01‏/06‏/2012

وسط القاهرة.. غرفة تخص الغرباء وحدهم

في مشهد من الفيلم الروائي المصري الطويل "عين شمس" تطلب المعلمة من تلاميذها أن يكتبوا تصوراتهم عن مكان يحبونه، فتقرر الطفلة "شمس" أن تكتب عن وسط البلد، وتتخيلها مكانا مليئا بالملاهي والألعاب المبهجة.
إذا كان ما تخيلته شمس مفارقا للواقع، فالقصة حقيقية فكل شخص في مصر يتخيل أن وسط القاهرة يبوح بالأسرار، وأن به ما لا عين رأت، إلا المثقفين المصريين، والنخبة السياسية، والغرباء الذين يعتبرون "وسط البلد" هي بيتهم الخاص الذين يعرفون كل تفاصيله، والمكان المفضل لعقد ندواتهم ، ومقاهيهم .
قلب الثورة
قلب وسط البلد هو ميدانها "ميدان التحرير"، والذي كان يحمل اسم ميدان الإسماعيلية، لكن تغير اسمه أيضا، وكان المكان الذي تفجرت منه ثورة 25 يناير.
في أيام الثورة كانت وسط البلد خلية نخل، مقاهيها، أماكن لتجمع المثقفين والثوار لبحث تطورات الثورة، مطاعمها مفتوحة ليل نهار، رغم حالة الانفلات الأمني، أمام الثوار، شقق مبانيها مفتوحة أمام الجرحى والمصابين من أبناء الثورة، الصور التي تتناقلها الصحف ووكالات الأنباء لثوار مصريين يرفعون الأعلام فوق التماثيل هي تماثيل وسط البلد من طلعت حرب إلى مصطفى كامل إلى سعد زغلول وإذا كان لمكان في مصر أن يفخر بأنه شارك في صناعة الثورة فهي ولاشك وسط البلد.
غرفة تخص المثقفين
تبدأ وسط القاهرة في نظر محبيها من حيث تبدأ الدنيا، لكنها الحقيقة تبدأ من محطة مصر، من ميدان رمسيس، تستطيع بعدها أن تسير في شارع عماد الدين حيث كان التاريخ يرسم عمر الفن المصري، ولذلك ستجد في الشوارع المتفرعة من هذا الشارع تحمل أسماء فنانين مثل نجيب الريحاني أو زكريا أحمد أو غيرهما .
شارع عماد الدين
ففي هذا الشارع مشى محبو وعاشقو وفنانو الزمن الجميل، من نجيب الريحاني وعلى الكسار إلى ماري منيب وإسماعيل ياسين وبديعة مصابني، في هذا الشارع كانت المسارح و السينمات وصناعة السينما، قبل أن تحترق بداية مع حريق القاهرة في يناير 1951 ، وتراجعت رويدا، رويدا حتى لم يعد بها سوى ثلاث أو أربع دور سينما معظمها مغلق وتعلق أفيشات أفلام قديمة.
يمكنك بعدها أن تسير في شارع 26 يوليو، أو محمد فريد أو عبد الخالق ثروت أو عدلي، أو علوي، أو البورصة،  ميدان طلعت حرب كفيل وحده بأن يكشف لك كنزا من الاسرار فلو وقفت فيه يكفي انك سترى شوارع ( طلعت حرب وقصر النيل ومحمود بسيوني وصبري أبو علم وجروبي ومكتبة الشروق و مدبولي أشهر المكتبات المصرية ) وسترى حتى مقهى ريش الشاهد على تاريخ جميل لن يعود.
اسمان لكل شارع
 معظم شوارع وسط القاهرة تحمل اسمين، فستجد من يسألك أريد أن أذهب إلى شارع سليمان باشا، أو شارع طلعت حرب، والاسمين يدلان على شارع واحد، لكنها الأسماء التي تغيرت بعد ثورة يوليو 1952 ، لكن لأن وسط البلد لا تنسى، ولأنها جزء من التاريخ فأسماء شوارعها القديمة لم تسقط أيضا.
أكثر محبي وسط القاهرة من الغرباء، أكثر مرتادي مقاهيها منهم، ربما لأن أبناء مدينة القاهرة لهم مقاهيهم الخاصة في أحيائهم وشوارعهم، أما غرباء القاهرة، فيجدون في مقاهي وسط القاهرة غرباء مثلهم، سبقوهم إليها، يلقونهم بالترحاب، وبكوب شاي، ربما لن يدفعوا حسابه الآن، وبسماع نصوصهم الطازجة الفوارة بالبكارة القادمة لتوها من الريف، هؤلاء الغرباء، بعد سنتين على الأكثر، سيشعرون أنهم أصحاب مكان، فيستقبلون غرباء آخرين.
شوارع الغرباء
أكثر ما يسعد الغرباء في وسط المدينة، أن يسألهم قاهري عن الطريق إلى مكان ما في وسط البلد، لتجدهم يجيبون بكل سعادة ،"أول يمين ، في ثالث شمال"، فوحدهم من يحفظ ملامح شوارع وسط القاهرة.
الشاعر ـ جنوبي الأصل ـ  ياسر الزيات قال لي إن وسط البلد هي المنطقة الوحيدة التي يسير ويقول "السلام عليكم" للناس فيها، لأنه تقريبا يعرف جميع الناس، ويعرف الشوارع والبيوت والأزقة الضيقة والشرفات والملابس المنشورة على أحبال الغسيل تنقط في حزن.
مثلث الرعب
بين أرجاء مثلث الرعب الشهير بوسط القاهرة "مقهى زهرة البستان ، أتيليه القاهرة،  بار ومطعم الجريون" تصنع الثقافة المصرية على مدار أكثر من نصف قرن أشهر ملامح وسط القاهرة الثقافية، الأجيال الأدبية تورث بعضها الأماكن كالعهدة الحكومية ليتم تسليمها للأجيال القادمة.
ثمة تكتلات أدبية ستجدها في وسط القاهرة، كل جيل، كل جماعة أدبية اختارت أن تتكتل في مكان ما خاص بها، يخرج فقط من الصورة مقهى ريش العريق والذي كان مأوى لكتاب جيل الستينيات في تلك الفترة، والذي خرجت منه إبداعات أمل دنقل، ويحيي الطاهر عبد الله، وجيل عطية إبراهيم، و خيري شلبي، ونجيب محفوظ ، وعبد الرحمن الشرقاوي، و تنظيم مظاهرات، ومجلات مبشرة في فترة النكسة مثل "جاليري 68 ". 
اختلف وضع مقهى ريش الآن، أصبح مكانا سياحيا، يجاهد لاكتساب زبائنه من السياح الذين يبحثون عن تاريخ الثقافة المصرية، خاصة مع ارتفاع أسعاره، لدرجة أن أحد كتاب جيل الستينيات  قال لي "إن معاشي لا يكفي لثمن غداء وكوبي شاي في ريش الآن".
أما مقهى زهرة البستان، فهو يفضل أن يجمع جيل الثمانينات، وبعض الصحافيين من أجيال أخرى وطلبة مبنى الجامعة الأميركية المجاور.
من البورصة إلى أفتر إيت
المقاهي الثقافية ما زالت تولد في وسط القاهرة على الرغم من كل شيء، ربما في دلالة على أن وسط البلد ما زالت مستمرة  في صنع الثقافة، وفي تكوين و خلق جيل جديد من المثقفين، كل جيل يخلق مقاهيه الخاصة، بالنسبة للجيل الجديد ستجده على  "التكعيبة" ، و "عم صالح"، و"البورصة" و"افتر إيت" ، وقلة ستجدهم على "الندوة الثقافية"، و "سوق الحميدية".
هناك دائما "وسط البلد" أخرى، غير تلك التي يعرفها أصحاب الزيارات العابرة الذين يأتون للفرجة أو لقضاء مصلحة من مجمع الخدمات الحكومية، يعرفها سكانها من الغرباء، وسط البلد الأخرى هي في تفاصيلها، مقاهيها التي لا يعرفها أحد، أسطح بيوتها التي يفضل البعض السكنى عليها، مطاعمها شبه الرخيصة، باعة الكتب القديمة فيها، معمار مبانيها، باراتها، مصنع الثقافة، قوته الناعمة، العمارات القديمة الصحف والأحزاب المتمركزة داخله، المظاهرات التي لا تخرج الا منه، التي جعلت الأرستقراطيين يسكنون فيها لفترة، ومكانا للجامعة الأمريكية قبل أن تصبح ملكا لأبناء الطبقة المتوسطة، ومحلات الموضة ودور السينما ومقار الشركات والبورصة والصحف والفنادق والبنسيونات القديمة.
النداهة
يقول المصريون أن من يشرب من مياه النيل لا بد أن يعود إليه مرة أخرى، ومن الصحيح أيضا أن من يزور وسط القاهرة سيأتيها مرة أخرى، وربما هنا يصح الوصف الذي أطلقه عليها الشاعر إبراهيم داود  في حديثي معه ذات مرة "النداهة".
النداهة في التراث الشعبي المصري هي التي تسحر الناس في الريف وتناديهم فيذهبون إليها، وسط القاهرة كذلك، نداهة  لكل من له علاقة بالقصة والشعر والرواية وبالتغيير والثورة، تعبر عن القوة الحقيقية للثقافة المصرية بعيدا عن الصالونات والقاعات المكيفة.
من معالم وسط القاهرة ندواتها الثقافية، لكن على كثرة الندوات التي تعقد تندر الندوات التي تعقد على مقاه، عددها لا يتجاوز الثلاثة، منهم اثنتان حديثتان هما ندوة الدكتور علاء الأسواني التي يعقدها كل خميس  وندوة مقهى التكعيبة كل أحد، وندوة كان يعقدها الناقد فاروق عبد القادر كل أربعاء في مقهى سوق الحميدية قبل اعتزاله ورحيله، والتي تعد أقدمهم وأكثرهم تأثيرا وشهرة .
الثورة كانت هنا
في آخر فيلم عين شمس يقرر والد الطفلة شمس أن يأخذها في رحلة إلى "وسط البلد" فتبدو الشوارع هادئة، فارغة تماما، وهذا لا يحدث في الواقع إلا في أيام الإجازات، وصباحات الجمع، والأيام التي تنطلق فيها المظاهرات، منذ السبعينيات حين انفجرت انتفاضة 77 ، وحتى ظهور حركة كفاية قبل سبعة أعوام، وظهور كل الحركات لاحتجاجية طوال هذه السنوات، وحتى 25 يناير حين قامت الثورة المصرية، في وسط القاهرة التي حبلت للمصريين بالثورة، وجاءت بالتغيير .

الخروج إلى النهار

لم تكن ثورة 25 يناير، إيذانا بخروج الشعب المصري على الحكم الشمولى، والسلطة الأبوية القمعية للنظام السابق فقط، بل كانت أيضا إيذانا  لخروج قواعد، وقيادات إحدى أكبر وأقدم الجماعات السياسية في مصر، جماعة الإخوان المسلمين، على سلطتها الأبوية، والقمعية أيضا، وتفتح الباب واسعا لخروج شبه جماعي، من شباب عرف طريقه في ميدان التحرير إلى مغزى الاختلاف السياسي، وقيادات أدركت أن الطريق أصبح مفتوحا أمامها لتصنع مشاريعها الخاصة، بعد أن فشلت في حصد مكاسب تليق بما قدمته للجماعة.
يمكن إذن القول أن الثورة على النظام السابق في الدولة المصرية، تزامنت معها ثورة أخرى، على النظام القديم في جماعة الإخوان المسلمين، التي تمتد أصابعها في 82 دولة حول العالم، وضد سيطرة التيار القبطي، المتشدد على الأمور في مكتب الإرشاد، ضد التيار الإصلاحي الذي كان يقوده نائب المرشد السابق الدكتور محمد حبيب، الذي أطيح به من المنصب الذي كان قاب قوسين أو أدنى منه، والدكتور عبد المنعم أبو الفتوح، أحد المشاركين في التأسيس الثاني للجماعة في السبعينيات، والذي وجد أن مشروعه الخاص قد يستطيع أن  يستوعب أحلامه التي ضاقت بها أفكار سيد قطب التي تحيط بعقول مكتب إرشاد الجماعة العتيقة.
لم يكن الخروج خروج القيادات الإصلاحية  التي يئست من الإصلاح في الجماعة فقط، بل كان خروجا لجزء مهم ومؤثر من قواعد الجماعة وشبابها، وجدوا أن الجماعة لا تتواصل معهم، ولا تستمع إليهم، كما وجدوا أن لديهم عقول تفكر، ولا تستجيب "للسمع والطاعة"، بشكل آلي، وربما يكون هذا هو ما يجمع كل من خرجوا، ومن الممكن القول إن إرهاصات هذا الخروج الشبابي، تجلت مع ظهور الفضاء التدويني قبل سبع سنوات، وانتشاره في مصر، ولجوء شباب الجماعة إلى نشر أفكارهم في مدونات تخصهم، يصطدمون فيها بالبيعة، ويختلفون فيها مع "السمع والطاعة"، لكن التحول الأعظم لدى هؤلاء الشباب، الذين خلقوا صوتا إليكترونيا لهم، يثير القلق داخل أجهزة الأمن، وداخل مكتب الإرشاد أيضا، كان في ميدان التحرير، في ال 18 يوما المجيدة، حينما اكتشفوا أن هناك أصواتا أخرى تستحق أن تسمع، وأن اليساريين ليسوا كفارا، وأن الناصريين لن يعذبوهم كما فعل عبد الناصر، وأن النقاش طريق طويل، لكنه ينتهي بالاقتناع، لا بالإذعان.
ما أريد قوله أن الثورة التي تفجرت داخل الجماعة، مرت بنفس المراحل التي مرت بها الثورة في مصر، منذ الالتفاف حول فضاء إليكتروني، وتلاقي الأصوات المعارضة التي تلتقي على معنى واحد، انتهاء بالميدان، الذي كما خرجت منه عشرات الائتلافات، والتيارات السياسية، خرجت منه أيضا حركات إخوانية مناوئة، وأحزاب خلعت زي الإخوان، وارتدت زي الإسلام الوسطي.
شباب الإخوان الخارجون، اختاروا أن يؤسسوا حزبا باسم "التيار المصري"، ضم عددا من شباب الثورة ذوي الميول الإسلامية، وبعض الخارجين عن طوع الجماعة، مثل معاذ عبد الكريم وأسماء محفوظ وعبد الرحمن فارس وإسلام لطفي، وقيادات الجماعة اختارت أن تؤسس حزبا باسم "حزب النهضة"، انضم إليه الدكتور محمد حبيب، والمهندس إبراهيم الزعفراني، فيما التف حزب الوسط، أول الأحزاب المنشقة عن الجماعة، قبل 17 عاما، وأول الأحزاب المشهرة بعد الثورة، أن يلتف حول تجربة الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح في الترشح للرئاسة.
من المهم هنا الإشارة إلى أن عددا كبيرا من الرافضين للجماعة، وطريقتها الأبوية القمعية، لا زالوا مستمرين داخلها، وسط تهديدات بفصلهم، ولعل التاريخ القريب يذكر لنا تلك الوقفة التي نظمتها جماعة "صيحة إخوانية"، بقيادة محمد عبد الهادي، زوج ابنة خيرت الشاطر، ضد ترشح "حماه"، لرئاسة الجمهورية، قبل استبعاده، من اللجنة العليا لانتخابات الرئاسة، لكن ما كشف الأزمة التي تعيشها الجماعة مع قواعدها كان قرار الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح عندما قرر قبل عام الترشح للرئاسة، بالمخالفة لقرار الجماعة، ورغبة عدد كبير من شباب الجماعة في دعمه، وتهديدهم بالفصل من مكتب الإرشاد، وهو الأمر الذي كان أحد أسباب دفع الجماعة بمرشح منها.
لكن الأمر لا يمكن تبسيطه بهذا الشكل المخل، فأحد أسباب خروج عبد المنعم أبو الفتوح من الجمعة، هو صراع الإصلاحي والبنكير على مستقبل الجماعة وعلى قراراتها، وأقصد بهما، أبو الفتوح كإصلاحي، والشاطر كرجل أعمال، يستطيع أن يدير مكتب الإرشاد، ويحركه، بل ويتدخل لاختيار 30 في المائة من مجلس شورى الجماعة يصوتون لصالح قراراته، مستغلا في ذلك نفوذه المالي الكبير، وميله إلى الجناح القطبي، الذي عاد أواخر الثمانينات، بعد رحيل مرشد الجماعة عمر التلمساني، ليسيطر على الجماعة.
الملاحظة الأساسية، التي يمكن اكتشافها في الخارجين من الجماعة عقب الثورة، سواء كانوا من القيادات أو من الشباب، هو لجوئهم إلى كتابة مذكراتهم، التي يرون فيها تجاربهم المريرة مع الجماعة، ويفتحون صندوقهم الأسود للقارئ ليعرف ما يدور في دهاليز الجماعة التي تخفيها منذ 84 عاما.
لم يكن موضوع كتابة المذكرات، وفضح ما يدور في كواليس التنظيم معروفا قبل الثورة، وربما يمكن عد الكتب التي فعلت ذلك على أصابع اليد، وإن جاء بعضها انتقاميا، مثل كتاب المحامي الإخواني السابق، ثروت الخرباوي، والذي حمل اسم "من قلب الإخوان ـ محاكم تفتيش الجماعة"، والذي نشره قبل الثورة بأشهر قليلة وتحدث فيه، أن جماعة الإخوان تحولت إلى مُحطم للشباب، وتكبلهم بالإداريات التى تشل حركتهم وتقتل الإبداع داخلهم، وأصبح التنظيم بسبب قيوده سجنا لأعضائه، وصار جمهور السلفيين أكبر من جمهور الإخوان ثلاث أضعاف، وأن الجماعة تحولت إلى كيان طارد، وانتهت إلى معهد كهنوتى يسيطر عليه القطبيون الذين تسببوا فى قلب الجماعة الدعوية التى أسسها حسن البنا إلى جماعة أخرى لا يعرفها أحد غير القائمين على مقاليد الأمور فيها.
كتاب الخرباوي الذي يروي فيه تجربته الشخصية مع الجماعة، يشن هجوما كاسحا على الجماعة، وعلى قادتها، لكن الملاحظة الأساسية في هذا الكتاب، وفي الكتب التي صدرت بعد الثورة لخوارج الجماعة، أو حتى في تصريحاتهم الصحفية عن أسباب الانشقاق أن الخلاف في كل هذا هو خلاف إداري مع قادة الجماعة، ومكتب إرشادها، وليس خلافا فكريا، بمعنى أن كل الخارجين لا يزالون يدينون بالولاء لأفكار الشيخ حسن البنا، ويقدسونها، ويرون أن المشكلة أن الجماعة لم تحسن تطبيقها، وأنها خرجت عن الطريق، ولعل هذا يكشف السبب الذي دفع عددا من خوارج الجماعة أخيرا، إلى تأسيس جمعية باسم "جماعة الإخوان"، تستعيد أفكار البنا وتطبقها مرة أخرى.
أبرز الكتب الاعترافية التي صدرت، هو كتاب "ذكريات محمد حبيب ـ عن الحياة والدعوة والسياسة والفكر"، والذي صدر أخيرا عن دار الشروق، وإن كان يبدو فيه أنه يبكي على الأطلال، وعلى الدعوة التي سلبت، وأيضا كتاب "عبد المنعم أبو الفتوح ـ شاهد على تاريخ الحركة الإسلامية في مصر"، والذي حرره الباحث الراحل حسام تمام، وقدم له الدكتور طارق البشري، وصدر عن نفس الدار، والكتاب وإن كان لا يوضح فيه اصطدام أبو الفتوح بمكتب الإرشاد الحالي، لأنه ينتهي زمنيا في التسعينيات، إلا أنه يوضح دوره الإصلاحي، في بناء الجماعة قبل اغتيال السادات، وبعد حادث المنصة.
الشباب يبدون أصحاب الحظ الأوفر في النقد والصراحة، وهو ما فعله الكاتب الشاب أسامة درة، عندما أصدر  كتابيه "من الإخوان إلى التحرير"، ثم "من داخل الإخوان أتحدث"، وقدم نقدا لتجربة تعامل الجماعة مع قواعدها، وهو أيضا يشبه العتاب الخفيف الذي قدمه أحمد العجوز في كتابه "إخواني أوت أو ذا بوكس".
لكن من التجارب المهم ذكرها هنا، كتاب "حكايتي مع الإخوان"، للروائية انتصار عبد المنعم والذي صدر أخيرا عن هيئة الكتاب، والذي تقدم فيه تجربتها مع الجماعة منذ تجنيدها، حتى تركها، رغم ما تعرضت له من تخوين وتكفير، ومن المهم هنا أن نذكر ما قاله أحد أعضاء مكتب الإرشاد تعليقا على خروج بعض أعضائها "الجماعة تطرد خبثها"، وهو ما يكشف إلى حد كبير كيف يتعامل التنظيم مع الخارجين، أو المارقين، وما يفسر أيضا سر المرارة التي يشعر بها، من قرروا الخروج إلى النهار.
شهدت الجماعة على مر تاريخها خروج الكثيرين بداية من عبد الرحمن السندي، صديق البنا والذي أسس التنظيم الخاص، مرورا بأحمد السكري، وجماعة شباب محمد، وانتهاء بأبو العلا ماضي، وعصام سلطان وأبو الفتوح  وهيثم أبو خليل وعبد الجليل الشرنوبي وحبيب وكمال الهلباوي، لكن تبدو الإشكالية الأكبر أن الجماعة بعد أن خرجت من طور العمل السري إلى طور العمل العام، أصبحت كتابا يجب أن يكون مفتوحا أمام  الجميع، وتأسيسها لحزب حمل اسم الحرية والعدالة، يستوجب عليها أن تتخلص من الفكر التنظيمي الحركي للجماعة، وأن تدخل في التنظيم السياسي، وهو ربما ما لن يحدث، لأن الجماعة لم تزل تحلم ب "أستاذية العالم"، كما تخيلها حسن البنا.
بعض كتاب الخارجين من الإخوان تأتي على سبيل التطهر، أو إبراء الذمة، أو بحسب تعبير أسامة درة "كتبت لأستريح"، لكنها تكشف جانبا مهما من التكوين التنظيمي للجماعة التي لعبت دورا مؤثرا في دراما السياسة في مصر، طوال ال 84 عاما  الماضية، لكن يبدو أن القادم أكثر دراماتيكية.
ـــــــــــــــــــــــــ
نشر في أخبار الأدب

29‏/05‏/2012

لمن ستصوت والدة الشهيد مينا دانيال في انتخابات الإعادة؟

ربما لم تشعر والدة الشهيدة مينا دانيال بفقده إلا الآن، ربما تكون قد افتقدته إثناء 18 يوما قرر فيها أن يبيت في ميدان التحرير ضد نظام فاسد ومستبد، لكنها كانت تعلم أنه سيعود إليها بمصر الحرة، ربما افقتقدته في الاعتصامات والإضرابات والمظاهرات التي شارك فيها، ربما شعرت بالقلق عليه، ربما طلبت رقمه، وطالبته بالعودة، لكنها كانت تعلم في النهاية أنه يفعل ذلك من أجل مستقبل أفضل لمصر.
وعندما خرج في مظاهرات ماسبيرو، ضد الطائفية، وضد مصر التي يريد البعض تقسيمها، وضد بيادة المجلس العسكري التي تدهس الثورة،  ثم جاءها الخبر بأن مدرعات المجلس العسكري دهسته، هي بكت بشدة، وشعرت بروحها تسلب منها، لكنها كانت تدرك أن مينا دانيال لم يمت، لأن المبادئ التي ناضل لأجلها لا زالت حية، في هتاف آلاف المتظاهرين، ضد حكم المرشد، وضد حكم المجلس العسكري.
كانت تعلم أنه باق، وأنه يرفرف فوق كل المظاهرات، والاعتصامات مبتسما، يردد ما قاله المسيح، ليحمي الثورة التي وهبها روحه، كانت تعلم أنه لم يمت، لأن الثورة مستمرة،  وأن الدماء التي سالت في محمد محمود وماسبيرو ومجلس الوزراء ومسرح البالون، والعباسية، لم تسل إلا لتغسل جراح الوطن، وتطهرها.
الآن فقط تشعر والدة أم مينا دانيال بالفقد، وهي ترى الثورة التي ضحى نجلها لأجلها بروحه،   وهي تضيع تماما، تماما، وبالفصيلين الذين خاض ضدهما معركته يصلان إلى نهاية السباق، كتنين وكراكن يتعاركان للاستحواذ على الأرض.
المعركتان الكبيرتان اللتان خاضهما مينا دانيال، حتى اللحظة الأخيرة في عمره، كانتا ضد حكم المرشد، وضد النظام السابق وحكم العسكر، الآن فقط تشعر بالمرارة، بالخسارة الشديدة، فالطريق الذي فرشه الشهداء بدمائهم إلى صندوق الرئاسة، انتهلا بأحد خيارين، حكم المرشد، أو حكم العسكر، إما تجرع السم، أو القتل بالرصاص، إما سكة اللاعودة، أو "سكة اللي يروح وما يرجعش".
لمن ستمنح أم مينا صوتها في الانتخابات، لمن قتله وقتل غيره من الثوار، أم لمن سيقتله مجددا، ويكفره، ويطارده بما لم ينزل الله به من سلطان في أي من كتبه، ماذا ستفعلين يا أم مينا؟ أية مرارة وحيرة وضعتك فيها الثورة، والثوار وانشقاقهم، ونرجستهم ورغبتهم في الصعود إلى كرسي الحكم.
من تلومين يا أم مينا؟ هل ستلومين حزب الكنبة الذي لم يدرك فداحة المأساة وقرر التصويت لأحمد شفيق مطيحين بالثورة، أم ستلومين الثوار أنفسهم الذين لم يستطيعوا أن يتجتمعوا على مرشح واحد، ورفضوا كل محاولات التوافق، والاجتماع على مرشح واحد، وقرر كل واحد منهم أنه الأصلح لحكم مصر، غلبتهم النرجسية الشديدة، والغرور المتزايد، فلم يروا أبعد من أنوفهم، لم يروا الثورة التي ضاعت بانحيازهم السافر إلى أنفسهم وأنفسهم فقط.
لا يمكن لأحد أن يلوم أم مينا، ولا أحدا من الأقباط إذا منحوا أصواتهم لأحمد شفيق في مرحلة الإعادة، فقد وقفوا إلى جوار مرشحين الثورة في المرحلة الإعادة، لكن مرشحين الثورة أنفسهم لم يقفوا إلى جوار أنفسهم.
لا يتوقع أحد من الأقباط أن يمنحوا أصواتهم لمحمد مرسي مرشح الإخوان المسلمين، لأن الجماعة المعروفة ببراجماتيتها السياسية، لم تقدم ضمانات لأي أحد من  التيارات الإسلامية نفسها، ولا تنازلات من أجل الثورة، ومن المؤسف أن تتحول الانتخابات إلى معركة طائفية، يجمع الإخوان التيارات الإسلامية حولهم فيما يذكر ب"غزوة الصناديق"، ويغازل أحمد شفيق الأقباط بورقة الدولة المدنية، مع أن لا هذا يعبر عن الدولة الدينية، ولا ذلك يعبر عن الدولة المدنية.
المقاطعة ليست حلا، لكن كل الخيارات المطروحة مريرة، سامحينا يا أم مينا، جميعنا يجب أن نقدم الاعتذار لوالدة الشهيد مينا دانيال.. فلم يكن هذا هو حلمك ولا حلم مينا، ولا حلم الثورة

15‏/05‏/2012

كيف تصنع "فزاعة سياسية" في 24 ساعة؟

مع اقتراب الانتخابات الرئاسية، يقترب الحلم الجميل الذي عاشه الإسلاميون، في الفترة الانتقالية، من نهايته، ويبدو حلم الخلافة الذي لاح لهم دانيا ذات يوم يستعد للقطف، بعيدا جدا.
فالمسرح الذي يتم تجهيزه لاستقبال الرئيس القادم، الذي لن يرفض بحال من الأحوال إرضاء العسكر، يسبقه مسرح آخر، وهو الخلاص من السلفيين، وذلك عن  طريق صنع فزاعة سياسية  منهم، تبينهم على أنهم أعداء الوطن، وذيول بن لادن في المنطقة، والمتسببين في كل الأحداث التي شهدتها مصر.
لم يكن ظهور الشيخ محمد الظواهري، شقيق زعيم تنظيم القاعدة في ميدان العباسية، وهو محاط بملثمين، يرفعون رايات سوداء، ويهتفون "صور صور يا أوباما كلنا هنا أسامة"، لم يكن هذا إلا بداية صناعة الفزاعة، حيث خرجت في اليوم التالي الصحف، تصور مصر وكأنها بيت تنظيم القاعدة السري، وكأن التفجيرات يسمعها المصريون في الطرقات قبل وجبات الطعام الثلاث، مع أن أحدا لم يسأل نفسه، وهل من يقوم بالعمل السري، الجهاد ضد النظام، سوف يفضح نفسه بهذا الشكل.
الفزاعة جرى صناعتها في الأيام التالية على هيئة أخبار صغيرة، لكنها تثير رعب وتساؤل المواطن العادي، فيحكي أحد الأخبار عن سائق التاكسي، الغلبان،الذي قام بالتبليغ عن رجل ملتحي يرتدي جلبابا أبيض، ويضع كيسا به قنبلتين بجوار مسجد النور، هذا الخبر الذي يبدو ببساطة شديدة لقارئه أنه صنيعة أمن الدولة، لم يكن إلا جزءا من مخطط مقصود لتشويه التيار الإسلامي.
خبر آخر، نقلته إحدى الصحف، أن جهاز الأمن الوطنى بدأ الاستعانة بعدد من ضباط أمن الدولة المنحل، والمختصين بمتابعة ملف التيار الدينى قبل ثورة 25 يناير، لدراسة عناصر الجماعات الدينية المختلفة من المنتمين لتنظيم القاعدة، والتى دخلت البلاد عقب الثورة، وظهرت خلال اعتصام العباسية، خاصة أن كاميرات المراقبة التقطت صورا لعدد من الملثمين، ممن تثور شكوك فى كونهم ينتمون إلى مصر، وبعد أن رصد الجهاز عددا كبيرا من العناصر المنتمية لجماعات لها علاقة وثيقة بتنظيم القاعدة فى باكستان وأفغانستان واليمن وفلسطين، ودخلت البلاد عبر الأنفاق مع غزة، وقوافل التهريب القادمة من السودان وليبيا، واندمجت مع الخلايا النائمة فى مصر، وبثت فى شرايينها النشاط من جديد، ومارست عملها فى سيناء، بالتنسيق مع جماعة جندالله الفلسطينية، ثم دفعت بعدد كبير من عناصرها إلى القاهرة وظهرت فى اعتصام العباسية ملثمة.
الخبر، المكتوب بصياغة أمنية واضحة، يقول أن ضباط أمن الدولة السابقين قرروا الاستعانة بالأرشيف الإلكترونى المتحفظ عليه لدى جهات أمنية سيادية لمطابقتها مع صور العناصر الملثمة التى ظهرت فى أحداث العباسية، ورصد تحركاتها داخل البلاد، وبغض النظر عن أن مصدر أمني نفى بعد ذلك الاستعانة بضباط سابقين، إلا أن المضحك في الأمر، هو كيف تتم مطابقة وجوه الملثمين، خاصة وأنهم "ملثمين".
الأخبار الثلاثة الماضية، ليست إلا  بعض أخبار، بدأت تتسرب إلى الصحف، تنشر أحيانا في صدر الصفحات الأولى، وأحيانا في طرفها، وتتبعها عشرات المقالات المحللة والمحذرة، والتي تكشف عن اتجاه لصناعة فزاعة جديدة، ربما تبدأ بالجهاديين، مرورا بالسلفيين، ثم الإخوان، وقد تطال بعد ذلك بقية التيارات السياسية، لكي يبقى تيار سياسي واحد يسبح بحمد الرئيس.
الأخبار السابقة، قرأنا مثلها في أواخر عصر السادات، وفي التسعينيات من عصر مبارك، وكانت كلها تنتهي بالقبض على أعضاء التيار الإسلامي ووضعهم في السجون، أو إجبارهم على التحول إلى العمل السري.
لسنا في حاجة لصناعة فزاعة جديدة، ففي مصر الجديدة، نحن نحتاج إلى كل الأفكار جنبا إلى جنب، نختلف في الأيديولوجيات، لكن في النهاية فإبعاد أي طرف هو وأد لأحد الأطراف الفاعلة التي تصنع حراكا مهما، ومطلوبا.
أمام الرئيس القادم أحد الطريقين، وهو إما دمج التيارات الإسلامية في العمل السياسي، وإجبارها على التعامل مع المحيط السياسي، والتجربة اثبتت أن السلفيين، ممثلين في حزب النور، يتعلمون من أخطائهم بسرعة، ويتطورون سياسيا، وبالتالي تكون كل أفكارهم، وتمويلهم وخططهم متاحة أمام الجميع، وتحت رقابة دولة القانون، والطريق الثاني، هو أن تتم محاصرتهم، وتحويلهم إلى فزاعة، وهو ما عني أنه سيتم إجبارهم على العودة إلى العمل السري، والعمل تحت الأرض مرة أخرى، وهو ما سيؤدي إلى كوارث لا تحمد عقباها.

11‏/05‏/2012

سينما باراديسو


سأحكي لك حكاية، في يوم من الأيام أقام الملك حفلة تضمنت أجمل الأميرات في المملكة. أحد الحراس، وكان يدعى باستا، رأى ابنة الملك، كانت أجمل الموجودات، فوقع في حبها، ولكن ماذا يفعل جندي فقير مع ابنة ملك ؟

في يوم من الأيام دبّر لقاءً معها، وقال لها إنه لا يستطيع العيش بدونها، تأثرت الأميرة بشدّة من عمق مشاعره، لدرجة أنها قالت له: إذا بقيت منتظراً مائة يوم ومائة ليلة تحت شرفتي، فسوف أكون لك في النهاية، بحقّ الله.

ركض الجندي بعيداً، وانتظر يوماً، يومين، عشرة، عشرين، كل ليلة كانت الأميرة تنظر خارج الشباك، ولكنه لم يتزحزح.

جاء المطر، و الريح، والثلج، تبرزت الطيور فوقه، وأكله النحل حياً، ولم يتزحزح.

بعد تسعين ليلة أصبح سقيماً شاحباً، والدموع تجري في عينيه ولكنه لم يستطع إيقافها. لم يعد يمتلك القوة لينام. وطوال هذه المدة كانت الأميرة تراقبه، وفي الليلة التاسعة والتسعين، هب الجندي واقفا، حمل كرسيه وغادر المكان.

لا أعرف كيف، فهكذا انتهت القصة، ولا تسألني عن مغزى ذلك، فأنا لا أعرف.

لا أحد يملك أن يقرأ نهاية القصص، لأن التاريخ يكذب كثيرا، المخرج الإيطالي جيوسيبي تورنتوري، لم يكن يعرف نهاية القصة، ولم تقدم  سينما باراديسو إجابة للسؤال، عن المستقبل وعلاقته بالمقدمات.

كل النهايات مخيبة للأمل، القصة الماضية لا تختلف عن قصة التمويل الأجنبي، التي أشعر المجلس العسكري الناس فيها بأن رأسه برأس أمريكا، وأنه سيلقي أوباما في البحر، وسيقف يتفرج عليه من على الشط، تشبه قصة حازم أبو إسماعيل، الشيخ التقي الذي كذب علينا جميعا، تشبه قصة اليسار المريض الذي يتصارع زعماؤه على رئاسة حزب، تشبه قصة الإخوان والعسكري والصراع على الكعكة، تشبه قصة الخلاف مع السعودية الذي انتهى بذهاب وفد رسمي  للاعتذار للملك، تشبه قصة الوطن، الذي لم يعد يعرف إلى أين يسير، ومن الذي بيده خيوط اللعبة.

الجميع يتحدث الآن عن انتخابات الرئاسة، وكأنها طوق النجاة لمصر. أعرف أنه بعد انتخابات الرئاسة سيغادر المجلس العسكري الحكم، ويعود إلى ثكناته كما وعد، وكما نتمنى، لكن هل تكون هذه هي نهاية القصة وبداية النهاية السعيدة التي نراها في الأفلام.

كما قلت النهايات السعيدة في الأفلام العربية فقط، فلا بعد مائة يوم من الانتخابات الرئاسية ستصبح مصر دولة عظمى، ولا بالاتصالات الهاتفية سنحل المشكلة الأمنية والاقتصادية، لا تصدقوا من يقول لكم ذلك، فلا الطرف الثالث سيلملم ملابسه ويرحل ولا الأطراف السياسية المتصارعة ستتزوج زواجا كاثوليكيا.لم يتوقع الذين خرجوا يوم 25 يناير، والذين استحموا بقنابل الغاز والرصاص المطاطي يوم 28 يناير، والذين دهستهم الجمال يوم 2 فبراير، والذين لم يوقفوا سيل الدموع من عيونهم بعد تنحي مبارك يوم 11 فبراير، لم يتوقعوا جميعا أن تكون هكذا النهاية.

لكن ما أغرب الواقع، وما أغرب الحقيقة، عندما نجد أن على رأس المرشحين للرئاسة رموز النظام السابق، وزير خارجية لم يتخذ موقفا حقيقيا خارج إطار الكلام، ورئيس وزراء كان موجودا في موقعة الجمل، ولم يفعل شيئا، هل كانت البدايات تقول هذا. لا. لم تقل هذا إطلاقا.

يقول ماركس إن التاريخ عندما نجره للتغيير يمر عبر المنحنيات القذرة، ومن الواضح أن مصر بعد ثلاثين عاما من الجمود، تنزع قدمها، لتضعها في مستنقع تلو الآخر، ما يحدث للثورة الآن، هو منحنيات قذرة بالفعل، بحسب توصيف ماركس، صنعها رجال أعمال النظام السابق تارة،  والمجلس العسكري تارة، والقوى السياسية مجتمعة، ومتفرقة بنرجسيتها، تارة، وتارة.

أقول لك.. لا تسألني ما الذي سيحدث غدا، فأنا لا أعرف.

07‏/05‏/2012

مدهامتان‏..‏الخضرة القاتمة من شدة الري


بقلم: بهاء جاهين
أرص الصور بجوار بعضها فتكتمل الحياة‏.‏ دقات قلب المرء قائلة له‏:‏ أنا وحدي في الفريزر‏.‏ السعادة الحقيقية تجدونها في هذه القصيدة‏..‏هذه عناوين ثلاث قصائد في الديوان الرابع لشاعر بديع ــ في رأيي ــ غير مسموع بما يكفي, شاب يرتدي عمامة أزهرية, وتحتها رأس عامر بما لذ وطاب من ثقافة واسعة متعددة المنابع, وأولها بالطبع الثقافة العربية الكلاسيكية.
الاسم: محمد أبوزيد. الديوان: مدهامتان. وهي لفظة قرآنية أورد شرح معانيها من تفسير القرطبي, وأحد هذه المعاني: عميقتا الخضرة إلي درجة السواد من شدة الري, وهذا الشعر كذلك: عميق وقاتم وريان, اجتمع الشرق والغرب والموهبة علي ريه فأترعنه.
من أول كلمة يبدو مدي تأثر الشاعر بالتراث العربي الإسلامي. لكنك إذا تأملت عناوين القصائد التي أوردناها في البداية, للمست ثورة الشاعر علي تراثه وعلي كل ما هو كلاسيكي, فهو شاعر يمكن وصفه أحيانا بأنه سيريالي. ولكن لأنه شاعر كبير فهو يستعصي علي التعليب, إلا أنه من المؤكد أنه حداثي, بأوسع معاني الكلمة, فهو ليس مدرسيا في شعره, أيا كانت المدرسة, بل يخرج عن التقاليد والأعراف والمطروق في الفن طوال الوقت, فإذا كتب قصيدة خوارجية بالمعني الفني, لا يلبث أن يخرج عليها في القصيدة التالية.
لن أزيد, حتي أفسح أكبر حيز لهذا الصوت الأصيل المتفرد, المدهش في لغته وصوره, والمبدع في كل تفصيلة, حتي التذييلات(footnotes) يكتبها بإبداع!
تذييل: في القصائد الطويلة اضطررت إلي بعض المونتاج واستعضت عن السطور التي استبعدتها اضطرارا بسطر واحد من النقاط(.....................)

مختارات من الديوان
من باب ذهب محمد إلي الحقل
> ما لا أريد قوله
لم أولد وفي فمي ملعقة من ذهب
أو صفيح
لم أولد وفي فمي ملعقة من الأصل
لأنني بلا فم يا إخوتي
وما تسمعونه الآن
ليس إلا همهمات الأشجار المختبئة
من البرد والمطر
ليس إلا صراخ الظلام في حنجرتي
ليس إلا هرير القطة النائمة تحت قدمي
منذ واحد وثلاثين عاما.

مقتطفات من قصيدة أنا خائف يا أليس
1
اليوم فقدت الأخضر
وبالأمس الأزرق
لم تعد هناك سماء, ولا حقل ذرة
لا يرقات, ولا غابات أمازون
الأحمر يستلونه مني
ولا أقوي علي الذود
2
أضع يدي فوق جبهتي
وأنظر من أعلي لعمر الذي ترك يدي
وهرول بعيدا
أبحث عن ولد كان يسير هنا أمامي..
4
كل يوم
أستيقظ مبكرا لأكتب قصيدة
أمزقها في المساء.
ذات يوم,
بعد أن أنهيت أعمالي الكاملة
قررت ألا أستيقظ.
في الحلم
كانت لفائف الورق
تمشط ذراعي
بقلادة من نار
5
الآن..
وأنا أقترب من نهاية العمر
تتكاثر النظارات بلا جدوي
تتجمع في حجري كبيض فاسد محطم
تغدو الحياة مثل الذكريات
بلا ألوان تقريبا
..................
من باب: القصيدة الأخيرة

من يدل الكفيف مرة أخري علي الطريق يارب؟
هذه قصيدتي الأخيرة
بعد آخر حرف فيها سأعتزل
لم أعد أرغب في كتابة الشعر
....................
وأنتم تقرأون هذه القصيدة
سأكون ممتطيا حماري
وأنا أتناول الجبن والخبز
إلي البلاد التي بلا اسم
حين تكتب الصحف في صدر صفحتها الثالثة:
نحن ننفرد بنشر القصيدة الأخيرة لمحمد أبوزيد
وتعلن قناة الجزيرة:
عاجل: معلومات مؤكدة عن امتطاء محمد أبوزيد حماره,
وتوجهه إلي جهة غير معلومة
سأكون هناك
أتأمل الفضاء
أحني لحيتي
وأضحك
يكفيني كهف في جبل
تكفيني مزقة لبن
يكفيني بكاء أغنامي علي
تكفيني الوحدة
آآآآه
الوحدة التي تتحول إلي قصيدة مؤلمة لا تنتهي
....
الكتاب صادر عن دار شرقيات, وهو حقا من الشرقيات التي نهلت من الغرب حتي ارتوت, وكاتبه شاعر عليم بفن المعمار. تأمل قصيدته الأخيرة, واعلم أن عنوان الباب الذي يسبقها يحفر قبره ويغني, وأن القصيدة الثانية تبدأ بهذا السطر: لم أولد وفي فمي ملعقة من الذهب.
ــــــــــــــــــ

18‏/04‏/2012

"مدهامتان" لمحمد أبو زيد: صه أيها الموت


محمد العشري
"صهٍ أيها الموت./ ماذا تريد بعد أربعة دواوين مفعمة بالجثث/ برائحة البارود والجماجم الطائرة/ بالدم والسل والطاعون/ لم يعد بإمكاني تقديم قرابين أكثر،/ تعبت". هذا الكلام الفادح المعترف والمستسلم للتعب يبدأ به الشاعر المصري محمد أبو زيد ديوانه الجديد "مدهامتان" الصادر حديثاً لدى "دار شرقيات" للنشر بالقاهرة، في محاولة ثرية تضيف إلى رصيده الشعري ألقاً وتميزاً واضحين.
في كل من مجموعاته السابقة استطاع الشاعر أن ينحت عالمه الشعري الخاص، ويعبّر عنه بمفردات دالة، تتكئ على بساطة اللغة، وتحليقها المراوغ في فضاء التفاصيل اليومية المعيشة، والعودة بها إلى الذات في مراحل تكوينها الأولى وإكتشافها العالم الخارجي: "أريد أن أعود طفلا مرة أخرى/ أحب،/ ويتحطم قلبي الغض/ أحلم بالكتابة والثورة/ أعرف الفارق بين العدو والصديق/ أتخلى عن حكمة الشيوخ/ وأعود حيوانا بريا/ يجري سعيدا في الغابة".
يسقي الشاعر ساق القصائد بماء المشاغل اليومية التي تمارسها الذات، وتُراكم في داخلها خبراتها الحياتية يوماً بعد يوم. فهي ترتاد المقاهي، لتقرأ عناوين الأحداث في وجوه الناس. تشتري حاجاتها من الجمعيات التعاونية، تركب الحافلة وتسافر بعيداً، ثم لا تلبث أن تعود إلى ذاتها منسلخة من أثر الواقع: "في اليوم الأول لتركي العمل/ لم يستطع هاتفي تحمّل كم الاتصالات/ فسقط على الأرض يلهث". فواصل زمنية تشتت الذات المشردة في البحث عن أناها، وهي تسعى للإمساك بخطوط العمر، الذي يتركها ويرحل مسرعاً كقطار هارب، ويترك تلك الذات عنواناً للذكرى والأسى: "مع الأيام/ أتحول لصورة معلقة على الحائط/ لا أهش على غنمي/ ولا التراب من على حواجبي/ تتغذى ذاكرتي على النسيان/ تسقط اللقمة من فمي/ أنسى أين تركت/ عينيّ/ وانصرفت باكيا".
للقارئ أن يشاهد صور القصائد، بهياكلها المكسوة باللحم الحي، وإنسانيتها العذبة تمر في شرايينها بما يضخه محمد أبو زيد من صور وأخيلة، تمثل فواصل جوهرية في التعرف إلى الروح الإنسانية، وما يشظّيها في مجتمعها الضيق. تدرك الذات أسباب سعادتها، فتمد أصابعها وتلمس جدار الحقيقية: "لأنني أحبكم/ أريدكم أن تموتوا الآن/ أريد أن أمشي خلف جنازاتكم/ واحدا وراء الآخر/ كإله إغريقي يدفن نصفه البشري في رضا". سرعان ما تقع الذات في جب سحيق، حين تكتشف الوجه الآخر: "لا أعرف شيئا  اسمه الحب/ أعرف النصال الغائرة والخيانة/ أعرف القسوة والصدور المثقوبة/ بريح صرصر عاتية/ أعرف الرصاص الذي حوّل جثتي لمصفاة/ جثتي الملقاة أمام غابة مطفأة".
يعرف محمد أبو زيد كيف يمسك بأطراف أوجاع قديمة، ويعريها في العراء، ليصطاد منها أشياءً مهملة في تاريخ الشعر، برغم أنها نخرت في أجساد المصريين فترة من الزمن، ولا يزال الريفيون يعانون منها أو يتذكرونها بما تركته من آثار وآلام جسيمة، قضت على الكثيرين الذين كانوا يجلبون رزقهم بالخوض في الوحل والماء العكر، فأصابهم مرض البلهارسيا الفتاك: "قتلتني البلهارسيا/ فبعت في السوق ذراعي الأخرى/ ونسيت الكتابة/ توقفت عن إشعال الشموع للعذراء/ وقيام الليل/ والاحتفال بعيد الفلاح/ وأنا أعدو عائدا من المقابر".
اللافت أن هناك وجها نسائيا يَعبُر مع محمد أبو زيد دواوينه. تلك هي ميرفت عبد العزيز التي أصبحت حالة مستمرة ترتدي قصائد الشاعر، وتدلف معه من مجموعة إلى مجموعة، وها هو يترك ذاته تناجي الطيف الأنثوي العابر في حياته، والمستقر في مخيلته ولا يستطيع الفكاك منه: "سواء قرأت ميرفت عبد العزيز/ هذه القصيدة/ أم لم تقرأها/ ها أنا ذا أجدد الكتابة/ مثل عجوز يسلي وحدته/ باصطياد طائرات الأطفال الورقية".
في لمحة ذكية يطير خبرً عن روايته الوحيدة "اثر النبي" لدى الناشر نفسه، في مراوحة ما بين الشاعر والروائي. ففيما يبدو الروائي سعيداً وهو يكتب روايته، يظهر الشاعر حزيناً في الإمساك بقصائده: "العام الماضي كنت روائيا/ كنت سعيدا كبطريق/ تناول إفطاره مبكرا/ ثم لعب الكرة مع سمكتي "حنكليس" في الشارع/ الآن أنا شاعر/ والشاعر حزين بطبعه/ حزين وهو يرى الأسطر تتساقط/ تحت سواد قلمه/ مثل حفار قبور".
ــــــــــــــــــــ