18‏/04‏/2012

"مدهامتان" لمحمد أبو زيد: صه أيها الموت


محمد العشري
"صهٍ أيها الموت./ ماذا تريد بعد أربعة دواوين مفعمة بالجثث/ برائحة البارود والجماجم الطائرة/ بالدم والسل والطاعون/ لم يعد بإمكاني تقديم قرابين أكثر،/ تعبت". هذا الكلام الفادح المعترف والمستسلم للتعب يبدأ به الشاعر المصري محمد أبو زيد ديوانه الجديد "مدهامتان" الصادر حديثاً لدى "دار شرقيات" للنشر بالقاهرة، في محاولة ثرية تضيف إلى رصيده الشعري ألقاً وتميزاً واضحين.
في كل من مجموعاته السابقة استطاع الشاعر أن ينحت عالمه الشعري الخاص، ويعبّر عنه بمفردات دالة، تتكئ على بساطة اللغة، وتحليقها المراوغ في فضاء التفاصيل اليومية المعيشة، والعودة بها إلى الذات في مراحل تكوينها الأولى وإكتشافها العالم الخارجي: "أريد أن أعود طفلا مرة أخرى/ أحب،/ ويتحطم قلبي الغض/ أحلم بالكتابة والثورة/ أعرف الفارق بين العدو والصديق/ أتخلى عن حكمة الشيوخ/ وأعود حيوانا بريا/ يجري سعيدا في الغابة".
يسقي الشاعر ساق القصائد بماء المشاغل اليومية التي تمارسها الذات، وتُراكم في داخلها خبراتها الحياتية يوماً بعد يوم. فهي ترتاد المقاهي، لتقرأ عناوين الأحداث في وجوه الناس. تشتري حاجاتها من الجمعيات التعاونية، تركب الحافلة وتسافر بعيداً، ثم لا تلبث أن تعود إلى ذاتها منسلخة من أثر الواقع: "في اليوم الأول لتركي العمل/ لم يستطع هاتفي تحمّل كم الاتصالات/ فسقط على الأرض يلهث". فواصل زمنية تشتت الذات المشردة في البحث عن أناها، وهي تسعى للإمساك بخطوط العمر، الذي يتركها ويرحل مسرعاً كقطار هارب، ويترك تلك الذات عنواناً للذكرى والأسى: "مع الأيام/ أتحول لصورة معلقة على الحائط/ لا أهش على غنمي/ ولا التراب من على حواجبي/ تتغذى ذاكرتي على النسيان/ تسقط اللقمة من فمي/ أنسى أين تركت/ عينيّ/ وانصرفت باكيا".
للقارئ أن يشاهد صور القصائد، بهياكلها المكسوة باللحم الحي، وإنسانيتها العذبة تمر في شرايينها بما يضخه محمد أبو زيد من صور وأخيلة، تمثل فواصل جوهرية في التعرف إلى الروح الإنسانية، وما يشظّيها في مجتمعها الضيق. تدرك الذات أسباب سعادتها، فتمد أصابعها وتلمس جدار الحقيقية: "لأنني أحبكم/ أريدكم أن تموتوا الآن/ أريد أن أمشي خلف جنازاتكم/ واحدا وراء الآخر/ كإله إغريقي يدفن نصفه البشري في رضا". سرعان ما تقع الذات في جب سحيق، حين تكتشف الوجه الآخر: "لا أعرف شيئا  اسمه الحب/ أعرف النصال الغائرة والخيانة/ أعرف القسوة والصدور المثقوبة/ بريح صرصر عاتية/ أعرف الرصاص الذي حوّل جثتي لمصفاة/ جثتي الملقاة أمام غابة مطفأة".
يعرف محمد أبو زيد كيف يمسك بأطراف أوجاع قديمة، ويعريها في العراء، ليصطاد منها أشياءً مهملة في تاريخ الشعر، برغم أنها نخرت في أجساد المصريين فترة من الزمن، ولا يزال الريفيون يعانون منها أو يتذكرونها بما تركته من آثار وآلام جسيمة، قضت على الكثيرين الذين كانوا يجلبون رزقهم بالخوض في الوحل والماء العكر، فأصابهم مرض البلهارسيا الفتاك: "قتلتني البلهارسيا/ فبعت في السوق ذراعي الأخرى/ ونسيت الكتابة/ توقفت عن إشعال الشموع للعذراء/ وقيام الليل/ والاحتفال بعيد الفلاح/ وأنا أعدو عائدا من المقابر".
اللافت أن هناك وجها نسائيا يَعبُر مع محمد أبو زيد دواوينه. تلك هي ميرفت عبد العزيز التي أصبحت حالة مستمرة ترتدي قصائد الشاعر، وتدلف معه من مجموعة إلى مجموعة، وها هو يترك ذاته تناجي الطيف الأنثوي العابر في حياته، والمستقر في مخيلته ولا يستطيع الفكاك منه: "سواء قرأت ميرفت عبد العزيز/ هذه القصيدة/ أم لم تقرأها/ ها أنا ذا أجدد الكتابة/ مثل عجوز يسلي وحدته/ باصطياد طائرات الأطفال الورقية".
في لمحة ذكية يطير خبرً عن روايته الوحيدة "اثر النبي" لدى الناشر نفسه، في مراوحة ما بين الشاعر والروائي. ففيما يبدو الروائي سعيداً وهو يكتب روايته، يظهر الشاعر حزيناً في الإمساك بقصائده: "العام الماضي كنت روائيا/ كنت سعيدا كبطريق/ تناول إفطاره مبكرا/ ثم لعب الكرة مع سمكتي "حنكليس" في الشارع/ الآن أنا شاعر/ والشاعر حزين بطبعه/ حزين وهو يرى الأسطر تتساقط/ تحت سواد قلمه/ مثل حفار قبور".
ــــــــــــــــــــ

كيف تتعلم السياسة في 24 ساعة بدون معلم؟

بعد عام وربع من الثورة، تحول كل المصريين إلى خبراء في السياسة، الداخلية والخارجية، ويمكن بركوبك الميكروباص مشوارا واحدا فقط، إلى فيصل، أن تعرف أن كل الذين يجلسون حولك يمثلون اتجاهات سياسية مختلفة، هنا حصر لأهم الاتجاهات السياسية في الميكروباص، قصدي في مصر.

الثورجي.. أبو كوفية
في برامج التوك شو المسائية، يكتبون تحت اسم تعريف "ناشط سياسي"، بلا مهنة تنظيمية حقيقية داخل أي حزب أو تيار سياسي، اللهم إلا إذا كان "رئيس أمانة ائتلاف اتحاد الميدان الثوري"، وغالبا لن يكون في هذا الائتلاف أحد غيره.
الثورجي، كما عرفناه، بعد الثورة، يرتدي كوفية فلسطينية، يرتدي بنطلون جينز ديرتي، يطيل شعره وذقنه، يعشق الأضواء، وإصدار البيانات الصحفية المنددة، والتي تعلق على كل قطة تمر في الشارع، يعادي الإخوان والسلفيين بالسليقة، ولكن قلما تراه في ميدان التحرير.
الثورجي، يملك بالضرورة حسابا على تويتر، وعلى فيس بوك، وفي الأحداث المهمة، مثل محمد محمود، أو مجلس الوزراء، تجده يكتب على تويتر "بيرموا علينا قنابل"، مع أنه على المقهى، لكن القهوجي هو من يرمي عليهم الحاجة الساقعة، ومعظم تدويناته على الموقعين اعتراضا على أي شيء، وبعدين نفهم، وأحيانا يعلق "مش قلت لكم؟"، مع أنه لا يقول ماذا قال لنا من قبل؟
الثورجي يجيب على الأسئلة المتعلقة بالمستقبل، بشعارات وليس بحلول، أو وجهات نظر واضحة، ويبدأ حديثه دائما ب "إحنا كثوار"، أو "لما كنت في التحرير"،  مع أنه لا يستطيع أن يحمع خمسة من أصحابه رأوه في التحرير.
الثورجي يهتم بعدد "الفلاورز"، بتوعه على تويتر، ويباهي بعددهم الأمم على مقهى البورصة، ويعمل ريتويت لتويتات علاء عبد الفتاح، ونوارة نجم، ومالك عدلي، وينشئ صفحة على فيس بوك بعنوان "محبي المناضل الثوري، فلان الفلاني"، يشترك فيها هو وصديقته، والقهوجي، ويضع صورة له فيها وهو يرفع يده بعلامة النصر.
الثورجي يحكي عن الأيام التي قضاها في السجن، مع إنه كان ممسوك في قضية تحري، ويستشهد في حديثه، بعبارات لمارتن لوثر كينج، وماركس، وعبد الناصر، وكان سينتخب البرادعي، لكن بعد انسحاب البرادعي من الانتخابات الرئاسية، لا يجد أحدا يصلح، لكنه سيقوم بعمل توكيل لخالد علي من باب الجدعنة، وقد ينتخب أبو الفتوح إذا استيقط مبكرا يوم الانتخابات، مع  أن البرادعي ليبرالي، وخالد علي اشتراكي، وأبو الفتوح يمين إسلامي.
الثورجي، يرفض الانتخابات البرلمانية، لأنها ستأتي بالأقلية الدينية، لكنه سيخوضها من باب الظهور في البرامج الفضائية، ليهاجم الانتخابات، ويطالب بإيقافها، وفي النهاية سيكتشف أن عدد "الفولورز" بتوعه على تويتر، أكثر من عدد الأصوات التي حصل عليها، فتكون هذه فرصة له أيضا للظهور في التوك شو لمهاجمة الانتخابات.

الفلول.. أبو كنبة
مطربه المفضل عمرو مصطفى، ومذيعه اللامع توفيق عكاشة، وممثله المفضل طلعت زكريا، وأكلته المفضلة الريش والبيتزا مع "طنط عفاف"،  وميدانه المفضل مصطفى محمود أو روكسي، أوالعباسية، ومكانه الأثير، الكنبة اللي في البيت اللي قدام التليفزيون.
لا ترى الفلول إلا وهو يهتف "خربتوا البلد، خربتوا البلد"، وعندما تسأله "وهيه البلد كانت عمرانة قبل كده"، لا يجيب، لأنه معترض على كل شيء حدث، الفلول فقد والده في حادث تصادم، فاستبدله بحسني مبارك، لذا هو يسألك "فيه حد يعمل في أبوه كده"، وحين تسأله "وفيه حد يعمل في البلد كده"، لا يرد برضه.
الفلول مدمن لنظرية المؤامرة، يفطر مؤامرة، ويتغدى مؤامرة، ويتعشى مؤامرة، وهو يرى أن الإخوان والماسونيين والعيال بتوع التحرير، خربوا البلد، وينفذون مخططات موزمبيقية لإسقاط الدولة، وتفكيك الجيش، وتشويه التاريخ البلد، هو يكره قناة الجزيرة بالسليقة، ويرى أنها هي السبب فيما حدث في البلد، ويرى أن "قناة الفراعين"، هي التي تكشف الحقيقة، وتفضح العملاء والخونة.
هو عضو في صفحة "إحنا آسفين يا ريس"، وعضو مشارك في صفحة "وماله لما الداخلية تدينا على قفانا"، ومتابع جيد لمسلسل "زهرة وأزواجها الخمسة"، وأغنيته المفضلة "اخترناه، وأول طلعة جوية"، ويزور الطبيب النفسي باستمرار لأنه مصاب، بمتلازمة استوكهولم.
الفلول يعيش في عالم افتراضي، فالحياة بالنسبة له فوتوشوب، وكل ما يحدث ما هو إلا "صورة تعبيرية"، ويرى أن الماسونيين يخططون لضرب السياحة في مصر، ويعتقد أن شركة فيات، عندما صنعت السيارة فيات 128، كانت تقصد به يوم جمعة الغضب، 28/1 ومن هنا تتضح المؤامرة الغربية على مصر.
الفلول كان سينتخب عمرو موسى، ولما ظهر أحمد شفيق اتجه إليه، ولما ظهر عمر سليمان اتجه إليه، لكنه في كافة الأحوال يفضل أن يرشح مبارك مصر نفسه للرئاسة، مع أنه لو فعل ذلك، لن يذهب لانتخابه، لأنه جنين ملتصق بالكنبة، لا يتحرك من عليها.


الإخواني.. أبو دقن
يفرق شعره من الجنب، ويضع القميص في البنطلون، لحيته خفيفة، وأحيانا بدون لحية، ممتلئ قليلا، ويبدأ مكالماته الهاتفية دائما ب"السلام عليكم"، ويفخر بأنه ليس متشددا، لأنه يسمع أم كلثوم، وأحيانا عبد الحليم حافظ.
الأخ الإخواني تعود على العمل السري، لذا فهو يحكي عن 83 عاما من النضال السياسي السري، ضد الملك فاروق، وعبد الناصر، والسادات ومبارك، واعتقل في العصور الأربعة، لذل فهو يحدثك عن أحقيته  طوال الوقت في السلطة، لأنه أقدم فصيل سياسي موجود، والأكثر تأثيرا وتنظيما.
الإخواني، غالبا هو خريج كلية صيدلة، أو طب،  أو هندسة، وقلما يكون خريج كلية تجارة أو حقوق أو دبلوم صنايع، يردد مقولات الإمام الشهيد حسن البنا، ويبدو حائرا ما بين اقتناعه بعبد المنعم أبو الفتوح، وتأييده لخيرت الشاطر، لأن الجماعة طلبت منه ذلك.
الإخواني توافقي بطبيعته، ماعندوش مشكلة مع حاجة، خير الأمور الوسط، لكنه لا يحب حزب الوسط، لأن أبو العلا ماضي وعصام سلطان، انشقا عن الإخوان، ويهاجمانها دائما، وتوافقية الإخواني، تجعله قريبا من كل التيارات، ويتماس معها في أشياء مختلفة، لكن ساعة الجد، خالتي وخالتك واتفرقت الخالات.
الإخواني يغض بصره دائما، ويقدم الشكر لكل من حوله بجملتي "بارك الله فيك"، و"جوزيت خيرا"، يحفظ "الله غايتنا، والرسول إمامنا، والقرآن دستورنا، و الجهاد سبيلنا، والموت في سبيل الله أسمى أمانينا"، ورغم أن القرآن دستوره، إلا أنه يفضل أن يستحوذ على الأغلبية البرلمانية لوضح دستور البلاد.
الإخواني يرى السلفي متشددا يشوه الإسلام، ويرى الليبرالي منفتح يشوه الليبرالية، ويرى نفسه في المرآة، صورة للأخ الملتزم "جزاك الله خيرا"، الذي يلتزم بالصلوات الخمسة، في مسجد المستشفى، ويؤم المصلين، لأن الإخواني قائد بطبيعته.

السلفي.. أبو إسماعيل
بسم الله الرحمن الرحيم، السلفي، كائن مصري، بلحية طويلة، يستطيع أن يقيس طولها بقبضة يده، يرتدي الجلباب  الأبيض القصير، وأسفله البنطلون الأبيض المكوي النظيف الطويل، في يده سبحة مضمخة بالمسك القادم من السعودية، يضع في جيب جلبابه لبيسة قلم أزرق بك، وبجواره سواك، بحيث يبدوان كعلامة النصر.
اسمه سيكون مصعب، أو البراء، ويرفض أن يسلم على النساء باليد، يحرص على صلاة الفجر في المسجد الأكثر بعدا، حتى يكسب حسنات أكثر، في بيته لا يشاهد إلا قناة الناس، "مع أن القناة ما بتجيبش إلا إعلانات بطاطين وحلل، أمال بيتفرج على إيه"، في سيارته، تجد اسطوانات الشيخ محمد حسان، والشيخ أبو إسحاق الحويني، وفي محل عمله يشغل على الكومبيوتر موقع السلف الصالح، والعثيمين، والقرآن الكريم بصوت الشيخ الحذيفي والسديسي.
إذا كنت صديقا لسلفي على فيس بوك، فستجده يضع صورة الشخ حازم أبو إسماعيل في البروفايل الخاص به، ويرسل لك عبارات من نوع "انشرها ولك الثواب"، ويراهن على الشعور بالذنب لديك، بعبارات مثل "هل تبخل على الرسول بالصلاة عليه"، "إذا لم تنشرها فاعلم أن ذنوبك منعتك".
السلفي لم يكن له وجود حقيقي قبل الثورة، كان من الكائنات المتخيلة، لذا فهو لا يعرف هل هو ضد الخروج على الحاكم، أم مع الثورة، لكن لا مانع لديه أن يأتي في ميكروباص من مطروح للمشاركة في مليونية دعا إليها الشيخ حسان، لأن هذا "جهاد في سبيل الله"، لكنه في طريق عودته سيسلك طريقا آخر، لأن في هذا ثواب أكثر.
السلفي محدث سياسة، لكنه يستطيع أن يفحم من يتحدث، لأنه يستشهد على صدق آرائه بالقرآن الكريم، وبصحيح السنة، يدعو لدولة دينية، ويؤكد أن دولة الرسول كانت دولة مدنية، يرى أن مصير المعارضة النار، يجيد الاعتذار "لا عليك يا أخي"، بابتسامة وضاءة، لكنه يتعلم بسرعة، نقاء سريرته، وحرصه على الصدق، حتى في السياسة التي تحتمل تغير المواقف، تجعله الأنقى والأوضح حتى الآن.

الليبرالي.. أبو شعر
لا يستطيع احتمال تشدد الإسلاميين، ولا التزام اليسار بأيديولوجيتهم، فقرر أن يكون ليبراليا، يقف مع الفريق الأول أمام المسجد، ويشرب مع الفريق الثاني في الجريون، ثم يكمل ليلته مع صديقته في "البورصة".
الليبرالي، أرملة وجاية في أي مصلحة، توافقيته أسوأ من توافقية الإخوان، لأنه لا يريد أن يخسر أحدا، لا مشكلة لديه أن يكون يساريا يدافع عن الاشتراكية في ندوة في حزب التجمع، ثم يذهب إلى ساقية الصاوي ليتحدث عن أهمية النظام الرأسمالي في الحفاظ على حقوق الفقراء.
الليبرالي، يطيل شعره، وذقنه في نفس الوقت، حتى يكون قريبا من جميع التيارات، فالبابا شنودة ملتح، والشيخ حسان ملتح، وماركس ملتح أيضا، يلبس "عندية"، في يده، وتي شيرت، وبنطلون، ممزق، وكوتشي أبيض، يقضي يومه ما بين كافيهات الزمالك والمهندسين، ووسط البلد، يضع اللاب توب على ركبتيه، ويضرب الفلاشة المتينة، ويعيش على صفحة كلنا خالد سعيد، ومحبي بايرن موينخ، ويلف سجايره بدل السجائر "المكنة".
الليبرالي يعلق في غرفته صور جيفارا، وأفيش فيلم الأب الروحي، يحب منير، وفيروز من باب الاحتياط، ويرفض الهتافات الموجهة، أو الصادمة، مثل "يسقط يسقط حكم العسكر"،  لكنه يفضل أن يكون "يا مشير قول لعنان، بالراحة علينا يا مان".
الحديث المفضل عند الليبرالي، هو الحرية، حريته الشخصية، بالأساس، وقهوة الحرية في وسط البلد، بعد كده، وحرية المرأة في أن تفعل ما تريده، وعندما يتحدث يقدم النساء على الرجال، والسيدات على السادة، ومثله الأعلى في ذلك، عمرو حمزاوي طبعا.

وبكرة نقول كانت "ثورة".. وعشنا لنا يومين

ماذا سنقول لأولادنا غدا عندما نحكي لهم عن ثورة 25 يناير؟ أي عار سنواجههم به؟ أي هزائم وانكسارات وتشتت وتفتت سنقصها عليهم؟ هل نقول أنه بعد عام وربع فشلنا في تحقيق أي هدف من أهداف الثورة، هل نقول إننا صرنا فرقا متضادة، كل فريق يلجأ للميدان لوحده لأنه لا يريد الآخر معه؟
الهدف واحد، والطريق واحد، والهتافات واحدة، لكن ميدان التحرير، لم يستطع هذه المرة أن يجمع من جمعهم من قبل تحت سماء واحدة، استبق الإخوان القوى السياسية الأخرى، وأقام مليونيته، الجمعة الماضية، وأصرت القوى السياسية الأخرى، أن تقيم مليونية أخرى، الجمعة القادمة، كل فريق يستعرض قوته على الفريق الآخر، ناسين تماما أن هذا الميدان هو الذي جمع كل هؤلاء من قبل، قبل أن تغري التورتة كل واحد، بالتهامها كاملة؟ وناسين أن الهدف من المليونية أهم من المقاطعة، وناسين أن هذه ربما تكون هي المرة الأخيرة التي قد يجمعهم فيها الميدان.
التشفي هو السمة الوحيدة التي أصبحت تسم الجميع، الأغلبية تتشفى في الأقلية، والأحزاب المدنية، سعيدة لأن عمر سليمان عندما يصبح رئيسا لن يرحم الإسلاميين، مع أنهم لو فكروا لأدركوا أنه لن يتركهم أيضا ينعمون بالحرية والديمقراطية التي يعتقدون أنهم سينعمون بها.
كلنا فاسدون، كلنا متواطئون، كلنا متورطون بشكل أو بآخر، كلنا تسببنا بعنجهيتنا وطمعنا في كوارث العام الماضي، فلنتخلى عن ذواتنا قليلا، حتى لا يأتي اليوم الذي نندم فيه حين لا ينفع الندم، وحتى لا نشعر بالعار ونحن نحكي لأولادنا في المستقبل عن الثورة، وحتى لا تشتمنا كتب التاريخ، وتقول أننا الذين أضعنا الثورة بأيدينا، وبأنانيتنا وجهلنا، وطمعنا، وبدلا من أن نحكي بطولاتنا نختتم قصتنا لهم ب"أكلت يوم أكل الثور الأبيض".
لا يجب أن نساق إلى الاختيار ما بين الإخوان أو عمر سليمان، فالوطن أرحب وأكبر من هذا،  الوطن ليس عمر سليمان فقط، وليس الإخوان فقط، الوطن هو كل من جمعهم الميدان يوم 25 يناير، و28 يناير، و2 فبراير، و11 فبراير، كل من هتفوا في الميدان "ارحل"،  قبل أن تكون هناك كعكة كبيرة مغرية. يجب القفز على هذه الكعكة، وتحديد من وضع السم فيها، ليصرفنا عنه، وعن السم.
ما يحدث في مصر منذ عام وربع لا ينطبق عليه إلا المثل القديم الذي يقول "دوخيني يا لمونة"، فقد انشغلنا في أمور جانبية، وفي تفاصيل كثيرة، دخلنا فيها رغما عنا، فانشغلنا باللجنة التأسيسية، وبالانسحابات، وبالقضاء الإداري، وبرغبة حزب الأغلبية في الاستحواذ على جميع المقاعد، ونسينا الثورة.
دوخيني يا لمونة، فدخنا، وتهنا ما بين ترشح خيرت الشاطر، وترشح عمر سليمان، وأم أبو إسماعيل، ونسينا دماء الشهداء في محمد محمود، ومجلس الوزراء وبورسعيد وماسبيرو.
دوخيني يا لمونة، فدخنا وتهنا وضعنا، ولم نعد نعرف هل نحن دولة إسلامية أم سلفية أم مدنية أم فلولية، ونسينا هويتنا، ونسيتنا أن القتلة لم يحاكموا ولم تعد حقوق الشهداء الذين سقطوا بأيدي القناصة، ولم نسترد جنيها من أموالنا المنهوبة لا في الداخل ولا في الخارج، ولم نحقق أي هدف من أهداف الثورة، لا عيش، ولا حرية، ولا عدالة اجتماعية.
دوخيني يا لمونة، فدخنا لدرجة أننا نسينا القضية الأساسية، وأن مبارك لم يحاكم حتى الآن، وأن موقعة الجمل لا زالت تجري فيها المداولات، وأن الطرف الثالث في جميع الجرائم التي حدثت منذ قيام الثورة، ما زال هو الطرف الرابح، وأن الذي هدد بالفوضى، لا زال  مستلقيا على سريره في المركز الطبي العالمي، يراقب ما يحدث في مصر، وربما يضحك.
دوخيني يا لمونة، فداخ الجميع، وانشغلوا بالكعكة، بلاش دوخيني يا لمونة، وأفيقوا، أفيقوا قبل أن يأتي اليوم الذي نندم فيه على أننا قمنا بالثورة، أفيقوا وتذكروا ثورتكم، أفيقوا، أفيقوا يرحمكم الله.

26‏/03‏/2012

بازل محمد أبو زيد..الشعر ينفجر لحظة اكتمال الصورة


حسن عبد الموجود
"أضبط برودة الثلاجة/ وأترك قلبي وحيداً في الداخل/ خائفاً عليه/ من عواء الريح في الأفق". لا يخاصم محمد أبوزيد المجاز، ولكنه لا يعتمد عليه بشكل كلّي، المجاز يشبه قشرة في ديوانه الجديد "مدهامتان"، أو بالأدق لمسة الحنين إلي الأشكال القديمة، فكيف تتفجر الشعرية إذن من أسطر هي في الأغلب أقرب إلي تقرير؟! أو بشكل أدقّ.. هل يمكن تفجير الشعرية من التقرير؟!
نعم هناك إمكانية لتفجير الشعر من لغة مباشرة وواضحة، ممزوجة بقليل من المجاز، فالدهشة تخطفك مع اكتمال المشهد. الشاعر يسرد التفاصيل، ويعيد تركيب أجزاء الصورة بطريقة البازل، يعيد قص العالم ولصقه، ليجبرنا علي رؤيته من خلال منظوره هو، لا من خلال رؤيتنا الواقعية. الألفاظ هي الألفاظ، ولكن ترتيبها الجديد هو ما يصنع الاختلاف. وفي الأغلب سيبدو كما لو أن شيئاً ناقصاً ما لم تصل إلي السطر الأخير، ما لم تكتمل الصورة، وهكذا ستشعر بروعة المشهد الكلي، وسينفجر الشعر "سكان البدرومات/ يأخذون كرات أولادهم/ التي اتسخت/ من كثرة اللعب في الشارع/ يرفعونها كل مساء/ قمراً ينير طريق الليل في عودته".
في مداهمتان العالم شديد الوضوح، ألوانه صارخة، ربما تعويضاً عن المجاز، شبه الغائب "اليوم فقدت الأخضر/ وبالأمس الأزرق/ لم تعد هناك سماء ولا حقل ذرة/ لا يرقات ولا غابات أمازون/ الأحمر يستلونه مني/ ولا أقوي علي الزود"، ولكن لا يعني وضوح الألوان أن العالم مبهج، فالروح التي تُسيطر علي الديوان تحاول الهرب من شيء ما، من إحباط ما، من ذكري مؤلمة "تتغذي ذاكرتي علي النسيان" إنها روح قلقة وخائفة علي الدوام "أصبحت أخاف/ الكلاب الساكنة والمراهقين/ أهتم بالنظارات وقياس الكولسترول/ بمصادقة طبيب عظام جيد/ بأسعار المقابر في صحف الصباح". إنها تخشي الحقيقة المؤلمة، حقيقة الموت "مع الأيام/ أتحول لصورة معلّقة علي الحائط".
تتمني تلك الروح لأحبتها أن يسبقونها إلي العالم الآخر، فربما يكون أكثر جمالاً "لأنني أحبكم/ أريدكم أن تموتوا الآن/ أريد أن أمشي خلف جنازاتكم/ واحداً وراء الآخر". لا. تجزم تلك الروح بأمان العالم "سأكون سعيداً وأنا أغلق عينيك عن هذا العالم/ هناك ستكونين بمأمن/ سأتنهد بارتياح/ وأنا أضع آخر طوبة أمام فتحة القبر"، تجزم أيضاً بصعوبة تكوين العلاقات رغم أن هناك ما يدعونا إلي هذا "يقول موقع yahoo/ إن التفاهم صعب/ والعلاقة متعبة/ ومثيرة للأعصاب/ وإنه لا توجد ثقة كافية متبادلة/ بالرغم من أن الثور مفكر ومهذب/ والدلو مفعم بالحياة ومثالي/ أريد أن أصدّق الأبراج/ هذه المرة".
يملك محمد أبو زيد خبرة شاعر كبير، خلصته من مشاكل قصيدة النثر، خلصته أولاً من أن يكون رقماً في طابورها، وأيضاً من أن يكون جزءاً من الحالة العامة، أو القصيدة الواحدة التي يكتبها كثيرون، والاستثناءات حاضرة طبعاً وإن كانت قليلة. لا يترك اللغة تُسيطر عليه، وحتي لا يكون الكلام عاماً فإن هناك مثالاً بخطأ تكرار الفعل المضارع، لأنه يشيع حالة من الملل. أبوزيد لا يفعل هذا وإنما يستفيد من أساليب السرد الحديثة، فهو ربما يكسر الرتابة بتساؤل، بصوت آخر، إنه يكسر حالة الديوان نفسها بقصيدة عمودية، أو قصيدة تفعيلة، لا ليستعرض عضلاته، ولا كنوع من الحنين إلي الأشكال القديمة، لأنه يسخر أصلاً من الإكلشيهات "لو قلت إنك زرتينني في الحلم/ سأكون كلاسيكياً/ ولن يُصدّقني أحد"، ويعلن كراهيته للأغراض الشعرية "كل قصائد الحب القديمة هراء"، إنه يفعل ذلك في الأغلب ليخلق إيقاعه هو، لا إيقاع التداعي الذي يجعلك كأنما تنصت لصوت خبطات بطيئة صادرة من بعيد تصيبك بالقلق، وذلك الخروج علي التداعي النمطي لا يعني صدم القراء، حيث تبدو لعبة الكتابة واضحة من القصيدة الأولي، وهكذا يستطيعون الإحساس بهارموني القصيدة، رغم النقلات الفجائية في القصيدة الواحدة. انظروا.. يقول "ذات يوم/ سأتحول إلي سفينة سوداء/ عيوني قراصنة/ تنبض قلوبهم بالمحبة"، وبعدها مباشرة "ذات يوم كان لي دراجة/ أصعد بها إلي السماء". هل أضاف ديوان "مدهامتان" إلي الشعر؟! بالنسبة إليّ أصبح محمد أبوزيد شاعراً قادراً علي صناعة الفارق.
ــــــــــــــــــــــ

"مدهامتان" أبو زيد.. حينما يتحدى الشاعر شعره


محمد الشماع
قصيدة النثر. هذه البناية التي جاورت الأنواع الأدبية في منتصف التسعينيات، لي معها تاريخ من الاضطراب والانزعاج. حبي لأشعار عبد الصبور ودنقل وحجازي ودرويش، يمنعني من الانجذاب لهذا الفن، الذي طالما عدد رواده ومريدوه، مكامن الجمال فيه، وصوره البراقة اللامعة، سارقة الأنظار والأفهام، وحريته في كسر الوزن، الذي يعتبروه أحد التابوهات الكبرى.
أقرأ الرواية في ظروف خاصة. كذلك أفعل مع المجموعات القصصية، ودواوين شعر التفعيلة، والعامية. ربما لا أحتاج لهذه الظروف، وقت قراءتي لديوان نثري. فأغلب ما قرأت من قصيدة النثر، يشبه بعضه. الصور تكاد تكون مكررة، القاموس اللغوي، متشابه إلى حد كبير. لا متعة ولا شغف ولا قلق، فأخرج من الديوان بلا شئ جديد.
في حديثي مع أصدقائي من كتاب قصيدة النثر، دائما ما أقول "ربما العيب في". لكنني في نفسي، متأكد أن العيب هو عيب النوع الأدبي. ولكن مع ديوان "مدهامتان" للشاعر محمد أبو زيد، عرفت أن العيب ليس عيب النوع الأدبي. فالديوان ينتمي إلى قصيدة النثر، لكن المتعة، والشغف والقلق، تسربا إلى داخلي، أثناء قراءتي، وكأنني أقرأ لدرويش ودنقل وعبد الصبور.
"مدهامتان" هو اسم الديوان، وهي الآية رقم 64، من سورة الرحمن. وهو أيضا وصف للجنتين، الذين وعد بهما الله تعالي لـ"من خاف مقام ربه"، في السورة، وفي اللغة، هو اللون الأسود من شدة الخضرة. هكذا في البداية، يجعلني أبو زيد أفكر، في مغزي اختياره لهذا الاسم.
في طرف الغلاف الداخلي، صورة لطفل معمم. يشبه أبو زيد. لم أجتهد كثيرًا في معرفة أن الصورة، هي صورته وقت أن كان في المرحلة الابتدائية، من دراسته الأزهرية. لم يتغير أبو زيد في ملامحه، إلى حد جعلني أشعر حينما كنت أقرأ بعض قصائد الديوان، أن روح الطفل أبو زيد، حاضرة.
صه أيها الموت / ماذا تريد بعد أربعة دواوين مفعمة بالجثث / برائحة البارود والجماجم الطائرة / بالدم والسل والطاعون / لم يعد بإمكاني تقديم قرابين أكثر / تعبت
بهذه السطور افتتح الشاعر ديوانه. فكانت كالمقدمة، التي تسبق الدراسة. والذي يسرد فيها الباحث أهداف وخطوات دراسته، والنتيجة التي توصل إليها. يبدو أن أبو زيد، سيأخذنا لرحلة من القلق، والخيال القاتم. يتحدث مع الموت، بل يأمره الإنصات، والتروي، ومنحه الفرصة أن يتحدث عن أشياء أخرى، وأن يكف عن نيل القرابين.
في القسم الأول، والذي منحه الشاعر اسم "ذهب محمد إلى الحقل"، نحو 12 قصيدة، سيطرت على معظمها فكرة الحنين إلى الماضي. ففي قصيدة "الغابة الخضراء الواسعة" تجده يقول:
أريد أن أعود طفلا مرة أخرى / أحب / ويتحطم قلبي الغض / أحلم بالكتابة والثورة / أعرف الفارق بين العدو والصديق / أتخلى عن حكمة الشيوخ / وأعود حيوانا بريا / يجري سعيدا في الغابة.
الشاعر أيضا، يرسل بطله، إلى عالم الكهولة، ليحلم معه بزمن كان فيه قويا، يافعا، قادرا على صنع الكثير. في عالم الكهولة، يندم البطل، على عمره، وعلى قوته التي خارت، وعلى حكمته، التي لم تكن. كما في المقطع السادس، من قصيدة "أنا خائف يا أليس":
عندما أعود صغيرا / سأعيد قراءة كتاب لم أكمله / وضاع مني / سأتوقف عن مطاردة دود القز وأفراس النبي / سألعب / ألعب حتى تنبري قدماي / أحتفظ بقصائدي الأولى التي مزقتها / أمسح جبهة حماري الذي ضربته / اشتري عينين جيدتين من البائع الذي يلف في الشارع / أبكي أكثر على قطتي حتى تعود من الموت / أهرول كي أنقذ كرتي من السيارة المسرعة / عندما أعود صغيرًا ، لن أصبح كبيرًا.
تناقض مدهش، يحمل في طياته سخرية بالغة، بين عنوان قصيدة "السعادة الحقيقية تجدونها في هذه القصيدة" وبين نصها الذي يبدأ:
لأنني أحبكم / أريدكم أن تموتوا الآن / أريد أن أمشي خلف جنازاتكم / واحدا وراء الآخر.
أبو زيد، يمتلك ناصية لغوية عظيمة، ويعشق التجريب. نراه يلعب بالتراكيب اللغوية، في قصيدة "برج الثور: حب جديد يغزو قلبك". نراه يكرر اللفظ أو التركيب الذي ينهي به سطره الأول، من كل مقطع في القصيدة، في أول السطر الذي يليه:
حبيبتي خضراء كالغابة / الغابة التي احترقت أمامي منذ قليل ..... حبيبتي حزينة كالآر بي جي / الآر بي جي الذي قتلني في الحرب ..... حبيبتي خالدة كالظلام / الظلام الذي يمتصني ولا أراه
في مقطوعة "أعلق صورتي على الجدران وأكتب تحتها wanted" يكتب الشاعر قطعة أدبية، أقرب في الشاعرية، للشعر، وأقرب في الشكل، للقصة.
"فك رقبة" هي آية في سورة البلد، اتخذت من الحكمة مبلغا. بموجبها، حرر الله ملايين من بني البشر، من الرق والعبودية. الآية جاءت في سياق قوله تعالى، "فلا اقتحم العقبة وما أدراك ما العقبة فك رقبة"، ومعناها أن اجتياز العقبة أو أهوال يوم القيامة، وقيل أيضا أن العقبة هي جبل فى جهنم، لا يكون إلا بالأعمال الصالحة فى الدنيا، وعلى رأسها "فك الرقبة" أى تخليص النفس من الرق.
ولكن لماذا أطلق الشاعر، هذا الاسم على القسم الثاني من الديوان؟. أعتقد أنه أراد أن يعتق، أو يفك رقبة الصورة الشعرية، ويحررها من قيودها، ويطير معها في آفاق خلط التاريخ بالواقع بالخيال. ففي مقطوعة "ليل / داخلي" يمزج أبو زيد مشهدا سينمائيا من فيلم غزل البنات، بالواقع كما يراه هو، فيقول:
في مشهد أخير من غزل البنات يبكي نجيب الريحاني وهو يرتشف: "وعشق الروح مالوش آخر.. لكن عشق الجسد فاني"، ثم يقرر ترك قلبه، وليلى مراد في الميكروباص، ويستقل المترو المتجه إلى المرج، حين يناديه قلبه بعد ذلك، سيعلق عينيه على شماعة الحمام حتى لا يراه.
يخرج الشاعر في هذا القسم أيضا، عن المعدل الطبيعي، لحجم قصائده، فيورد قصائدا متناهية في القصر، مثل "مبررات النسيان"، و"تبدو دائما على أهبة الابتسام.. ثم تبكي، و"لا أريد أن أكرر تحذيري لكم"، وقصائد أخرى طويلة، مثل "لو قلت حبيبتي كالقمر..هل أكون كلاسيكيا؟".
أبو زيد له رواية، أصدرها منذ عامين، بعنوان "أثر النبي"، لذلك هو يقول في قصيدته الأولى "الشاعر والروائي"، من القسم الثالث والذي منحه اسم "الخوارج":
العام الماضي كنت روائيا / كنت سعيدًا كبطريق / تناول إفطاره مبكرا / ثم لعب الكرة مع سمكتي "حنكليس في الشارع
قصائد هذا القسم بالذات أراها تجارب ذاتية عاشها الشاعر، في طفولته وصباه وشبابه، يعود ليرويها بعد فترة تأمل، ففي قصيدة "أحمد العسكري"، يروي أبو زيد، بشكل موجز، رؤيته الجديدة لمشاعره تجاه صبي فقد ساقيه في حادث، واستبدلهما بساقين حديديتن. أما في مقطوعة "قصة البلكونات الطائرة"، فيعيد صياغة صورة كان يراها دائما في القرية، وهي مشهد تراص سكان القرية في البلكونات، وكأنها معلقة في الهواء، ويشبه هذا المشهد بقصيدته التي هي الأخرى معلقة، بين الأيديولوجيات.
أكثر أبو زيد في هذا القسم من المقطوعات، وربما هو خروج آخر عن شكل القصائد المألوفة، فيورد مقطوعات بعناوين "شاطر ومشطور وبينهما جثة"، و"لغز الحلم"، فضلا عن "قصة البلكونات الطائرة".
في قسم "القصائد المرة"، ربما يستعين الشاعر، بفكرة سلسلة الأفلام الأمريكية، التي حملت اسم "فيلم رعب"، و"فيلم تاريخي"، فأتت قصائد أبو زيد بأسماء "القصيدة الخراب"، و"القصيدة السامة"، و"قصيدة رعب"، و"قصيدة أكشن"، و"قصيدة اجتماعية".
هذا القسم بالتحديد، أراه أفضل أجزاء الديوان، فقد تملكت أبو زيد خلاله، روح الشاعر المبصر، المتملك من أدواته اللغوية والخيالية. يجعلك تتحرك بروحك، وتعبر القارات، بحثا عن منزل باولو كويلو، مثلا في "القصيدة الخراب"، أو حانة إليوت، في "القصيدة السامة"، أو شوارع أفلام آل باتشينو، في "قصيدة أكشن". تتحرك في الزمن، لنقرأ أشعار الميدوسا، والكوميديا الإلهية، وقصة تاجر البندقية، وتاريخ عصر المماليك.
"عاد لينتقم". هو عنوان القسم الخامس، من الديوان، وفيه تحدى الشاعر، قصيدة التفعيلة، والقصيدة العمودية. فيكتب قصيدة "صورة القاف على التي شيرت الأزرق"، وهي قصيدة عمودية، من بحر البسيط، يقول فيها أبو زيد:
يا قاف يا قلق يا قاف يا قلقي / قد وافق القوم لكن ويحه ودقي
قلق تدفق في الانفاق مفتقدا / دق النقيق إذا ما ضقت يا طرقي
الشاعر يقيم علاقة حية، مع الأنواع الأدبية، يجعلها هدفا مرة وسخرية مرة أخرى، كل ذلك في نصوص تشعر معها بأن النوع الأدبي كائن حي له لحم ودم.
في قصيدة "من أخبر هذا المقهى أني صعلوك؟"، يعود الشاعر لشكل التفعيلة، ويكسره تماما، في القصيدة الثالثة من هذا الجزء، "نعناعة في فستان عائشة"، فيملأه بالهوامش والمشاهد، والتي تشكل تحديا لشكل القصيدة.
في القسم قبل الأخير، والذي يحمل عنوان "أحفر مقبرتي وأغني"، يقدم الشاعر مجموعة من القصائد، تؤهل قارئه للنهاية، وكأن أبو زيد يقرأ معنا الديوان. فهو يكسر الإيهام والحاجز، بين القارئ والنص، بصورة مذهلة.
وفي القسم الأخير، والمكون من قصيدة واحدة، حملت عنوان "من يدل الكفيف – مرة أخرى – على الطريق يا رب؟"، يجعلك أبو زيد تشعر، بأنها نهاية حياة الشاعر، فهو يمارس هوايته، التي بدأها في ديوانه، بكسر كل الحواجز، وتحدي كل الصعاب، في أنه يجعل من الديوان، وكأنه حياته التي تنتهي بنهاية الديوان.
ـــــــــــــــــــــــــ

14‏/03‏/2012

مدهامتان .. الموت يحلق حول قصائد محمد أبوزيد


مجدي عبد الرحيم

من الاصوات الشعرية ذات الملمح الخاص والتجربة الثرية، يرهق نفسه كثيرا لكتابة نصوص مختلفة عما هو سائد ويقدم رؤية لا تستطيع الوصول لمكنونها بسهولة لما يملكه من لغة ومفردات وآليات جمالية سواء علي مستوي الرمز والشكل والمضمون والتجديد والتجريب، يغوص بسخرية مريرة في أعماق النفس البشرية بكل تقلباتها واحزانها عبر مشروعة الابداعي المتصل بداية من ديوان ثقب في الهواء بطول قامتي، مروراً بأعماله قوم جلوس حولهم ماء، نعناعة مريم، مديح الغابة، طاعون يضع ساقا فوق الأخري وينظر للسماء، رواية أثر النبي. بين السواد وحيرة التلقي وفي ديوانه الصادر حديثا عن دار شرقيات بعنوان " مدهامتان "، وهي الآية رقم 64 من سورة الرحمن في القرآن الكريم ومعناها اي خضراوان من الري، وقاله ابن عباس وغيره، وقال مجاهد مسودتان في اللغة السواد، والعرب تقول لكل اخضر أسود وسميت قري العراق سوداء لكثرة خضرتها

وهكذا يضعنا ابوزيد علي عتابات النصوص بين السواد وحيرة التلقي والابحار في التيه، لا يوجد اهداء في البداية ولكن يوجد مفتتح ومدخل للديوان، يقول : صه أيها الموت /ماذا تريد بعد أربعة دواوين مفعمة بالجثث/برائحة البارود والجماجم الطائرة/بالدم والسل والطاعون/لم يعد بإمكاني تقديم قرابين أكثر/تعبت. قصيدة بلا عنوان تحمل زفرة ألم ووجع ورسالة الي الموت المخاطب كثيرا في الديوان، ويقول: أريدك فقط أن تمهلني قليلا /لأنهي هذه النار المسكوبة في جوفي صورة جيدة يترجي الموت الانتظار قليلاً لا من اجل الحياة لكن لينهي النارالتي لو تركت مشتعلة لمات كما اراد، ويقول: إيه أيها الموت/ أنا جاهز تماما / هل يمكنني أن استريح ؟ ختام جيد للقصيدة واستكمالا للصورة هو الآن جاهز لراحة الموت التي ربما وجد فيها الخلاص والذات الشاعر هنا في حيرة شديدة واختيار صعب فهي تفضل الموت علي حياة جرداء لا خير فيها.

الديوان مقسم الي سبعة اقسام :ذهب محمد إلي الحقل، فك رقبة، الخوارج، القصائد المُرَة، عاد لينتقم، أحفر مقبرتي وأغني، القصيدة الأخيرة، ويحتوي علي 58 قصيدة تتراوح مابين الطول والقصر، التقسيمات أفادت النصوص، لكن ذلك لا يتضح من القراءة الاولي، فالشاعر يضعك دائما داخل الحالة يعيشها معك بتفاصيلها التي تجذبك وتحيرك وتشغل عقلك فهولا يخدعك ولا يزيف الواقع بل يقدم صورة صادمة وكاشفة وفاضحة للواقع المرير.

الغابة الخضراء الواسعة في قصيدة "الغابة الخضراء الواسعة اختزلت المعاني في عبارات قصيرة تلغرافية افصحت في بساطة رائعة وبغير تكلف، منها قوله: وأعود حيوانا بريا/ يجري سعيدا في الغابة،ويقول: لأطلقت سراحكم جميعا/ في الحقول الخضراء، يصورنا مساجين في الحياة رغم اننا طلقاء، وفي قصيدة"مالا أريد قوله" لم أولد وفي فمي ملعقة من ذهب أو صفيح/لم أولد وفي فمي ملعقة من الأصل / لأنني بلا فم يا إخوتي، قصيدة توحي بالكثيرمكثفة ومختزلة تكاد تفضح عالمنا وواقعنا بما اوحت إليه ولم تصرح به، وفي قصيدة" أرص الصور بجوار بعضها فتكتمل الحياة" أجلس في ركن المقهي/ينير الناذل عيوني الزجاجية/ يغير القهوة التي بردت/ أعد البناطيل المارة..والايام المرة، تجد تحير المتلقي ماذا ينتظر هل الموت الذي اكد عليه في نهاية القصيدة، ام عمره الضائع ام حبيب غائب ام مفقود اخر

وفي قصيدة" ولد يتثاءب وينظر من الحافلة" ما شدني نهايتها كأنها الحكمة والسخرية، ما أمتع أن تجلس في الحياة / بلا رفيق معك. وفي قصيدة "أف .. المصعد متعطل كالعادة" محملة بالخبرة بالكتابة لشاعر يمتلك الرؤية والتصوير يقول: سكان الأدوار الاخيرة في ناطحات السحاب/ يدعون الشمس كل يوم لتناول الإفطار/ وفي الليل يضيئون شموسا صغيرة، المفترض في الليل يضيئون قمروليست شموس، لكنهم اغنياء يستطيعون فعل كل شيء، ويقول:البعض يفضلون أدوار المنتصف/ القريبة من كل شيء/يضيعون أعمارهم علي السلم، يخططون لشراء مقابر مناسبة/ يقيدون الزمن في مقبض الباب / يربتون علي كتفه كببغاء أخرس

وليست هذه السخرية التي تغلف القصيدة مجرد سخرية الواقع بل هي تقليب لما بداخل الشاعر الإنسان في آن واحد فهو لم يفقد الأمل في تحقيق حلمه البسيط الذي يكمن في سنين قادمة تحتويه لأنه يتعامل بوعي يري النور في الظلام رغم هذه المتاعب التي يمر بها ليل نهار.

وفي قصيدة" وحدي في المنزل" يقول: في اليوم الأول لتركي العمل /لم يستطع هاتفي تحمل كم الاتصالات /فسقط علي الأرض يلهث/بعدها بأيام/ كان النوم يصاحب هاتفي قليلا/ وعندما توقظه مكالمة/ يحاول إطالتها بقدر الإمكان/ الآن/ يضع يده علي خده/ ينظر إلي وأنا أكتب القصيدة، يمكن ان يطلق عليها قصيدة الديوان رغم قصرها الا انها قالت الكثير والكثير، قصيدة محملة بالمعاني والتجارب الحياتية الزائفة التي يغلب عليها المصالح، وتقدم رؤيا كاشفة فاحصة بعين خبيرة، تمتلك ابعادا إنسانية لقضايا وتحولات البشر، وتجيد ايضا تعرية الواقع وتجريده من الزيف، رؤية لاتهوي أنصاف الحلول واللعب بالألوان. تكثيف ظاهرة الاغتراب وفي قصيدة" أعلق صورتي علي الجدران وأكتب تحتها wanted" يقول: الشعرالنصيحة/ وأنا أنصحكم أن تنسوني/ أن تنسوا وجهي وابتسامتي ولون ظلي/ قصيدة دائرية ما تكاد تنتهي منها لتعود لبداية النص، حوت اشياء كثيرة رغم البساطة البادية علي وجه القصيدة الا انها عميقة ومعبرة.

وهكذا ينجح ابو زيد في تكثيف ظاهرة الاغتراب داخل الوطن فتبدو عناصره الفنية متألقة. كما نجح في المزاوجة بين المعنوي والحسي في تجربة شعرية متماسكة، فهو يملك من الأدوات ما يمهد له سبيل الإجادة والتميز والتحليق في مملكة الشعر ويختزل المشاعر في عبارات بلاغية وفي كلمات مكثفة ذات لغة لها الكثير من المعاني والدلالات. وفي قصيدة"أنا خائف يا أليس يقول: "أضع يدي فوق جبهتي/وأنظر من أعلي للعمر الذي ترك يدي /وهرول بعيدا/ أبحث عن ولد كان يسير هنا أمامي واختفي/ كنت أرعاه بألوان عيني / أبحث عنه في الكتاب المصفر/ أحاصر روحه/ بخطوط يدي الباهتة، يضعنا الشاعر امام مأزق انساني نبيل فكلنا هذا الباحث، علي الرغم من سيطرة الحزن والحسرة علي كل ما هو جميل، فالشاعر يحدد هذا الجميل في صور متتابعة تبدأ بلحظة جوهرية متميزة تلغي من النص أية زيادات أو تفاصيل لا تحتاجها القصيدة ثم يبدأ بتتابع المشهد الشعري ويرصد فيه صورا شعرية تصور هذه اللحظات الجوهرية ويعني هذا تركيز الشاعر علي عدة مفاتيح أختارها بعناية مما يجعل لمدخل النص أهمية قصوي في تفهم خطابة الشعري المركز. وفي قصيدة "السعادة الحقيقية تجدونها في هذه القصيدة" يقول:لأنني أحبكم /أريدكم أن تموتوا الآن/ أريد ان أمشي خلف جنازاتكم /واحدا وراء الآخر، قصيدة حالة، والعنوان معبر ودال وهي صورة صادمة تقف امامها في حيرة شديدة ودهشة، إن لم تستطع أن تتفاعل وتتعاطف معها بقوة، فهي تقف علي مقربة منك تكاد أن تتماس مع ما تحياه، ولاتستطيع الفكاك منها بسهولة. وفي قصيدة"برج الثور: حب جديد يغزو قلبك" حبيبتي خضراء كالغابة/الغابة التي احترقت أمامي منذ قليل/كنت مختبئا في العناية المركزة/والجلوكوز يتدفق إلي الأشجار/كنت نائما فوق سحابة/ ودموعي تملأ البحر بالملح والصدف/كنت يوما غابة /وكانت حبيبتي خضراء، وهو تكرار يفيد المعني ويثريه، وتأتي المقاطع الخمسة: حبيبتي حزينة كالآربي جي، حبيبتي جميلة كديناصور، حبيبتي خالدة كالظلام، ويختتم القصيدة : لم أقل الحقيقة/ ليس لي حبيبة زرقاء/ ولا نهر مستأنس/ ليس في جيبي مصباح/ ولا قلتي ممتلئة علي النافذة، هكذا يرسم ابوزيد خطة للقصيدة بطريقة لا تجعلها واضحة المعالم للقارئ منذ البداية، ثم يختار الاسم الذي كان موفقا، ولأن النص الشعري هنا مشهد متعدد الوجوه رغم الانفعالية الحادة بعض الشيء المسيطرة علي لغة النص الشعري إلا إنها لغة جذابة تدخل إلي القلب في بساطة آسرة. وفي قصيدة " أتنهد هكذا" يقول :أنا القط الذي انقرض/أنا الموسيقي الهاربة من البيانو/أنا غابات الزيزفون التي يكرهها النقاد/أنا .. أنا/وأنت .. أنت، تقدم القصيدة للوجود والمصير وهي تنضج بالشجن الجميل والأسي النبيل والشاعر يجاهد نفسه طويلا وهو محاصر بوعود كاذبة وعيون لا تري الحق وزمن يقتل الأشياء الجميلة من حوله، وفي مقطع آخر يقول:الموسيقي التي ظللت أسمعها لأعوام /كانت تنساب من الجدار/ تشبه عينيك، نختبئ في رسائل البوسطجي/ تنام دموعنا بين السطور، هكذا تمضي القصيدة عبر حاله من الحزن المغلف بالضياع فالكل قد تجمع ضده، وقد اجاد الشاعر في تكرار مقطع أو عبارة " أنا.. أنا وأنت ..أنت" فقد أعطي بعدا موسيقيا تلتقطه الآذان والقلوب معا، وفي قصيدة"حبيبتي نظيفة وجميلة ومتطورة" الدرس الذي تعلمته من القتلة / الجريمة لا تفيد/ الدرس الذي تعلمته من القتلة/ كن قاسيا بلا قلب/ لا تدعهم يكتشفون أنك شاعر/ وأن قلبك طفل يلهو في المولد أمام أمه/ وفي الختام يقول: الدرس الذي تعلمته من القتلة/ لا تترك وراءك أثرا/ ولا قلوبا محبة، رغم قسوتها لم استطع ان اكرهها وشدتني سطور الختام وهي قصيدة مكثفة ذات أبعاد صيغت بحرفية فنية عالية، واستطاعت أن تصيب الهدف بأقل الكلمات وبدون صخب أو افتعال.

وفي قصيدة"أحمد العسكري" يرفعه المعلم منزوع القلب /ليضربه علي قدميه/ أحمد عبد الحفيظ العسكري/ الذي يجيد رسم نظرة المسكنة/ يخلع ساقيه الحديديتين/ساقا وراء الأخري/ وعيناه تتساءلان عن الرحمة/ في حصة المدرس الكفيف/ نضع أيدينا فوق أقدامه/حتي لا تجرجرنا نظراته/ من قلوبنا الصغيرة إلي النار، قصيدة حالة وتذكر لأحداث ربما تركت اثرا في النفوس ورغم مرارتها تجعلك تشعر بالقوة في عزالضعف، وفي قصيدة "شاطر ومشطور وبينهما جثة " قصيدة جيدة كنت افضل ان تسمي(أريد أن أبكي يا أمي؟) يقول في عدة مقاطع : كنت طفلا، ألون السماء بالأزرق فيصحو الجو، بالرمادي فتمطر، بالأحمر فتحتلين قلبي، بالأسود فتموت أمي، قلت لأمي: المدينة غيرتني ولم أعد أنا، فلا أنا القروي الساذج، ولا هذه طريقتي في البكاء، قلت لأمي وحبيبتي: قفا نبكي من ذكري حبيب ومنزل وشاعر بلا اسم، المنزل احترق وكنت في الناحية الأخري أنفخ حتي ينطفئ فيزداد اشتعالا، قلت لأمي حين مررت من أمامي لم أكن هنا، لم أكن أنا، قلت لأمي حين أموت لا أريد أن يمشي في جنازتي شعراء ولا نقاد ولا باعة صحف، قلت لأمي أريد أن أموت يا أمي، الكلمات والعبارات غير مجانية ولها مدلول.

والشاعر مهموم بقضايا الانسان بوجه عام يشغله وجوده وتفاعله مع الكون وعلاقته بمن حوله، يبحث عن جوهر الاشياء يغوص في الاعماق لنري خفايا النفس البشرية. وفي قصيدة " لم أخطط لهذا طوال عمري" لا قلب لي /أتخلص منه مبكرا وأواصل حياتي /القلوب البديلة ملقاة علي قارعة الطرق/ كباعة البطاطا/لكنني أفضل الانصراف مبكرا/في شارع نصف مظلم/إلي بيت وحيد /آخر الدنيا /أتناول عشائي مع قطتي في طبق واحد، وفي مقطع اخر: التي قالت لي: أنت أخي، ميتة الآن/التي قلت لها: أنت أختي، تركتني ميتا/التي لم نلتق كثيرا، صارت جميلة كالظلام/التي تبادلت معها الصمت/ لونت معها كفني/التي أخذت البيعة من دمي/نائمة الآن علي البحر/وأنا جثة ممددة علي الشاطئ الآخر، هكذا للحياة وجهان الحزن والفرح والذات الشاعرة هنا تقابلك كثيرا مع الأحزان، ورغم ان الموت يحوم دائما حول قصائد الديوان إلا أن تعامل الشاعر مع الاحداث يجعلك تبتسم اوتضحك ربما من فرط السخرية والاحساس بالألم.

ــــــــــــــــــــــــــ

نشر في جريدة القاهرة