04‏/12‏/2016

الغياب بكامل هيئته في "مقدمة في الغياب" لمحمد أبوزيد

جمال فتحي
ليست "مقدمة في الغياب" إنه الغياب ذاته. بكامل هيئته. بملامحه الواضحة وظلاله الخافتة. بتفاصيله الكبيرة والصغيرة البارزة والخفية. بمتنه وهامشه. غياب حضر حضورا طاغيا في ديوان الشاعر محمد أبو زيد البديع والصادر مؤخرا عن دار شرقيات بالعنوان ذاته " مقدمة في الغياب " وهو الديوان الذي جاءت قصائده تحت أربعة عناوين داخلية رئيسية هي: كهل يسير إلي الحافة / لا يؤنس الغريب سوي ذاته / من يتذكر الغائب؟ من يعرف ماذا يفعل الآن؟ / اسمي محمد أبو زيد.
غياب أبو زيد تنفتح دلالته علي كافة التأويلات والتفسيرات والمعاني. بدءا من الغياب بعيدا عن الوطن والأهل والأصدقاء وبعيدا عن المنشأ والبيت والأشياء الحميمة إلي غياب الإنسان عن الإنسان. وليس بعد غياب الإنسان من حضور. مرورا بالموت كأحد الطرق إلي الغياب. وليس انتهاء بتجاوز الشاعر إلي تأمل الغياب ذاته مجردا كلوحة وقف أمامها طويلا. ونفذ إلي أعماقها الدفينة بأكثر من طريقة بشكل يذكرنا كثيرا بوقفة الشاعر الكبير الراحل محمود درويش أمام ذات الغياب في معظم أعماله.
يقول أبو زيد مثلا ص11 في قصيدة " ما لا أستطيع تذكره ": في زيارتي الأخيرة / لم أعرف أحدا منهم / ولم يعرفني أحد . وفي قصيدة no news good news ص20 يقول: " لا تفاصيل هنا / لا تفاصيل أعبئ بهـا ذاكرتي / لا شيء يحدث / لا شيء أكتبه في قصيدتي ". وكما يتبدي لنا من السطور ومن مجمل القصائد في الديوان » فقد بدا الغياب كثقب كوني أسود ظل يتسع ليبتلع كل شيء » فالمعرفة غائبة وإن كانت مجرد معرفة الناس للناس. وكذلك الذاكرة غائبة. بل والتفاصيل أيضا كما يقول "لا تفاصيل هنا" ليس هذا فقط بل الفعل أيضا غائب علي حد تعبيره "لا شيء يحدث" حتي الشعر والكتابة والرؤية غائبة كما يقول: " لا شيء أكتبه في قصائدي ". وفي ص 47 يقول: لا أشعر بأي شيء / لا طعم في لساني/ لا شي في يدي /.. " إذن فالشعور يغيب والحواس ولاشيء في يد الشاعر يملكه. وقد لعبت " لا النافية للجنس " كما هو واضح دورا كبيرا في الكثير من القصائد في نفي جنس الحضور بكافة أشكاله في الديوان لصالح الغياب المسيطر المستبد. وهي الأداة اللغوية التي لجأ إليها الشاعر بحساسية لغوية مرهفة تدعمها ذائقة أصيلة وموهبة حقيقية آزرتها الكثير من الأدوات اللغوية والتقنيات الشعرية الأخري.. إلي أن وصل الشاعر إلي قمة غيابه عندما نفي ذاته وهويته وغيبهما بقوله " أنا لا أحد "
قصائد الديوان هامسة يدفعها في اتجاه الرؤية حس إنساني عميق لشاعر زاهد في الحضور مستسلم للهزائم يحيا وهو علي يقين بأن العالم لا يرغب في وجوده لذا يقول ص 98 " من يستعير عمري / من يريد يدا تكتب الشعر / وعينين تالفتين خلف نظارة / وشعرا يتحدي ضربات المقص / من يريد قدما تعبت من التجوال / وابتسامة بلهاء شاخت علي فمي ". غير أن القصائد الهامسة تنطوي أحيانا علي صور مفاجئة وصادمة تدهشك وتجرح سكينتك وتورطك في أزمة ذلك الكائن الذي يختفي خلف القصائد يبحث عن حضور لا يجده وعن غياب مؤكد. كقوله " كانوا ينظرون مليا إلي ذلك المتأنق / أكثر من اللازم / كأنه ذاهب إلي الموت ".. فهل يتأنق الذاهب إلي الموت أصلا؟! فضلا عن تأنقه أكثر من اللازم..ولما لا أليس ذاهبا للغياب؟! وكذلك قوله: " ص 14 لا أفهم ما يقولون / لكن سعادتهم / تحرك ستارة النافذة "
....................

نشر في جريدة الجمهورية