09‏/12‏/2016

تارانتينو مخرجاً للعالم

يقف المخرج الأمريكي الكبير كوينتن تارانتينو، على الجهة الأخرى من، الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب، فلدى كل منهما وجهة نظر مختلفة عن الرجل الأبيض.
خصص تارانتينو فيلميه الأخيرين "جانجو طليقاً" و"الكريهون الثمانية"، واللذين يعود فيهما إلى التاريخ الأمريكي حالك السواد، للحديث عن عنصرية الرجل الأبيض، وفضحها أيضاً، ففي الفيلم الأول نحن إزاء قصة تحرير عبد، يتكشف خلالها كل ما كان يمارسه الرجل الأبيض من عنصرية بغيضة، فيما يأتي الفيلم الثاني على خلفية الحرب الأهلية الأمريكية حيث تسمع كلمة "زنجي" عشرات المرات، ليعيد في الفيلمين تقديم التاريخ الأمريكي بأفلام تنتمي إلى أفلام "الويسترن" التقليدية، ولكن من زاوية قراءة مختلفة، وفي حوار معه بعد فيلمه "جانجو طليقاً"، قال تارانتينو "كونك أمريكيًّا تصنع فيلماً عن ماضي أمريكا يمكن أن يكون قاسياً، لأن مِن أكبر التحديات التي تواجهنا في صناعة هذه الأفلام هي حقيقة أنه لا يوجد الكثير من هذه الأفلام".
في المقابل يصل ترامب رئيساً لأمريكاً على صهوة خطاب عنصري، يُمجّد الرجل الأبيض، الأمريكي الجديد، سيد العالم ويعادي دولاً مجاورة له، مهدداً ببناء سور حول دولته، لمنع المكسيكيين من دخولها، وربما يبدو هذا الخطاب جديراً بأن يكون أحد حوارات أفلام تارانتينو عن عنصرية الرجل الأبيض وهيمنته ورؤيته لقوته، مجرد خطاب هزلي، تتناثر حوله الدماء والعنف، في سرد غير خطي، ليتكشف مصير العالم. يقول تارانتينو في حوار معه "أحب ان يتحدث الناس عن العنصرية المؤسسية الموجودة، والتى تم تجاهلها. أشعر كما لو أنها لحظة أخرى من فترة الستينيات، حيث كان على الناس أن يروا مدى قبحهم قبل تغير الأمور".
أمريكا بين تارانتينو وترامب تبدو مختلفة تماماً، فكل منهما يرى بلاده من زاويته، أحدهما يراها من القمة، والآخر يراها من القاع، فبعد مظاهرة شارك فيها العام الماضي ضد عنف الشرطة، قال كوينتن: "أنا أتذكر كيف تعاملت معي الشرطة عندما كنت فقيراً، وأنا أعرف كيف تعاملوا معي خلال العشرين عاماً الماضية، لم يكن التعامل بنفس الطريقة".
ورغم هذا، يبدو تارانتينو مثالاً جيداً للأمريكي، ففي فيلمه "بالب فيكشن"، تأمل مثلاً هذا الحوار حول أنواع الهمبورجر، تأمل الموسيقات الكلاسيكية، الإحالات لعشرات الأفلام الكلاسيكية في أفلامه، والتي كوّنت الثقافة العالمية حول أمريكا. لكن الفارق ـ في ظني ـ هو أن تارانتينو لا يؤمن بـ "شرطي العالم" الشرير، الذي يفرض نفسه بالقوة،  ولا بالبطل الأمريكي الذي لا يقهر الذي تم تصديره في مئات الأفلام، ففقد الأمل، بالعدالة الأمريكية، فقرر أن يحوّل شرها إلى فعل كاريكاتوري ساخر، يشف ويكشف الداخل الأمريكي.
يرى تارانتينو العالم من وجهة نظر مختلفة، يجسدها في أفلامه، سواء تلك التي كتبها فقط، مثل "قتلة بالفطرة"، والذي كشف فيه علاقة الإعلام بصناعة الجريمة، أو تلك التي كتبها وأخرجها، حيث يقدم العالم ممزوجاً بالعنف والدم، لكن الملاحظة الأبرز أن جميع هذه الأفلام، أبطالها من الأشرار، التي قد تجعل المشاهد يتعاطف معها للحظة، لكنه في النهاية ـ حتى لو كرهها ـ لا يملك إلا أن يقف مبهوراً وهو يراها تعيد تشكيل العالم ـ عالم المخرج ـ أو العالم الحقيقي.
في آخر أفلامه "الكريهون الثمانية"، على سبيل المثال، يضع تارانتينو مُشاهده في مواجهة ثمانية أبطال من الأشرار، يبدون كأنهم هم من يتحكمون في العالم، لكن يبدو هذا الفيلم، من زاوية أخرى، هو القوس الآخر الذي يغلق عالم تارانتيو الذي بدأ جدياً بفيلم لا يختلف كثيراً، هو "كلاب المستودع"، حيث نجد أن جميع أبطال الفيلمين من الأشرار، فضلاً عن اعتماد الفيلمين على ديكور واحد ـ في معظمهما ـ والحوار المتصاعد الذي يتلاعب بالمشاهد، الموسيقى الكلاسيكية، هنا ثمانية أشخاص لا يعرفون بعضهم، وهناك سبعة مجرمين في عصابة واحدة لا يعرف أحدهم عن الآخر شيئاً، لكنهم يعرفون ألوانهم فقط، حيث يحمل كل واحد اسم لون.
في "اقتل بيل"، بجزءيه، نحن أمام رحلة انتقام طويلة، قاتلة محترفة تنتقم من العصابة التي تنتمي إليها، في فصول تبدو كأنها منزوعة من رواية عظيمة. لا رجال شرطة هنا، لأنها في الغالب تصل في الأفلام الأخرى متأخرة، بل شر يقاتل شراً، وأنت في النهاية لا تملك إلا أن تنحاز إلى الأقل شراً (ألا يذكرك هذا بعالمك؟). في "بالب فيكشن"، حيث السرد غير الخطي نحن إزاء مجرمين ورجال عصابات وحقيبة صغيرة ومزيج من السخرية والدم والعنف يذكر بالعالم، وفي "أوغاد مجهولون" يذهب للتاريخ، حيث شر الحرب العالمية الثانية وقصّة جنود حرب عصاباتٍ أمريكيين يهود أثناء الاحتلال النازي لفرنسا ورؤية مختلفة للأفلام التاريخية المعتادة، في "جانجو طليقاً"، يذهب إلى شر الاستعباد والرق والويسترن في أمريكا، في "الكريهون الثمانية"، شر أمريكا التي بلا قانون ويحكمها قطاع الطرق والويسترن هيبيز والعنصرية وصائدي الجوائز والحرب الأهلية، في "كلاب المستودع"، شر العصابات الأمريكية.
يختلف تارانتينو عن كل المخرجين الذين قدموا العنف بوجهيه، الخير والشر، يختلف عن كريستوفر نولان، يختلف عن هيتشكوك، يختلف عن جيمس كاميرون، يختلف عن سكورسيزي، يختلف في أنه يقدم الشر فقط، بجميع وجوهه، الشر الساذج، الشر الإنساني، الشر الذي هو شر لذاته. وكأن هذه هي رؤيته للعالم، العالم الذي يراه يتشكل، ويتفاعل حوله، مع اختلاف درجات الشر.
بعد فوز دونالد ترامب بالانتخابات الأمريكية، تحدث البعض عن أن هذا العالم أصبح يشبه إلى حد كبير أفلام تارانتينو، مع امتلائه بزعماء أشرار، عنصريين، شبه مجانين، لكن يبدو أن تلك نبوءة كوينتن حتى قبل فوز ترامب بكثير، ففي حوار قديم معه بدا سعيداً أن العالم اكتشف عنصرية الرجل الأبيض.
نهايات كوينتن جديرة بهذا العالم، يموت شريرون كثيرون، لكن يبقى شرير واحد في النهاية، ربما الأقل شراً، ربما ليؤكد أن النهايات الحالمة يصدقها السذج فقط، لكن الشر موجود، ويستمر.. ويستمر.. ويستمر للأسف.
.......................