16‏/06‏/2006

دم شعري هادئ



هذا مقال نشره الروائي الجميل محمد العشري
في جريدة النهار عن ديواني الأخير قوم جلوس حولهم ماء
في جريدة النهار اللبنانية
يوم الأربعاء 14 يونيه 2006
وأعاد نشره في مدونته
قــــوم جــــلوس حــــــولــهـم مــــاء
لمــحـــــمــد أبـــــو زيــــد
دم شــــعــري هــــادئ
الدم الشعري الهادىء الذي يكتب به الشاعر المصري الشاب محمد أبو زيد قصائد ديوانه الجديد، "قوم جلوس حولهم ماء"، الصادر منذ أيام لدى "دار شرقيات للنشر"، بعد مجموعتين شعريتين، "ثقب في الهواء بطول قامتي" في 2003، و"نعناعة مريم" في 2005، يبث في القارىء حالاً من الهدوء النفسي، ويجعله يجلس بلا حراك، متأملاً أجواء القصائد القريبة من متناول يده، يداعبه صوت سردي، هو في الغالب "موقت"، لأنه غير قادر على فعل شيء، سوى أن يستسلم للحزن. يتقمص دور الراهب، ويحوّل زهده ونسكه قصائد، تطير مع الروح، تاركة الجسد بلا حياة: "حزين لأني لا أبرىء الأكمة/ ولا الأبرص ولا أحيي الموتى/ لا أخبىء الديناصورات في حقيبتي من العواصف/ ليس لي جيوب أربي فيها المطر/ ولا عيون أعيرها للعُمي". يقسم أبو زيد ديوانه ثلاثة نطاقات شعرية، في النطاق الأول: "كأننا والماء من حولنا"، يجرب أن يمسك باللحظة الراهنة، ويمزج ذاته فيها، يحركها ويوجهها أينما شاء، محاولاً القبض على الشارد منها، وإرغامه على ارتداء القصيدة من دون أن تفلت منه جزالة الشعر، وهي قصائد تختلف تماماً في مضمونها ومحتواها عن قصائد النطاق الثاني من الديوان، "جثث قديمة"، والتي ألبسها الشاعر ثوب الماضي، واعتبرها من الأموات، حين تهب عليه رائحتها من وقت الى آخر، يغض الطرف عنها، ويواريها التراب. لذلك لا ينسى أن يضع عليها شاهد قبرها، وتاريخ موتها، فيذيلها بالتاريخ (1999 - 2000). على عكس القصائد الأولى، التي تسكنها الرغبة في اقتناص الحياة، وممارستها بكل نزقها، وإن كانت بعيدة المنال: "أقول لكم/ منذ ثلاثة أيام أريد أن أبكي/ لكنني تحجرت/ ولم أعد أميز بين التوائم". لكن الرغبة شيء، والفعل أو الإقدام عليه شيء آخر، سنجده يقف متحجراً، عاجزاً بلا أطراف تحمله خارج صمته. يجرب محمد أبو زيد في قصيدة "فستان حمل لسيدة شبه متزوجة"، أن يجلس في قلب المشهد، يزرع عينيه في تفاصيل دقيقة، تبدو بلا ملامح للوهلة الأولى، يتفحص حال السيدة، التي مات زوجها في الغربة. وهنا أظن أن القارىء سيقف ليتساءل من أين يأتي الشعر؟، وهل يخلق الموت ملائكته؟، وقبل أن يخرج من باب التساؤل، يدرك أن لا شيء يحدث بترتيب مسبق. فقط تتوارى المرأة في خلفية القصيدة: "سافرت/ تاركة خلفها/ ثلاجة كريازي/ ونقوداً مستوردة/ ومحبة مصابة بالسكر"، لتصبح القسوة عاملاً مهماً في تشكيل أعمدة القصائد، وتزداد الذات الشاعرة تفتتاً وانقساماً، بين رغبتها في الخروج من أزمتها، وصراعها من أجل أن تتمسك بروح إنسانية، تمنحها القدرة على تذوق طعم الحياة، من دون أن تتحول إلى ملاك: "لم نعد بشراً بما يكفي/ سنصطدم/ في زحفنا بالدمامل والقيح". في هذا النطاق يكشف أبو زيد عن الوجه، الذي حرره من انغلاقه على نفسه، ومنحه الرغبة في الجموح، والقبض على الجذوة مشتعلة. إنها ميرفت عبد العزيز، وسيتساءل: "كم جناحاً لك يا ميرفت"، وسيتساءل الأشرار عنها، ويتبعون خطاها المنقوشة بحذاء سندريلا الأحمر، في ممرات الأوبرا، ومسرح الهناجر، وشارع وادي النيل، وأفلام يسري نصر الله: "لم ينادوها يوماً (يا ميرفت)/ وكنت أسميها المائية/ قلبها يبين تحت البلوزة/ به شوارع وآباء يتامى/ ومراكب من أوراق الصحف". هكذا يعرّفها لهم الشاعر في نهاية قصيدتها: "التي نادتها إيزابيل الليندي/ يا بولا" .في قصائد النطاق الثاني، "جثث قديمة"، بنى محمد أبو زيد قبوراً للأرواح التي تتلبسه وتهيمن عليه، أو لروح الشاعر القروي المتصادمة مع المدينة، وحالة العزلة التي تتقمصه وتطبق عليه بشراسة، ليذكّرنا بقصائد صلاح عبد الصبور في "الناس في بلادي - 1957"، وأحمد عبد المعطي حجازي في "مدينة بلا قلب -1959"، مع اختلاف واضح بين مفردات جيلين شعريين وثقافتهما، يفصل بينهما ما يقرب من نصف قرن، تبدلت الحياة تماماً، وأمعنت الروح الشاعرة في غربتها وتشظيها: "فقط أريد أن أشتري/ بعض الخبز لفمي/ وبعض التثاؤب/ كي أستطيع أن أرقد/ على أرصفة/ لا تشتهي العصافير".يترك أبو زيد مساحة واسعة للهذيان، في النطاق الثالث للديوان، "سوف أهذي"، ليفتح مجالاً لأن تتحقق رغبته العارمة في ممارسة الحياة بحب، من خلال تحرر الروح والجسد، على الأقل في داخل القصيدة، ليخلق عالماً متوازناً، يحتل فيه الموت صدارة المشهد الشعري، في ما يواجهه الشاعر من أزمات، مثل: قصة الحب الفاشلة مع ميرفت، بعدما هيأت كل حواسه للحياة، وتركته وحيداً يقتات الذكرى، ويمارس حبه الشارد في جسد القصائد: "تذوقت لسعة الحب/ وثقبت قلبك/ حتى تفرغه تماماً من النبض". ويلقيه تحت قدميه جثثاً بلا روح، حتى أن البعض ينادونه في الشارع "يا ميت"، فتدرك الذات الشاعرة أن أزمتها مع نفسها، فتحاول أن تستعير من الشعر جناحيه، كي تتجاوز محنتها، ويعصر الموت ويقطر منه بعض قطرات مياة، يبلل بها مساراته، وفضاءه الواسع، وإلا لماذا إذاً يكتب الشعر؟
//
محمد العشري

هناك تعليق واحد:

Muhammad EL-Ashry يقول...

الشاعر الفنان
محمد أبو زيد
//
الديوان ممتع بدرجة مدهشة
استمتعت به كثيراً
أتمنى لك المزيد من الإبداع المتميز
//
أشكرك لإعادة نشره فى مدونتك
//
محبتى وتقديرى