمه دون رادع.

 

08‏/04‏/2018

ويست وورلد.. سؤال الخلق


في العام 1973 قدم الكاتب والمخرج مايكل كورتون، فيلمه "العالم الغربي westworld"، والذي طرح من خلاله القضية التي قتلت بحثاً فيما بعد في عشرات الأفلام، وهي: ماذا لو  خرجت الآلات والروبوت عن السيطرة؟
كريتون واحد من أشهر كتاب الخيال العلمي، وقد بيعت من كتبه أكثر من 150 مليون نسخة حول العالم، كما أنه مغرم بخلق العوالم الغريبة، ففي "الحديقة الجوراسية" (الذي تحول إلى سلسلة أفلام شهيرة) يأخذ قارئه إلى جزيرة مليئة بالديناصورات، وفي "العالم الغربي"، يأخذ مشاهده إلى مدينة كاملة من الروبوتات التي تشبه الإنسان تماماً وتتصرف مثله، ومكلفة بأداء مهام محددة بغرض إسعاد الزائر وإمتاعه، لكن ينتهي الأمر بعدم استجابة الروبوتات للأوامر الصادرة إليها وقتل الزوار.
ولا يطمح الفيلم ـ الذي جاء في حوالي 90 دقيقة ـ إلى أكثر من مشاهدة مسلية دون التورط في طرح أسئلة كبيرة، على خلاف المسلسل الذي عرضت قناة HBO في العام 2017 الموسم الأول منه، وجاء محملاً بعشرات الأسئلة الفلسفية، التي تتعلق بالوعي والإرادة الحرة للإنسان وبداية الخلق، وعلاقة البشر بالآلهة ما بين التبعية والتمرد.
تراهن HBO على "ويست وورلد"، بل وتعتبره بديلاً لمسلسها الأسطوري "صراع العروش" بعد مشارفته على الانتهاء، وهي محقة في ذلك، فالمسلسلان يمتلكان العوالم المتشابكة والبنية الدرامية المعقدة ذاتها، وعشرات الصراعات الداخلية والخارجية لأبطاله، والقضايا الكبرى التي يناقشها، فإذا كانت القضية الأساسية في "غيم أوف ثرونز"، هي السلطة وصراعات الخير والشر تحت مظلتها، فإن سؤال "ويست وورلد"، هو سؤال كل كائن بشري: لماذا خلقنا، وماذا نفعل في هذه الحياة؟.
على خلاف عالم الفيلم القديم السطحي والبسيط، تتشعب عوالم المسلسل الذي كتبه جوناثان نولان (شقيق المخرج الشهير كريستوفر نولان وشريكه في العديد من نجاحاته) وزوجته جاي جاي أبرامز. فتبدأ من ذات فكرة الفيلم، حول شركة تطلق منتجعاً يحمل اسم "ويست وورلد"، يتيح لزواره الأثرياء أن يعيشوا حياة الغرب الأمريكي، ليس في محاكاة تقليدية، بل حياة كاملة حقيقية، فيصيرون أبطالاً لقصص الكاوبوي بما فيها من حانات مغلقة وصحراء قاحلة واسعة يجوبونها بالخيول والمسدسات، ويطلقون النار ويخوضون صراعات كأنها حقيقية ويقيمون علاقات جنسية ويقتلون ويغتصبون ويمارسون أشد نزواتهم دونية دون خوف من عقاب، مع "مضيفين" (حوالي 2000 شخصية، يعيشون 100 قصّة متشابكة)، يشبهون البشر تماماً، لكنهم ليسوا إلا روبوتات شديدة الذكاء لا يمكن التفريق بينها وبين البشر. وتبدأ الحبكة الحقيقية عندما تبدأ بعض هذه الروبوتات في التفتيش في وعيها المزروع عن حقيقتها، وعن حقيقة الذكريات التي تحلم بها، لتبدأ بذور التمرد، وتنتهي بالثورة.
يشبه منتجع ويست وورلد عشرات المدن الترفيهية في العالم، على غرار ديزني لاند وكيدزانيا وآي إم جي وشوارع التصوير في هوليود وبوليود، وغيرها، التي تصحبك في رحلة عبر الزمن، فيخيل إليك أنك ذهبت في رحلة بالفعل إلى تلك الأزمنة، وهي ذات الفكرة التي طرحها مسلسل black mirror في إحدى حلقاته لكن من منظور ماذا لو كان ما يدور حولك حقيقياً، وأن ما يقصد به تسليتك من قتل وخطف هو أمر حقيقي، لكن في ويست وورلد، يطرح سؤالاً أعمق، ماذا لو كان من تتفرج عليهم يتفرجون عليك في المقابل، وينتظرون الفرصة للانقضاض عليك.

في الموسم الأول من المسلسل الذي قدم في عشر حلقات، يتداخل عالمي البشر والروبوتات، حتى نكتشف قرب النهاية أن أحد مديري المشروع من البشر ليس إلا روبوت، لكن ما تفعله الروبوتات هنا هي أنها من تطرح الأسئلة الوجودية التي نطرحها نحن طوال الوقت، من نحن، من أين جئنا، إلى أين نحن ذاهبون، هل ما نفعله حقا بكامل إرداتنا أم تم إملاؤه علينا دون أن ندري. ويتحكم في كل هذا صاحب الشركة فورد (أنتوني هوبكنز)، فيبدو وكأنه إله يتحكم في المصائر، ويترك المؤامرات تحاك قبل أن يكشفها لأنه من زرعها في رؤوس صانعيها.
تبدأ الأسئلة مع الفتاة ديوريس (إيفان ريتشل وود)، التي تكتشف في لمحات أن حياتها خدعة، وأن لا ماض ولا مستقبل لها، بل بمجرد أن ينتهي دورها، تذهب لإعادة برمجتها، ثم تعود إلى تأدية نفس الدور، في إسقاط مباشر على نمطية حياة البشر مهما تبدلت أحوالهم، وإلى الأدوار المرسومة لهم، بل وربما يذكر بالميثولوجيات الإغريقية حيث الآلهة (الزوار الأثرياء) يفعلون ما يحلو لهم، بينما البشر (المضيفون) مجرد مفعول بهم، بل وتحضر الميثولوجيا الأغريقية بشكل دائم في الصراع بين فورد وشريكه برنارد المتعاطف مع المضيفين على غرار أسطورة بروميثيوس، ويتطور الأمر مع شخصية مايف (ثاندي نيوتن) التي تجهز جيشاً للفرار من المنتجع وقتل مديريه، في تطور لشخصية المضيفين المصممة على أنها لا تؤذي البشر، وفي الحلقة التاسعة يكتشف أحد المضيفين والذي كان يقوم بدور لص، أن حياته كلها والدائرة المفرغة التي يدور من أجلها كل يوم لم تكن إلا من أجل سرقة خزنة فارغة يموت قبل أن يصل إليها، في إسقاط فلسفي على فكرتي العود الأبدي وأفول الميتافيزيقا في العصر الحديث.
في المسلسل نرى أن كل واحد من المضيفين يملك حياة كاملة، يقف وراءها سيناريست، ولكي تصبح حياتهم شبه حقيقية، فلا بد لهم من عمل وزي معين وبيت وذكريات وحياة يومية روتينية وأحلام، كما أنهم يمتلكون ما يمكن تسميته بآليةً للتعلم العميق، ما يسمح لهم بالاستجابة بسرعة لبيئاتهم المحيطة. ويذكر المسلسل بالخوف الأبدي من تمرد الروبوتات الآخذة في التزايد في كل مجالات الحياة ومع ازدياد الذكاء الاصطناعي، وهو الأمر الذي عالجته عشرات الأفلام بداية من I,robot  لويل سميث وليس انتهاء بـ ex machine لأليسا فيكاندير، خاصة مع تطور البرمجيات والفيروسات التي تطور نفسها فترى وتسمع وتستطيع أن تتخذ قراراً، من ناحية أخرى فإن العلماء يحرزون تقدماً كبيراً في عالم المواد العضوية المطبوعة بتقنية ثلاثية الأبعاد، مما يمكن من صناعة روبوتات شبيهة بالإنسان مثل تلك التي قدمها "ويست وورلد".
أحد أبرز الأسئلة التي يطرحها المسلسل، هو ما إذا كان يمكن للروبوت أن تصل إلى مرحلة الوعي، والوعي هنا تمثله في المسلسل "المتاهة"، التي تسعى درولوريس للوصول إليها، والتي تذكر بحديث دكتور فورد عن لوحة "خلق آدم" لمايكل أنجلو، حيث يبدو الإله مرسوما داخل العقل البشري، في إشارة إلى أن الوعي هو ما يمنح الحياة وجودها، وهو ما أشار إليه بقوله إن "الهدية الإلهية لا تأتي من قوة سمائية، بل تأتي من عقولنا".
والأسئلة المتعلقة بالنفس البشرية التي يطرحها المسلسل ليست تلك التي تتعلق بالتمرد على الإله فحسب، بل بالنزوات أيضا، فما الذي يدفع هؤلاء الأثرياء لدفع الآلاف للذهاب إلى هذا المنتجع لممارسة أشد نزواتهم وضاعة من اغتصاب وقتل، كما يرصد التحول الذي يمكن أن يحدث في حياة الإنسان من شخص طيب يقع في الحب في شخصية وليام الذي يتحول بعد ثلاثين عاماً إلى شرير يقتل من كان يحبها في رحلته للوصول إلى قلب المتاهة/ الوعي/ خيارات الإنسان/ حريته.
يطرح المسلسل عدداً من الأسئلة الفلسفية، حول الموت والحياة، وإعادة البعث، حول حق الاختيار في الحياة، هل نحن مخيرون أم مسيرون؟ وهل ما نظن أننا نفعله بكامل إرادتنا وما نندفع للبحث عنه، حتى في مواجهتنا للخالق مجرد قدر مكتوب لنا؟ ببساطة يقوم المضيفون هنا ـ بأسئلتهم وثورتهم ـ بدور البشر، بينما يقوم دكتور فورد بدور الخالق؟ وفي اللحظة التي تعتقد فيها دورويس أنها وصلت للإجابة، لقلب المتاهة تكتشف أن هذا ليس إلا مجرد جزء من خطة دكتور فورد، أنها تكرر ما فعلته من قبل آلاف المرات، نكتشف ذلك حين يتم الكشف عن شخصية الرجل ذي البدلة السوداء (إد هاريس) في مواجهتهما الأخيرة.
يُقتل دكتور فورد في النهاية على يد من خلقهم، ليجسد فكرة نيتشه عن موت الإله على يد البشر، وهو ما قاله والد دولوريس ـ في اقتباس من الشاعر الإنجليزي الشهير جون دون ـ "أريد أن أتعرّف على صانعي، حتى أستطيع أن أثأر منه"، لكن من قال إن هذا أيضاً ليس جزءا من طريق المتاهة، من لعبة الاختيار؟ وربما هذا ما سيجيب عليه الموسم الثاني من المسلسل.

04‏/04‏/2018

كل هذا الحزن


لماذا كان رحيل أحمد خالد توفيق مؤلماً للجميع؟ لماذا اتشحت وسائل التواصل الاجتماعي جميعها بالعزاء فور إعلان وفاته بأزمة قلبية ؟ لماذا امتلأت جنازته ومجلس عزائه بآلاف الشباب؟ لماذا شعروا جميعهم وكأن أخاً أو أباً أو صديقاً حقيقياً لهم قد رحل فجأة، وعلى حين غزة منهم؟.
أؤمن بمقولة البعض إنه حين يموت الأشخاص الذين تحبهم، فإنهم يأخذون جزءاً من روحك معهم. حتى لو تركوا لك صوراً وكتباً وأفلاماً ورسائل وحكايات، فلا شيء يعدل وجودهم في العالم، حتى لو لم تلتقيهم قط. فيقينك غير المحسوس بوجودهم في العالم من حولك، يجعلك تتكئ عليهم في أوقات شدتك، يعطيك قوة وطاقة لاحتمال وإكمال الحياة. وربما هذا ما أحسه ملايين الشباب المصري والعربي حين عرفوا أن أحمد خالد توفيق قد رحل.
وربما لأنه مات صغيراً (55 عاماً)، وهو السن الذي يبدو قريباً ممن هم في بداية الأربعينات أو أواخر الثلاثينيات ـ مثلي وغيري كثيرين ـ وهو ما يجعل الموت قريباً جداً، وخاطفاً. قريباً منهم، كما صار قريباً منه، واستطاع أن يخطفه دون أن ينتبه أحد.
ربما لأن في كتابته احتفاء بالموت، وسخرية منه، وميل للعدمية التي صارت علامة لأجيال بأكلمها بسبب تشوهات سياسية واقتصادية واجتماعية.
ربما لأنه آثر أن يقتل بطله الأقرب إلى نفسه (رفعت إسماعيل) والذي حمل كثيراً من صفاته واعتلاله بداء القلب، ويرى جنازة له على وسائل التواصل الاجتماعي، فكأنه كان يقتل نفسه ويرى عزاءه بنفسه.
ربما لأن رفعت إسماعيل، وعبير عبد الرحمن وعلاء عبد العظيم، شخصيات أحمد خالد توفيق الشهيرة، هي جزء من وجدان معظم المصريين الذين ولدوا بعد الثمانينات، جزء من ذاكرتهم الجماعية، لأنهم يشبهونهم، بكونهم أبطالاً ضد "أنتي هيرو"، شخصيات عادية مطحونة، تحاول أن تحلم وتحقق أحلامها البسيطة، وتقابل المشاكل العادية التي يقابلها ملايين المصريين، وربما لأنه سرد عبر قصص سلاسله تفاصيل حيواتهم فارتبطوا بهم وبه نفسياً، من الفتاة الفقيرة عبير الحاصلة على دبلوم لكنها دودة كتب مثل كثيرات في الشارع المصري، إلى علاء الباحث عن عمل خارج حدود بلاده إلى رفعت الذي يمكن أن يموت بينما يحدثك بسبب ضعفه. كلهم شخصيات بسيطة ولا يملكون سوى القدرة على الحلم، مثلنا جميعاً، بسخريتهم من ذواتهم، بمصريتهم الشديدة، للدرجة التي تجعل مواصفاتهم تنطبق على أي شخص يسير في الشارع، على عكس الشخصيات التي قدمها نبيل فاروق المحبوسة في مكاتب المؤسسات الرسمية وتقوم بأفعال خارقة.
ربما لأنه تنبأ بتاريخ وفاته في مقال بمجلة الشباب، وضمنه كتابه "قهوة باليوارنيوم" عن أزمة قلبية مر بها، وصادف أن التاريخ الذي ذكره هو ذاته يوم دفنه، كأنها نبوءته الخاصة التي منحت موته زخماً خاصاً، كأنها أسطورته الختامية لأساطير سلسة قصص "ما وراء الطبيعة".
ربما لأنه عمل بالمهنة التي نحبها (الكتابة)، وآمن بها، وظل يكتب لأكثر من ربع قرن بلا توقف في كتب ومجلات ومواقع، ويربي أجيالاً حقيقية من القراء في كل شارع في مصرـ وليس مجرد حفنة من الأصدقاء معجبي الفيس بوك ـ ولم يلتفت للكثير من الهراء الذي يقال على الأدب الموجه لليافعين، كأنه سبة أو عار، ورغم ذلك لم يكن أحمد خالد توفيق يكتب أدبا تقليدياً في هذه النوعية، بل قام بنقلة كبيرة في أدب الشباب. من كتابة المغامرة التقليدية، وطرق السرد التقليدية المعتادة في أدب البوب آرت، إلى طرق حداثية، فقدم رواية الأصوات، والرسائل، والنصوص التوثيقية، وغيرها الكثير، والتي كانت بالنسبة لي وقت أن كنت أقرأها في أوائل التسعينات، كشفاً وعلامة على أن هناك طرقا أخرى للكتابة غير تلك المعتادة.
يضاف إلى ما سبق، كل ما يروى عن مآثره الشخصية، وطيب أخلاقه ونبله، ومساعدته للجميع، فكل من التقاه يحكي كيف شجعه أحمد خالد توفيق على الكتابة، وكيف طلب منه أن يرسل له ما يكتبه، وكيف كان يرد على كل رسالة تصله في أسرع وقت. بالنسبة لي التقيته مرتين، ولمست فيه ذلك، وده وطيبته ونبله وتواضعه الشديد، وعدم اهتمامه بشهرته، وكأنه لا يفعل شيئاً. كان مهموماً فقط بالقراءة وبالكتابة، وكان صادقا في ذلك.
لا يستطيع أحد أن ينكر الدور الذي لعبه أحمد خالد توفيق في تشكيل وجدان جيل كامل، بريادته فيما يمكن تسميته أدب الرعب العربي ومزجه بالسخرية، وتفكيكه علمياً لمعظم الأساطير، وبما قدمه من ترجمات مبسطة لعدد كبير من الروايات العالمية، وحتى لمحاولته تقديم أشهر الحوادث التاريخية درامياً في سلسلة فانتازيا، بل وتقديمه في نفس السلسلة محاكاة ساخرة "بارودي" لأشهر الشخصيات الدرامية عربياً وأجنبياً.
وأهمية دور أحمد خالد توفيق أنه لم يتوقف عند تقديم قصص مسلية، مثلما فعل محمود سالم من قبل في المغامرين الخمسة والشياطين الـ 13، أو ما قدمه نبيل فاروق في رجل المستحيل وملف المستقبل، بل فتح الباب واسعاً أمام قرائه على عالم من الخيال، وقادهم إلى كتب ومفكرين وروايات أجنبية وأفلام وأغان، كان يشير إليها طوال الوقت في كتبه، وأشار لهم إلى عالم واسع من البحث والاطلاع والكتابة فانطلقوا إليه.
أعرف أن الكثير من النقاد والروائيين ينظرون ما قدمه أحمد خالد توفيق بسخرية واستعلاء، مع أن ما تركه من أثر يفوق ما سيتركونه مجتمعين، وفي ظني أنه كان يعرف حدود دوره وأهميته، ولم يكن يتنكر له، بل كان يقول إنه يعد جيلاً قارئاً يستطيع أن يستوعب ما يقدمه كتاب الأدب الجاد، وهي مهمة عظيمة بالفعل، لا يستطيع أن يقوم بها الكثيرون ممن يسخرون من كتابته، وينصبون أنفسهم آلهة للأدب والنقد.
 ورغم ذلك قدم أحمد خالد توفيق أكثر من عمل لم يكن موجهاً لليافعين، وكأنه يقول للنقاد: "أستطيع أن أقدم ما تريدون، لكني أحب دوري الذي أقوم به"، ولعل أبرز ما قدمه في هذا المجال روايته "يوتوبيا"، والتي فتحت الباب بعد صدورها لعدد كبير من روايات "الديستوبيا"، وبغض النظر عن مدى الارتباط بينها وبين ما تلاها إلا أنها كانت أول البشارة.
استطاع أحمد خالد توفيق التأثير بمقالاته الساخرة، بتشبيهاته الفريدة وسخريته من الكلاشيهات اللغوية وحكمته التي تتسرب في سطور رواياته، والتي يتناقلها الشباب بينهم، وتستطيع أن تلمح تأثيره ببساطة في لغة عشرات الكتاب ـ الذين صاروا معروفين الآن ـ رغم عدم اعترافهم بذلك، يمكنك أن ترى صوت حروفه في آلاف التغريدات والبوستات على فيس بوك وتويتر, هذا هو أحمد خالد توفيق ببساطة، الذي لا يقل تأثيره في الأدب عن تأثير جول فيرن وهربرت جورج ويلز و آرثر كونان دويل وستيفن كينج في الأدب الغربي، لكل من أراد أن يقول إنصافاً.
أتمنى أن يعود أحمد  خالد توفيق اليوم من الموت، فقط ولو لساعة واحدة، كي يرى بعينيه هذا الاحتفاء به، كي يقرأ المقالات النقدية التي دشنت لتحليل ظاهرته الأدبية، لكي يشاهد جنازته  المهيبة (كما توقع) التي لم يمش فيها سوى الشباب، لكي يعاين تأثيره بنفسه على أجيال جعلهم يقرؤون (كما تمنى).
كان سيسعد كثيراً لو كان حياً بهذا الاحتفاء به (مثل أن يطلق محافظ الغربية اسمه على أحد شوارع طنطا)، وهو الذي تجاهله من يسمون أنفسهم مثقفين، وتعالوا عليه وسخروا منه، مع أن أكثرهم لو ظل يكتب طوال حياته، فلن يترك ربع التأثير الذي تركه أحمد خالد توفيق في وجدان كل من ولد بعد الثمانينات وحتى الآن.

02‏/04‏/2018

Bella Ciao


In Bruges



هناك شجرة كريسماس
في مكان ما بلندن
وتحتها مجموعة هدايا لن تُفتح أبدا
فكرت
لو أنني نجوت من كل هذا، سأعود لذلك المنزل
وأعتذر لتلك الأم هناك
وأقبل أي عقاب تختاره لي
السجن، الموت. لا يهم
لأنه على الأقل في السجن
وعلى الأقل في الموت
لن أكون في "بروغ" اللعينة
ولكن، عندئذ كومضة برق
خطر ببالي وأدركت
"اللعنة يا رجل
هذه قد تكون هي الجحيم"
راحة الخلود النهائية
أقضيها في بروغ
ولذلك تمنيت حقا ألا اموت


19‏/02‏/2018

Mother.. جريمة البشر في الأرض


تدور كل أحداث فيلم Mother! للمخرج دارين بوكوفسكي داخل بيت واحد من دورين، ما عدا لقطتين تصوران الطبيعة في الخارج، وهو ما يمنح العمل صفة المسرحية بسبب وحدة مكان الأحداث، وهذا التصور ليس بعيداً عما قدمه الفيلم بالفعل، فنحن أمام مسرحية ضخمة مكان حدوثها كوكب الأرض.
يقدم الفيلم قصة بسيطة عن شاعر(يقوم بدوره خافيير باردم) يعيش مع زوجته الجديدة(تؤدي دورها جنيفر لورانس) في بيت وسط الطبيعة منقطع عن كل ما حوله فلا طرق تؤدي إليه ولا بيوت حوله، الشاعر يعاني من مشكلة عدم وجود إلهام والزوجة مشغولة بتجهيز وطلاء البيت، ذات يوم يفاجئهما زائر غامض، ثم تتبعه زوجته، ثم يأتي ابناهما اللذين يقتل أحدهما الآخر، وهكذا تدور الأحداث بشكل تصاعدي لتصل إلى مرحلة الجنون في النصف ساعة الأخيرة من الفيلم.
قدم كثير من المشاهدين تقييمات سلبية للفيلم على موقع "سينما سكور"، ذلك أن المشاهد العادي ربما لن يخمن بسهولة عشرات الرموز التي يحفل بها الفيلم الذي قدم في السينمات باعتباره فيلم رعب وإثارة، للوصول إلى قصة الفيلم الحقيقية، وهي ما فعله البشر بالأرض، ورغم أن الفيلم يمكن قراءته من أكثر من مستوى، حتى على مستوى القصة العادية (الشاعر وزوجته)، إلا أن (قصة الإنسان والأرض) تظل هي الرواية الأكثر قرباً للحقيقية خاصة وأن المؤلف ألمح لها في أكثر من حديث معه.
يبدأ الفيلم الذي لم يحمل أي من أبطاله أسماء، بمشهد سريالي، حيث العالم قد احترق، لكن الشاعر يضع جوهرة لديه في مكان مخصص لها، فتدب الحياة مجدداً في كل شيء، ورغم أن هذا المشهد يبدو غريبا في بداية الفيلم وليس له علاقة بما بعده، إلا أن المشاهد لن يفهمه إلا في المشهد الأخير من الفيلم، حين تموت زوجة الشاعر (الطبيعة)، ويحترق كل شيء، فيأخذ قلبها ـ الذي يصبح جوهرة ـ ليعيد به كل شيء إلى ما كان مرة أخرى، لنفهم من ذلك أن الحياة ستستمر حتى بعد رحيل البشر، كما كانت موجودة قبلهم، وأن الله ـ رغم كل ما حدث ـ رءوف رحيم.
تسير أحداث الفيلم بشكل طبيعي بين الشاعر وزوجته، حتى يدق الزائر الغامض (إد هاريس) باب البيت فيرحب به الشاعر على غير رغبة الزوجة، ومن هنا تبدأ رموز الفيلم في التفتح أمام المشاهد، فالشاعر هنا هو (الخالق)، والزوجة هي (الطبيعة الأم)، والزائر الغامض هو (آدم)، وتبدأ الإسقاطات تتوالى، فبعد أن تلمح الزوجة جرحاً في جانب الزائر، تطرق زوجة الزائر الباب (قامت بدورها ميشيل فايفر)، لنعرف أنها حواء التي خلقت من ضلع آدم. تتصاعد الأحداث عندما يدخل الزائر الغريب وزوجته غرفة الشاعر ويحطمان الجوهرة، فيقوم بطردهما من الغرفة وإغلاقها في مشهد يذكر بطرد آدم وحواء من الجنة، وبعد أن  تراهما زوجة الشاعر يمارسان الجنس يظهر ابناهما اللذان يقوم أحدهما بقتل الآخر وهو ما يحيل مباشرة إلى مشهد قتل هابيل لقابيل، ليتسرب الدم في أرضية المنزل ويبقى هناك حتى نهاية الفيلم رغم محاولات إزالته.
تتوالى بعد ذلك الرموز، فيأتي أقارب الزائر وزوجته، ويحاول أحدهما كسر إحدى ماسورة المطبخ لتنفجر المياه كي تذكر بطوفان نوح، وحين تحمل زوجة الشاعر يأتي الإلهام له، فينتهي من ديوانه (يقصد به التوراة بحسب الفيلم)، وحينها يأتي البشر للاحتفال مرة أخرى رغم رفض الزوجة، ويمتلئ البيت بعشرات الأشخاص، الذين راحوا يخربون كل شيء، وتقول الناشرة للشاعر إن الكتاب قد نجح وشهد إقبالا كبيرا وأنها ستطبع نسخة أخرى في إشارة إلى الإنجيل، وحين تلد الزوجة أخيرا يأخذ الزوج الطفل(إشارة للسيد المسيح بحسب الديانة المسيحية) ليريه لجمهوره ومحبيه فيتخاطفوه ويمزقوه ويأكلوه(إشارة إلى صلب المسيح)، وهنا تأخذ المشاهد منحني مجنوناً، ونرى كل ما حدث في الأرض من وقتها حتى الآن، من ثورات وحروب وقتال، ومتحدثين باسم الله وقتلة ومغتصبين وسفاحين ومظاهرات (حتى أننا نسمع هتافات ثورة 2011 في مصر)، ومحاولة انتهاك الطبيعة التي نراها في مشهد رائع حين تطل الزوجة من النافذة فترى عشرات الأشخاص يحملون كشافات إضاءة ويتقدمون ناحية البيت في مشهد يذكر برحلات اكتشاف الغابات في أفريقيا قبل قرنين وقتل الحيوانات وحرق الأحراش، و على حد تعبير أرنوفسكي في أحد حواراته فالفيلم "مشاكل الإنسان في الأرض من التبجيل المتطرف إلى الاحتباس الحراري"، وهكذا يوصل البشر الطبيعة في نهاية الفيلم إلى الانتقام منهم وإحراق وتدمير كل شيء.
لم يكن ما مضى محاولة لسرد قصة الفيلم، فالفيلم زاخر بعشرات التفاصيل، ومع كل مشهد نرى رمزاً لحدث تاريخي، ومع كل حوار بين طرفين نرى إسقاطاً دينياً، لكنه محاولة للإضاءة على بعض الرموز التي حفل بها الفيلم، والتي يبدو أن المخرج دارين بوكوفسكي مغرماً بتقديمها، فنظرة واحدة إلى قائمة أفلامه سندرك ذلك بداية من فيلم "نوح" الذي قدم قصة النبي نوح، وهو ما يشير لنا إلى اهتمامه بالتراث الديني، مروراً بفيلميه مع ناتالي بورتمان "بلاك سوان" و"جاكي" اللذين قدم فيهما صراعاً نفسياً يتصاعد منذ بداية الفيلم حتى المشهد الأخير فيه وهو ما نجده في هذا الفيلم أيضاً حتى مع المشاهدة العادية له الخالية من تفكيك الرموز، وليس انتهاء بفيلمه المهم "مرثية حلم"، الذي يتحدث عن الإدمان والفوضى التي يحدثها الإنسان لذاته.
لكن ثمة سؤال هنا، ما الذي يريد دارين بوكوفسكي ـ الذي كتب وأخرج وأنتج الفيلم ـ أن يقوله، بعيداً عن كل هذه الرموز؟ ربما نظرة سريعة على سيرة الخلق التي أوردها بوكوفسكي في فيلمه، والفوضى التي أحدثها البشر في الأرض تكون كافية للإجابة، فانفجار الأرض في النهاية لم يكن إلا غضباً مما فعله البشر، ومع ذلك فالله غفور رحيم، يعطي الفرصة تلو الأخرى، يتسامح مع الجميع، لكن البشر لا يتوقفون عن الفوضى. هل يعني هذا أن البشر سيوصلون الأرض إلى نهايتها المحتومة في الفيلم: إن نظرة على نظريات العلم الحديث التي تكشف ما سيحيق بالأرض بسبب الحروب والاحتباس الحراري والتكنولوجيا (الشريرة) إذا جاز لنا أن نسميها كذلك، واستخدام الأديان في الحروب لكافية بهذا المصير بالفعل، ولا يمكن فصل هذه الرسالة عن الأفكار السوداوية التي طرحها أرنوفسكي من قبل في أفلامه، سواء تلك التي تحدثت عن الخلود مثل "النافورة"، أو تلك التي تناولت الرؤية الدينية، وعلاقتها بالواقع في فيلمه "نوح".
قدم خافيير بارديم أداء متميزاً، ذكر بدوره الرائع في فيلم "لا بلد للعجائز"، إلا أنه ظل أفضل حالاً من جنيفر لورانس التي قدمت أداء جيداً، لكنه لم يصل لدرجة التميز، ربما لأنها لم تملك مساحة التحرك التمثيلي التي كان خافيير يتحرك  فيها. وعلى الرغم من قصر دورها إلا أن ميشيل فايفر استطاعت أن تخطف الكاميرا في مشاهدها القصيرة لتظهر قوة "حواء" وسيطرتها ورغباتها.
يبقى الفيلم رغم ذلك، مفتوحاً لمشاهدته أكثر من مرة، للوقوف على عشرات الاحتمالات التي تقدمها مشاهده، وهو جدير حقاً بحالة الجدل التي أثارها، وجعلت البعض يصفه بأنه من أفضل أفلام 2017، وجعلته من ناحية أخرى يختفي تماماً في موسم الجوائز.

13‏/11‏/2017

قبل أن تغلق "شرقيات" أبوابها

أحزنني خبر أن مسيرة "دار شرقيات" قد وصلت إلى نهايتها بعد أكثر من ربع قرن في عالم النشر.
كنت أهاتف صاحب الدار حسني سليمان، بالصدفة، عندما فاجأني أنه ينهي إجراءات غلق الدار. وعندما رآني مصدوماً، قال لي إن لكل شيء نهاية، وأن القطار قد وصلت إلى محطته الأخيرة، وأنه كبر في السن وتعب.
كنت ألمح المرارة في صوته، تلك التي حاول إخفاءها خلف ضحكات قصيرة مقتضبة، مرارة إحساسه بأن الجميع تخلى عنه، من المثقفين إلى المؤسسات الثقافية المختلفة، إلى مئات الكتاب الذين ينتمون إلى أجيال مختلفة، ساهمت دار شرقيات في صناعة اسمهم وعرفت الكتاب بهم.
سبب صدمتي وحزني، أن "دار شرقيات" واحدة من دور النشر المصرية القليلة، التي تحظى باحترام شديد، وشهرة كبيرة مصرياً وعربياً، ويكفي أن تذكر اسمها أمام أحد الكتاب العرب، حتى يشيد بالكتب الصادرة عنها، والمنتقاة بعناية، ويكفي أن ترى كتاباً صادراً منها حتى تتأكد أنه سيكون جيداً، حتى لو لم تكن تعرف اسم الكاتب.
بدأت دار "شرقيات" النشر في مصر في بداية تسعينيات القرن الماضي، وقدمت جيل التسعينيات إلى القراء، فالأعمال الأولى لعدد كبير منهم صدرت منها، بداية من إيمان مرسال ومصطفى ذكري، كما قدمت أعمالاً لأجيال أخرى من المبدعين مثل جمال الغيطاني وخيري شلبي وإدوار الخراط ومحمد عفيفي مطر ولطيفة الزيات، وقدمت ترجمات متميزة من روائع الأدب العالمي مثل "البحث عن الزمن المفقود" لمارسيل بروست، والأحمر والأسود لستاندال، ومؤلفات بورخيس، ورباعية مارسيل بانيول وصورة شخصية في السبعين لسارتر ومدار بوفاري لفلوبير، ومؤلفات وليم بليك وآني إرنو وكونديرا وكافكا وإيتالو كالفينو وسودرجران، فضلاً عن مئات الكتاب المصريين والعرب من أجيال مختلفة مثل ميسون صقر وجورج طرابيشي وعلي منصور وعلاء خالد ورنا التونسي وطارق إمام وغيرهم.
أصبحت دار شرقيات على مدار أكثر من 25 عاماً جزءاً من ذاكرة الثقافة المصرية، لا يمكن حذفها أو الاستغناء عنها، برغم كل المصاعب التي قابلت الدار خلال السنوات الأخيرة، وبرغم المشاكل المتعلقة بصناعة النشر والتوزيع في مصر الآن، وعدم استطاعة صاحب الدار التأقلم معها إلا أنه ظل محافظاً على كونه من أفضل الناشرين من حيث كونه قارئاً جيداً للأعمال التي ينشرها، وصادقاً في مواعيده ـ وهو أمر قلما نجده في أي دار نشر أخرى ـ وحريصاً على احترام مهنته بإصدار كتب جيدة غاضاً الطرف عن أي إغراءات تستجيب لها دور أخرى.
لا زلت أذكر تجربتي الأولى معه في النشر عام 2006، وهي الحكاية التي لا أمل من تكرارها وحكيها للتدليل على دقة المواعيد، عندما ذهبت إليه بديواني "قوم جلوس حولهم ماء"، ولم يكن قد صدر لي وقتها إلا ديوان واحد من هيئة قصور الثقافة،  وبعد أن قرأ الديوان، هاتفني ليخبرني بموافقته على النشر. ولأني كنت أعرف أن كل دور النشر تتأخر في النشر لسنوات، وتعطي وعوداً مكذوبة كثيرة، سألته متردداً عن موعد صدور الديوان، فقال لي إنه سيصدر بعد ثلاثة شهور، مضيفاً: "تستطيع أن تأتي يوم 25 أغسطس لاستلامه"، وطبعاً ظننته وعداً كغيره من الوعود التي خبرتها من طول عملي في الصحافة الثقافية. لكنني فوجئت به يهاتفني يوم 25 أغسطس ليسألني: "لماذا لم تحضر لاستلام كتابك؟". هذه التجربة الصغيرة، وهي واحدة من فضائل الدار، جعلتني حريصاً على نشر كل كتبي اللاحقة لديها، وأظنها تكررت مع الكثيرين غيري من الكُتّاب.
إغلاق دار نشر، يشبه إغلاق مدرسة، يشبه فتح سجن. والتغيير الثقافي والتنوير الذي أحدثته دار "شرقيات" بالكتب التي أصدرتها حري بنا أن نتوقف ونسأل، هل سنسمح بالاستغناء عن هذه "العلامة التجارية" المميزة، عن كل هذه الكتب التي أصدرتها أو الترجمات التي تمتلك حقوق نشرها. ربما تعاني الدار من مشاكل في الترويج والتوزيع، لكنها تستحق من كل كاتب أصدرت له كتاباً أو قرأ شيئاً منها غيّر أفكاره، أن يحول دون ذلك، وربما على المؤسسات الثقافية الرسمية ـ إن كان يعنيها ذلك ـ أن تفكر أيضاً في أن جزءاً من "ذاكرة الثقافة المصرية الحديثة"، وقوتها الناعمة يضيع، كما ضاعت أشياء كثيرة من قبل.

ربما علينا أن ننقذ "شرقيات"، قبل أن يغيب "نهار" آخر.

من السينما إلى الواقع … والعكس

في فيلم «زهرة القاهرة القرمزية» للمخرج الأمريكي «وودي آلان»، يَخرُج بطل الفيلم من شاشة السينما إلى صالة العرض؛ ليقابل إحدى المُشَاهِدَاتِ الدائمات له، رافضًا العودة مرة أخرى إلى الفيلم الذي عجز باقي أبطاله عن إكماله؛ بسبب غياب أحد الأدوار الرئيسية فيه.
يبدو هذا الفيلم الأكثرَ تعبيرًا عن عَلاقة السينما بالناس، والعكس، وما يمكن أن تُغيِّره السينما في حياتهم وتضيفه من جماليات إلى الواقع الصعب، وهو ما نجده في أفلام كثيرة مثل فيلم «قط أبيض، قطة سوداء» للمخرج اليوغوسلافي «أميركوستاريتشا»، عندما جعل سقف المنزل في النهاية يطير بمن عليه. وهو ما قدَّمتْه من قبلُ «ألف ليلة وليلة» كحلول خيالية لواقع الفقراء.
هذا المزيج من التداخُل بين عالَمَي السينما والواقع الذي قدَّمه وودي آلان في فيلمه الجميل، من الممكن أن يدُلَّنَا على سؤال مُهِمٍّ عمَّا أخذته السينما من الواقع، وما أخذه الواقع من السينما، وكيف استفاد كلٌّ منهما من الآخر.
من يتابع جميع أفلام الكوارث، وأفلام «أيام القيامة» والخيال العلمي الأمريكية، خلال العقد الأخير — على غرار «٢٠١٢»، و«ستار تريك»، و«إكس مِن»، وجميع أفلام شركة «مارفل» — فسيجد أن مشهد انهيار المباني يشبه بالضبط مشهد انهيار برجَيْ مركز التجارة العالمي في ١١ سبتمبر ٢٠١١، وهو المشهد الذي بدا لنا وقتها بالفعل كأنه جزء من فيلم هوليوودي يُذاع على الهواء مباشرة.
سبقت مشاهد «١١ سبتمبر» كل ما قدمته السينما الأمريكية من عنف ورعب ومشاهد للتدمير؛ المبنى الذي سقط في مكانه في مشهد أسطوري، الناس وَهُمْ يطيرون في الهواء، الموظفون وهم يهرولون في الشارع. لم يكن المُشَاهِدُ الأمريكي — الذي هَيَّأَتْ له هوليوود لسنوات طويلة أنه بانتظار حرب كونية وغُزَاةٍ من كوكب آخر (فيلم يوم الاستقلال على سبيل المثال) — يعتقد أن الأمر سيكون أكثر رعبًا ممَّا صورته هوليوود؛ فأدَّى ذلك إلى أن تحولت كل مشاهد الانهيارات والتدمير في الأفلام الأمريكية منذ تلك اللحظة إلى صورة للمشهد الواقعي الذي رَأَوْهُ في ذلك اليوم، ولم ينجُ من ذلك أحد، من مخرج كبير في حجم «جيمس كاميرون»، إلى فيلم رديء فنيًّا مثل «جي آي جو» الذي قَدَّمَ مشهدًا لقصف «برج إيفل» يشبه إلى حَدٍّ كبيرٍ ذلك المشهد.
إذا كان هذا ما أخذته هوليوود من الواقع، فإنها حاولت أن تقدِّم للواقع أشياءَ أخرى، مختلفة عن صورتها الحقيقية، سواء وضعها الداخلي أو بنيتها المجتمعية التي تناولتها أفلام قليلة مثل «الجمال الأمريكي»، كما قدمت ما يمكن اعتبارُه غسيل سمعة لأجهزتها الأمنية في أفلام كثيرة بعضها حصل على جائزة الأوسكار مثل فيلم «أرجو» الذي أخرجه وقام ببطولته «بن أفليك»، وأعلنت فوزه «ميشيل أوباما» قرينة الرئيس الأمريكي بنفسها، في دلالة سياسية لا تخفى على أحد، وهو الفيلم الذي يحكي قصة عملية استخباراتية لتحرير رهائن أمريكيين عقِب قيام الثورة الإيرانية في عام ١٩٧٩، وأيضًا «القبطان فيليبس» الذي ترشح للأوسكار وقام ببطولته «توم هانكس»، ويحكي قصة تحرير سفينة وقعت في قبضة قراصنة صوماليين، وسبقه أيضًا فيلم «٣٠ دقيقة بعد منتصف الليل» الذي أخرجته وأنتجته «كاثرين بيجلو»، والذي يروي كيف «اصطادت» المخابرات الأمريكية «أسامة بن لادن» في مخبئه، وطبعًا يمكن أن نعود على أفلام أقدم مثل فيلم «عدو الولاية» الذي قام ببطولته «ويل سميث»، ويتناول كيف يمكن للأجهزة الأمنية الأمريكية أن تصل لمكان أي شخص على الأرض، وتحدده، وتحصل عليه، أو فيلم «المملكة» الذي يحكي الدور الأمريكي في القضاء على القاعدة في السعودية.
هذه الأفلام التي تقدم صورة شديدة الوضوح ﻟ «قوة» الأمريكي، يبدو وجه العملة الآخر لها مشوَّشًا قليلًا، فلأنها تُقَدَّمُ باعتبارها تعتمد على وقائع حقيقية؛ فهي تعكس إذن صورةً للقوة الأمريكية بشكلها الأعم، وهي القوة التي لم يلحظها المتابع/المشاهد في كثير من الأحداث الواقعية مثل ذبح رهينتين على يد «داعش» في العراق مثلًا، أو مقتل السفير الأمريكي في ليبيا، وغيرها.
يحضُرُني هنا ما ذكره الروائي «مصطفى ذكري» في مقال له من أن «فرانز كافكا» كتب روايته الشهيرة «أمريكا» دون أن يزورها ولو لمرة واحدة؛ لأنه أدرك أن أمريكا لا داخل لها، وأنه يكفي رؤية بعض الكروت السياحية لكتابة الرواية، وكأنه بهذا يسخر من الصورة الأمريكية المصنوعة، ويؤكد أنه يمكن الكتابة عنها كصورة، كما تُفضِّل دائمًا أن تُقَدِّمَ نفسها أو كما تمنح نفسها للواقع سينمائيًّا.
يقول المخرج «كوينتن تارانتينو» في حوار معه: «كونك أمريكيًّا تصنع فيلمًا عن ماضي أمريكا يمكن أن يكون قاسيًا». قال هذا بعد فيلمه الأخير «دجانجو طليقًا»؛ لأن «مِن أكبر التحديات التي تواجهنا في صناعة هذه الأفلام هي حقيقة أنه لا يوجد الكثير من هذه الأفلام». رغم اهتمام هوليوود بكشف كل ماضٍ للدول الأخرى، ولاهتمامها بالأساس برسم صورة أشبه بقناع لها.

الأمر يتجاوز آلاف الحروب التي تدور في الفضاء، والوحوش التي تغادر كهوفها، والعلماء المجانين الذين يريدون السيطرة على الأرض، والروبوتات التي تمردت، والديناصورات التي ستعود، والحروب التي ستدمر الأرض ومَن عليها ولن يبقى عليها إلا أمريكي أخير، يتجاوز محاولة قولبة الخيال إلى قولبة الواقع، ورسم صورة خارجية تُجَافِي الداخل. الأمر يعيدنا إلى سؤالنا الأول مرة أخرى، عن العلامات الفارقة بين ما تأخذه السينما من الواقع والعكس، وهل يمكن أن يتم صنع دولة أو قارة بأكملها من الخيال؟

قبل أن تأكل نفسك

"عندما استيقظ جريجوري سامسا في الصباح — بعد أحلام مضطربة — وجد نفسه وقد تحوَّل إلى حشرة". هذه الجملة الشهيرة في بداية رواية فرانز كافكا «المسخ»، والتي طالما كانت مؤشرًا لكتابة الكثيرين في السبعينيات، تبدو هي الأكثر تعبيرًا اليوم عن حالنا.
لا أتحدث هنا عن الكتابة، وإنما عن واقع فرضه التحوُّل الدراماتيكي في العالم منذ قرابة العقدين مع اكتشاف تقنيات الاتصال الحديثة، من هواتف محمولة وإنترنت وكمبيوتر، وغيرها، والتي جعلت للإنسان رفيقًا آخر غير بشري، يكاد أن يكون ونيسه الوحيد في كثير من الأحيان، وزادت انغلاقه على نفسه.
رغم القراءات المختلفة التي قدَّمت لفيلم Her الذي كتبه وأخرجه سبايك جونز، وقام ببطولته خواكين فينيكس وإيمي آدامز وروني مارا وسكارليت جوهانسون، والرؤى الفلسفية التي قدَّمها، فإن القضية الأهم بالنسبة لي كانت معالجة الفيلم لهذه القضية تحديدًا: قضية الوحدة والانغلاق على الذات، وهي إحدى تجليات عصر المعلومات.
في مشهدٍ دالٍّ يلاحظ بطل الفيلم — بينما كان يسير في الشارع — أن جميع مَن حوله منهمك تمامًا في الحديث إلى هاتفه، وعلى وجوههم انطباعات السعادة والحب والحزن والغضب والألم، لا يوجد شخصان يسيران معًا في الطريق، بل كل شخص يتحدث إلى هاتفه فقط، وهي الحالة التي يمكن ملاحظتها بسهولة الآن داخل أي بيت، أو حافلة، أو مكان انتظار، حيث كل شخص يدور في فلك ذاته وعالمه الافتراضي الذي يلجأ إليه هربًا من العالم الحقيقي، ينظر إلى الشاشة التي أمامه ويستغرق تمامًا (أيًّا كانت هذه الشاشة لهاتف أو لكمبيوتر أو لتلفاز أو لجهاز لوحي) ويتوحَّد معها تمامًا، حتى فكرة إقامة العلاقات عن طريق الهاتف مع صوت جهاز تشغيل التي قدمها الفيلم يمكن أن تجدها في الواقع؛ لأنك بالفعل لا تعرف من يجلس خلف الشاشة التي تحادثها.
عندما تراجِع «التايم لاين» الخاص بأي شخص على فيس بوك أو تويتر، ستجد هناك الآلاف الذين يسكبون مشاعرهم يوميًّا؛ أملًا في شخص افتراضي يربِّت على أكتافهم تربيتة افتراضية، ويمنحهم حضنًا وحنانًا افتراضيين، رغم يقيننا في كثير من الأحوال أن هذا الشخص الذي نخاطبه شخص افتراضي، ومن المستحيل أن نلتقيه يومًا. الأمر قد يذكِّر — في جانبه العاطفي — بالمشهد المكرر في القطارات المصرية العتيقة، عندما يركب شخص إلى جوارك ويحكي لك كل همومه، رغم أنه لا يعرفك ولا تعرفه، لكنه أراد أن يفرغ ما يُلهب جوفه، ووجد أخيرًا من يسمع.

على فيس بوك وتويتر، ستجد ملايين الحسابات بأسماء مزورة لأشخاص اختاروا أن يقوموا بأدوار أخرى، اختاروا أن يخلعوا وجوههم التي منحتهم إياها الحياة، ويمنحوا أنفسهم وجوهًا وأسماء وشخصيات جديدة، تتصرف وتكتب وتحكم على الأشياء بطريقة أخرى غير الطريقة التي تعيش بها، وهو ما أعطاهم تعويضًا عن رفضهم لأسلوب حياة أو أيديولوجيا أو مستوًى اجتماعي معين، أو قيود مجتمعية.
لا أناقش هنا انفصام الشخصية لدى البعض، لكني أسعى للإجابة عن تساؤل: ماذا بعد أن توحَّدنا في عوالمنا الضيقة والمحدودة، بعد أن ظللنا لسنوات طويلة ننظر فقط في المرآة، وتخلينا عن البشر الحقيقيين، بعد أن صارت حياتنا وما نحبه موجودَيْن في أجهزة الآي باد، والآي فون، والآي كلاود، ومواقع التواصل الاجتماعي، وأصبح لنا أشخاص افتراضيون، نقضي معهم أوقاتًا أطول — وربما أسعد — مما نقضيه مع أصدقائنا؟
يمكن تبرير هذا بأن العلاقة الإلكترونية من الممكن أن تنتهي بضغطة زر، لكن في رأيي الأمر ليس بهذا البساطة، فثمة «بُعدٌ كافكاويٌّ» في الأمر يتمثل في عبوديتنا للتكنولوجيا، وتَحوُّرنا إلى حشرات تكنولوجية، أو خلق ذواتٍ موازية، وهو ما انعكس في عبوديتنا لذواتنا، وانغلاقنا عليها، حتى غدونا مثل بطل فيلم Her الذي يهجر أصدقاءه من أجل علاقة عاطفية مع «نظام تشغيل إلكتروني» وجد معه الراحة التي لم يجِدها في علاقته الطبيعية. راقب نفسك اليوم، وقد تحول فيس بوك إلى عالم خاص بك، مغلق تمامًا، به أسرارك، ووقت راحتك الذي تلجأ إليه أحيانًا، ووجهك الآخر الذي تريد أن يراه العالم.
يُذَكِّرُ هذا بفيلم Face/Off للنجمين الأمريكيين جون ترافولتا ونيكولاس كيج، عندما استبدل كلٌّ منهما بوجهه وجه الآخر وحياته. نحن نفعل هذا الآن ونحن ندرك أن من يجلس أمامنا قد يكون شخصًا مزورًا، لكننا ارتضينا وجوده، كأن هناك عقدًا غير مكتوب: أن تسمعنى وأسمعك، طالما أن العالم لا يسمعنا. لكن، من قال إن العالم لا يسمع أو يسجل أو يتلصص؟
في عدد كبير من أفلام الخيال العلمي الأمريكية (المتحولون على سبيل المثال) تتحول الآلات التي تخدم الإنسان إلى أعداء له، وتسعى للسيطرة على العالم، بعد أن يكون الإنسان قد سلَّمها كل معلوماته تمامًا، وبعد أن يكون قد اعتمد عليها في كثير مما يفعله. وفي الحقيقة، لا أستطيع أن أمنع نفسي وأنا أتابع التطور التكنولوجي — ليس فقط في وسائل الاتصالات وإنما في صناعة الروبوتات المنزلية، والعقول الذكية، والأجهزة المقرونة بأوامر صوتية، والطائرات بدون طيار، والنظارات والساعات الذكية، وغيرها — من التفكير في نهايات تلك الأفلام.
وفي معظم أفلام مارفل الأخيرة، بداية من سلسلة «الرجال إكس»، مرورًا بكل قصص الكوميكس التي تحولت إلى أفلام حصدت ملايين الدولارات، مثل «الرجل الحديدي»، و«هالك»، و«ثور»، وأخيرًا «كابتن أمريكا»، تبدو السِّمة الأساسية التي يتحدث بها من يريديون السيطرة على العالم عبر السيطرة على الأجهزة الذكية، هي أن البشر قبِلوا التخلي عن خصوصيتهم، في مقابل أن يحصلوا على الأمان والسلام (هذه العبارة وردت بالنص على لسان البطل الشرير في الجزء الثاني من سلسلة أفلام «كابتن أمريكا»؛ جندي الشتاء)، ويمكن تحوير هذه الصيغة إلى أن البشر قبلوا التخلي عن خصوصيتهم، في الهواتف ووسائل التواصل الاجتماعي التي تجمع جميع المعلومات عنهم وعن جميع تحركاتهم، في مقابل سلامهم الداخلي، والتربيتة الإلكترونية على أكتافهم، وهو ما افتقدوه في حياتهم، لكن من قادهم إلى هذا المصير؟ أليست الآلة أيضًا؟
"ماستر سين" فيلم Her في ظني، حين يسأل بطلُ الفيلم «نظامَ التشغيل» الذي يحبه: «هل تحبين أحدًا غيري؟» فتجيبه: «ستمائة وواحد وأربعون.» ليكتشف أنه مجرد رقم لدى نظام التشغيل ليس أكثر، ليُطرح السؤال: من الذي يدير العلاقة، أنت أم جهاز الكمبيوتر الذي أمامك؟ من الذي يسيطر على العلاقة بعد أن توحدتَ مع الآلة وسقطت في عبوديتها، أنت أم هي؟
في ندوة أخيرة شاركتُ فيها عن «الكتابة والعولمة»، سألني أحد المشاركين: «هل تعتقد أن الأجدر بالإنسان الابتعاد عن العولمة بأشكالها المختلفة؟» وكان ردي هو أن الوقوف أمام العولمة بأشكالها المختلفة يشبه إلى حَدٍّ كبير الوقوف أمام قطار سريع، والأجدر بنا أن نكون داخل القطار لا أمامه، لكن المهم هو ماذا سنفعل عندما نكون داخل القطار؟ ما الذي سنأخذه؟ وما الذي سنتركه؟ لأنه لا أحد يستطيع أن يستغني عن كل وسائل الاتصال الحديثة (ما في داخل القطار) وإلا عاد إلى العصر الحجري. وبهذه الطريقة، لا يسمح للقطار بأن يأكله، ولا يأكل نفسه أيضًا.

في رواية «اللجنة» للروائي صنع الله إبراهيم، يأكل بطل الرواية — الضائع ما بين السلطة والحرية — نفسه في النهاية، ويبدو هذا حالنا جميعًا اليوم، ونحن ننغلق على ذواتنا يومًا بعد الآخر، وقد تخلينا عن خصوصيتنا تمامًا لشركات عابرة للعوالم متخصصة في الاتصالات واختراق الخصوصيات، مقابل أن نجد الإنسانية المفقودة، حتى لو كانت في «صورة إلكترونية»، حتى غدونا مثل دودة تضع ذيلها في فمها وتواصل الالتهام، حتى تأكل نفسها تمامًا.