07‏/07‏/2008

كباريه : المجتمع على طريقة " صدق أو لا تصدق "


على أفيش فيلم " كباريه " تتزاحم وجوه خمسة عشر نجما مصريا ، من نجوم الصف الثاني ، يقابله ازدحام مقابل في الفيلم الذي يخرجه سامح عبد العزيز وكتبه أحمد عبد الله ، وأنتجه أحمد السبكي الذي تعود معه جمهور السينما على أفلام لا يمكن القول أنها تنتمي كثيرا إلى عالم السينما ، لذا كانت المفاجأة للجمهور هو فيلم فيه عدد كبير من الفنانين ويقدم قصة تسعى إلى أن تكون حكاية لابأس بها .

الفيلم الذي يقوم ببطولته جومانة مراد ، وصلاح عبد الله ، و محمد لطفي ، وهالة فاخر , وخالد الصاوي ,و إدوارد , و دنيا سمير غانم , وماجد الكدواني و أحمد بدير ,وعلاء مرسي ، و محمد الصاوي ، ورانيا يوسف ، و فتحي عبد الوهاب ومحمود الجندي ، ومي كساب ، يلعب على تيمة التناقضات في الشخصية المصرية ، يحاول أن ينتقد الازدواجية في المجتمع المصري ، من خلال حصر معظم شرائح المجتمع المصري الذين يجتمعون في الكباريه الذي تدور فيه الأحداث ، والتي تتوزع حيواتها بين الديني والدنيوي ، فيقدم عالم الأخيار ، الناس خارج الكباريه ، والأشرار : العاملين داخل الكباريه ، ثم يقدم كل شخصية من الأشرار بحكايتين : جانبها الدنيوي الشرير بعملها في الكباري ، وجانبها الخير ، سواء كانت تصلي أو تعتمر أو تسعى للحج ، وربما بهذا يسعى المخرج إلى أن يقول أن العالم الذي نعيش فيه هو كباريه آخر يشبه الكباريه الذي ستدور فيه أحداث الفيلم .

" كباريه " يمكن القول أنه فيلم التناقضات الغريبة ، فيلم ينتمي إلى عالم الفانتازيا خاصة إذا نظرنا إلى شخصياته المرسومة بخفة ، كلها بأكثر من وجه ، وجه العاملين في الكباريه وجه حياتهم الحقيقية خارج الكباريه حيث يعيشون ، كلهم بلا استثناء ، حيواتهم مأساوية ، لكنها غير معمقة، فنجد " فؤاد " صاحب الكباريه الذي قام بدوره الفنان صلاح عبد الله يشرب اللبن ، وهو يتأمل الناس تتناول الخمر ويقتسم مع بنات الليل نقودهن ، يستمع إلى النقشبندي في دعاء " مولاي إني ببابك " فيما يصدح المطربين الشعبيين في صالة الكباريه بأغاني ساذجة وتافهة ، يجهز التذاكر للسفر للعمرة ، في الوقت الذي تعقد فيه الصفقات الجنسية في صالة الكباريه ويدفع " بوسي " التي قامت بدورها دنيا سمير غانم للجلوس مع الزبائن ، نجد أيضا شخصية " نهى " مضيفة الكباريه والتي قامت بدورها الفنانة السورية جومانة مراد التي لا تتوقف عن الرقص طوال الليل واستقطاب البنات للعمل في الكباريه ، تجمع الفلوس حتى تذهب بوالدتها إلى الحج ، قمة التناقض أيضا في شخصية سيد كيت جامع النقطة والتي قام بها علاء المرسي ، الذي يجمع آلاف الجنيهات وهو لا يملك ألف جنيه حتى تذهب ابنته إلى المدرسة ، و نجد " عم علام "، المشرف على العاملين بالكباريه والذي قام بدوره الفنان أحمد بدير ، يتوقف عن متابعة الزبائن من أجل صلاة الفجر ، ويمكن هنا وضع عشرات التعجب بعد كل هذه التناقضات في شخصيات الفيلم

.

يحاول الفيلم تقديم ما وراء عالم الكباريه المعروف لنا بضجيجه وصخبه وصفقاته ، ما وراء الوجوه المبتسمة الراقصة الباحثة عن المتعة ، وينفذ إلى قصة كل شخص ، مأساته إذا شئت الدقة ،و كل شخصية في الفيلم تحمل مأساتها الخاصة ، فالبودي جارد " فرعون " والذي قدم شخصيته الفنان محمد لطفي في أحد أهم أدواره في الفترة الأخيرة و ببحة في الصوت كان أحد أبطال أكتوبر ، ولما لم تكرمه الدولة أو تقدم له شيئا اضطر للعمل حارسا في " الكباريه " ، الفنان الكوميدي ماجد الكدواني قدم دورا تراجيديا مهما : شقيق صاحب الكباريه الذي كان يملك نصفه ، و يضطر للعمل حارسا لدورات المياه رغم إنه " يحب الخمرة والنسوان " على حد قوله ، خالد الصاوي يقدم دور مطرب شعبي " بلعوم " تدعمه إحدى الثريات العراقية " أم حبشي " والتي قامت بدورها الفنانة هالة فاخر ، وتبكي على ما يحدث في العراق رغم أنها ولدت في أمريكا ، وعاشت في لندن ، وتعلمت في بيروت ، وحتى لا يحزن يقرر بلعوم عمل أعنية للوحدة العربية " لا تقولي الحلم العربي ولا الضمير العربي " على حد قوله ، وهي الأغنية التي تؤكد أن العالم العربي كله يجتمع في الكباريه وليست شرائح المجتمع المصري فحسب " بحيي السعودية ، والدول العربية ، بمسي ع الإمارات ، عشان كلها دينارات " إلى باقي الأغنية.

يقدم الفيلم أيضا الصراع بين المطربين الشعبيين على ملاهي شارع الهرم والصراع بين الجيل الجيل والقديم ودعم بعض السيداتالغنيات لبعضهم ، ويتردد أن قصة الصراع بين مطربي الفيلم " خالد الصاوي ، وإدوارد " هي قصة معروفة ولأسماء مطربين معروفين ، وقد أشار البعض إلى أن الفيلم يتناول حياة المطرب "عمدة" في دور "بلعوم" خاصة وأنه يشبه الاحداث من خلال استعانته بسيارة "هامر" من "ام حبشي" والتي هي في واقع الأمر الاميرة "هند الفاسي" ، وقال البعض أن الصراع بين المطربين الشعبيين خالد الصاوي ، وإدوارد ، هو نفسه بين حكيم ، وسعد الصغير ، ثم بين سعد الصغير وعماد بعرور .


و رغم أن قصة الفيلم تدعو للنظر إلى شخصيات الكباريه بشكل إنساني والتعاطف مع قصصهم الإنسانية ومآسيهم .بعيدا عن وجوههم المئلئة بالماكياج المزيف ، لكنها لا تخلو من سذاجة وسطحية في الطرح ، فجملة قالها شعلان الانتحاري الذي ينتمي لإحدى الجماعات الراديكالية الذي قام بدوره في الفيلم فتحي عبد الوهاب ، بالتأكيد لن تكون مبررا كافيا لعم علام " أحمد بدير " ليترك العمل في الكباريه بعد أن يقتنع أن العمل فيه حرام ، وجملة قالتها مضيفة الكباريه " جومانة مراد ، للفتاة " بوسي " التي قامت بدورها دنيا سمير غانم ، لن تكون مبررا لأن تعود مرة اخرى إلى الكباريه بعد أن تتركه ، كما أن ظاهرة الإرهاب تناولها الفيلم بسطحية : إنتحاري يحاول تفجير الكباريه ولما يدخل يسكر ، ثم يقتنع بالحوار ، لكن من أرسلوه لا يقتنعون فيفجرون الكباريه بمن فيه ، خاصة وأن هذه النهاية وإن كانت تشوبها شائبة الاستسهال إلا أنها أيضا تحاول أن تقول للمشاهد أن كل من في هذه الكباريه في النهاية كافرون وسيذهبون إلى النار وسيموتون حرقا ، ثم الصراع بين أبطال الكباريه والذي ينتهي بمحاولة قتل شقيق مالك الكباريه له ، وموت عريس قضى ليلته في الكباريه ، وموت والدة مضيفة الكباريه ، ومحاولة مطرب شعبي قديم قتل مطرب شعبي جديد ، وتفجير الكباريه في النهاية ، لينعدم في النهاية السؤال عن معنى المنطق أو مدى صدقية ما يقدم .

الفيلم الذي يدور في ليلة واحدة تبدو نهايته مأساوية ، لكنها ساذجة أيضا ، وهي تفجير الكباريه بكل من فيه ، ولا ينجو إلا عم علام " أحمد بدير " الشخص الذي قرر ترك العمل في الكازينو ، وهي نهاية عاجزة ، تكشف عن فشل السيناريو في وضع نهاية مناسبة لمشاكل أفراد أبطال الفيلم ، فقرر أن يضحي بأبطال الفيلم والقصة والجمهور ، وفكرة الفيلم ، لكي ينتهي الفيلم ويريح ويستريح .

الفيلم قياسا إلى من قدموه هو الأفضل بالنسبة لهم ، فهو الأفضل بالنسبة للسيناريست أحمد عبد الله الذي لم يقدم عملا جادا أو ذا فكرة جيدة من قبل ، هو الأفضل للمخرج سامح عبد العزيز الذي قدم من قبل عددا من الكليبات وإن كان اعتمد كثيرا على هذ في الفيلم الذي امتلأ بالأغاني للمطربين " خمسة مطربين شعبيين في الفيلم ، لكل مطرب أغنية " ، وإن كان نجح في المزج بين الموسيقى التصويرية في مشاهد فتحي عبد الوهاب والرقص في الكباريه ، كما يحسب له أنه قدم ماجد الكدواني ومحمد لطفي في أدوار مختلفة وجديدة بالنسية لهم ، الفيلم هو الأفضل بالنسبة لمنتجه أحمد السبكي الذي لم يتعود الجمهور المصري منه على فيلم يحمل قيمة من قبل ، أيا كان حجم هذا القيمة ، هو فيلم جيد بالنسبة لمن قدموه ، ولا يمكن الطمع بمطالبتهم بالأفضل من هذا .

لا يمكن مقارنة الفيلم بأية حال من الأحوال بأي فيلم عالمي من الأفلام التي دارات في مقهى ليلي ، أو تناولت حياة شخوصه ، لا يمكن تشبيهه بفيلم كاميرون دياز الجميل " الطاحونة الحمراء " أو بفيلم ريتشارد جير وكاثرين زيتا جونز الاستعراضي " شيكاغو " ، أو الفيلم الأمريكي الشهير " كباريه " للايزا مانيلي ، أو حتى بالأفلام المهمة التيس قدمت أزمة تجمع بين أكثر من شخص في مكان واحد مثل الفيلم المهم لصلاح أبو سيف " بين السما والأرض "

ورغم تصدرالفيلم قمة قائمة إيرادات أفلام هذا الموسم السينمائي رغم وجود أفلام أكثر كلفة مادية منه مثل فيلم " ليلة البيبي دول " إلا أنه بالرغم من ذلك لا يمكن النظر إليه إلا على اعتبار أنه فيلم صيفي غنائي مسل، ليس أكثر ، يقدم المجتمع المصري على طريقة " صدق أو لا تصدق "

ــــــــــــــــــــــــــــــ

نشر بالشرق الأوسط

هناك تعليقان (2):

ملكة يقول...

مقال كويس وتحليل جيد جدا.
بس كان فيه حاجة في الاخر مش مظبوطة، فيلم الطاحونة الحمراء اعتقد كان من بطولة نيكول كيدمان مش كاميرون دياز.

تحياتي

محمد أبو زيد يقول...

ملكة
عندك حق حصل عندي لبس ،بالفعل الطاحونة الحمراء من بطولة نيكول كيدمان
أعتذر للخطأ
وشكرا على التوضيح