09‏/09‏/2011

صلاح عبد الصبور يرتدي جبة الحلاج

محمد أبو زيد

كلمة السر في مسرحية "مأساة الحلاج" للشاعر صلاح عبد الصبور، هي "الكلمة"، التي لا يملك الحلاج سواها، لمواجهة الفقر والسلطان والقاضي والتماهي مع الذات الإلهية، الكلمة التي جمعت حوله أتباعه، وفرقت بينه وبين الحاكم، ووصفت العلاقة بينه وبين محبوبه الأسمى، الكلمة التي قتلته "أقتلناه حقا بالكلمات .. أحببنا كلماته/ أكثر مما أحببناه / فتركناه يموت لكي تبقى الكلمات".

الهاجس الذي يؤرق عبد الصبور في المسرحية هي الكلمة ، كلمة الصوفي / المثقف، فالجميع يتكلم عنها، الحلاج يقول "لا يعنيني أن يرعوا ودي/ يعنيني أن يرعوا كلماتي"، لأن الكلمات هي التي تبقى "قد خبت إذن لكن ما خابت كلماتي / فستأتي آذان تتأمل إذ تسمع / تنحدر منها كلماتي في القلب / وقلوب تصنع من ألفاظي قدره / وتشد بها عصب الأذرع"، إذن فرهان الحلاج الذي يقدمه عبد الصبور على الكلمات، لكن الذين قتلوا الحلاج، كما يقدمهم عبد الصبور "أصحاب طريق مثله"، يمتلكون كلمات مثله، رغم أن القتلة يقولون" كنا نلقاه بظهر السوق عطاشا فيروينا / من ماء الكلمات/ جوعي / في طاعمنا من أثمار الحكمة/ وينادمنا بكؤوس الشوق إلى العرس النوراني"، الكلمات أيضا كانت سببا في صلبه "أبكانا أنا فارقناه / وفرحنا حين ذكرنا أنا علقناه في كلماته / ورفعناه بها فوق الشجرة"

مأساة الحلاج تتكون من فصلين ، أو جزءين كما سماهما، الجزء الاول: "الكلمة" والثاني "الموت"، ولذلك دلالة واضحة، ففي مقاطع كثيرة من المسرحية يبدو أن صلاح عبد الصبور هو الذي يتكلم وليس الحلاج، حالة التماهي بين الشاعر والصوفي، تكف مأساة الاثنين في علاقتهما بالسلطة، فالحلاج الذي صلب لأنه فكر، في السلطة الإلهية، والسلطة الدنيوية، يقابله عبد الصبور، الذي كان جزءا من نظام الحكم في مصر ، لكنه كان يقف على شفا حفرة من السلطة و الكتابة، الكلمة هي مأساة الاثنين.

إشكالية العلاقة بين المثقف والسلطة أزلية، لكن عندما يكون الأمر يتعلق بمستقبل الوطن الذي يسير نحو الضياع فالأمر محسوم، كانت مصر تقترب من نكسة 1976، لم يكن أحد يعلم بها، لكن المؤشرات كانت تؤكد ذلك، خاصة أن المسرحية كتبت قبل النكسة، مأساة صلاح عبد الصبور مع السلطة، التي كان جزءا منها، وحاول أن يتطهر منها بمأساة الحلاج، فجعل الحلاج شاعرا مثله، وأنطقه "مثلى لا يحمل سيفاً / لا أخشى حمل السيف ولكنى / أخشى أن أمشى به / فالسيف إذا حملت مقبضه كفٌّ عمياء / أصبح موتاً أعمى"،

المثقف/ الحلاج / الصوفي، في المسرحية كان ينزل إلى الشارع، يمشي في الأسواق، خرج على إجماع المثقفين / الصوفيين بأن يختبئ في عباءته، في برجه العاجي، مكتفيا بالعلاقة بينه وبين مولاه، لكن الحلاج ينزل إلى الشارع ، يخاطب الناس بلغتهم، فيلتفون حوله، والتفاف الناس حول الصوفي / المثقف، في عين السلطة / السيف، هو بداية الخراب لهم، لأن به تأليب على الحاكم، وتذكير للفقراء بفقراء، وبجوعهم، وعطشهم، وألمهم، وأن هناك رب أعلى من الحاكم، يمكن اللجوء إليه، وأنه يمكن الخروج على الحاكم، وتغييره.

هل يمكن أن ينظر للحلاج كرجل دين يدعو للإصلاح الديني، أم كمثقف يدعو للتغيير، المكفر والشاعر الهندي محمد إقبال (1877-1938) الحلاج يصور في ملحمته "جاويدنامه"، أي "كتاب الخلود"، الحلاج، مفكرا مبدعا حاول بث الحياة في معاصريه الموتى روحياً وفكرياً، أي حاول منحهم إيماناً حياً جديداً، وتحريرهم من التقليد واجترار القواعد المتوارثة الخالية من كل روح، ويضع عبد الصبور رجل الدين جانبا، ويركز على المثقف، ويورد فى مسرحيته ، على لسان أحد الصوفية "هل أخذوه من أجل حديث الحب ؟ / لا ، بل من أجل حديث القحط / أخذوه من أجلكمو أنتم / من أجل الفقراء المرضى ، جزية جيش القحط"، وما يورده عبد الصبور في آخر مسرحيته، عن ظروف كتابتها، والمراجع التي عاد إليها، فضلا عن الموجود في متنها، يؤكد أنه اختار أن ينحاز للكلمة، فمأساة الحلاج في رأي عبد الصبور هي الكلمة، كيف تخرج، ولمن تصل، حتى المسجون الذي يلقاه في سجنه، ويتبعه، كانت مأساته الكلمة في صغره، لكنه لم يستطع أن يكمل طريقه إليها، حتى التقى الحلاج فعاد إليها مرة أخرى، الكلمة قد تكون رداء رجل الدين، لكنها سلاح المثقف الأول، الذي يهدي به الناس، ويواجه به سيف السلطان.

انعزالية الصوفي / المثقف، يرفضها الحلاج / عبد الصبور، مع خلع خرقة/ انعزالية الصوفي "تعني هذه الخرقة / إن كانت قيدا في أطرافي / يلقبني في بيتي جنب الجدران الصماء / حتى لا يسمع أحبائي كلماتي فأنا أجفوها .. أخلعها يا شيخ/ إن كانت شارة ذل ومهانة / رمزا يفضح أنا جمعنا فقر الروح إلى فقر المال / فأنا أجفوها .. أخلعها يا شيخ" إذن فمكان الصوفي/ المثقف كما يقدمه عبد الصبور ، ليس بين أوراقه، وبرجه العاجي فقط، بل مع التغيير في الشارع ، التغيير الذي يحسه الأعرج فيقول "أحس إذا سمعت حديثه الطيب/ بأني قادر أن أثني الساق/ أن أعدو / وأن ألعب / بلي / أحس بأنني طير طليق / في سماواته" ، في حين يشكك الأحدب في دور كلمات الصوفي / المثقف "نعم / إني أحب الشيخ / ولكن أسائل نفسي الحيري / تري هل يستطيع أن ينصب ظهري / بعدما احدب".

قصة الحلاج ظهرت في كل الثقافات، وليس لدى عبد الصبور وحده، كتعبير عن أزمة الضمير لدى المثقف، وظهر أيضا لدى أدونيس وعبد الوهاب البياتي في الثقافة العربية، وأصبحت سنة 309 هجرية من أعظم السنوات حسماً وتحوُّلاً فى تاريخ التصوف، وبالتحديد : يوم الثلاثاء 24 من ذى القعدة، أحيث ُخرج الحسين بن منصور الحلاَّج من سجنه، فجُلد، وقُطعت يداه ورجلاه ، وشُوِّه، وصُلب، وقُطعت رأسه ، وأُحرقت جثته، مصيرا لمن يخرج على سلطة الحاكم، الذي يستخدم سلطة الدين ، لكي يشغل العامة، وربما حري هنا أن نتذكر حادث محاولة اغتيال نجيب محفوظ، من شاب لم يقرأه لكنه سمع أنه يشتم الذات الإلهية، ونفس ما حدث مع المفكر فرج فودة، وقريب منه ما تكرر مع المفكر حسن حنفي، ونصر أبوزيد ، وطه حسين من قبل، بل وسقراط منذ قرون، فإشغال العامة بالدين، وإيهامهم بأن فردا يتجرأ على الدين، كفيل بأن تكسب السلطة، المؤمنة في هذه الحالة، مساحة لدى العامة، ويخسر الآخر، حتى لو كان يدعوهم إلى التفكير ليس أكثر "قالوا : صيحوا .. زنديقٌ كافر / صحنا : زنديقٌ .. كافر / قالوا : صيحوا ، فليُقتل أنَّا نحمل دمه فى رقبتنا / فليُقتل أنا نحمل دمه فى رقبتنا / قالوا : امضوا فمضينا / الأجهرُ صوتاً والأطول / يمضى فى الصَّفِّ الأول / ذو الصوت الخافت والمتوانى / يمضى فى الصَّفِّ الثانى" وهكذا تحرك السلطة الجموع.

والحلاج هو أبو المغيث الحسين بن منصور الملقَّب بالحلاج، ولد فى حدود سنة 244 هجرية بقريةٍ قريبةٍ من بلدة البيضاء الفارسية، وتوفى مقتولاً ببغداد سنة 309 هجرية،مصلوباُ بباب خراسان المطل على دجلة على يدي الوزير حامد ابن العباس، تنفيذاً لأمر الخليفة المقتدر، وقد نشأ الحلاج بواسط ثم دخل بغداد وتردد إلى مكة واعتكف بالحرم فترة طويلة وأظهر للناس تجلدًا وتصبرًا على مكاره النفوس من الجوع والتعرض للشمس والبرد على عادة متصوفة الزرادشتين، وانتقل من مكان لآخر يدعو إلى الحق على طريقته، فكان له أتباع في الهند وخراسان، وفي سركسان وبغداد والبصرة، قبض عليه بتهمة ادعاء النبوة فأنكر ما نسب إليه فوضعوه في السجن فترة ثم صلبوه حيًا صلب تشهير، ثم أعيد للسجن ثم أطلق فلم يرتدع عن طريقه،وفي يوم الثلاثاء 24 من ذي القعدة سنة 309هـ تم تنفيذ حكم الخليفة فيه بإعدامه، على مرأى من الناس.

المسرحية تلقي ظلالا على دور النخبة، النخبة التي يعتبرها عبد الصبور في حوار معه لا بد أن تقود المجتمع "وتزرع فيه القيم الجديدة، وتعوده بسلوكها عادات متقدمة من السلوك والتصرف. وقد خضع مجتمعنا العربي لفترة طويلة لنخبة المفكرين الذين علموه احترام العدالة والحرية والتفكير العلمي. ففي الفترة التي عرفناها في صبانا كان الدكتور طه حسين والعقاد وسلامه موسى وهيكل وغيرهم هم نخبة المجتمع وقد نختلف مواقعهم السياسية داخل الأحزاب المختلفة، ولكنهم جميعا يكونون أفقا سياسيا واجتماعيا يتحدث عن الديمقراطية والتفكير المنظم ، وشرع طريقهما للمجتمع، وقد سقطت قيادة المثقفين في عصرنا الحديث ، وكان المظنون أن تقوم مقامها قيادة التكنوقراطيين. ولكن هذه القيادة الجديدة لا تقوم إلا في مجتمع صناعي متقدم. وهنا سقط مجتمعنا في فراغ ، حاولت العشائرية السياسية استغلاله وملأه ولكن ثمن ذلك كله كان ثمنا باهظا . ولست في مجال الزهو بالنفس ، ولكن أريد أن أقول إني رأيت ذلك كله قبل 5 يونيو 1967م ، ووضعت يدي على قلبي خوفا منه فلما وقعت الواقعة انفطر قلبي ، ولعل هذا هو سر حزني وكآبتي"، وهو الأمر الذي يفسره بعض الباحثين بأن الحلاج رأي أن التغيير يجب أن يكون عن طريق الصفوة، وهو الأمر الذي تم مع الصوفي / المثقف/ الحلاج.

كتب عبد الصبور مأساة الحلاج، عام في العام 1964، و نال عنها جائزة الدولة التشجيعية عام 1966 ، وهي ثاني أعماله في المسرح الشعري بعد "بعد أن يموت الملك"، والمسرح الشعري لدى صلاح عبد الصبور يحتاج إلى وقفة طويلة، فهو سياسي في المقام الأول، كما رصد بدايات قصيدة التفعيلة في مصر، وربما كانت المسرح الشعري السابقة عليه قليلة، وربما يكون أبرزها مسرح أحمد شوقي، الذي كان عموديا، مقفى، على عكس مسرح عبد الصبور الذي اعتمد التفعيلة في مسرحه، وإن لم يعتمد على تفعيلة واحدة، بل استخدم تفعيلة الرجز، والوافر، والمتقارب، والمتدارك، مع ما يجوز فيها من تحويرات، كما تغلب على حقيقة أن "الحلاج" شاعر بالأساس، فلم ينطقه بمقوله، بل حورها لينطق بما كتبه عبد الصبور، وأسقطه على عصره.

مأساة الحلاج هي مأساة كل عصر، فنحن نتكلم في النهاية عن واقعة حقيقية، وشخوص حقيقيين، حتى لو أسقطها صلاح عبد الصبور على نفسه، ورأي أنها مأسساته، وهي تتكرر طوال الوقت، مع المثقف الذي يقرر أن يقترب من العامة، ويحذرهم من السلطان، ويذكرهم بفقرهم، ويطالبهم بالتغيير، فالسلطان والنظام الحاكم، إما أن يعامله كخارج عليه، أو خارج على الله،هي إشكالية المثقف والسلطة التي لن تحل، لأن الضمير لا يقايض، والكلمة لاتباع، وربما لهذا السبب يكون قد لقي نفس مصير المسيح عليه السلام.

ــــــــــــــــــــــــ

* نشر في جريدة القاهرة

هناك 3 تعليقات:

جمال عبد الرحيم يقول...

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
أخي الفاضل / محمد أبو زيد
سعدت بقراءة المقال و التحليل الرائع
للإشكالية الأزلية بين المثقف و السلطة
و تعرفت من خلال المقال أكثر على شخصية الحلاج . فشكرا لك
و لكن في السطر الأخير تشبه ما حدث للحلاج بما حدث للمسيح عليه السلام
و كان الأصح أن تكون العبارة أن ما حدث للحلاج يشبه ما يُدعى أنه حدث للمسيح
نافيا ( من خلال الرؤية الإيمانية الإسلامية ) أن يكون المسيح عليه السلام قد صلب أصلاً .
حيث أن الإختلاف في أحداث الصلب التي ترويها الأناجيل الموجودة حاليا يسقطها تماما .
و يعرض كتبة الأناجيل ( على حد وصف اللواء أحمد عبد الوهاب الباحث في الأديان رحمه الله ) يعرضهم لتهمة شهادة الزور و يسقط شهادتهم أمام أي محكمة عادية .
أحبك في الله ،،
و أنتظر تعليقك ،،

رانيا منصور يقول...

رائع يا محمد :))

donkejota يقول...

الحلاج من أجمل ما كتب عبد الصبور

أما بقية أعماله فأقلها متوسط المستوى والأكثر ضعيف جدا

وشكرا على الدراسة الرائعة