05‏/11‏/2006

الحب خلف قضبان المترو


لسنوات طويلة ، لم أستطع أن أحذف من ذاكرتي مشهد عبلة كامل ، وهي تجلس في محطة المترو تنتظر أحمد ذكي ، في فيلم هستيريا ، يقفز المشهد وهي تقوم بعمل التريكو ، يمر عليها المترو تلو الآخر ، وهي لا تيأس من الانتظار .
أتذكر هذا كلما دخلت محطة المترو لأجد ولدا وبنتا يجلسان متجاورين ، لا يعيران المترو الذي يمر أي اهتمام ، ينظران إلى عيون بعضهما ، يقرآن الحب الذي يدق على قلوبهما في عنف لأول مرة ، يحمر وجه البنت خجلا ، ويطأطئ الولد ، الذي يخطو خطواته الأولى تجاه المراهقة ، في خجل ، يتوقف المترو، ينزل أناس ويصعد آخرون ، ويهرول البعض قبل أن يغلق الباب ، لكن الولد والفتاة لا يريان كل هذا ، إنهما غارقان في الحب ، هنا في المترو .
المترو الآن يلعب دورا جديدا إلى جانب دوره في نقل الركاب إلى شتى مناطق القاهرة ، إنه يقوم بكتابة قصص الحب على جدرانه ، ينقشها على الرغم من أعين المتلصصين والرافضين ، يشهد على قلوب تدق لأول مرة ، على ورود تختفي داخل كراريس البنات ، ورسائل حب في حقائب الأولاد وداخل محافظهن .
تصبح محطات المترو مكانا مناسبا للانتظار، تستطيع أن تلمح ، ولا سيما في أيام المدارس ، البنات اللائي يجلسن ، في انتظار هبوط ولد من القطار القادم ، تظل عيونهن معلقة بالعربات ، حتى تفرغ من فيها ، فيصبن بخيبة أمل ، ثم ينتظرن المترو القادم ، فربما يأتي بشيء جديد .
حكايات الحب في المترو تبدأ عادة مع الأولاد والبنات الذين يركبونه ، للذهاب إلى مدارسهم في الصباح ، بمختلف أعمارهم ، ومع الذين يمرون بتغيرات فسيولوجية ، يصبح المترو ، مكانا مناسبا لاكتشاف الجنس الأخر ، المترو الذي يبدو كمملكة كبيرة ، لا يعرف أحد فيها الآخر ، يصبح مكانا مناسبا أيضا للقاء المحبين الكبار ، مكانا غير مكلف ، لا يوجد فيه ، بائع " حاجة ساقعة " رزل ، أو جرسون كافيتريا يستغل قصة الحب البريئة ليطلب أسعارا مرتفعة لمشروباته ، كما يصبح المكان الذي يبدو مناسبا للعودة في أي وقت عندما تنظر البنت إلى ساعة هاتفها المحمول وتقول "يا نهار إسود اتأخرت " ، فتجمع حاجياتها ، وتستقل أول مترو عائد ، ولا تنسى أن تنظر إلى عيون حبيبها من خلف زجاج المترو الذي ينطلق .
يصبح المترو في أحيان كثيرة حلا وسطا للكثيرين من العشاق الذين لا يملكون رفاهية الجلوس في الأماكن المكيفة المغلقة ، والذين يخافون من الرقابة المجتمعية في الأماكن المفتوحة ، والذين لا يملكون أيضا سوى جنيه ثمن تذكرة المترو التي تكفي للذهاب والإياب ،لأنهما لن يخرجان من المترو ، وفي أحيان كثيرة ، يبدو الموضوع مجانيا إذا كان مع كل منهما اشتراك .
أسوأ ما في قصص الحب في المترو هو الانتظار ، يصبح عليك في أحيان كثيرة ، أن تتحملي النظرات الفضولية ، فتحاولين ان تنشغلي بالقراءة في كتاب لا تفهمين ما فيه ، أومتابعة فيلم كارتون أبله ، او اإنيات مسفه في التليفزيونات المعلقة حتى يأتي الحبيب ، أما إذا لم يأتي ، فسيكون لزاما عليك ، أن تقومي لتستقلي المترو القادم ، أن تجلسي بجوار الشباك ، وأن تتصفحي بعينيك وجوه المارة في تشبث أخير بالأمل ، ولا تنسي أن تنفخي في زجاج الشباك ، وترسمين في البخار المتجمع ، قلبك الوحيد ، ذلك المجروح .

هناك 6 تعليقات:

كراكيب نـهـى مـحمود يقول...

تنبهت حواسي تماما مع النص منذ اول تلاقي مع كلمة فيلم هستريا في ذهني ولقاء عيني معها
النص يمضي بسلاسه جميله
وينتهي نهاية ادبية راقيه تفوق كل ما جاء به - تحياتي

مـحـمـد مـفـيـد يقول...

رغم ان التعليق السابق اتمسح ومش فاكره وانت عارف
المهم ان الحب والعلاقات الفياضه داخل المترو تتم تحت حراسه امن المترو الغلبان الذي يوفر لكل حبيب الامن والسلامه
ده حتي الظاهره وصلت للاتوبيس المكيف بتاع التحرير المطار ابو 2 جنيه
الواحد يركب ومعاه البنت ويرجع تاني فيه تحت حراسه السائق والتكييف والستائر المرخيه

saso يقول...

اكثر ما يجذبني لكتاباتك التفاصيل
فقط انت من تهتم بتفاصيل اشيائنا اليومية الغير ملحوظة
محطة الاوتوبيس .. ظهورهم للشارع كي لا تنسكب نظرات المارة علي الوجوه.. المترو.. محطة القطار لسعداء الحظ ممن يسافرون مسافة اطول مع من يحبوا..مكتبات التصوير الضيقة
كل مكان يبدوا منطقيل تواجدهم فيه.. تنمو قصص حب صغيرة او حتي اعجاب خفي
أول التجارب والحكايا.. الانتظار والعتاب الخافت .. مشاعر الفرح والحب وربما الفقد ودموع صغيرة تتعلم الا تنزل بمواجهة الاخرين
حتي وان لم تمتلك تجربة انت الاخر ..فلن تملك مشاعرك حين تمر علي محطة شبه خاوية.. وطفلة شابة تنتظر من لم يجئ بعد ربما تؤخر نفسك قليلا كي تشعرها انها ليست وحيده هنا فليس عليها ان تخجل من انتظاره.. ربما تعبس في وجهها لائما ..ربما تبتسم وتنظر لآخر الرصيف لتعلن اليها قدوم من تنتظر

حــلم يقول...

رحلة رائعة كأنى كنت على سطح مياه هادئة

نص جدير بالاعجاب

بهاء الدين رمضان يقول...

حقيقة موضوعات ممتعة استمتعت بهذا الموضوع كثيرا جدا وذكرني برأي للدكتور مصطفى عبد الغني كنا نسير سويا على كورنيش النيل وقال حين رأي العشاق على النيل وقد أعجب بهم اشد الإعجاب والله هم استطاعوا أن يجدوا لأنفسهم متنافسا فماذا عساهم أن يفعلوا في ظل غلاء الإجارات والمهور والمعيشة كلها
هذا هو الحل الأمثل والأخير
نعم المترو وغيره آخر الحلول المصرية ولا فائدة
شكرا شاعرنا الرائع ودمت لنا متألقا

غادة الكاميليا يقول...

روح جسد بنت وولد
اتواعدنا حبنا يعيش للأبد
يعيش يعيش يعيييييييييييش للأبد
...............
تحياتى على إنك أخذتنى برهات قليله إلى دنيا المترو الذي لم ألاحظ ما يدور به
لأنتبه إليه قليلا
تحياتى