01‏/11‏/2008

زمن عماد الدين


عزيزتي زينب ، أكتب إليك لأحييك ، لأحكي لك عن ذكريات قديمة لن تفارق ذاكرتك ، حكايات شارع أحببتيه دون أن تسيري فيه ، فقط قرأت عنه كثيرا ، فعرفت أنه شارع الفن الحقيقي في ذلك الزمن الجميل الذي ولى ولن يعود ، شارع سار فيه عبد الوهاب وأم كلثوم ونجيب الريحاني وعلي الكسار و فريد الأطرش ، ومنيرة المهدية ، شارع ضاعت ملامحه يا زينب مع انتهاء زمن كان يوصف بالجميل ، شارع اسمه " شارع عماد الدين " .

-1-

المدن الحقيقية يا زينب تبدأ من شوارعها الفرعية ، من التواريخ المنقوشة على جدران بيوتها وحكاياتها القديمة ، من التاريخ المنحوت على ملامح بناياتها ، من الزخم الذي تحسينه وأنت تسيرين في شوارعها ، المدن الحقيقية هي الشوارع التي تعطيك إحساسا بأنك سرت في هذا الشارع من قبل ، شارع عماد الدين ، أشهر شوارع الفن في مصر ، هكذا ، لا يمكنك يا زينب مقاومة الإحساس بأنك سرت في هذا الشارع من قبل أنك رأيت أرصفته ، بناياته المحروقة ، سينماته التي تقاوم الانقراض ، الشباب والبنات الذين يسيرون في شوارعه ، بحثا عن شيء جميل خلفه عبد الحليم حافظ في الهواء حين سار وحيدا ذات مساء يفكر في مستقبله ، يدخلون سينماته القليلة الباقية ، مفضلين إياها على سينمات المولات الجديدة ، والأماكن المرفهة ، لأنهم هنا يحسون بالزمن الماضي الجميل ، قاهرة الثلاثينيات والأربعينيات الجميلة ، توهجها الفني يبدأ من هنا ، من شارع عماد الدين .

- 2 -

الحكاية لم تبدأ هكذا يا زينب ، بدأت ذات يوم حين اجتمع نفر من رجال المال الأجانب في مصر في أواخر القرن التاسع عشر ، ورأى كل منهم أن يسعى إلى منطقة جديدة في تخطيط المدينة تقيم فيها جاليته ، كانت المنطقة التي يقع فيها شارع عماد الدين الحالي جنوب حدائق الأزبكية التي كانت تشرف عليها وهي في جملتها تقع بين منطقة البركة القديمة ، ومنطقة كلوت بك جنوبا ، انتهى الأمر إلى تخطيط هذه الأماكن وتقسيمها إلى شوارع واسعة وقادرة على استيعاب أعداد من الجاليات الجنبية في مصر في ذلك الحين ببراح ، وأن يكون بها من دلائل الحضارة الغربية ما ليس في غيرها . وبالبحث اتفق المهندسون على أن أهم ما يمكن أن يميز هذه المناطق الجديدة هو أن يقام بها عدد من الكازينوهات ذات الطابع الخاص ، وكذلك إقامة عدد من المقاهي التابعة للجاليات الإيطالية واليونانية ، وإقامة مسارح تستقبل الفرق الأجنبية التابعة لحكومة كل جالية على حدة . عند إقامة الشارع جعلت مبانيه على الطرز الإيطالية والفرنسية ، وأقيم به اكثر من خمسة مسارح ، وصالات فنية كبيرة ، وعشرة مقاهي واسعة وثلاث كازينوهات . أنير عماد الدين في بدايته بمصابيح الغاز ، وحرصت كل جالية على أن تقيم نوادي لها بالقرب منه مثل النادي اليوناني الخاص بالجالية اليونانية ، كما أن الشركة البلجيكية حين أنشأت ضاحية مصر الجديدة وجعلت المترو من أحد مواصلاتها الهامة ، أصرت أن ينتهي خط ذلك المترو في محطته الأخيرة بشارع عماد الدين ، شهدت مصر في ذلك الوقت نهضة مسرحية وفنية كبيرة ربما منذ عام 1869، وذلك حين تتابع وصول العديد من الفرق الأجنبية ، التي واصلت مسيرتها إلى مصر منذ ذلك التاريخ ولم تتوقف حتى الحرب العالمية الأولى إلا تحت ضغط بعض الظروف السياسية ، كانت هناك 3 دول تتصارع ثقافيا وكان المسرح هو محور ذلك الصراع ، وربما كان هذا أيضا هو الدافع وراء بناء مسارح شهيرة مثل مسرح البراديز والبوليتاما وتياترو عباس .

-3 -

رغم أنك يا زينب لم تحبي المسلسل الذي حمل اسم " زمن عماد الدين " إلا أنك أحببت الشارع ، أحببت الزمن ، هذا الزخم الذي كان يملأه ، المسارح والسينمات التي تتراص على جانبيه ، المقاهي التي تملأه منذ بدايته وحتى نهايته ، المقاهي التي التقى عليها فريد الأطرش والشيخ زكريا أحمد و بديعة مصابني وسيد درويش ومحمد فوزي ومحمد عبد الوهاب ومحمد قنديل ، ويوسف وهبي ، المسارح التي شهدت حربا فنية شعواء بين طرفي الكوميديا في ذلك الوقت بين نجيب الريحاني وعلي الكسار ، السينمات التي شهدت بزوغ السينما في مصر ، وعرض في قاعاتها الأفلام الأبيض والأسود ، والمسلسلات الأجنبية قبل اختراع التليفزيون التي كانت تدور حول مغامرات طرزان وأقرانه ، كل هذا اختفي يا زينب ، لم يبق منه إلا أقل القليل ، اختفى نجوم السينما الذين كانوا يلتقون على مقاهيه ومسارحه وفضلوا الهري إلى مقاهي جديدة في عباس العثقاد والمهندسين ، اختفى العاشقون الذين كانوا يسيرون يدا بيد ، يخلقون على أرصفته قصة حبهم ، ويفكرون في أن يدخلوا حفلة الفيلم الجديد لكمال الشناوي وشادية ، وسيبكون عندما تدمع عينا فاتن حمامة على حلمها الذي لم يتحقق .
اختفت الكثير من ملامح هذا الزمن ، ما تبقى معالم شهواء ، سينمات تقاوم الانقراض ، سينمات محترقة ، ومسارح تعلوها الأتربة ، كل هذا وسط زحف محلات الأجهزة الكهربائية ، و صالونات الحلاقة ، ومحلات بيع القصب ، وهجمة أثرياء الحرب الجدد لشراء ماتبقى من بنايات قديمة جديدة ، حين قلت هذا الكلام لصاحب أحد محلات بيع الأجهزة المستخدمة في استخراج البترول ، نظر لي قبل أن يسحب نفسا طويلا من الشيشة التي يضع مبسمها في فمه ، ثم سألني " يعني بلاش ناكل عيش ؟ " مفهوم أكل العيش هو الذي أصبح يسسطر ، مع أنه من السهل على هذه المحلات أن يكون لها أماكن أخرى ، ونحافظ في ذات الوقت على شاؤع ثري كهذا .
شارع عماد الدين هو كل تفاصيله الراحلة ، ربما لم يتبق منها يا زينب سوى بناياته القديمة ، تلك المبنية على الطراز الإيطالي ، والتي أقامها الخديوعباس حلمي الثاني ، واستخدم الرخام فيها في الأعمدة والسلالم ، ، وبعد عزل الخديو عباس بفترة آلت عمارات الخديوية هذه إلى أجنبي اسمه سيتون ثم تم ترميمها في أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات لتصبح مقرا للعديد من الشركات التجارية ، يتقدم الزمن ، ولا يفقد الشارع بريقه ، عمارات الشارع هي السبب في ذلك ، إنها من تشعر كأنك تسير في زمن غير الزمن ، في مكان غير المكان ، تغريد واحدة من الذين يحبون السير في شارع عماد الدين ، وقالت لي " مررت كثيرا بشارع عماد الدين ، إلا أني كنت أسميه شارع السينمات لأميزه عن باقى شوارع وسط البلد التي كنت أتوه فيها وفي أسمائها. لكن هذا الشارع الجميل جعلني أعيش الزمن الذي طالما أحببته من خلال الأفلام القديمة وأغاني عبد الحليم "
السينمات التي تحبها تغريد في الشارع يا زينب ، لم تعد موجودة ، انحصرت في سينمات قليلة متبقية ، بيجال ، وكريم ، وكوزموس ، بقيتها ضاع مع ضياع ملامح الشارع ، تغير مع هجمة الانفتاحيون الجدد الذين يرون أن المشروع التجاري أفضل وأكثر ربحية من سينما ، على جانبي الشارع يا زينب كانت هناك العديد من دور السينما الصيفية التي كانت مملوكة للأجانب ، تهدم العديد منها في فترة انحسار السينما في الستينيات ، واحترق جزء في حريق القاهرة ، وضاع جزء منها في فترة الانفتاح ، وأصبح شارع عماد الدين ذكرى تقاوم الانقراض .

- 4 -

حكاية شارع عماد الدين يا زينب قديمة ، حكاية الشيخ عماد الدين الذي تسمى الشارع باسمه أقدم ، عماد الدين يا زينب هو شيخ له ضريح بالقرب من تقاطع الشارع مع شارع الشيخ ريحان المجاور للجامعة الأمريكية ، وعليه كتابة تسجل تاريخ 1661 ميلادية، وفي بداية القرن العشرين ومع بزوغ جذوة النهضة الفنية تركز النشاط الفني كله حول الشارع فأنشئت التياتروهات والسينمات والمقاهي، وكانت الأوبرا القديمة في ميدان الأوبرا بالقرب منه، وشيئا فشيئا انتشرت المسارح والسينمات والمقاهي ودور الغناء والطرب، وفي مقدمتها مسرح الماجستيك الذي كان يمثل عليه على الكسار، وعلى غير بعيد منه كان هناك مسرح منافسه اللدود نجيب الريحاني ، بالقرب من الشارع يوجد أكثر من مقهى يرتبط بالشارع ، هناك شارع بعرة ، المقهى المشهور والخاص بالكومبارس ، هناك مقهى ام كلثوم ، والذي تغير منذ فترة وأصبح اسمه مقهى أم كلثوم وخليفتها في الغناء آمال ماهر ، هناك مقهى كوكب الشرق ، لكن هذه المقاهي أصبحت تتعامل بلغة العصر الحالي ، ولم تعد تنتمي إلى تاريخها القديم ، مع ان المثل القديم يقول " من فات قديمه تاه " ، هل يبدو هذا المثل مبررا للتوهة التي اصابت الشارع وساكنوه يا زينب .
- 5 -
يشبه شارع عماد الدين يا زينب إلى حد كبير شوارع الفن في المدن العالمية، شارع «برودواي» في نيويورك، يشبه حي «وست إند» في لندن، يشبه حي «البوليفار» في باريس، لكن الفارق أن هذه الشوارع حافظت على تاريخها ، فيما لم ينجح القائمون على الآثار في شارعنا في الحفاظ عليها ، في الحفاظ على ماتبقى من على الكسار ونجيب الريحاني، وموسيقى سيد درويش ومحمد عبد الوهاب وأم كلثوم، و منيرة المهدية والفنانة ملك وروز اليوسف، وأمينة رزق وأحمد علام وحسين رياض، واستيفان روستي ، هذا الشارع إذا تذكر ماضيه سيبكي : كان هناك مسرح الرينسانس على يسار مدخله ، وعليه قدم جورج أبيض مسرحيات أوديب وهاملت، ولويس الحادي عشر، وعلى الجانب الآخر من المدخل كان هناك مقهى متروبول وعلى موائده كان يجتمع نجيب الريحاني واستيفان روستي مع سائر الفنانين، وكان هناك مسرح برنتانيا وتألق على خشبته يوسف وهبي ونجيب الريحاني ومنيرة المهدية، وشهد فيه الجمهور «كشكش بيه»، و«راسبوتين»، و«أوبريت حورية هانم»، وكان هناك مسرح الكورسال القديم (مكانه عمارة حديثة الآن) وعليه قدم سيد درويش أوبريت العشرة الطيبة، وكان به مسرح «البيجو بالاس» وعليه قدمت منيرة المهدية أوبريتات «الغندورة» و«قمر الزمان»، وكانت هناك أول دار للسينما بعنوان الكوزموجراف الأميركاني، وكانت دارا مسرحية ، وعليها قدمت سارة برنار مسرحية النسر الصغير، وغيرها من ضمن خمسة عشر مسرحا كانت به، لم يبق منها سوى واحد فقط ، مسرح نجيب الريحاني من يزوره الآن سيبكي ألما على ما إل إليه حاله ، تهدم ، اصبح من طابق واحد تغطيه الأتربة ، والكراكيب ، وعليه أفيش مسرحية يشارك فيها " نجم الزمان الحالي " شعبان عبد الرحيم .
- 6 -
الجميل المتبقي بالقرب من شارع عماد الدين يا زينب هو أن الشوارع المحيطة به ما زالت تخلد ذكراه ، حيث نجد أنها ما زالت تحمل أسماء فناني ذلك العصر ، حيث نجد شارعا باسم سيد درويش وآخر باسم علي الكسار ، ونجيب الريحاني ، وزكريا أحمد ، ما زالت هذه الشوارع القريبة منه ، والمؤدية إليها تحمل هذه الأسماء ، وكأنها تقود من يسير فيها إليه ، تشير إلى الشارع تقول له ، هنا سار هؤلاء ، هنا كان زمن الفن الجميل ، هنا شارع عماد الدين .
حكايات شارع عماد الدين كثيرة يا زينب ، أتذكرها كلما مررت من هناك ، أتذكرها كلما رأيت بناية محروقة به لا تجد من يصلحها ، أتذكرها عندما أجد بناية كانت مسرحا قديما وتهدمت ، حكايات الشارع التي كانت مليئة بالفن والجنال تغيرت ، أصبحت كلها حكايات حزينة ، تبكي على ما آل إليه حال الشارع ، شارع عماد الدين الذي أحببتيه ما زال يبحث عمن ينقذه ويحوله إلى متحف فني كبير ، حكايات الشارع القديمة كثيرة يا زينب ، هل لديك وقت ؟ ، سأحكيها لك .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فصل من كتاب " بمحازاة القاهرة " لمحمد أبو زيد قيد النشر

هناك 8 تعليقات:

FAWEST يقول...

يتقدم الزمن ، ولا يفقد الشارع بريقه


صدقت

غير معرف يقول...

محمد
يبقى هناك اسبابا كثيرة للحزن
ولعل ما تكتب عنه أحدا من اسبابها
ارأيت إنه يلاحقنا ويفتش عنا أينما ذهبنا ولكن !!
أهرب من الماضي الجميل واروح على فين
أهرب من حروب البشر واروح على فين
اهرب أهرب من قلبي واروح على فين من تلوث العالم واروح على فين
ان ما يصيبك من مشاعر يصيبني كلما سرت في شوارع القاهرة وبالاخص شوارع وسط البلد
بوست جميل يلمس الجراح
دمت صديقا طيبا

غير معرف يقول...

محمد
نسيت ان اشكرك على وجودك
صاحبة الصندوق

محمد إبراهيم محروس يقول...

واضح أن الكتاب هيبقى جامد جدا
أنت جامد جدا يا جدع
خالص تحياتي

أسما عواد يقول...

ممكن بوست جديد؟
اشتاق لقراءة باقي الكتاب

عالم صوفي يقول...

امممممممم
لماذا اسمع صوتك في حروف هذا المقال
لماذا تبدو متمكن كعادتك دائما ولماذا ترى الاشياء دوما بنقاء وهدوء وسحر وبعض الحزن
محمد دمت جميلا

غير معرف يقول...

ممكن اعرف مين زينب دى الاول
وادعو اللة الا تهدى تاكتاب ليوسف القعيد
نبيل سيف

وجع دماغ يقول...

استمتعت بالجو العام للكتابات مبروك مقدما على الكتاب