24‏/01‏/2017

#ادعم_شعر

تؤمن الشاعرة المصرية عبير عبد العزيز، بقدرة الشِّعر على الشفاء، سواء للبشر أو للوطن ككل، لذا قررت أن تجعل العام الجديد 2017، عاماً للشعر، عبر مبادرة أطلقتها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حملت اسم "#ادعم_شعر"، قررت خلالها أن تنشر الشعر عبر وسائط مختلفة في كل مكان.
ربما يرى البعض أن الحديث الآن عن الشعر رفاهية، في ظل ظروف اجتماعية وسياسية واقتصادية طاحنة، فضلاً عن تفشي الأمية، لكن ما تعتقده عبير عبد العزيز، أن الشعر بإمكانه إصلاح ما أفسده الزمن والجهل والفقر، وما أفسده الشعراء أيضاً بجعل نتاجهم الأدبي مقصوراً عليهم، أو على نسبة ضئيلة للغاية من القراء.
فكرة عبير أن تصل بالشعر إلى كل الفئات المجتمعية، أن تنزله من برجه العاجي الذي لا يراه أحد، وتعيده كائناً حياً يتنفس ويمشي في الأسواق، ويتواجد في كل مكان، وهي هنا لا تستهدف فئة المثقفين، بل تود الوصول إلى طلاب المدارس، لذا قررت أن تذهب وتقدم مبادراتها للطلبة، أن تصل للعمال في المصانع، والباعة في الشوارع وركاب المترو والأتوبيسات ومرتادي المقاهي والأمهات في المنازل، أن يصبح الشعر لسان حال البقال والجزار والسباك، وهي فكرة طموحة، تحتاج إلى جهد مؤسسات كاملة، لكن عبير قررت أن تقوم بها وحدها.
ليست هذه هي المحاولة الأولى لعبير لإيصال الشعر عبر وسائط مختلفة إلى القراء، فقبل ثلاثة أعوام ـ حسبما أذكر ـ أطلقت حملة أخرى طموحة للشعر حملة اسم "ذات للشاعرات"، ضمت من خلالها عدداً كبيراً من الشاعرات المتميزات، واستطاعت أن تجول في عدد من المراكز الثقافية والمحافظات وأن تصل إلى مئات القراء والمستعمين، ولم تكتف فيها بتقديم الشعر، بل أدخلت فنوناً أخرى مع الإلقاء، مثل العرائس والموسيقى، والفن التشكيلي، والكاتريكاتير والوسائط التكنولوجية، كما قدمت قبل حوالي العام، تجربة أخرى مميزة، وهي المزج بين الشعر والأبراج في كروت بوستال.
بدأت عبير الحملة الجديدة بفكرة مبتكرة قبل بداية العام بيومين، حيث حوّلت "شجرة الميلاد" التقليدية، إلى شجرة من الشعر، علّقت عليها "طوابع شعرية" تضم مقاطع شعرية ولوحات تشكيلية، واستطاعت الشجرة بشكلها المختلف أن تجذب "القارئ العادي" الذي تسعى عبير للوصول إليه.
ولا تنحاز عبير في اختياراتها الشعرية إلى ذوق شعري معين، فهي تقدم نصوصاً من العامية والفصحى، لشعراء مصريين وعرب وأجانب، وقصائد عمودية وتفعيلة ونثر، وقصائد من التراث العربي وأخرى حديثة، وتختار نصوصاً لكبار الكتاب وشبابهم، وهكذا قدمت، في فترة وجيزة، حوالي 160 شاعراً دون انحياز لأحد، سوى للشعر وحده، بالإضافة إلى نفس العدد تقريباً من الفنانين التشكيليين، حيث تصاحب كل نص لوحة مناسبة له في الطابع.
استطاعت حملة #ادعم_شعر خلال أسبوعين أن تخلق حالة مختلفة عبر فيس بوك، وأن تحقق جزءاً من طموحها بأن تصل إلى آلاف القراء، من خلال عشرات الطوابع، وعبر نشاط مكثف في المشاركة والمتابعة والرد على القراء ودعوة الشعراء للمشاركة بنصوصهم، من خلال دور ومجهود كبير تقوم به القاصة السكندرية رانيا منسي، كما تجهز عبير عبد العزيز إلى 11 مبادرة شعرية أخرى مختلفة، بواقع مبادرة لكل شهر من شهور السنة.
ما تفعله عبير عبد العزيز، هو دور مؤسسي كبير، كان يجب على المؤسسات الثقافية الرسمية أن تقوم به، لكن عبير اختارت أن تؤديه بحب ورضا وإيمان بقوة الشعر ومكانته التي يستحقها، وربما أقل ما يمكننا فعله ككتاب وشعراء هو دعم هذا المشروع والوقوف إلى جواره، كما على وزارة الثقافة والمؤسسات الثقافية الخاصة والمكتبات الكبرى أن تدعم هذا المشروع، إن لم يكن مادياً، فمعنوياً من خلال الترويج لشعار الحملة (#ادعم_شعر) على الأقل، وهناك عشرات الأفكار البراقة لدى عبير تستحق التنفيذ من خلال الحملة، لكنها فقط تحتاج إلى دعمنا جميعاً لها.

هذا المقال هو تحية خالصة للشاعرة عبير عبد العزيز، لإيمانها بقوة الشعر، ودورها في إيصاله لكل الفئات، متحملة كل التكلفة والمنغصات، ودون أن تنتظر أي مقابل، سوى أن ترى العالم أكثر جمالاً بالشعر، وأن توصل رسالتها. هذا المقال رسالة للعالم: #ادعم_شعر.
................
نشر في صحيفة "المصري اليوم"

ديجافو

انتهى العام 2016، وبدأ العام 2017، ولا زالت الدماء العربية من سوريا إلى اليمن إلى ليبيا إلى العراق إلى مصر تتصدر المشهد، كأننا نعيش حالة من "الديجافو" التي تتكرر فيها المشاهد من عام إلى الذي يليه، وكأننا عشناها من قبل. لكن منذ متى لم تكن هذه عادتنا؟ منذ متى لم نودع عاماً ونستقبل آخر، ونحن ننعي أنفسنا، وهزائمنا التي تتزايد عاماً تلو الآخر؟
ربما تبدو الإجابة على هذا السؤال صعبة لكثرة الماسي العربية، حتى أننا لن نذكر متى بدأنا منحدر الهبوط، وبدأنا نأكل أنفسنا، بعد أن شبعنا من أكل بعضنا، وما هي النقطة التي غادرتنا فيها الحضارة، فغرقنا في القتل والدم.
في فيلم أمريكي شهير، يحمل اسم "ديجافو"، قام ببطولته دينزل واشنطن، وأخرجه توني سكوت، يقوم بطل الفيلم بالعودة إلى الماضي من خلال نفق زمني لمحاولة إنقاذ سفينة من محاولة تفجير إرهابية، وبغض النظر عن فكرة الفيلم الخيالية، لكنها تجعلنا نطرح سؤالاً ـ خيالياً أيضاً ـ حول النقطة الزمنية، التي إذا كان يمكننا ـ كعرب ـ أن نعود إليها لنغيرها، سنصبح أفضل، ما هي اللحظة التي بدأ فيها مشهد الدماء يصبح هو المشهد الوحيد الذي يراه العالم لنا؟
هل كانت البداية مع نكسة 67، حين انهار حلم عبد الناصر بالقومية العربية، وأدت إلى احتلال إسرائيل لسيناء وقطاع غزة والضفة الغربية والجولان؟ أم كانت البداية حينما قرر السادات إطلاق التيارات الإسلامية لمحاربة اليساريين والناصريين فبدأ الوحش الجهادي يتضخم ليبدأ أول أعماله باغتيال السادات نفسه، ثم تنطلق الفكرة إلى باقي العالم؟، أم كانت البداية حين قرر رؤساء العالم العربي الخلاص من الجهاديين في بلادهم بحجة دعم الإسلام، فأرسلوا مئات الشباب إلى أفغانستان لمقاتلة الاتحاد السوفيتي، فوضعوا بذور تنظيم القاعدة؟
هل كانت البداية حينما قرر رئيس عربي، لأول مرة في التاريخ، باحتلال بلد عربي مجاور، بعد أن أعماه جنون العظمة والقوة، فكانت البداية لضياع العراق، والإيذان بدخول أمريكا والغرب رسمياً إلى منطقة الخليج العربي، ولم تغادرها من يومها؟ أم كانت البداية حين قرر مجنون عربي آخر باسم الإسلام أن يستهدف برجي التجارة الأمريكيين، فيقتل ثلاثة آلاف أمريكي، ويعطي الإشارة لقتل وتشريد مئات الآلاف من العرب والمسلمين باسم الحرب والإرهاب؟
هل كانت البداية حين قفزت الجماعات الراديكالية المتشددة على انتفاضات الربيع العربي، فأطاحت بحلم الشعوب في غد أفضل؟، وهكذا مرت خمس سنوات على نزيف مستمر للدماء في سوريا، ومثلها في ليبيا، واليمن، بعد أن ضاع حلم التغيير تماماً.
أم كانت البداية أقدم قليلاً، مع وعد بلفورـ وعد من لا يملك لمن لا يستحق ـ الذي وضع بذرة الدولة اليهودية في المنطقة، أم  مع انحدار العالم العربي على يد الدولة العثمانية، في الوقت الذي كانت فيه أوروبا تنطلق إلى عصر الحضارة والازدهار، أم مع اتفاقية سايكس بيكو لاقتسام منطقة الهلال الخصيب بين فرنسا وبريطانيا لتحديد مناطق النفوذ في غرب آسيا، أم  مع نكبة 1948 وهزيمة الجيوش العربية، وبداية التغريبة الفلسطينية التي لم تنته حتى اليوم، ولا يعرف أحد متى ينتهي؟
هل من حقنا أن نقول أن البداية كانت قبل ذلك بقرون، حينما بدأ الاقتتال على الخلافة، وفتنة مقتل عثمان بن عفان، والفتنة الكبرى بين فريقي علي ومعاوية، وبداية النزوع المذهبي بين الشيعة والسنة، الذي لا زلنا ندفع ثمنه حتى الآن.
الحقيقة هي أن هناك عشرات النقاط الزمنية في تاريخنا تحتاج إلى تغيير، والتي ما إن تنتهي واحدة، حتى تنشأ أخرى أقسى وأشد، وكأنها تقول إن العيب ليس في الزمن، ولا في العدو، ولا في التاريخ، بل فينا نحن وليس في أي أحد آخر.
...................
*نشر في صحيفة "المصري اليوم"
 

18‏/01‏/2017

the lobster

 بقت والدتي لوحدهما
عندما أغرم والدي بامرأة كانت بارعة في الرياضيات
كان لديها شهادة الدراسات العليا، على ما أظن، بينما والدتي كانت مجرد خريجة
كان عمري 19 عاماً حينها
دخلت والدتي هذا الفندق لكنها لم تنجح وتحولت إلى ذئب
واكتشفت أنه تم نقلها إلى حديقة الحيوانات
كنت أتردد كثيراً هناك لرؤيتها
وأعطيها لحماً نيئاً
وكنت أعرف أن الذئب يحب اللحم النيئ
لكني لم أتمكن من معرفة أي من الذئاب هو أمي
لذا، كنت أعطي القليل منه لكل واحد منهم
في أحد الأيام قررت أن أدخل القفص
حقاً كنت أفتقدها وأردت أن أعانقها
تسلقت السور وقفزت للداخل
جميع الذئاب تجمعت وهاجمتني
في نفس وقت
الجميع ماعدا اثنين وقفا بلا حراك
أظن أن أحدهما لا بد أن يكون أمي
وصل حارس حديقة الحيوانات إليّ بسرعة وأخذني إلى المشفى
لم أفقد ساقي
فقط أعاني من هذا العرج
وتلك أيضاً إحدى علاماتي المميزة
 ..............
 من فيلم the lobster

 إخراج:  يورجوس لانثيموس

07‏/01‏/2017

محمد أبو زيد فى “سوداء وجميلة”.. قصائد برعشة الحنين

بقلم :حسام وهدان
من الألم ينطلق الإبداع.. هذا ما يأخذنا إليه شعر محمد أبو زيد فهو يخاطب أعماق الروح الإنسانية بملامسته للألم فيقترب من منطقة النبوءة والكشف عندما ينظر للحياة بعيون نسر يحلق فى السماء.
بداية يبدو عنوان الديوان وكأنه إجابة عن سؤال ما أو كإعلان عن موقفه من الحياة سمراء صفة للحسن وهو الاحمرار الذى يميل للسواد مع وجود بياض أصيل أما السواد ففيه قتامة وحزن ولو قال سوداء جميلة لكان الجمال صفة للسواد، ولكن استخدام حرف العطف أعطى سوداء قيمة أكبر فكأن السواد قيمة فى حد ذاته يضاف إليها الجمال «سوداء وجميلة». والديوان يرفع رايته فى وجه العالم صارخا معلنا جماله حتى وإن أنكره واقع زاف، إنه دعوة لتمجيد الحياة، دعوة للهجرة إلى مدينة الروح الساحرة، وإعادة رسم ملامح الإنسانية المتلاشية.
يبدأ الديوان برسالة للقارئ فى عالم تلاشى فيه كل شيء ولم يعد يبق فيه سوى القارئ والشعر فقط حيث لم يتمكن الواقع بكل قوته من إفنائهما فى عالم فنى فيه كل من فقد فى داخله بريق الحياة «مات الكهول فى الجنازات» والحياة فقدرت قدرتها على الميلاد «انفجرت الأجنة فى أيدى الأطباء» ثم يرثى لحال القارئ «ماذا ستفعل وحدك يا قارئى المسكين؟".
قسم الشاعر الديوان لأجزاء وقد بدا التقسيم وكأنه شهادة الشاعر على الحياة، أو كأنه يكتبه بعد هدوء أعاصيرها داخله. فالقصائد تشهد على العالم والحياة دون أن تتورط فى حماقاتها. بدأ الديوان بالهوامش والهوامش فى اللغة هى حاشية الكتاب للتعليق ما جاء فى المتن وإيضاحه وكأنه يمهد نفسية القارئ لتلقى المتن ويشير إلى أننا فى فوضى هذا العالم لا يمكننا استكشاف أنفسنا والآخرين بشكل مباشر، كل شىء يلفه الضباب وكأن الشاعر يمنح لقارئه أجنحة يحلق بها عاليه ليتعرف على عالمه الشعرى وتخيله وفهمه وكأنه يستكشف مدينة ما من نافذة طائرة قبل الهبوط عليها مما يثير غريزته للفهم والتأمل ويبدو الديوان وكأنه صفحة أخرى من كتاب نبوءة يحمله الشاعر إلى قارئه ويقر الشاعر بداية أن هذا العالم يحمل داخله عوامل انهياره وفنائه وأن عدم فنائه للآن ليس لقوة فيه ولكنه يرجع ذلك لأسباب تحمل سخرية من الحياة «كتعطل المنبه/ أنتم تعرفون البضائع الصينية الرخيصة» وربما لعجزه حتى عن ادراك نهايته «ربما توقف قليلا فى الطريق ليريح قدميه من آلام الروماتيزم» وربما أيضا لوجود بقايا انسانية داخله «يلقى لقمة يابسة فى جيبه لقطة تأملها شاردا» أو «دندن مع عبد الوهاب فنسى نفسه» ولكن مهما كانت الأسباب فهى غير قادرة على إنقاذه من مصير يستحقه فالعالم نفسه يأس من ذاته وصار عاجزا عن مواصلة الحياة بل صارت سعادته الوحيده هى فناؤه «ثم يدفع كرسيه المتحرك إلى الأمام بأقصى طاقة مبتسما فى سعادة»، «قصيدة دروس ضرورية لاحترام الوقت» وفى جزء الهوامش يحدد لنا الشاعر ملامح انسانة كما يتخيله فما زال قادرا على الاحلام «كيف يجرؤ أحمق مثلى/ أن يترك الباب مفتوحا هكذا/ وقلبه مربوط فى رجل الكنبة» ويؤمن تماما أن الجمال فى الجوهر وأن ظاهر الحياة لا يستدل به على قيمتها أبدا فيقول مخاطبا سكارليت جوهانسون رمز الأنوثة والجمال «صدقينى كل شىء سينتهى/ جمالك هذا سيذوى/ ستصبحين عجوزا/ تسكنين قرية مهجورة» كل شىء سيفقد حرارة الروح ولن يكون هناك مكان لرعشة الحنين والشعر وستطغى قوانين المادة حتى على الشعر «دعه يعمل/ دعه يمر» ويقول «لن تكون هناك مشاعر/ ولا حكايات» إنسان فى مواجهة أعاصير الحياة امتلك الحلم «كان يمكن أن أمد قدمى فألمس الماء/ كان يمكن أن أمد ذراعى فتصافح السحاب/ كان يمكن..» ولكن للأسف كل شىء يذوى وعاد مهزوما من ملكوت الأحلام «لكننى هنا الآن/ حيث لا شىء/ سوى طنين الصحراء فى الخارج» الانسان اللاهى عن مصيره من الازل للأبد «أشخاص يشربون الشاى ساخنا/ وهم يتطلعون إلى النافورة» وعندما أعاد كتابة القصيدة بعد عشرين عاما «كان الناس يصوبون كاميرات هواتفهم كالبنادق/ وهم يتبادلون النظرات/ فى انتظار وصول الجثث» هو الانسان اللاهى المغيب عن مصيره منذ القدم ويؤمن الشاعر أن ما مضى لا يستحق ولا يمكن أبدا أن يستمر «فلا شىء يستحق أن يدخل التاريخ/ لا الدمار ولا القتلة ولا تحيات الملوك» ويؤمن أن الخلود يكمن دوما فى التفاصيل البسيطة ولكنها تحمل النقاء والبراءة وفتنة البكارة «ليس إلا قطعة شوكولاتة/ متروكة فوق باب سيارة/ سر فى قصيدة لا يعرفه سوى اثنين/ دقات الثانية صباحا/ وشوارع المدينة خالية/ إلا منى/ كأن من فيها/ أكلتهم الحرب» وهو يرثى للأزمنة القديمة حين كانت تقودها الاحلام «فتاة تدلى شعرها ليصعد العشاق» ويبكى لزماننا الأجوف «لم يعد بإمكاننا سوى أن ندمع ونقول «حكايات رخيصة» ويتملكه الاحساس بالضياع اللانهائى فى فراغ لا محدود يلتهم الكل ويصبح الرابط الوحيد لهؤلاء الغرباء الذين التقوا صدفة عابرة فى إشارة مرور هو الغربة وهو ينظر إليهم من وراء حجاب فلا سبيل أصلا لتواصل بشرى حقيقى «فى إشارة المرور أنظر من خلف الزجاج إلى سائق صينى فى سيارة مجاورة/ فيدير وجهه إلى سائق هندى/ يدير وجهه إلى باكستانى/ يدير وجهه إلى الفراغ../ الفراغ الذى يلهمنا جميعا» ونأتى للجزء الثانى وهو «كتاب الإنسان.. الذنوب الكاملة» وكأنه يتأمل مسيرة الإنسان فى الحياه بعد انتهاء أعاصيرها وصراعاتها وهو لا يريد منها سوى إطلالة عليها وحيدا هادئا بعيدا عن حماقاتها«يكفينى من الحياة شرفة/ أشرب فيها الشاى على كرسى هزاز» ويقول «شرفة معلقة فى الهواء/ مثل طائرة صغيرة بدون طيار/ أطل منها على الناس فى الشارع» والحياة سوى ذلك لا تملك ما تمنحها له «أدلى السلة إلى بائع/ لا يبيع شيئا» والخوف من المصير وبما يدفعنا للتفكير فيه رحيل من نحب «أرمق الأفق الذى يقف خلف البحر/ كأننا رجلين فى حلبة مصارعة/ ينتظر كل منا أن يبدأ الآخر» وتتجسد مأساة الحياة الحقيقية حين ندرك عبث كل ما عشناه وبعد أن يمر العمر ندرك الحقيقة وأن ما اعتقدنا أنه سيكون زاد أيامنا القادمة هو ما سيقتلنا «تتراكم الأشياء/ تنمو وأتضاءل/ تسد باب الحجرة/ تتجمع حولى/ فى يد كل منها سكين» وبعد أن خاض معارك الحياة بكل ما فيها من سخرية وبعد أن ضاع العمر فى معارك الهياء أدرك الحقيقة «اشتريت العتبة وبرج إيفل/ ركبت الحمار باتجاه القمر/ خسرت معاركى مع الذباب»، «وفى النهاية عرفت أننى/ لست إلا بالونا فارغا/ يهوى من أعلى إلى أسفل» الحياة تفقدنا أجمل ما نمتلك وبفقد الطفل الساكن كل منا أن يعيد لنا اكتمالنا وبراءتنا «يركب طفلى جسدى/ لكنه أبدا ملا يعثر على القطعة الناقصة» وفى الجزء المعنون «كتاب الحيوان» قصيدة متصلة تشبه بكائية حزينة للذات لإنسان لم تهزمه الحياة ولكنها هى الحياة من لا تستطيع أبدا أن تستوعب براءته وجسارة قلبه على أن يحلم هى الحياة من تعجز على السمو لقمته العالية وهو الحياة من تبدو ضئيلة أمام قمته العالية.
.....................
نشر في جريدة القاهرة



02‏/01‏/2017

عن تراجع الشعر المصري والجوائز وقصيدة النثر

ثمة إقرار بسيط، يجب أن يفكر فيه المهتمون بالشعر في مصر، إذا أردنا أن نتجاوز عدداً من الإشكاليات التي تجاوزها العالم من زمن لكننا لا زلنا عالقين فيها، مثل الاعتراف بـ"شرعية" قصيدة النثر. الإقرار، هو أن حضور الشعرية المصرية المعاصرة أقل من حضور الشعرية في دول المغرب العربي، ولبنان والشام، وحتى بعض دول الخليج.
قد يكون هذا الإقرار صادماً لكثير من الشعراء المصريين، وقد يرد بعض المنحازين لفكرة "الريادة"، بالدور الذي لعبته مدرسة البعث والإحياء في الشعر العربي الحديث، والدور الذي قام به البارودي من تطوير للقصيدة العربية، أو قد يُذَكّر البعض بدور الشعراء المصريين في تطوير الشعر في بدايات القرن الماضي، ويستشهد بما قدمته مدرستي أبوللو والديوان، أو بأن "إمارة الشعر" كانت لشاعر مصري هو أحمد شوقي، لكن الحقيقة هي أن أزمة الشعر المصري بدأت بعد ذلك.
وبعيداً عن الصراع التاريخي حول نشأة قصيدة التفعيلة، وهل بدأت على يد العراقية نازك الملائكة، أم المصري محمود حسن إسماعيل، فقد كانت تلك اللحظة هي المحك الحقيقي للشاعرية المصرية، ففي حين توقف الشعراء المصريون عند هذه اللحظة لسنوات طويلة، سارع الشعراء في لبنان وسوريا إلى تجاوز هذه التجربة إلى تطور آخر هو "قصيدة النثر"، وبرزت ملامحها مع العدد الأول من مجلة "شعر" اللبنانية، مع أسماء محمد الماغوط، وأدونيس، وخليل حاوي، وأنسي الحاج، وشوقي أبو شقرا وخالدة سعيد، وغيرهم.
وفي الوقت الذي كانت تتطور فيه قصيدة النثر في الشام، وفي المغرب العربي الذي عرف قصيدة النثر مبكراً مع شعراء فرنسيين رواد لها مثل شارل بودلير ورامبو وملاراميه، غرقت مصر في قصيدة التفعيلة، التي شهدت انتكاسة عقب هزيمة يونيو 67، دفع ثمنها جيل السبعينيات شعراً، فغرقت القصائد في الغموض والتقوقع على الذات والإغلاق.
ربما لم تعرف مصر قصيدة النثر بشكل صحيح إلا مع جيل الثمانينات، الذي أسس لها مصرياً، ودفع ثمن ذلك بالتجاهل، ثم جاء جيل التسعينات ليعطيها الدفعة القوية، لتنطلق بعد ذلك.
تأخرت مصر ثلاثة عقود عن قصيدة النثر العربية، ويمكن أن نضيف إليهم عقدين آخرين من عصر مبارك، سقطت الثقافة فيها في فخ المؤسسة، فبدا شعراء قصيدة النثر متمردون خارجون عن السياق، مستبعدون من أية فعالية رسمية بشكل عام، فضلاً عن سبب آخر هو أنه في حين كانت بلاد المغرب العربي تمتح من الثقافة الفرنسية، وبلاد الشام تأخذ عن الثقافة الإنجليزية، شهدت الثقافة المصرية حالة من الانغلاق، حتى عن نظيرتها العربية، وبعد أن كانت مصر في الستينيات تصدر الثقافة، توقف الأمر تماماً، فتقدم الآخرون خطوات وظلت الثقافة المصرية ـ عموماً ـ مكانها.
لا ينفصل ما حدث في "ملتقى الشعر العربي" الأخير، الذي عقد بالمجلس الأعلى للثقافة، وموجة الاعتذارات عن الحضور، والصراع حول شرعية قصيدة النثر ـ بعد أكثر من 60 عاماً من كتابتها عربياً، عن ذلك. فالصراع ما زال قائماً، وتتضح معالمه في المعارك التي نسمع عنها في لجان المجلس الأعلى للثقافة. كما لا ينفصل عن عدم وجود جوائز مصرية لقصيدة النثرـ اللهم إلا جائزة أسامة الدناصوري، التي أطلقها أصدقاء الشاعر الراحل العام الماضي ـ سواء كانت جوائز من مؤسسة رسمية أو غير رسمية.

لكن رغم "التأخر النسبي" مصرياً، في قصيدة النثر ـ وهو ما قاله شعراء عرب كثيرون بالمناسبة ـ إلا أن هناك انطلاقة شعرية لافتة للانتباه، بدأت مع الانتشار الواسع لمواقع التواصل الاجتماعي، وعودة التقارب الثقافي العربي ـ فيسبوكياً على الأقل ـ وأنتجت عدداً كبيراً من شعراء النثر المصريين الشباب، الذين صاروا بفضل التكنولوجيا يقرؤون نظراءهم العرب في الدول الأخرى، ويعيدون قراءة ما كتب وترجم على مدار السنوات الماضية، وربما يكون بإمكان هذا الجيل إجبار المؤسسة ولجانها على إعادة قراءة ما يحدث ويثور ويتفاعل خلف جدرانها.
...............

31‏/12‏/2016

الموت العادي

لم يعد حديث الموت يثير الشفقة ولا التوقف ولا الدهشة. لم تعد صور الجثث التي تطل من كل مكان، عبر أوراق الصحف وشاشات التلفزيون ومواقع التواصل الاجتماعي، تستدعي حتى وقوفاً لتأمل ما يحدث. تجاوزنا مرحلة أخبار الموت، إلى صور جثث الموتى، ثم تجاوزنا كل ذلك إلى أشلاء الضحايا، ننظر إليها بقلب ميت، ثم نقلب الصفحة، أو القناة، أو الموقع، دون أن يرف لنا جفن، أو يثير الأمر امتعاضاً.
حين قتل داعش قبل حوالي العامين الطيار الأردني معاذ الكساسبة حرقاً، في مشهد رآه الجميع، قامت الدنيا، كرر داعش المشهد مع آخرين حتى أصبح عادياً، فتجاوزه لما هو أبشع في إطار حربه النفسية. قبل أسابيع ذبح "تنظيم بيت المقدس" في سيناء شيخاً طاعناً في السن كاد يلامس المائة عام، هو الشيخ سليمان أبو حراز فلم يحرّك الخبر أحداً أوشيء. قدم الجهاديون أبشع ما لديهم من انحرافات نفسية، من حرق وذبح وسلخ وتقطيع أطراف ودفن ورجم وإغراق وسحل وخنق وتفجير الرؤوس وقطعها وإلقاء من علٍ ومشاركة أطفال في القتل، وفي المقابل لم يعد كل ذلك صادماً ولا مستهجناً ولا مثيراً حتى لمصمصة الشفاه.
لم تعد صناعة الموت هي مهنة التكفيريين فقط، ولم تعد نشر عمليات القتل كاملة للترويع مهمة الدواعش وحدهم، بل هي ملعب الإعلام، وهكذا تتنقل من لحظة مقتل السفير الروسي في تركيا من زوايا مختلفة، إلى جهادي مجنون يقنع طفلته بتفجير نفسها، إلى مذيع يعرض أشلاء جثة انتحاري، بقايا الرأس والقدمين، ولا حديث هنا عما تعلمناه في أدبيات الصحافة من حرمة نشر صور الموتى، فالكل يتسابق للوصول إلى الأبشع، أبشع مما وصل إليه غيره في سباق الجنون والشهرة، وفي المقابل تبلد الجمهور، فلم يعد يشعر بأي شيء حيال ذلك، لم يعد يتابع، لم يعد يهتم.
أصبح الحديث عن الموت عادياً، حتى أصبح البشع مكروراً، والمثير للاستهجان لا طعم له. خبر مذبحة رفح الأولى ثم الثانية أقام الدنيا ولم يقعدها، لكن للأسف غدا استهداف الجنود في سيناء متكرراً، ففقد الكثيرون حماستهم للمتابعة، فأصبح الغريب المثير للاستياء عادياً، مثله مثل أي خبر آخر عن انفجار قنبلة هنا، أو تفجير إرهابي هناك.
قبل سنوات استطاعت صورة الطفل الفلسطيني محمد الدرة أن تحرك العالم، وأن تخرج لأجلها المظاهرات، لكن كم صورة أشد بشاعة من صورة الدرة صرنا نراها الآن، ربما نندد ونشجب عندما نرى صورة الطفل إيلان الكردي، وربما نشعر بالغضب لصورة الطفل السوري عمران، لكننا أصبحنا نريد ما هو أقسى حتى نتحرك في المرة التالية، حتى تتحرك إنسانيتنا، حتى تتحرك أصابعنا لتغير صورة "البروفايل" على فيس بوك أو تويتر، فهذا أقصى ما يمكننا فعله.
اعتدنا الموت، صار طعاماً يومياً، تماماً مثل اعتيادك حوادث السيارات التي تراها يوماً في طريقك إلى العمل، تتحول إلى أمر عبثي من كثرة تكرارها، لا يثير حتى التساؤل عن سببها أو الحوقلة أو بعث القشعريرة في الجسد.
لم يعد لدينا للموت قدسية، بعد أن أصبح حدثاً عابراً بلا سبب في كثير من الأحيان، تأمل الأخبار عن تفجير العزاءات في العراق لتدرك مدى العبث، شخص راح يعزي آخر فمات في تفجير إرهابي. تبلّدنا. فقدنا إنسانيتنا. ما تت مشاعرنا وضمائرنا، مع اعتياد صور الموتى، وتكريس نشر ألبومات الجثث، والاختلاف السفسطائي حول هل هم قتلى أم ضحايا أم شهداء، حتى "التعاطف الانتقائي" خسرناه مع كل هذا الموت المجاني.

أصبح الموت رقماً عابراً، قد يدفع أحياناً للتعاطف إذا زاد، لكن مع الوقت تحول "التعاطف" إلى وحش كريه، يحتاج إلى رقم أكبر كل مرة من المرة السابقة حتى يخرج، ويصبح صادقاً، ويحرّك جزءاً من الإنسانية التي تموت فينا كل يوم ببطء.
..........

"الفرقة الانتحارية".. أشرار ينقذون العالم

وصل الصراع بين شركتي مارفل ودي سي كوميكس، اللتين تقدمان أفلاماً عن الأبطال الخارقين مأخوذة من قصص الكوميكس إلى قمته هذا العام، حيث حشدت كل واحدة منهما جميع أبطالها في فيلم أو أكثر، وهو ما رأيناه في فيلمي "كابتن أمريكا: الحرب الأهلية"، و"الفرقة الانتحارية".
حشدت مارفل في كابتن أمريكا جميع نجوم "ذا أفنجرز"، مع نجوم جدد، وحقق نجاحاً كبيراً، في حين قدمت دي سي كوميكس مجموعة جديدة من النجوم في "الفرقة الانتحارية Suicide Squad"، بعضهم ظهر قبلاً مثل "الجوكر" والذي قدمه هذه المرة الحائز على جائزة الأوسكار العام قبل الماضي جاريد ليتو، وبعضهم تقدمه لأول مرة مثل ويل سميث الذي يقوم بدور ديد شوت، ومارجريت روبي التي قدمت دور المجنونة هارلي كوين وكارا ديلفينجين التي قدمت دور الساحرة، وجويل كينمان في دور ريك فلاج،  وفيولا ديفيس في دور أماندا والر، وجاي كورتني في دور كابتن بوميرانغ، وجاي هيرنانديز في دور رجل النيران إل ديابلو، وأديوالي أكينوي أجباجي في دور رجل الزواحف الضخم كيلر كروك، فضلاً عن ظهور سريع لباتمان.
حقق الفيلم إيرادات ضخمة، لكنه فشل في الوقت ذاته في أن يحوز على إعجاب النقاد، وربما يكشف هذا جزءاً من سر صنعة "مارفل"، التي تقدم أفلام خارقين لكنها مصبوغة بطابع إنساني، وهو ما كان سبباً في نجاح أفلام كابتن أمريكا، وهو ما قدمته دي سي كوميكس أيضاً من قبل في ثلاثية باتمان التي أخرجها كريستوفر نولان، لكن الذي صنع الفارق بالتأكيد هو نولان نفسه وليس أحداً آخر.

فيلم "الفرقة الانتحارية" يتحدث عن محاولة لتجنيد مجموعة من أكثر المجرمين شراَ على وجه الأرض، والمحبوسين لخطرهم على البشرية، لصنع فرقة انتحارية تواجه أحد الوحوش التي تسعى لتدمير كوكب الأرض، مقابل تقصير فترة سجنهم، وبغض النظر عن الفكرة الهزلية الخاصة بمحاولة تدمير أو السيطرة على الأرض، فنحن إزاء فكرة براقة، وهي كيف تصنع من الأشرار أبطالاً يواجهون شريراً آخر، وكيف يمكن تحويلهم من قتلة إلى مدافعين عن العدالة.
ربما بسبب كثرة الشخصيات التي يقدمها الفيلم، لم يتمكن المخرج  ديفيد آير من رسم الشخصيات بعمق أو بنائها أو تطويرها، بل قدم لمحات بسيطة عن كل شخصية، كما يحدث في كتاب رسوم مصورة للمراهقين، وربما يبدو الوحيد الذي حاز ببعض الإنسانية هو ويل سميث، والتي تبدو متناقضة في كثير من الأحيان، ويبدو الفيلم غاية في الضعف إذا قارناه بتجمع لأبطال "مارفل" في فيلم "المنتقمون ـ أفنجرز" بجزئيه.
يبدو الفيلم عادياً، على الرغم من الفكرة البراقة، ويبدو في بعض الأحيان سطحياً وهشاً، ويصل لقمة هشاشته في المعركة الأخيرة بين الساحرة وشقيقها والفرقة الانتحارية، حيث ينتهي كل شيء ببساطة، مع أن المشاهد يتوقع معارك أكثر قوة وشراسة، من أجل الوصول لهذه الفينالة.
لكن على الرغم من ذلك، قدمت مارجوت روبي أداء مميزاً في دور هارلي كوين، بمرحها، وجنونها، ونظرة عنييها التي يطل منهما الجنون وعدم التوقع على الدوام، كما قدم ويل سميث أداء متميزاً في حدود الشخصية التي يقدمها، ومع ذلك فلم يقدم جاريد ليتو جديداً في دور الجوكر، خاصة إذا قارناه بالأداء المبهر لهيث ليدجر في ثلاثية الجوكر مع كريستوفر نولان، والتي استحق عنها جائزة الأوسكار بعد وفاته، وربما يعود السبب إلى ذلك أيضاً أن دور الجوكر بدا مقحماً في معظم الأحداث، خاصة أنه ليس عضوا في الفرقة الانتحارية.
الفيلم يبدو وجبة لطيفة كوميدية في بعض الأحيان على غرار فيلم "ديد بول"، مع الموسيقى الصاخبة المصاحبة وجنون هارلي كوين، ولا يمكن الحكم عليه أبعد من ذلك، بل يبدو على الأكثر مثل قراءة قصة مصورة خفيفة، فشل الفيلم أن يمنح شخصياتها قبلة الحياة ويجعلها من لحم ودم، فظلت كرتونية باهتة، تتجاوزها بمجرد انتهائها ولا تتذكر سوى وقت ممتع في مشاهدتها، لكن لا تذكر أي شيء كان ممتعاً بالضبط.


19‏/12‏/2016

مليون "شفيق" بينكم

ما الذي يدفع شاباً ـ في الثانية والعشرين من عمره ـ لأن يفجّر نفسه، فيقتل نفسه وغيره؟ مع أنه من المفترض أن شاباً في سنه يكون في بداية حياته العملية، أنهى دراسته، وخدمته العسكرية، مرتبط عاطفياً ويفكر في الزاوج، يفكر في مستقبله العملي والمهني، فما الذي يجعله يترك كل هذا ويتحول إلى قنبلة موقوتة؟
إذا نظرنا إلى الصور الواردة من داخل بيت الإرهابي محمود شفيق الذي فجّر نفسه وسط المصلين في الكنيسة البطرسية، إذا تأملنا صور قريته التي نشأ فيها، وإذا تتبعنا في ذات الوقت سيرة حياته القصيرة، يمكن أن نصل إلى إجابة بمثابة جرس إنذار.
نشأ شفيق، كما تدل الصور، في بيئة شديدة الفقر ، يعاني منها عدد كبير من سكان مصر، ولا سيما الصعيد، في بيت متزمن دينياً، يشاهد قنوات دينية تُكفّر الآخر، درس في فصل عدد الطلاب فيه يزيد عن 100 طالب، فلم يتعلم شيئاً، لم يجد أمامه أفقاً، لم يجد ما يصنع داخله طموحاً، لم يجد شيئاً يفعله بعد انتهاء المدرسة، فلا ملاعب ولا نوادي، شعر بالنقمة على المجتمع الذي لا يحقق له شيئاً، اجتذبه الملتحون، فتغيرت حياته تماماً، بعد أن وجد شيئاً يدفن فيه طاقته، حدثوه عن الجنة والنار، والمسلمين والكفار، فانتقم من الآخرين بتكفيرهم، وبدلاً من أن يفكر في الزاوج فكر في الحوار العين.
بعد ثورة يناير، انضم إلى أنصار حازم أبو إسماعيل، يحلم بالرجل الذي يسمع دروسه في القنوات الفضائية رئيساً يعيد مجد الإسلام، حارب من أجل شيخه، خرج في مظاهرات، علق لافتات ووزّع منشورات، وبعد أن خرج أبو إسماعيل من السباق، انضم إلى الإخوان وحمل رايتهم. شعر معهم أنه مجاهد في سبيل الله، يستطيع أن  يعيد دولة الخلافة، فلم يصدق كل ما يقال عنهم في الإعلام. ولما سقط حكم الإخوان، انضم إلى المظاهرات التي تطالب بعودة مرسي، وبحسب الأوراق الرسمية فقد ألقي القبض عليه عام 2014 في قضية سلاح ومولوتوف، دخل السجن، وهناك رأى ما رأى  وسمع ما سمع، وبدلاً من أن يخرج من السجن مواطناً صالحاً، خرج وقد تم غسل مخه تماماً من جماعات التكفير بالداخل، سافر السودان وسيناء وتدرب هناك، وكره مجتمعه أكثر، وهكذا نضجت القنبلة البشرية، حتى انفجرت أخيراً في الكنيسة البطرسية.
رحلة حياة شفيق القصيرة، ربما تتشابه مع رحلة آلاف الشباب في مصر، فهناك ملايين يعانون من الفقر، وهناك مثلهم يعانون من مستوى الإعلام المتردي، وهناك مثلهم من يذهبون إلى المسجد الذي يُكفّر فيه الإمام الجميع، وهناك الآلاف الذين ينضمون للجماعات السلفية والجهادية، وهناك الآلاف الذين يدخلون السجن ويتم غسل أدمغتهم بالداخل ليخرجوا أشد تشدداً، وهو ما يعني أن هناك مليون "شفيق"، ومليون "قنبلة بشرية موقوتة" جاهزة للانفجار، قد تكون بجوارك في الحافلة أو في المقهى أو في الشارع، وأنت لا تعرف.
قد يقول البعض إن الفقر ليس دافعاً للإرهاب، فأسامة بن لادن كان مليونيراً، هذا صحيح، لكن الفقر الشديد ورفع الدولة يدها عن المواطنين يدفع للإرهاب والكفر بالوطن، وقد يقول قائل إن الجهل ليس دافعاً للإرهاب فأيمن الظواهري طبيب، وعدد كبير من كوادر الإخوان أطباء ومهندسون، هذا صحيح أيضاً، لكن الجهل يترك "العقل" فارغاً، لكي تملأه أي ترهات يقولها شخص يدعي أنه يتحدث باسم الله.
عندما نتحدث عن جريمة نظام مبارك في حق مصر على مدار ثلاثين عاماً ـ بعيداً عن الفساد المالي والسياسي ـ فنحن نتحدث عن هذا التجريف في العقول، عن تسليم التعليم لجماعات متطرفة، عن تسليم المساجد للسلفيين، عن الأفكار الوهابية التي انتشرت ولا زالت.

محمود شفيق إرهابي، وهناك مليون شفيق آخر، مستعدون للانفجار، يمكنك أن تجدهم ببساطة في التعليقات حولك على وسائل التواصل الاجتماعي، أولئك الذين هللوا للانفجار لأنه وقع داخل كنيسة، أولئك الذين يدعمون داعش لأنهم يرونه يعبر عن الإسلام، أولئك الذين يكفّرون غيرهم ويكرهون كل ما له علاقة بمعنى "الوطن".
....................

14‏/12‏/2016

بين كلوفرفيلد و10 ممر كلوفرفيلد

يحمل فيلما الإثارة "كلوفرفيلد" (2008)، و10 ممر كلوفرفيلد (2016)، أكثر من سمة تشير إلى أن الثاني هو مجرد تكلمة للجزء الأول، ففضلاً عن اسمي الفيلمين الموحيين بذلك، وكونهما من إنتاج جيجي أبرام، الذي كان حاضراً خلال العرض العالمي الأول للفيلم الجديد في نيويورك، فنحن إزاء إعلان رسمي من منتجي الفليمين بذلك، لكن هل هما بالفعل جزءين، خاصة أن قصة كل منهما تختلف عن الأخرى، فضلاً عن أن فريق كل واحد منهما يختلف عن الآخر؟
في الفيلم الأول "كلوفرفيلد" يعتمد المخرج تقنية التصوير بكاميرا محمولة، مضمنة في أحداث الفيلم، الذي يحكي عن حفلة لوداع روبرت الذي سيسافر إلى اليابان للعمل، ثم يقع انفجار كبير، فيهرولون إلى الشارع، حيث تسقط أمامهم رأس تمثال الحرية ـ اللقطة الأبرز في الفيلم وفي الملصق الدعائي له ـ ليفاجئوا بوحش ضخم يهاجم المدينة، ثم يحاولون العودة بعد ذلك لإنقاذ صديقتهم، فتهاجمهم الوحوش الصغيرة، قبل أن ينقذهم الجيش الأمريكي، وينتهي الفيلم بوفاة جميع أبطاله، بعد أن وثقوا حكايتهم عبر كاميرا صغيرة.

في الفيلم الثاني، نحن إزاء قصة أبطالها ثلاثة أشخاص فقط، في البداية نحن أمام ميشيل(ماري إليزابيث وينستد) التي تترك منزلها، بعد أن اختلفت مع زوجها، وفي الطريق تنقلب بها السيارة، وتستيقظ لتجد نفسها محتجزة في قبو، ويخبرها هوارد (جون غودمان) الذي يحتجزهاأن العالم تعرض لهجوم من روسيا أو من الفضاء، وأن الهواء ملوث بالخارج،  وأنه استعد لذلك بتجهيز هذا القبو، وأنه لا يمكنها الخروج. فيتسرب إليها ـوإلى المشاهدـ إحساس أنه خطفها خاصة أن تصرفاته مريبة لدرجة تدفعه لإذابة شريكهما الثالث في حمض الكبريتيك المركز، فتحاول الهرب، ليكتشف المشاهد الحقيقة وهي أن هناك هجوم حقيقي من وحش ضخم، يقلب الثلث الأخير من الفيلم الموازين، فمن ناحية يبدو وكأنه جزء من فيلم آخر، بمعنى أنط لو تم مشاهدته بشكل منفصل، لن تشعر بأنه يمت لهذا الفيلم بصلة، ومن ناحية أخرى يغير وجهة النظر السائدة طوال الفيلم بأنها تعرضت لحادث اختطاف، وينتهي الفيلم، بدعوة عبر المذياع للمشاركة في الإنقاذ فتتوجه إلى هناك، في إشارة إلى وجود جزء ثالث للفيلم، وهو ما سربته بعض المصادر الإعلامية بأن هناك اتجاهاً لإنتاج جزء ثالث من الفيلم.
أسلوب السرد في الفيلمين مختلفين تماماً، في الفيلم الأول، نحن إزاء قصة سرد من زاوية واحدة، وهي ما ترصده الكاميرا المحمولة التي تركها أبطال الفيلم خلفهم قبل أن يموتوا، وسجلوا عليها شهادتهم، أما في الفيلم الثاني فنحن إزاء الطريقة العادية لأفلام الإثارة والرعب، والتي تجعل المشاهد لا يعرف هل يتعاطف مع "الخاطف" أم لا، وهل كان محقاً أم لا، وهي تيمة معروفة في كثير من أفلام الرعب مثل "الآخرون"، و"الحاسة السادسة"، وغيرهما.

قدم الفيلمان أداء إخراجيا مميزاً، ففي الفيلم الأول، يجبر المخرج المشاهد أن يتابعه عبر الكاميرا المحمولة، وهو ما يسميه البعض "سينما اللقطات المكتشفة" (Found Footage) أو لقطات تم العثور عليها، حيث يقدم كل شيء في الفيلم من خلال ما رآه حامل الكاميرا فقط التي تم العثور عليها، وهو الأمر الذي يحتاج جهداً كبيراً، أما في الفيلم الثاني فقد استطاع المخرج أن يقدم فيلماً بثلاثة أبطال فقط، يدور معظمه في غرفة مغلقة، ورغم ذلك لم يتسلل إحساس الملل إلى المشاهد، خاصة مع المجهود التمثيلي الكبير الذي بذله أبطال الفيلم الثلاثة.

نحن إذن أمام قصتين مختلفتين تماماً، في السرد، وطريقة الإخراج، وأبطال العمل، لكن يشترك بيهما فقط "الوحش" الذي هاجم المدينة، وهو أمر مكرور في عدد كبير من الأفلام ـ غودزيلا على سبيل المثال ـ مع ملاحظة اختلاف شكل الوحش في الفيلمين، وهو ما يعني أنه في حال اعتبرنا الفيلمين جزءين متتالين، فهو يعني أنهما قصتين تدوران بالتوازي، وهو ما يطرح سؤالاً حول ما يتردد عن وجود جزء ثالث لهما، هل ستكمله بطلة الفيلم الثالث ماري إليزابيث، الناجية الوحيدة من الفيلم الأول والثاني، أم تكون قصة ثالثة موازية لهما؟.

09‏/12‏/2016

تارانتينو مخرجاً للعالم

يقف المخرج الأمريكي الكبير كوينتن تارانتينو، على الجهة الأخرى من، الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب، فلدى كل منهما وجهة نظر مختلفة عن الرجل الأبيض.
خصص تارانتينو فيلميه الأخيرين "جانجو طليقاً" و"الكريهون الثمانية"، واللذين يعود فيهما إلى التاريخ الأمريكي حالك السواد، للحديث عن عنصرية الرجل الأبيض، وفضحها أيضاً، ففي الفيلم الأول نحن إزاء قصة تحرير عبد، يتكشف خلالها كل ما كان يمارسه الرجل الأبيض من عنصرية بغيضة، فيما يأتي الفيلم الثاني على خلفية الحرب الأهلية الأمريكية حيث تسمع كلمة "زنجي" عشرات المرات، ليعيد في الفيلمين تقديم التاريخ الأمريكي بأفلام تنتمي إلى أفلام "الويسترن" التقليدية، ولكن من زاوية قراءة مختلفة، وفي حوار معه بعد فيلمه "جانجو طليقاً"، قال تارانتينو "كونك أمريكيًّا تصنع فيلماً عن ماضي أمريكا يمكن أن يكون قاسياً، لأن مِن أكبر التحديات التي تواجهنا في صناعة هذه الأفلام هي حقيقة أنه لا يوجد الكثير من هذه الأفلام".
في المقابل يصل ترامب رئيساً لأمريكاً على صهوة خطاب عنصري، يُمجّد الرجل الأبيض، الأمريكي الجديد، سيد العالم ويعادي دولاً مجاورة له، مهدداً ببناء سور حول دولته، لمنع المكسيكيين من دخولها، وربما يبدو هذا الخطاب جديراً بأن يكون أحد حوارات أفلام تارانتينو عن عنصرية الرجل الأبيض وهيمنته ورؤيته لقوته، مجرد خطاب هزلي، تتناثر حوله الدماء والعنف، في سرد غير خطي، ليتكشف مصير العالم. يقول تارانتينو في حوار معه "أحب ان يتحدث الناس عن العنصرية المؤسسية الموجودة، والتى تم تجاهلها. أشعر كما لو أنها لحظة أخرى من فترة الستينيات، حيث كان على الناس أن يروا مدى قبحهم قبل تغير الأمور".
أمريكا بين تارانتينو وترامب تبدو مختلفة تماماً، فكل منهما يرى بلاده من زاويته، أحدهما يراها من القمة، والآخر يراها من القاع، فبعد مظاهرة شارك فيها العام الماضي ضد عنف الشرطة، قال كوينتن: "أنا أتذكر كيف تعاملت معي الشرطة عندما كنت فقيراً، وأنا أعرف كيف تعاملوا معي خلال العشرين عاماً الماضية، لم يكن التعامل بنفس الطريقة".
ورغم هذا، يبدو تارانتينو مثالاً جيداً للأمريكي، ففي فيلمه "بالب فيكشن"، تأمل مثلاً هذا الحوار حول أنواع الهمبورجر، تأمل الموسيقات الكلاسيكية، الإحالات لعشرات الأفلام الكلاسيكية في أفلامه، والتي كوّنت الثقافة العالمية حول أمريكا. لكن الفارق ـ في ظني ـ هو أن تارانتينو لا يؤمن بـ "شرطي العالم" الشرير، الذي يفرض نفسه بالقوة،  ولا بالبطل الأمريكي الذي لا يقهر الذي تم تصديره في مئات الأفلام، ففقد الأمل، بالعدالة الأمريكية، فقرر أن يحوّل شرها إلى فعل كاريكاتوري ساخر، يشف ويكشف الداخل الأمريكي.
يرى تارانتينو العالم من وجهة نظر مختلفة، يجسدها في أفلامه، سواء تلك التي كتبها فقط، مثل "قتلة بالفطرة"، والذي كشف فيه علاقة الإعلام بصناعة الجريمة، أو تلك التي كتبها وأخرجها، حيث يقدم العالم ممزوجاً بالعنف والدم، لكن الملاحظة الأبرز أن جميع هذه الأفلام، أبطالها من الأشرار، التي قد تجعل المشاهد يتعاطف معها للحظة، لكنه في النهاية ـ حتى لو كرهها ـ لا يملك إلا أن يقف مبهوراً وهو يراها تعيد تشكيل العالم ـ عالم المخرج ـ أو العالم الحقيقي.
في آخر أفلامه "الكريهون الثمانية"، على سبيل المثال، يضع تارانتينو مُشاهده في مواجهة ثمانية أبطال من الأشرار، يبدون كأنهم هم من يتحكمون في العالم، لكن يبدو هذا الفيلم، من زاوية أخرى، هو القوس الآخر الذي يغلق عالم تارانتيو الذي بدأ جدياً بفيلم لا يختلف كثيراً، هو "كلاب المستودع"، حيث نجد أن جميع أبطال الفيلمين من الأشرار، فضلاً عن اعتماد الفيلمين على ديكور واحد ـ في معظمهما ـ والحوار المتصاعد الذي يتلاعب بالمشاهد، الموسيقى الكلاسيكية، هنا ثمانية أشخاص لا يعرفون بعضهم، وهناك سبعة مجرمين في عصابة واحدة لا يعرف أحدهم عن الآخر شيئاً، لكنهم يعرفون ألوانهم فقط، حيث يحمل كل واحد اسم لون.
في "اقتل بيل"، بجزءيه، نحن أمام رحلة انتقام طويلة، قاتلة محترفة تنتقم من العصابة التي تنتمي إليها، في فصول تبدو كأنها منزوعة من رواية عظيمة. لا رجال شرطة هنا، لأنها في الغالب تصل في الأفلام الأخرى متأخرة، بل شر يقاتل شراً، وأنت في النهاية لا تملك إلا أن تنحاز إلى الأقل شراً (ألا يذكرك هذا بعالمك؟). في "بالب فيكشن"، حيث السرد غير الخطي نحن إزاء مجرمين ورجال عصابات وحقيبة صغيرة ومزيج من السخرية والدم والعنف يذكر بالعالم، وفي "أوغاد مجهولون" يذهب للتاريخ، حيث شر الحرب العالمية الثانية وقصّة جنود حرب عصاباتٍ أمريكيين يهود أثناء الاحتلال النازي لفرنسا ورؤية مختلفة للأفلام التاريخية المعتادة، في "جانجو طليقاً"، يذهب إلى شر الاستعباد والرق والويسترن في أمريكا، في "الكريهون الثمانية"، شر أمريكا التي بلا قانون ويحكمها قطاع الطرق والويسترن هيبيز والعنصرية وصائدي الجوائز والحرب الأهلية، في "كلاب المستودع"، شر العصابات الأمريكية.
يختلف تارانتينو عن كل المخرجين الذين قدموا العنف بوجهيه، الخير والشر، يختلف عن كريستوفر نولان، يختلف عن هيتشكوك، يختلف عن جيمس كاميرون، يختلف عن سكورسيزي، يختلف في أنه يقدم الشر فقط، بجميع وجوهه، الشر الساذج، الشر الإنساني، الشر الذي هو شر لذاته. وكأن هذه هي رؤيته للعالم، العالم الذي يراه يتشكل، ويتفاعل حوله، مع اختلاف درجات الشر.
بعد فوز دونالد ترامب بالانتخابات الأمريكية، تحدث البعض عن أن هذا العالم أصبح يشبه إلى حد كبير أفلام تارانتينو، مع امتلائه بزعماء أشرار، عنصريين، شبه مجانين، لكن يبدو أن تلك نبوءة كوينتن حتى قبل فوز ترامب بكثير، ففي حوار قديم معه بدا سعيداً أن العالم اكتشف عنصرية الرجل الأبيض.
نهايات كوينتن جديرة بهذا العالم، يموت شريرون كثيرون، لكن يبقى شرير واحد في النهاية، ربما الأقل شراً، ربما ليؤكد أن النهايات الحالمة يصدقها السذج فقط، لكن الشر موجود، ويستمر.. ويستمر.. ويستمر للأسف.
.......................


04‏/12‏/2016

الغياب بكامل هيئته في "مقدمة في الغياب" لمحمد أبوزيد

جمال فتحي
ليست "مقدمة في الغياب" إنه الغياب ذاته. بكامل هيئته. بملامحه الواضحة وظلاله الخافتة. بتفاصيله الكبيرة والصغيرة البارزة والخفية. بمتنه وهامشه. غياب حضر حضورا طاغيا في ديوان الشاعر محمد أبو زيد البديع والصادر مؤخرا عن دار شرقيات بالعنوان ذاته " مقدمة في الغياب " وهو الديوان الذي جاءت قصائده تحت أربعة عناوين داخلية رئيسية هي: كهل يسير إلي الحافة / لا يؤنس الغريب سوي ذاته / من يتذكر الغائب؟ من يعرف ماذا يفعل الآن؟ / اسمي محمد أبو زيد.
غياب أبو زيد تنفتح دلالته علي كافة التأويلات والتفسيرات والمعاني. بدءا من الغياب بعيدا عن الوطن والأهل والأصدقاء وبعيدا عن المنشأ والبيت والأشياء الحميمة إلي غياب الإنسان عن الإنسان. وليس بعد غياب الإنسان من حضور. مرورا بالموت كأحد الطرق إلي الغياب. وليس انتهاء بتجاوز الشاعر إلي تأمل الغياب ذاته مجردا كلوحة وقف أمامها طويلا. ونفذ إلي أعماقها الدفينة بأكثر من طريقة بشكل يذكرنا كثيرا بوقفة الشاعر الكبير الراحل محمود درويش أمام ذات الغياب في معظم أعماله.
يقول أبو زيد مثلا ص11 في قصيدة " ما لا أستطيع تذكره ": في زيارتي الأخيرة / لم أعرف أحدا منهم / ولم يعرفني أحد . وفي قصيدة no news good news ص20 يقول: " لا تفاصيل هنا / لا تفاصيل أعبئ بهـا ذاكرتي / لا شيء يحدث / لا شيء أكتبه في قصيدتي ". وكما يتبدي لنا من السطور ومن مجمل القصائد في الديوان » فقد بدا الغياب كثقب كوني أسود ظل يتسع ليبتلع كل شيء » فالمعرفة غائبة وإن كانت مجرد معرفة الناس للناس. وكذلك الذاكرة غائبة. بل والتفاصيل أيضا كما يقول "لا تفاصيل هنا" ليس هذا فقط بل الفعل أيضا غائب علي حد تعبيره "لا شيء يحدث" حتي الشعر والكتابة والرؤية غائبة كما يقول: " لا شيء أكتبه في قصائدي ". وفي ص 47 يقول: لا أشعر بأي شيء / لا طعم في لساني/ لا شي في يدي /.. " إذن فالشعور يغيب والحواس ولاشيء في يد الشاعر يملكه. وقد لعبت " لا النافية للجنس " كما هو واضح دورا كبيرا في الكثير من القصائد في نفي جنس الحضور بكافة أشكاله في الديوان لصالح الغياب المسيطر المستبد. وهي الأداة اللغوية التي لجأ إليها الشاعر بحساسية لغوية مرهفة تدعمها ذائقة أصيلة وموهبة حقيقية آزرتها الكثير من الأدوات اللغوية والتقنيات الشعرية الأخري.. إلي أن وصل الشاعر إلي قمة غيابه عندما نفي ذاته وهويته وغيبهما بقوله " أنا لا أحد "
قصائد الديوان هامسة يدفعها في اتجاه الرؤية حس إنساني عميق لشاعر زاهد في الحضور مستسلم للهزائم يحيا وهو علي يقين بأن العالم لا يرغب في وجوده لذا يقول ص 98 " من يستعير عمري / من يريد يدا تكتب الشعر / وعينين تالفتين خلف نظارة / وشعرا يتحدي ضربات المقص / من يريد قدما تعبت من التجوال / وابتسامة بلهاء شاخت علي فمي ". غير أن القصائد الهامسة تنطوي أحيانا علي صور مفاجئة وصادمة تدهشك وتجرح سكينتك وتورطك في أزمة ذلك الكائن الذي يختفي خلف القصائد يبحث عن حضور لا يجده وعن غياب مؤكد. كقوله " كانوا ينظرون مليا إلي ذلك المتأنق / أكثر من اللازم / كأنه ذاهب إلي الموت ".. فهل يتأنق الذاهب إلي الموت أصلا؟! فضلا عن تأنقه أكثر من اللازم..ولما لا أليس ذاهبا للغياب؟! وكذلك قوله: " ص 14 لا أفهم ما يقولون / لكن سعادتهم / تحرك ستارة النافذة "
....................

نشر في جريدة الجمهورية

لا تنسوا رضوى عاشور

مرت أول من أمس (الخميس 30 نوفمبر)، الذكرى الثانية لرحيل الكاتبة الكبيرة رضوى عاشور، بهدوء ودون ضجيج، ودون اهتمام من الأوساط الثقافية الرسمية، إلا من إشارات من قرائها وعشاق أدبها وتلاميذها، وإشارات لعشرات المقولات المقتبسة من أعمالها عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
لم تكن رضوى عاشور في حياتها تنتظر شيئاً من المؤسسة الثقافية الرسمية، عاشت حياتها على هامش المؤسسة، منحازة لقضاياها التي آمنت بها، وتركتها منثورة في أعمالها، يحتفي بها قراؤها، وتحصل على جوائز من دول العالم، تتحقق وتؤثر بكتاب تلو الآخر، لكن ظلت بعيدة عن الدولة التي كانت مشغولة بمعاركها الشخصية، وموظفيها.
لم يكن لرضوى عاشور شلة، فرغم انتمائها جيلياً إلى جيل الستينيات، إلا أنها ظلت بمعزل عن خلافات ذلك الجيل، منغمسة في عملها الأكاديمي، وبنفس الدأب تعمل على مشروعها الأدبي في صمت وجدية، عملاً تلو الآخر، ونصاً رائقاً تلو الآخر.
رضوى عاشور حالة خاصة في الثقافة العربية عموماً، وفي المصرية خصوصاً، آمنت بما تكتب، وكتبت ما تؤمن به. لم تفصل بين اعتقادها في قضاياها السياسية وبين كتابتها، لكن رغم ذلك لا نلمح صوتاً أيديولوجياً في أي مما كتبت.
كانت منحازة للقضايا العربية، مهمومة بقضية العرب الأولى القضية الفلسطينية، مؤمنة بوطنها، رأينا ذلك في "ثلاثية غرناطة"، و"الطنطورية"، وغيرهما. في حديث معها قبل حوالي 12 عاماً قالت لي: "إذا كانت الكتابة مجرد قناع أيديولوجي فلا بد أنها رديئة جداً، وبالمناسبة ففي كل كتابة قدر من الأيديولوجيا، لكن اختزال الكتابة إلى مجرد أيديولوجيا يعني قتلها وتحويلها إلى أفكار غير أدبية". كانت ترى أن "النص الأدبي نص متعدد المراكز ومتعدد الأصوات ويحتمل التناقض والتشطي ويحتمل أشياء كثيرة، والقول بأنه أيديولوجيا مقنعة يعني إفقاده ثراء الفن والعديد من العناصر المشكلة لهذا الثراء".
كانت مؤمنة بقضية المرأة، ورأينا ذلك في بطلات رواياتها، بدءاً من غرناطة، مروراً بـ"خديجة وسوسن"، و"أطياف"، "وحجر دافئ"، و"فرج"، و"سراج"، والسيدة راء، لكن رغم ذلك لم نرها وسط عشرات الكاتبات اللائي يحتكرن الكتابة باسم المرأة في الصحف والفضائيات.
كانت حالة خاصة، بعائلة همّها الأدب والإنسانية، فلا يمكن أن نفصل حضورها عن تجربة الشاعر الكبير مريد البرغوثي، وتميم ابنهما. ومن يعرفهم عن قرب، يدرك أن هذه عائلة من خارج الإطار التقليدي للعائلة، يمكنك أن تتتبع سيرة مريد في كتابة رضوى، وأن تقرأ رضوى في قصائد مريد، وأن ترى أثر الاثنين في كتابة تميم.
كانت مؤمنة بقضية وطنها، وتدافع عنه، كانت تؤمن بالمقاومة، ابتداء من فلسطين وحتى مصر، ومروراً بكل الجراح العربية المفتوحة، كان يمكن أن تراها في ميدان التحرير بصحبة تميم ومريد، تفعل ما تؤمن به، لكنها لم تكن أبداً من سماسرة القضية، الذين ينتقلون من خندق إلى آخر، حسب نتائج الربح والخسارة.
كانت مؤمنة بالكتابة كمفتاح لحل الأزمة، منفحتة على الكتابة وتطويرها وبنائها، كما فعلت في "قطعة من أوروبا"، أو حتى بأن توظف شكل التقارير في نص أدبي كما في "تقارير السيدة راء"، وأن تتنقل بين السيرة والرواية والرحلة، بحثاً عن الشكل المناسب للكتابة.
كانت رضوى عاشور تكتب، تكتب فقط، وهي تدرك أنها بهذا الفعل تقاوم، تحارب اليأس، وتبني، تعلم، تربي أجيالاً ومحبين في الجامعة، وتمنح آخرين عطاء لا ينقطع في الكتابة.
لا أعتقد أن رضوى عاشور تنتظر احتفاء رسمياً، فقيمتها وقامتها باقية ـ مهما مضى من زمن ـ في عيون محبي الأدب الجاد والحقيقي، الذي لا يفنى، ومحبي إنسانيتها التي نفتقدها.     
......................
*نشر في المصري اليوم