28‏/06‏/2006

خزانة الذكريات

لبائعي ألبومات الصور الرخيصة ، صينية الصنع ، في الحافلات العامة ، أن يقولوا أنهم حافظو الذكريات للمارة ، أنهم بائعو الخزائن التي تحفظ لقطة اختطفت من سياق الزمن وتم تسجيلها في صورة ، أنهم القابضون على الذكريات ، وحافظوها ، لتصبح فيما بعد دليلا على حياة مرت ، بحلوها ومرها ، وفرحها وترحها ، بكل ما مر فيها .
ربما لا يخلو بيت في العالم ، من ذلك الكائن البلاستيكي صغير الحجم المسمى بألبوم الصور ، ذلك الذي يحفظ بين دفتيه صورا عديدة لمراحل مختلفة من العمر ، ذكريات لأيام ماضية ، حفلات زواج ،وأعياد ميلاد ، ورحلات مع زملاء الدراسة ، وإجازة قصيرة على شاطئ البحر ، و ميلاد ابنة لأبوين طال انتظارهما لها ، ولقطة أخذت على حين غرة لشخص يبتسم في بلاهة ، وآخر مات بقى من قصة حب فاشلة ، وصور للذين تركونا وهاجروا ، أو خانونا ، أو ربما ماتوا .
يبدو من المفيد أحيانا للإنسان أن يقلب دفتر ذكرياته ، ألبوم صوره ، لكي يتذكر أصحابه ،وأعداءه ، و يلجأ الكثيرون للألبوم في أوقات المحن ، وأحيانا في أوقات الحنين ، ويحرص المرء عندما يكبر أن يجمع أولاده حوله لكي يقول لهم: هذا عمكم فلان ، وهذا الشخص عملت معه ستة أعوام ، وهذا الرجل أتذكر ملامحه ولا أتذكر اسمه، وقد ينظر لزوجته من تحت نظارته ويهمس لبناته ، وهذه المرأة الجميلة كدت أتزوجها قبل أمكم لولا النصيب الغلاب ، ثم يقلب صورة أخرى ويقول : وهذا جدكم ، ثم يقلب صورة أخرى ويقول لابنته المتزوجة ،وهذه صورتك وأنت طفلة ، كنت لا تكفين عن البكاء ، لم تتغيري أبدا رغم مرور ثلاثين عاما ، وعادة فإن من يرث الألبوم هو أقرب شخص إلى الراحل ، ربما لأن ألبوم الصور يعتبر من أشد الأشياء قربا إليه .
يختلف الألبوم باختلاف الطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها صاحبه ، فبائعو الألبومات الرخيصة في الحافلات العامة ، يدركون أن زبائنهم يشبهونهم ، وأن هذه الألبومات ستوضع فيها صور لابن يعمل في إحدى دول الخليج في مهنة شاقة ، أرسل صورته لأهله لطمأنتهم ، أو صورة وحيدة لأب قبل أن يرحل ، صورة بالأبيض والأسود ، بهتت بفعل الزمن ، وتنقلت من بيت لبيت ومن ابن لابنة ، أو صورة لعرس أحد الأصدقاء وقد تراص حوله شباب الشارع ، بائعو هذه الألبومات ، يعرفون أن لها مشترييها ، وهم حتما يختلفون عن الباحثين عن ألبومات غالية السعر لتوضع فيها صور حفلة في فندق خمسة نجوم حضرها أحد المطربين شبه المعروفين ، يستطيع الألبوم في أحيان كثيرة التعبير عن طبقة صاحبه الاجتماعية ، لكنه في كلتا الحالتين ، لا بد أنه سيحمل نفس الذكريات المؤلمة والمفرحة .
مع مرور الزمن ومع توالي الصور تبدو الحياة أشبه بمسرح ، لا يضحك ولا يبكي ، ليس تراجيديا ولا حتى كوميديا ، فقط هو جدير بالتأمل والتفكير ، فما كان يضحك بالأمس يبدو اليوم جديرا بالحزن ،وما كان يؤلم يجعلنا نشعر بالبهجة ،وترف على شفاهنا ابتسامة ،وقد تبدو ألبومات الصور مبررا لتعبير " الزمن الجميل "، الزمن الذي أبكانا وحين نتذكره الآن في ألبومات الصور نشعر بالحنين الشديد إليه .
في كل ألبوم عشرات الصور ، ولكل صورة حكاية ، كل لقطة اختطفت من قبضة الزمن لها قصة تستحق أن تروى ، أحيانا ننسى التفاصيل ، لكن تظل تلك الصورة ،وهؤلاء الأشخاص عالقين بأذهاننا ، الذين يخبئون صورة يخبئون معها شيئا آخر ، ربما يبدو لهم أكبر من قاماتهم ، البعض قد يحذف صورة من ألبوم صوره لكنها تظل عالقة في ذهنه ، ترتبط بذكرى مؤلمة داخله ، أو فرحة لكنه يخشى أن يعرفها أحد .
لا شك أن ألبومات البعض تحوي الكثير من قصص الحب الفاشلة ، آخر ذكرى من حلم مجروح ،ودموع ، و زجاجتي كولا على الكورنيش ، ورحلة في مركب بين ضجيج الأغاني الزاعقة ، وحلم ببيت صغير لم يتحقق ، كل هذا يذهب أدراج الرياح ، ولا يتبقى منه سوى صورة عرض ذات يوم مصور متجول عليهما التقاطها ، لتنضم في نهاية المطاف إلى ألبوم أحدهما
الولع بالاحتفاظ بالصور ، يجعل البعض يحول حافظة نقوده إلى ألبوم صغير ، أحدهم ذات مرة أراني صور عائلته وأصدقائه بين دفتى حافظة نقوده ، فهو كما قال لي يعتبر حمل الصورة نوعا من التقدير لهذا الشخص ، لكن أكثر حاملى الصور ، وأصحاب أكبر ألبومات في الدنيا لا ريب أنهم المصورون الصحافيون ، وإن كان قد قضى على فكرة ألبوم الصور بالنسبة لهم " الكاميرا اليجيتال " تلك التي تحفظ الصور على الكومبيوتر مباشرة ، قد يخلق البعض الألبومات لصوره على الكومبيوتر ، لكن لا ريب أن للملمس الورقي مغزى آخر .
أكثر الناس ارتباطا بألبومات الصور هم كبار السن ، بعد خروجهم على المعاش، ومللهم من الجلوس غير المفضي إلى شيء على المقهى ، تصبح عادة الهروب إلى ورق الصور القديم ذا الرائحة القديمة، متعة وحيدة ، بعد أن انتفت الكثير من المتع ، ويصبح الجلوس في صحبة هذه الصور وتذكر الراحلين والباقين ، المواقف الحلوة والمرة ، سلوى لاحتمال الأيام الباقية في الحياة .
ألبوم الصور هو الذي قد يشفي جراح الفراق أحيانا ، أصدقاؤنا الذين سافروا ، آباؤنا الذين ماتوا في حرب لا ترحم ، أمهاتنا اللائى لم يودعننا ورحلن في صباح غاشم ، قصص حبنا الفاشلة ، مع مرور الزمن تتحول الصورة إلى مائدة من المن والسلوى ، السلوى الوحيدة في طاحونة الحياة التي لا ترحم ، السلوى التي تترك عجلة الحياة تسير بدون جراح أكثر ، السلوى التي سيلجأ إليها الكثيرون في أوقات الشدة فيذرفون لديها الدموع ، ألبومات الصور ، تلك الكائنات الصماء ، في أحيان كثيرة تحمل بين جناحيها شفاء لأمراض الفرقة والوحدة والوحشة .
"صورة صورة صورة ، كلنا كده عايزين صورة ، صورة للشعب الفرحان تحت الراية المنصورة " هذه الكلمات كتبها الشاعر الراحل صلاح جاهين ليغنيها عبد الحليم حافظ ، لكن ترى لو نظرت الدول العربية الآن في البوم ذكرياتها خلال القرن الماضي ، ترى أي جراح التقطتها عدسة الزمن ، لتتذكرها ، أي أفراح ، وأي جراح ، وأي فواجع ، و هل ستغني مجددا مع عبد الحليم " صور يا زمان ، صور يا زمان "
وأنت ؟ ، ماذا يحوي ألبوم صورك ، أي قصص للنجاح والفشل والفرحة والحزن ، الرفض والرضا ، البكاء و الضحك قصص نضال وحكايات حب فاشلة ، أي حكايات يحويها ألبوم صورك ، أقول لك ، فتش بنفسك.

هناك تعليقان (2):

radwa osama يقول...

جميل اسلوب الحكي ده ودافئة لغتك ..بجد فرحانه اني دخلت علي بلوجك ..تحياتي

محمد أبو زيد يقول...

شكرا يا رضوى
وشرفتي المدونة