10‏/11‏/2017

محمد أبو زيد: قصيدة النثر ليست نهاية المطاف.. وهناك تطور قادم


حاوره: علي رزق

الغربة والفقد.. تيمتان شعريتان طالما أثريتا المنجز الإبداعي لعدد كبير من الأسماء اللامعة، لكنهما عند الشاعر محمد أبو زيد عماد مشروعه الشعري الذي ولد مكتملا أو شبه مكتمل مع ديوانه الأول "ثقب في الهواء بطول قامتي"، لتأتي أعماله اللاحقة لتؤسس للمشروع ولفرادة الصوت الشعري.

لأبو زيد ـ بخلاف تجربة وحيدة في الرواية "أثر النبي" ـ تجربة شعرية للأطفال "نعناعة مريم"، ويواصل أبو زيد خطواته الشعرية راسماً مساراً يخص  الذي لا يعرف أحداً ولا يعرفه أحد، كما يقول في إحدى قصائده.

التجديد على مستوى "المفردة" كان سمة ملازمة  لكتابات أبو زيد، وصولاً إلى منطقة قد لا يخاطر الآخرون  بارتيادها، فهو الأزهري الجنوبي المثقل بالموروث اللغوي الذي يكتب قصيدة بعنوان no news is good news ،  وهو الذي يختار المفردة القرآنية "مدهامتان" عنوانا  لقصيدة وديوان، ولا يتورع بعنونة قصيدة "أعلق صورتي على الحائط وأكتب تحتها wanted.

خطا أبو زيد سريعا على طريق الغياب ليترسخ حضوره الشعري في مشهد صاخب، ولتكتسب تجربته الكثير من الأهمية رغم وحدته، في القصيدة وفي الحياة العامة.


**أبوزيد ..متي خلعت زيك الازهري ..وما الذي بقي منه في قصيدتك؟

لم أخلع زيي الأزهري بعد. ربما لأنه منحني اللغة والفهم العميق للتراث والقراءة المتأنية لتاريخ الأدب العربي. ستجد ذلك كله في معظم دواويني، ربما قلت وطأته قليلاً، لكنه لا زال موجوداً. في ديواني "مدهامتان" وضعت صورة تعريفية لي على الغلاف الداخلي، وأنا بعد طفل أرتدي الزي الأزهري، ربما تصلح هذه الصورة التي استعدتها أن أقول أنني ممتن لهذا الزي الذي منحني الكثير، وربما كان أيضاً رغبة في الاشتباك معه، وهو ما جعل الديوان يقفز بين أنواع القصيدة الثلاث (العمودي ـ التفعيلة ـ النثر)، اسم الديوان نفسه "آية من القرآن الكريم". إذن ربما لم أخلع زيي الأزهري، لأنني أرى أنه أفادني كما أنه يميزني، لكنني سعيت ـ وأطمح أن أكون نجحت ـ في أن أطوره عبر الاشتباك تارة، والقفز عليه تارة، ومحازاته تارة أخرى.

 
**قلت في واحدة من شهاداتك ان "صدمة المدينة " لم تستوعبها الا قصيدة النثر " رغم سابق كتابتك للقصيدة الخليلية والتفعيلة ..ما هو الفضاء الذي وجدته في قصيدة النثر ولم تجده في غيرها ..وما الذي بقي في القلب من صدمة المدينة ؟

الكتابة ـ أياً كان شكلها ـ تتغير وتتطور، لأنها مرآة للزمن. ولن يكون منطقياً أن تتوقف القصيدة ـ شكلاً ومضموناً ولغة ـ عند زمن معين. وهذا الكلام ينطبق أيضاً على قصيدة النثر،التي لن تكون الشكل الأخير للقصيدة، هناك تطور قادم، هناك محاولات مختلفة في اتجاهات متباينة، شاهد مثلاً القصائد التي تكتب عبر حسابات التواصل الاجتماعي، تويتر على سبيل المثال، عدد كلماتها، آليات كتابتها، وحتى آليات تلقياتها. عندما جئت المدينة أول مرة قفزت قفزة هائلة عبر الزمن يدركها كل من انتقل من قرية فقيرة إلى عاصمة لا تسكن أبداً. لم تكن القصيدة التفعيلية بغنائيتها صالحة لهذا الصخب، بل كان صراخ قصيدة النثر هو العكاز الذي أستند إليه في مواجهة وحوش تختلف تماماً عن كل ما رسمته مخيلتي من أحلام. لكن مع مرور الوقت، ومع اعتياد القلب على الهزائم الأسمنتية، تصبح القصيدة هي حائط الصد الوحيد، بعد أن تعتاد غربتك، بعد أن تتآلف معها، وبعد أن تجرب غربة أخرى، في المكان والزمان، في بلاد أخرى، لا تتبقى إلا القصيدة التي تجبر شيئاً يتحطم فيك كل ما انتقلت من زمن ومكان إلى آخر.

 
** عندما تلجأ الي مفردة قرآنية او تراثية ..فهل يعني هذا غلبة "سفر التكوين " علي الشاعر المتمرد ..وكيف هي علاقتك بالمفردة الشعرية اجمالا؟

هذا تراثي وأنا أعتز به وأحبه، وأفضل أن أطوره على أن أتركه مهملاً، هذا لا يعني أنني أحضر مفردات معجمية مهجورة من التراث وأضعها كما هي، بل أحياناً أستخدم مفردات مهجورة لأنها شديدة الاستخدام، أو لأنها "أكليشيه"، وأعيد وضعها في النص في سياق مختلف. لا أرى أن هناك أي مفردة ـ سواء كانت عامية أو فصحى أو حتى بلغة أجنبية ـ لا تصلح للشعر، لكن السؤال هو كيف يتم استخدامها.


** مازلنا مع المفردة ..والسؤال عن تطعيم الجملة الشعرية بمفردة عامية "قلبي مربوط برجل الكنبة " أو انجليزية مكتوبة بالأحرف اللاتينية وهذا كثير في شعرك

أهتم بتشكيل النص عموماً، بمعنى أنك لو نظرت لكل ما كتبت من بعيد، ستجد أن هناك نصوصاً في الدواوين المختلفة مرتبطة ببعضها، وشخصيات تظهر في الدواوين بصفة متكررة، ولو نظرت لكل ديوان على حدة، ستجد اهتماماً ببناء الديوان ككل، سواء عبر التقسيم أو الترقيم، أو الهوامش والإشارات والمراجع، ولو نظرت إلى كل نص على حدة، ستجد اهتماماً بالعناوين بصفة خاصة، وبإعادة تقديم المفردات المتداولة بشكل شعري، أو بدمج العامية مع الفصحى، وتقديمها بشكل شعري، وأعتقد أن المفردة ـ وهي أصغر وحدة في النص ـ ينطبق عليها كل ما سبق، فهي بمثابة اللبنة التي تكون بجانب لبنة أخرى جملة مختلفة مميزة. لا أقول إن كل هذا مقصود عند كتابة القصيدة، لكني أعتبره جزءاً من مشروع كبير أعمل عليه.


..شاعر يفقد ذاته ..بضعا تلو الاخر

** في القصيدة وفي بعض الحوارات تحدثت عن معاناة الفقد المتتالي ..فهل تراه ــالفقد ــ وحشا صارعك فصرعك ، أم حفرة وثقبا اسود يبتلع الاحبة وينعكس في القلب ؟

لم تعد هناك وحوش تخيف. أعتقد أنني فهمت لعبة الموت مبكراً، ربما بسبب رحيل الأحبة في عمر مبكر، فلم أعد أخافه، ورغم حضور الموت ـ والفقد بالتالي ـ في كل الدواوين،  بداية من الديوان الأول ـ ثقب في الهواء بطول قامتي ـ إلا أنه لم يحضر بصفته وحشاً، بل بصفته صديقاً، أتحاور معه، ربما يمكن اعتبار الأمر خدعة، كي لا يخطف أحبة آخرين، ففي كل مرة يفعل ذلك يترك ندبة سوداء كبيرة في القلب، لا تلتئم أبداً، لكنها تجعل الأيام أثقل وأكثر سوداوية، وتجعل الموت ذاته رفيقاً دائماً، لا تخافه، لكنك لا تأمنه في الوقت نفسه.


**هل يعتاد المرء الفقد يوما ؟

في أحد نصوص الديوان الأخير أقول إن "الصدفة تأتي في موعدها كل أسبوع"، أعني أنك حتى لو اعتدت الفقد سيظل فقداً، يؤلمك، ويحفر جرحاً عميقاً في روحك، ربما تعتاد الجراح، لكنك ستظل تتألم. لكن أقسى ما في الأمر أن كل هذه الأشياء/ الأشخاص الذين تفقدهم يكوّنون ذاتك، حكاياتك، أيامك، فتكتشف أنك تفقد نفسك يوماً بعد الآخر، حتى تتلفت يوماً فلا تجد أحداً حولك، وإذا ما نظرت في المرآة فلن ترى شيئاً.


** كيف تري الفارق بين الفقد كواقع تراجيدي وبين الغياب كونه حالة إنسانية ؟

الغياب قد يكون اختيارياً، أن تختار أن تنسحب من العالم، قد يكون رد فعل يائس أخير على الفقد..


** انتهت ــ او لعلي اري هذا وحدي ــ لعبة الأجيال الشعرية فكيف تري ما قد يكتبه تأريخ الشعر عنك وعمن يكتب الشعر منذ بداية الالفية الثالثة ؟

أعتقد أن مفهوم الأجيال ـ أو هكذا أتصوره من وجهة نظري ـ مرتبط، بعلاقة الكتابة بالزمن، وبالمتغيرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية واللغوية وانعكاسها على الكتابة، حتى لو لم يبد ذلك محسوساً بشكل كلي، بمعنى أنك سترى آثار نكسة 67 في كل دواوين جيل السبعينات، حتى لو لم يكتبوا عنها صراحة. بالنسبة للجيل الذي أنتمي إليه، أعتقد أن الأمر تغير بشكل كبير، فمفهوم الجيل أصبح يتجاوز المحلية، وأصبح عربياً وعالمياً بسبب انتشار الإنترنت والانفتاح عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي، واستخدامها في الترويج، والتواصل بين شعراء من دول عربية مختلفة عبر فيس بوك أوتويتر، وهنا يمكنني أن نطلق على هذا مصطلح "عولمة الشعر"، ورغم ما له من فوائد مثل الاطلاع على تجارب أخرى في بيئات أخرى، إلا أنه يسمح بظهور ظواهر غير حقيقية. ويُغيّب الخصوصية الثقافية في بعض الأحيان، ولهذا تجد قصائد كثيرة متشابهة، أو تستخدم مفردات أو صور متشابهة تظهر في بعض الأحيان، وكأنها "موضة" شعرية،  لكن بالنسبة لي لا أعرف ما الذي سيكتبه  تأريخ الشعر عني، لكن بالنسبة للجيل الجديد، فأعتقد أنه سيحدث نقلة نوعية في الشعر، تشبه تلك التي حدثت في الستينات مع  الانتقال من التفعيلة للنثر، وإن كان في اتجاه آخر.


** ما الذي يدفع شاعرا لارتياد تخوم السرد والدراسة والنقد أحيانا ؟

عندما تتأمل تاريخ الأدب العربي، لن تجد تلك الفوارق الحادة في الكتابة، بل كان الكاتب الموسوعي هو المثال، يعني ستجد العقاد يكتب الشعر والنقد والدراسة والرواية، وكذلك المازني، وحتى في التراث العربي ستجد الأمر ذاته عند الأصفهاني الذي كان كاتبا موسوعياً على سبيل المثال. ولا أرى ضرراً في التنقل بين أصناف الكتابة، بالنسبة لي أو لغيري ، ما دام الكاتب يملك أن يفعل ذلك بشكل مقبول.


**الي أي مدي قد تشعر بالضغينة تجاه  من يقسمون علي تراجع المنجز الشعري المصري مقارنة بنظيره العربي مع تسيد قصيدة النثر للمشهد

بداية، لا أشعر بالضغينة تجد أحد، لكن يمكن القول إن هناك رؤى مختلفة حول هذا الأمر، ورؤيتي أن الشعر المصري يتقدم كثيراً على يد الجيل الذي تلاني، الذي استغل وسائل التواصل الاجتماعي للانتشار والتواصل عربياً، وقراءة الترجمات، وتداول الكتب إلكترونياً. هناك أسماء شعرية مهمة، وهناك حركة شعرية نسائية مصرية لافتة بالمناسبة، وعاد الشعر على يد هذا الجيل ليحتل مكانته بعد أن ظل نقاد الجيل الماضي يرددون أن هذا زمن الرواية،  أراهن أن الجيل الجديد من الشعراء سيصنع نقلة كبيرة في الشعر، والزمن خير شاهد. أما بالنسبة للحديث عن قصيدة التفعيلة أو النثر، فأعتقد أن هذا حديث تجاوزه الزمن والعالم منذ زمن، ولا أرى من يجددون الجدال حوله إلا يعيدون ما قيل،  دعوا "الشاعر" يكتب، واستمتعوا بالشعر، ثم احكموا.

............

نشر في جريدة القاهرة

 

محمد أبو زيد: مواقع التواصل أوجدت عشرات الكُتّاب المزيفين


القاهرة: رحاب عبد العظيم

محمد أبو زيد كاتب تنوعت إسهاماته بين الرواية والشعر والنقد والمقالات الصحفية؛ حيث يثبت تميزه في كل منها، بدأ الكتابة منذ عامه الأخير في الجامعة، حين صدر له أول دواوينه: «ثقب في الهواء بطول قامتي» عام 2003، ليواصل كتاباته وتميّزه في «قوم جلوس حولهم ماء» عام 2006، كتاباته تواصلت في الشعر للكبار، وللصغار أيضاً، ككتابه في شعر الأطفال «نعناعة مريم»، كما طرق باب الرواية ب «أثر النبي» عن دار شرقيات عام 2010، وأخيراً كتابه النقدي «الأرنب خارج القبعة». هنا حوارنا معه.

*ما الذي دفعك لكتابة «روشتة الفشل في الكتابة» في كتابك الأخير «الأرنب خارج القبعة»؟

- الضد يظهر حسنه الضد، كما قال الشاعر القديم. في ظني أن «روشتة الفشل في الكتابة»، تكشف عن أحد أسباب ضياع أجيال كاملة من الكُتّاب، أو اختفائهم، رغم أن بعضهم ما زال يكتب، لكن بلا أثر يذكر. «روشتة الفشل في الكتابة»، هي رسالة إنذار لنا جميعاً ككتاب، حتى لا نتوقف عن الكتابة، أو حتى لا نكتب شيئاً لا يمكن أن نسميه كتابة جادة بأي حال من الأحوال. عدد من الأصدقاء - ممن كانوا يطمحون أن يكونوا كُتّاباً في زمن قبل أن تجرفهم تصاريف الحياة إلى الانشغال بالعمل قالوا لي، إن ما ذكرته في هذه «الروشتة»، ينطبق عليهم، وأن هذه الأسباب كانت بالفعل سبباً في ابتعادهم عن الكتابة. يمكنك أن تقولي إن «روشتة الفشل في الكتابة»، هي تحذير للكُتّاب، ولي قبلهم، حتى أتمسك بالحبل السري للحياة، ذلك الذي يُسمى الكتابة.

*هل ينافس الأطفال «المرأة» في عالم الإلهام أم أن لكل منهم أثره في ذهن الكاتب؟

- التجربة بشكل عام هي الملهم الأول، بعضهم تلهمه تجربة الحروب، وبعضهم الآخر يلهمه الحب، بعضهم قد تلهمه صورة، أو حادث، أو لا شيء، على الكاتب أن يستعين بأدوات الطفل في التعامل مع العالم، كي يتعامل مع كتابته؛ حيث اكتشاف العالم كأنه مخلوق للتو، كأنه قطعة من الحلوى، فضها خلسة دون أن يراه أحد، كأن كل شيء حوله لم يحدث من قبل، وأنه يصنعه بنفسه. هنا يمكن القول إن الطفل هو معلم الكاتب في كيفية صناعة عالم مثالي، لا يبارى في الكتابة.

*تحدثت عن أهمية الكتابة، فهل أنت راضٍ عن سيل الكتابات التي تشهدها دور النشر مؤخراً؟

- الزمن خير مصفاة للكتابة، لو أحضرنا جرائد الخمسينات والستينات، وتصفحنا صفحات الثقافة فيها لوجدنا عشرات الأسماء التي اختفت، ولم يبق إلا من يملك مشروعاً حقيقياً، ومن يستطيع الصمود في وجه الضغوط المجتمعية، التي تدفع كل فرد بعيداً عن الكتابة، ولو جربت مثلاً أن تتذكري أيام الدراسة الجامعية، لوجدت عشرات الزملاء، الذين كانوا يقدمون باعتبار أنهم شعراء الجامعة، في النهاية لا يبقى إلا الشيء الحقيقي الجاد، والمشروع الطموح. ربما ساهمت بعض دور النشر، التي تسعى للربح فقط، في الفترة الأخيرة، في زيادة الأزمة، عن طريق نشر كتب لكل من يريد أن يجمع أوراق مراهقته في كتاب، وربما ساهمت بعض المكتبات في ذلك بسيل حفلات التوقيع، لكن منذ متى كان النشر أو حفلات التوقيع، أو حتى الشهرة دليلاً على جودة الكتاب. قبل عقدين من الزمان، كان هناك كاتب وضع اسمه على معظم جدران شوارع القاهرة، ومنح نفسه لقب «أديب الشباب»، وباع آلاف النسخ، أين هو الآن؟ الحكم للزمن. ولن يطول الأمر.

*هل تسهم الصحافة الثقافية في أي حراك بالمشهد الثقافي الحالي؟

- وأين هي الصحافة الثقافية أصلاً في مصر؟ لا توجد صحافة ثقافية، لأنه لا توجد صحف تهتم بالثقافة، أول ما يفعله رئيس تحرير أية صحيفة عندما يعد ملفاً عن أي حدث، أو عندما يحصل على إعلان، هو أن يقوم بإلغاء صفحة الثقافة، بل كادت صفحات الثقافة ألا تكون موجودة طوال الخمس سنوات الماضية، بسبب الأحداث السياسية، أما إذا كنتِ تتحدثين عن المجلات الثقافية، فيمكن عدها على أصابع اليد الواحدة، ولا أعتقد أنها ستحدث أي تأثير وسط هذا العدد الكبير من المبدعين، الذي نراه كل يوم، هناك مواقع ثقافية إلكترونية، لكن معظمها يتعرض للإغلاق، بسبب ضعف التمويل. المشكلة أن الجميع ينظر إلى الثقافة كرفاهية، من مسؤولين إلى صحفيين إلى قراء عاديين، لا يعرفون أنه لا يمكن إصلاح هذه البلاد إلا بإصلاح وتنوير عقول شعبها ومسؤوليها.

*هل تراجع الدور الذي تلعبه المدونات الإلكترونية؟ وما البديل الذي طغى عليها وعلى دورها؟

- كنت من أوائل الذين لجأوا إلى المدونات للنشر، ولإيجاد مكان بديل لكي نقول فيه شيئاً مختلفاً، كان ذلك قبل 11 عاماً تقريباً، وخلال هذه السنوات أستطيع أن أقول إن المدونات كاد ينتهي تأثيرها تماماً، ما زالت موجودة، لكنها غير مؤثرة، لأن المدونين لجأوا إلى منصات إلكترونية أخرى أكثر تأثيراً أو تخصصاً، سواء كانت للتدوين القصير ك«تويتر»، أو تدوين الصور ك«إنستجرام»، أو تدوين الفيديو ك«يوتيوب»، أو كتدوين اجتماعي مثل «فيسبوك»، وأعتقد أن ما حدث هو طبيعة الحال، فالمدونات نفسها ظهرت على أنقاض ما كان يعرف بالمنتديات، لكن الحقيقة أنها كانت تمنحنا مساحة للبوح أكبر من التي تمنحها المنصات الجديدة، كما لم يكن هناك أي اهتمام كبير بالكتابة من أجل «اللايك»، أو رد الفعل، أو المزيد من الإعجابات والمتابعات. كانت الكتابة المفتوحة في بدايتها، بكراً، لم يلوثها هوس الإعجابات، هناك عودة من قبل بعضهم للمدونات، ممن أدركوا ذلك، وممن يبحثون عن الهدوء، والخصوصية، والأرشفة أيضاً، بعيداً عن صخب وجنون «السوشيال ميديا".

*ما نقطة التميز التي حملتها مواقع التواصل الاجتماعي للكُتّاب، وهل تسهم في وأد بعض الأفكار لدى أصحابها؟

- نقطة التميز، التي حملتها بشكل عام، أنها أعطت المساحة لكل شخص ليعبر عن ذاته، أن يكتب، أنها ساهمت في إيجاد مساحة لعدد كبير من الشعراء والكُتّاب الجيدين، ربما لم تكن ستتوافر لهم لو انتظروا النشر الورقي أو الحكومي، أنها قربت بين الشعراء في الأقطار المختلفة، لكنها في المقابل أوجدت عشرات الكُتّاب المزيفين، ممن ظنوا أنفسهم من الكُتّاب المجيدين لمجرد أن عشرات الإعجابات تنهال على ما يكتبونه من أصدقائهم؛ لذا فالفرز مهم. وهو أيضاً متروك للزمن، ولإدراك الكاتب ألا تسحبه دائرة الكتابة للدائرة الضيقة، التي تحييه على كل ما يخطه، سواء كان غثاً أم سميناً. أما سؤالك حول إذا كانت تساهم في وأد بعض الأفكار لدى أصحابها، فهذا يتوقف على الكاتب نفسه، وهل يستخدم هذه المواقع كبوابة للنشر، أم كحائط يعلق عليه كل ما يقوله، وهو ما يحوله في النهاية إلى بحر عملاق يسحبه إلى الداخل، يشبه إلى حد كبير كتاب المقاهي وسط البلد، الذين تسحبهم إلى عالم النميمة فيغرقون فيها، ويتحولون إلى جنرالات للمقاهي، يطلقون الأحكام، وينسون الكتابة.

..............


 

09‏/11‏/2017

Wind river




ـ أشعر بغضب عارم
وأرغب في محاربة العالم كله
هل لديك فكرة عن هذا الشعور؟
ـ أعرفه، ولكنني قررت أن أحارب الشعور نفسه
لأنني عرفت أن العالم سيفوز.


من فيلم ‫ Wind River


03‏/11‏/2017

دهشة سيرافين


لم تحفظ ذاكرة الزمن سوى صورة واحدة للفنانة التشكيلية الفرنسية، سيرافين دو سينليس (1864- 1942)، تقف بجوار إحدى لوحاتها، وقد رفعت رأسها إلى أعلى. حين طلبت منها المصورة وقتها أن تنظر تجاهها "لماذا تنظرين إلى الأعلى؟ انظري إليّ، كي أستطيع أن أصورك بشكل جيد"، أصرّت سيرافين على موقفها "أنا أنظر إلى الملائكة، أصدقائي، هم الذين يساعدونني دائماَ في الرسم ويمنحونني هذه الأشكال".

ربما لم تقصد سيرافين "الملائكة"، ربما كانت تريد أن تتحدث عن الوحي، والإلهام، عن ذلك المكان الغامض الغريب الذي يأتي منه الفن، عن المس، عن السحر، عن لسعة النار الأولى التي تصيب المرء فيظل يشعر بها إلى الأبد، وتجعله يهرول إلى ريشته أو قلمه كلما باغتته. ربما كانت تقصد الدهشة، المظلة التي كانت تحميها  من صهد الواقع.

حياة سيرافين، التي تحوّلت إلى فيلم عام 2008 من إخراج مارتان بروفوست وبطولة يولاند مورو، تبدو مدخلاً جيداً للحديث عن الدهشة وعلاقتها بالجمال والفن وإعانتها على احتمال الحياة.

كانت سيرافين دو سينليس خادمة ريفية طيبة، ورثت مهنتها من والدتها، وعاشت حياتها محملة بإرث عائلي ثقيل، تعيش وحيدة، بلا أصدقاء، تتكلم باقتضاب حتى تظن أنها نسيت من أين تخرج الحروف، وهكذا ظلت حتى يومها الأخير. كان يمكن أن تمر مثل ملايين غيرها، يولدون ويموتون دون أن يشعر بوجودهم أحد، لكنه ذلك السحر الذي مسها يوما، فحوّلها إلى فنانة دخلت التاريخ دون قصد ودون أن تدرك ذلك.

لم تكن سيرافين تعرف القراءة ولا الكتابة، وكانت معدمة تماماً، لا تكفي النقود التي تحصلها من عملها كخادمة لسد رمقها، خاصة مع حالة الكساد الاقتصادي التي ضربت البلاد بسبب الحرب العالمية، لكنها رغم ذلك، كانت تشتري بهذه النقود القليلة مواداً تحولها إلى ألوان ترسم بها لوحات مبهرة، وعندما لا تجد تعتمد على عطايا الطبيعة وأوراق الشجر في تجهيز ألوانها وموادها الخاج التي لم يكتشف أحد سر سحرها الخاص ولا مكوناتها حتى الآن.

كان يمكن أن تموت سيرافين وهي تمارس هذا الفن دون أن يعرف أحد، ودون أن تعرف هي أن ما تفعله يساوي آلاف الدولارات، لم تكن تعرف أحداً من رسامي عصرها ولا العصور السابقة، لكنها كانت تؤمن بما تفعله، تؤمن بأن هذا السحر، هذه الدهشة، هي التي تجعلها تحتمل الحياة، وتصل الليل بالنهار لتكمل لوحات، لا يراها أحد. لم يكن هناك دافع إلا الدخول إلى مناطق الدهشة والمتعة والجمال.

تعلمت سيرافين الرسم بنفسها، لأنه كان معينها الأول على احتمال الحياة، وكانت تعتبره حياتها، فكانت تفضل أن تشتري طلاء على أن تشتري خبزاً، وعلى الرغم من أن أعمالها تصنف باعتبارها أقرب إلى "الفن الساذج"، إلا أنها في قيمتها توازي أعمال فان جوخ، لم يكن لديها مصادر للتعلم إلا الطبيعة، لذا في الفيلم الذي قًدّم عنها، نجدها عندما تجد شجرة تذهب لتحتضنها، فهي مصدر الدهشة والمتعة والجمال بالنسبة لها.

لم  تر لوحات سيرافين النور إلا بعد أن وصلت إلى الثامنة والأربعين، حين التقت بالصدفة بالرجل الذي اكتشف بيكاسو، مجمّع اللوحات الشهير، الألماني ويلهايم أودي الذي استأجر شقة في منزل مخدومها، ورأى لوحاتها التي تعكس حالتها النفسية ما بين التوهج والنشوة، وقادها إلى الشهرة، لكنها  انتهت إلى الجنون، وماتت فقيرة في مستشفى للأمراض العقلية، لكنه ليس الجنون، بل هي أسئلة الفن ومصير الفنان التي لم تستطع أن تجيب عليها، ربما كانت موهبتها أكبر من هذه الأسئلة، ربما فاجأها الفن بأسئلة أعظم فجعلها تقفز من سور الدهشة الذي يفصل بين العقل والجنون.

هذا ليس كتاباً عن سيرافين، بل عن السبب الذي قادها إلى الفن والجنون، عن الدهشة والجمال، المرتبطين بالضرورة معاً، أحدهما يقود إلى الآخر، أحدهما يسلمك من يدك إلى الآخر، ويمنح قلبك قبلة الحياة، ويساعده على النبض أسرع.

الدهشة، عدوة الاستعارات الميتة، قرينة كسر المألوف، ابنة الغرابة والفن، صديقة الأرنب الذي قفز من القبعة الفارغة. هل تذكر أول مرة شاهدت فيه هذا المشهد؟ بالنسبة لي كنت صغيراً جداً. أحدّق في الشاشة، في محاولة للفهم والاستيعاب مع إحساس بالمتعة،  يجعل الحياة متقدة، كشعلة مضيئة في ظلام اليومي العادي المميت.

هذا كتاب عن السحر، في شتى صوره، والتي تبدأ من وقوف الساحر ذي القبعة الطويلة، يمسك القبعة بيد، وأذني الأرنب في يد آخر، إلى سحر الإمساك بالقلم وتشكيل عالم جديد، لذا فهذل كتاب عن فن الكتابة، إلى سحر خلق عالم مدهش تتأمله بعينين مفتوحتين في صالة مظلمة، لذا فهذا كتاب عن السينما، عن المشهد الذي رأيته صغيراً فظل عالقاً حتى الآن لذا فهو كتاب عن الماضي والحاضر، ولأنني لا زلت حياً  بدهشة تجري في عروقي بدلاً من الدم، فهو كتاب عن المستقبل.

هذا كتاب عن الدهشة وضد علامات التعجب، أكن عداوة لعلامة التعجب عندما تكون في نهاية الكلام، لا أحتاج إلى من يرفع حاجبيّ نيابة عني، لا أريد من يضع يدي على موضع الدهشة، ويقول لي: تعجب، لا أريده سوى أن يتركني هكذا، هائماً في صحراء الكلام، فربما أتعثر في دهشة، تطيل الحياة يوماً آخر، أو تمنح لها معنى.

في البدء كانت الدهشة، ثم جاء بعدها كل شيء.  

...
*مقدمة كتاب "الأرنب خارج القبعة"
 

أبي فؤاد حدَّاد


 رغم أنني أكتب قصيدة النثر الفصحى، فإنه عندما يسألني أحدٌ عن أقرب الشعراء إليَّ، يكون اسم الشاعر الكبير الراحل فؤاد حداد دائمًا في المقدمة.

فؤاد حداد الذي تحلُّ ذكرى ميلاده هذه الأيام، أطلق على نفسه: «والد الشعراء»، وقد كان كذلك بالفعل، لجيله الذي عاصَرَه، وللجيل الذي اقترب منه ونهل من شاعريته وكتَبَ على طريقته، أو للأجيال التي تلَتْهُ وما زالت تقرؤه، وتقف طويلًا أمام شاعريته المذهلة:

أنا الأديب وابو الأُدَبا

اسمي بإذن الله خالد

وشعري مفرود الرقبَهْ

زي الألف

ورقم واحد

والساعة ٦ في العتبَهْ. 

يتجاوز فؤاد حداد فكرة «شاعر العامية»؛ فقد كان شاعر عاميَّةٍ أقرب للفصحى، وشاعر فصحى أقرب للعامية، وشاعر قصيدةٍ عموديةٍ أقرب للتفعيلة، وشاعر تفعيلةٍ أقرب للنثر. جمَعَ كلَّ ما يُمكن جَمْعُه في قصيدته التي لا تفارقها الدهشة في بيتٍ واحدٍ منها:

أنا عندي يا ولاد الحلال حدوته

أنا والدي هو اللي عاشها

ولا حد قبلي نقشها

في حجر ولا مخطُوطْ

كان والدي بالطبع زيي

أراجوز ولكن حزايني

وانا كنت واد قطقُوطْ

الخالق الناطق دماغي دماغه

الخالق الناطق كما الشمُّوطْ

كان صوته، الله يرحمه، صُفَّارَهْ

وجسمه رايح جاي زي الفارَهْ

وعظمه يا نجارين بيلق في الزعبُوطْ. 

 
كانت شاعرية فؤاد حداد المتدفِّقَة تدفعه لأن يكتب «النص الديوان»؛ أي إن الديوان وحدة واحدة، وليس قصائد متفرِّقة تَمَّ تجميعُها، وهو ما نلاحظه في أسماء الدواوين وفي موضوعها، وربما لهذا لا يمكن اقتناص فؤاد حداد في قصيدة واحدة، أو في ديوان واحد. لا يمكن اختزاله في أغنية يُردِّدها الجميع ويُحِبُّونها دون أن يعرفوا مَنْ كَتَبَها. حتى الشعراء الكُثر الذين حاولوا تقليده، حبًّا في شخصه أو غرامًا في تجرِبته، يدركون صعوبة ذلك. لا بدَّ من قراءته كاملًا لتكتشف وجوهه المتعددة: الشيوعي الذي يكتب للثورة رغم أنه قَبَعَ في سجونها طويلًا، وابن الطبقة المتوسطة الذي درس في الليسيه لكنه كتب عن الفقراء وانحاز لقضاياهم أكثر من أيِّ شاعر آخر، والشامي الذي عَرَفَ دقائق اللهجة المصرية وزادها جمالًا بقصائده، والمسيحي الذي كتب أجمل ما يُغَنِّيه المسلمون كل رمضان «المسحراتي» وأصبح جزءًا من الذاكرة الجَمعية العربية، والمسلم الذي كتب أجمل قصائد المديح والتصوف في ديوانه «الحضرة الذكية»:

أنا طالب القُرب من وحوي فى إياحَهْ

قَمَرَه … على خدها زغاريد وتفاحَهْ

قالوا لي تكبر عليك أنا قلت بالراحَهْ

دي أبوها سلطان لكن البنت فلَّاحَهْ. 

تبدو اللغة في يد فؤاد حداد ليِّنة طرية، مثل عجينة الصلصال التي يُشكِّلها كما يريد، فيُفاجَأ القارئ به وهو ينحت كلماتٍ جديدةً، ويدخل من الفصحى ليخرج من العامية في مرونة شديدة، ويستفيد من كلِّ الموروث العربي البلاغي من محسِّنات بديعية، من جناس كامل وناقص وطباق وسجع وموازنة:

بكيت مسحت دموعي

بامسح دموعي بكيت.
 
فالبيت الأول الذي يبدو اعتياديًّا تمامًا، تقضي على اعتياديته اعتياديةُ البيت الثاني؛ بسبب لعبة بلاغية بسيطة كان يُجِيدها تمامًا:

يا حضرة الباشا فاكر يامَا سحَّرتَكْ

ودمعي تحت القمر بالليل مسح حارتَكْ

وقلت لك خلِّي قطفه لك وقطفه لي

وربنا يخلِّي أطفالك وأطفالي 

وجمال هذا المقطع يبدو في الجناس الكامل بين «قطفه لك وقطفه لي» و«أطفالك وأطفالي»، لدرجة أنه لا بدُّ أن تقرأها حتى تعرف الفارق بين البيتين؛ وهو الأمر الذي يتكرر كثيرًا في قصائد حداد. لكن لا يتوقف الأمر عند فؤاد حداد على «التلاعب اللغوي» الفَذ، بل في الصُّوَر المبتكرة الجديدة المدهشة طوال الوقت، والتي تجعل القارئ واقفًا على أطراف أصابعه وهو يقرأ منتظرًا الصورة الجديدة المدهشة، والمفاجَأة الشعرية القادمة. وربما تبدو قصيدته «الحلزونة» هي الأقرب والأشهر كمثال لهذا:

ولَّع سيجارهْ والَّا مش حتولَّعْ

راجع لي بعد المدرسهْ تدَّلَّعْ

دخانك اسودْ يبقى قلبك شايِلْ

لكن حسيب حضني في حضنك مايِلْ. 

وأجمل ما في هذا المثال هو بساطته الشديدة، لكنها بساطة «السهل الممتنع» كما قلت، خاصة في قوله: «دخانك اسود يبقى قلبك شايِلْ»؛ وهو ما يمكن ملاحظته في جميع أبيات القصيدة:

ردِّيت كإني من بعيد مش سامعْ

يا لابسه من تحت الوَدَع تنُّورَهْ

معسِّلَهْ زي القمر في الشمسْ

يا ام الليالي الهاطلهْ المشمُورَهْ

يا ريتني أعمى أشربك باللَّمسْ

والَّا أشمك من بيار الأمسْ!

قالت حتِقْلب جدِّ يا مسكِينْ

قلت لها أستاهل حدود الموتْ

أنا الحرامي سارق السكِّينْ.
 
هنا يفاجئ قارئه بلعبة أخرى؛ إذ تتداخل الحواس وتتبادل أدوارها في قوله: «يا ريتني أعمى أشربك باللمس»، وفي قوله أيضًا: «والَّا أشمك من بيار الأمس»؛ حيث يتداخل الزمان مع المكان.

كانت قصائد فؤاد حداد الشيوعي المسيحي المسلم غارقة في الأيديولوجية، لكن رغم ذلك لم تقلِّل من شاعريتها، بل يبدو أن تلك الأيديولوجية منحَتْها أَلَقًا متزايدًا؛ لدرجة أن أول دواوينه حمل اسم «أفرجوا عن السجناء السياسيين: أحرار وراء القضبان»، وهو اسم يبدو أقرب لعُنوان منشور سياسي، وليس ديوان شعر. ويمكن ملاحظة ذلك في عناوين دواوين أخرى له؛ مثل: «استشهاد جمال عبد الناصر»، و«حنبني السد»، و«بقوة العمال وقوة الفلاحين»، و«قال التاريخ أنا شعري أسود: ديوان فيتنام»، و«كلمة مصر»، و«الحمل الفلسطيني». حتى في البرنامج الإذاعي الذي كتَبَه وغنَّاه سيد مكاوي «من نور الخيال وصنع الأجيال في تاريخ القاهرة»؛ الذي كتَبَه ردًّا على النكسة، وهي الأعمال التي كَسَرَ فيها القاعدة التقليدية عن عَلاقة الشعر بالأيديولوجيا؛ ليؤسِّس قاعدةً جديدةً، تقول إن البقاء للأجمل، والأجمل هو كلُّ ما كتَبَه عن مصر في ثورتها وهزيمتها ونصرها، وعن فلسطين ولبنان، وقصيدته الشهيرة التي تحوَّلَتْ إلى أيقونة يُردِّدها كلُّ الباحثين عن التحرُّر والثائرين ضد الطغيان:

ازرع كل الأرض مقاومَهْ

ترمي في كل الأرض جدُورْ

إن كان ضَلْمَهْ تمد النُّورْ

وإن كان سجن تهد السُّورْ

كُونِ البادئ كُونِ البادِئْ

كُل فروع الحق بنادِقْ

غير الدم محدش صادِقْ

من أيام الوطن اللاجِئْ

إلى يوم الوطن المنصُورْ.
 
معنى فؤاد حداد أكبر من تأثيره في جيله أو الأجيال التالية له، وفي كل التيارات الشعرية، سواء من كتبوا الفصحى أو العامية، أو العمودي أو التفعيلة أو قصيدة النثر، أكبر من كونه أول من كتب قصيدة العامية المصرية، وقصيدة النثر العامية، أكبر من شعره العروبي والوطني والقومي والإنساني، بل في حكاية سمعتها أنه عندما كان الفنان الراحل «علي الشريف» معتَقَلًا ذات مرة مع فؤاد حداد، وكان حراس السجن يجلدون حداد أمامه، كان علي الشريف يصرخ فيهم: «إنتو بتضربوا مصر يا ولاد الكلب؟!» وأعتقد أن هذا هو المعنى الحقيقي لفؤاد حداد.

سلالة "أديب الشباب"


أصبح من المعتاد كل عام، في معرض القاهرة الدولي للكتاب، أن نسمع عن ظاهرة جديدة. مرة عن كتب "غريبة" تتصدر قوائم الأكثر مبيعاً، ومرة عن طوابير ممتدة للحصول على توقيع مغن أصدر كتاباً قال إنه شعر، ومرة ـ كما حدث هذا العام ـ يتداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي، مقاطع من كتاب ـ قال صاحبه إنه شعر أيضاً ـ واستغل البعض هذا لوصم الشعر المصري، والثقافة كلها بأنها في طريقها للانحدار، إن لم تكن قد انحدرت بالفعل.
ولسنا هنا في موضع تقييم هذا الكتاب، أو غيره، وإن كانت الضجة الغريبة التي أثيرت حوله، ساهمت في الترويج له، لكني أود أن أطرح سؤالاً: هل يمكن للظواهر ـ الغريبة ـ التي تشهدها الساحة الثقافية، أن تكون مقياساً للحكم عليها؟، ربما يمكن الإجابة على هذا بكم الظواهر، التي لمعت واختفت طوال السنوات الماضية، والتي اندرج بعضها تحت ما يسمى بالـ "بوب آرت"، أو "الأدب الشعبي"، أو "الأكثر مبيعاً"، أو تلك التي ظهرت في مواسم سياسية، مثل مئات الكتب التي ظهرت بعد ثورة 25 يناير، تحت تصنيفات الأدب أو المذكرات أو السياسة، أو تلك التي ظهرت بعد هوجة صعود المدونين، وتحولهم من التدوين إلى النشر الورقي، وتحويل مدوناتهم إلى كتب.
قبل حوالي عشرين عاماً ـ تقريباً ـ شهدت شوارع القاهرة ظاهرة "أديب الشباب"،  وهي ظاهرة يذكرها أي شخص مر في شوارع العاصمة تقريباً، حيث امتلأت الجدران بكتابات وإعلانات ـ على غرار دعاية معلمي الدروس الخصوصية ـ تدعو إلى قراءة مؤلفات شخص اسمه محمود عبد الرازق عفيفي، ومنح نفسه لقب "أديب الشباب"، وحملت كتبه التي كانت تباع على الأرصفة عناوين مثيرة تجتذب المراهقين في الأساس.
اختفى "أديب الشباب"، ولم يعد أحد يذكر عنه شيئاً ولا عما كتبه، ولا عن اللقب الذي منحه لنفسه، لكن لم تختف "السلالة"، التي تخط "نوعية الكتابة" نفسها، أو التي تستعمل الدعاية ذاتها، لكن بدلاً من أن نشاهد الإعلانات على جدران الشوارع، أصبحنا نراها على "جدران" فيس بوك، وتويتر، هي دعاية حقيقة وكبيرة، حتى لو اكتست بطابع الاستنكار أو السخرية أو الاستهزاء.
هذه "السلالة" ستستمر، طالما ظل هناك كُتّاب يستسهلون النشر السريع، ويبحثون عن الشهرة، ويكتبون لـ"الوجاهة الاجتماعية" ويصدقون الدعاية المضللة التي يصنعونها بأنفسهم، وطالما ظل هناك ناشرون ينشرون أي شيء، لكن المهم أن يقبضوا المقابل أو يروجود لكتب لجذب جمهور مغرر به، وطالما ظل هناك قراء يفضلون الكتب السريعة، التي يمكن أن يقرءونها وهم ممددون على حمامات السباحة، أو أمام البحر، أو ظل هناك مراهقون يبحثون عن كتب خفيفة، ينقلون منها "سطوراً" لمحبوباتهم، لكن كل هذه ظواهر ما تلبث أن تختفي، نعم سيظهر غيرها، لكن يعرف كل دارس لتاريخ لأدب أن مصيرها النسيان.
هذه ظاهرة عالمية، وموجودة على مر التاريخ، ويمكن الرجوع ببساطة إلى إصدارات القرن الماضي في دار الكتب، أو الذهاب على الأقل إلى سور الأزبكية، وتصفح عشرات الكتب المشابهة التي لم تعد تجد قارئاً، لأنه تشبه الفقاقيع، التي ما تلبث أن تنفجر لتختفي.
لم يعبر "أديب الشباب" عن عصره، كما لا تعبر الكتب التي يتداول البعض أسماءها اليوم عن العصر الحالي، فالحقيقة هي أن هناك حركة شعرية جادة بدأت في السنوات الأخيرة، وهناك أسماء شابة بارزة في قصيدة النثر والرواية تشكل مشهداً سيتبلور في صورته الكاملة خلال سنوات قلائل.
لا أعتقد أن "الاحتفاء" أو "السخرية" من بعض "الكتابات" التي تظهر كل عام في معرض الكتاب، سيعطي أي قيمة مضافة لهذه الكتابات، ربما يمنحها فقط بعض الترويج، لكنها ستلحق مثيلاتها في طي النسيان، ولن يتبقى إلا الأدب الحقيقي، وهو موجود بالفعل، فقط، سلّطوا الضوء عليه.

رسالة من رمسيس الثاني إلى المصريين

نظر الملك رمسيس الثاني وهو معلّق في رافعة صفراء، حوله، فأدرك أنه غاب عشرات القرون عن العالم تحت الأرض. كان يتأرجح في الرافعة التي انتشلته  من تحت الأرض إلى فوقها مرة أخرى، لكن الوجوه المحيطة به لم يكن يعرفها. مصريون؟ نعم. لا زالت جينات الفراعنة فيهم لكنها اختفت تحت عشرات الهموم التي خلفتها السنوات.

كان المشهد الذي نقلته وكالات الأنباء العالمية وعشرات القنوات الفضائية والمواقع الإلكترونية الأسبوع الماضي غريباً: رافعة تنتشل جزءاً من جسد الفرعون المصري الأشهر، والذي ساهم في بناء حضارة تجاوز عمرها السبعة آلاف عام ولا زالت تبهر العالم، بينما وقفت نساء بسيطات أعلى بيوت تشبه علب الكبريت يزغردن، وفي محيط الرافعة وقف بعض من  شباب وأطفال منطقة المطرية بالقاهرة على كوم من القمامة وهم يرقصون ويهتفون للفرعون ويغنون: "بص وشوف مين قدنا.. رمسيس التاني عندنا"، و"بص شوف المطرية فيها إيه"، وفي الناحية الأخرى اصطفت عشرات الكاميرات لكي تنقل العالم المنظر المتناقض، بين الماضي والحاضر، بين عصرين مختلفين، جرت بينهما الكثير من المياه في النهر.

رأى رمسيس الثاني منذ استخراجه من تحت الأرض الكثير، تغطيته ببطانية مرسوم عليها "سبيدرمان" البطل الأمريكي الشاب، أقلها وإن كان يبعث بدلالة، البيوت المبنية بالطوب الأحمر دون أدنى عناية، القمامة التي تنتشر في كل مكان، وجوه الأطفال والمراهقين التي تقاوم تغير العالم، وجوه الحراس التي عقدت اتفاقاً أبدياً مع الفقر والصبر. تغير العالم بلا ريب. تغير منذ أن تسيد الفراعنة العالم وكانوا الحضارة الأبرز في المنطقة، لليوم الذي أصبح للحضارة منطق آخر، وطريقة أخرى، ومكان آخر.

لو كان لرمسيس أن يخاطب أحفاده لقال لهم إن العالم تغير، وهم أيضاً تغيروا. لا يكفي أن تعيش على عظام أجدادك حتى تستمر عظيماً. فكم من حضارات هلكت عندما أهمل أحفادها حكمة التاريخ والزمن. كم هي عظيمة حضارة الإغريق، لكن اليونان موشكة على الإفلاس، لم تنقذ الحضارة العظيمة أحفادها، لم يفعل هيرودوت ولا الآلهة الأسطوريين شيئاً حيال ذلك لأن هذا فعل الأحفاد، وهذا دورهم.

الحضارات العظيمة تنتشر في العالم، من الصين إلى الهند إلى بابل إلى أثينا. لكن ما يقيم الدول هو استمرار بنائها وليس الاعتماد على ما كان من قبل. لكن هل أفلحنا حتى في الاعتماد على حضارتنا القديمة؟ بعض الدول الغريبة التي بلا حضارة استطاعت أن تروّج لحضارتنا أكثر منا. والحديث عن إهمال الآثار من أدنى البلاد إلى أقصاها ليس خفياً على أحد على أية حال، من سرقة إلى إهمال إلى تحطيم إلى بيع وتجارة، إلى إلقاء في مخازن حتى تتحطم إلى عدم ترويج.

بنى المصريون حضارات عظيمة بلا ريب، الفرعونية والقبطية والإسلامية، وغيرها، لكنهم توقفوا عن البناء، رغم أن الحضارة الحقيقية، هي الاستمرار في بناء الحضارة، وليس التوقف عند ما صنعه الآخرون، بعض البلاد كانت بلا حضارة واستطاعت أن تصبح أكثر تأيراً في العالم؟ كم عمر الأمة الأمريكية؟ بعض الدول بدأت صناعة حضارتها للتو وربما قبل سنين. الحضارة ليس فعلاً ينتهي مع الوقت، الحضارة فعل متحرك مع الوقت.

هذه ليست دعوة لترك الحضارة القديمة. إطلاقاً. بل البناء عليها والاستفادة منها. انظر إلى الصينيين وكيف يستغلون حضارتهم في كل شيء يبيعونه، أما كيف أصبحت رمزاً لكل ما ينتجون فالإجابة بسيطة: لأنهم يعتمدون على دمج الماضي في الحاضر، لينتجوا المستقبل، وهذا هو الفارق.