04‏/12‏/2016

لا تنسوا رضوى عاشور

مرت أول من أمس (الخميس 30 نوفمبر)، الذكرى الثانية لرحيل الكاتبة الكبيرة رضوى عاشور، بهدوء ودون ضجيج، ودون اهتمام من الأوساط الثقافية الرسمية، إلا من إشارات من قرائها وعشاق أدبها وتلاميذها، وإشارات لعشرات المقولات المقتبسة من أعمالها عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
لم تكن رضوى عاشور في حياتها تنتظر شيئاً من المؤسسة الثقافية الرسمية، عاشت حياتها على هامش المؤسسة، منحازة لقضاياها التي آمنت بها، وتركتها منثورة في أعمالها، يحتفي بها قراؤها، وتحصل على جوائز من دول العالم، تتحقق وتؤثر بكتاب تلو الآخر، لكن ظلت بعيدة عن الدولة التي كانت مشغولة بمعاركها الشخصية، وموظفيها.
لم يكن لرضوى عاشور شلة، فرغم انتمائها جيلياً إلى جيل الستينيات، إلا أنها ظلت بمعزل عن خلافات ذلك الجيل، منغمسة في عملها الأكاديمي، وبنفس الدأب تعمل على مشروعها الأدبي في صمت وجدية، عملاً تلو الآخر، ونصاً رائقاً تلو الآخر.
رضوى عاشور حالة خاصة في الثقافة العربية عموماً، وفي المصرية خصوصاً، آمنت بما تكتب، وكتبت ما تؤمن به. لم تفصل بين اعتقادها في قضاياها السياسية وبين كتابتها، لكن رغم ذلك لا نلمح صوتاً أيديولوجياً في أي مما كتبت.
كانت منحازة للقضايا العربية، مهمومة بقضية العرب الأولى القضية الفلسطينية، مؤمنة بوطنها، رأينا ذلك في "ثلاثية غرناطة"، و"الطنطورية"، وغيرهما. في حديث معها قبل حوالي 12 عاماً قالت لي: "إذا كانت الكتابة مجرد قناع أيديولوجي فلا بد أنها رديئة جداً، وبالمناسبة ففي كل كتابة قدر من الأيديولوجيا، لكن اختزال الكتابة إلى مجرد أيديولوجيا يعني قتلها وتحويلها إلى أفكار غير أدبية". كانت ترى أن "النص الأدبي نص متعدد المراكز ومتعدد الأصوات ويحتمل التناقض والتشطي ويحتمل أشياء كثيرة، والقول بأنه أيديولوجيا مقنعة يعني إفقاده ثراء الفن والعديد من العناصر المشكلة لهذا الثراء".
كانت مؤمنة بقضية المرأة، ورأينا ذلك في بطلات رواياتها، بدءاً من غرناطة، مروراً بـ"خديجة وسوسن"، و"أطياف"، "وحجر دافئ"، و"فرج"، و"سراج"، والسيدة راء، لكن رغم ذلك لم نرها وسط عشرات الكاتبات اللائي يحتكرن الكتابة باسم المرأة في الصحف والفضائيات.
كانت حالة خاصة، بعائلة همّها الأدب والإنسانية، فلا يمكن أن نفصل حضورها عن تجربة الشاعر الكبير مريد البرغوثي، وتميم ابنهما. ومن يعرفهم عن قرب، يدرك أن هذه عائلة من خارج الإطار التقليدي للعائلة، يمكنك أن تتتبع سيرة مريد في كتابة رضوى، وأن تقرأ رضوى في قصائد مريد، وأن ترى أثر الاثنين في كتابة تميم.
كانت مؤمنة بقضية وطنها، وتدافع عنه، كانت تؤمن بالمقاومة، ابتداء من فلسطين وحتى مصر، ومروراً بكل الجراح العربية المفتوحة، كان يمكن أن تراها في ميدان التحرير بصحبة تميم ومريد، تفعل ما تؤمن به، لكنها لم تكن أبداً من سماسرة القضية، الذين ينتقلون من خندق إلى آخر، حسب نتائج الربح والخسارة.
كانت مؤمنة بالكتابة كمفتاح لحل الأزمة، منفحتة على الكتابة وتطويرها وبنائها، كما فعلت في "قطعة من أوروبا"، أو حتى بأن توظف شكل التقارير في نص أدبي كما في "تقارير السيدة راء"، وأن تتنقل بين السيرة والرواية والرحلة، بحثاً عن الشكل المناسب للكتابة.
كانت رضوى عاشور تكتب، تكتب فقط، وهي تدرك أنها بهذا الفعل تقاوم، تحارب اليأس، وتبني، تعلم، تربي أجيالاً ومحبين في الجامعة، وتمنح آخرين عطاء لا ينقطع في الكتابة.
لا أعتقد أن رضوى عاشور تنتظر احتفاء رسمياً، فقيمتها وقامتها باقية ـ مهما مضى من زمن ـ في عيون محبي الأدب الجاد والحقيقي، الذي لا يفنى، ومحبي إنسانيتها التي نفتقدها.     
......................
*نشر في المصري اليوم