

الكتابة الآن أصبحت هي الشقيقة للكبرى للرخ والعنقاء والخل الوفي ،أصبحت رابع المستحيلات ,أصبح الكاتب كالساحر المسكين الذي فقد كل قدراته ، ولا يعرف كيف يرضي متفرجيه ، حتى الساذجين منهم ، أصبح على الكاتب الشاب أن يصنه معجزة مع كل نص جديد يكتبه ,أصبحت فكرة الكتابة في حد ذاتها أمرا مستغربا ، ودائما يقفز سؤال في عيون من تخبرهم بأنك تكتب " لماذا " ، وفي ظل طغيان سطوة المادة ، وانعدام القارئ ، الذي يكاد أن يتوقف عن قراءة الجرائد ، وليس الأدب ، وغياب الصفحات الثقافية في الجرائد ، وغياب المتابعة النقدية ، وغياب النشر ، وتسلط إعلام الفيديو كليب ، وغياب المشروع الوطني ، وتدني الثقافة العامة ، والبحث عن لقمة العيش ، والتسلط الذي تمارسه أجهزة الدولة الثقافية والأمنية ، يصبح وجود الكاتب ممارسا محفوفا بالمخاطر ، فكيف يوجد في مجتمع يرفضه ، ولا يقبل إنتاجه .
لا بد أنك تذكر أن وزير دفاع هتلر هو الذي قال عندما أسمع كلمة مثقف أتحسس مسدسي ، هذا يا صديقي يحدث الآن ، أصبحت وزارة الثقافة ، والمجتمع من بعدها يردد هذا , أصبح الكاتب الشاب مطاردا ، منزو في مكان لا يسمعه فيه أحد ولا يراه أحد ، الكتابة الآن أصبحت كالمعجزة ، وليس بعيدا أن تبحث عمن كان يكتبوا منذ سنوات معك فتجدهم قد هجروا مهنة الكتابة ، التي أصبحت بالنسبة لهم رفاهية ، لا تحتملها قلوبهم المجهدة ، ولا ظروفهم البائسة ، وتجدهم انخرطوا في مهن مختلفة بعيدة عن عملهم.
مشكلة الجيل الحالي أنه ورث أيديولوجيات فكرية سابقة ، أصبح عليه أن يتعامل معها ، مع أن هذه الأيديولوجيات السابقة ، تدعي التمرد على شقيقات كبريات لها سبقنها ، وبالتالي أصبح من يكتب عليه أن يتمرد على ماذا ، ليس هذا مهما ، المهم أن يتمرد .
أقول لك يا صديقي ، لو كان الأخ دون كيشوت حيا فلا بد أنه كان سينضم طوعا إلى جيل الشباب ، يحارب معهم طواحين الهواء ، خاصة بعد أن نجحت أجيال سابقة ، بجدارة ، في تفريغ الأدب من مضمونه ، واختصرته في تهاويم ، وبعد أن نجحت وزارة الثقافة في إدخال بقية المثقفين في " حظيرتها " طمعا في سفر للخارج أو منحة تفرغ ، أو جائزة صغيرة .
الأجيال التي سبقتنا حين ولدت وجدت منابر ثقافية مختلفة لها ، كانت هناك مجلات ثقافية مختلفة ، وسلاسل إبداعية مختلفة ،كان هنا كنظام في الدولة يهتم بالإبداع ، وكانت هناك حركة ثقافية مستقلة تهتم بالمثقفين والكتاب الشباب ، أما عندما ظهرنا نحن فلا توجد على الساحة إلا مجلتين لا يقرأهما أحد ، تخيل مجلتين شهريتين ، لآلاف المبدعين في مصر بأقاليمها ، أما السلاسل الإبداعية فتحولت إلى عزب أو شقق مفروشة بالتعبير العامي ، في هيئة الكتاب سلسلة تشرف عليها سيدة ، لا ينشر فيها إلا المعارف والأصدقاء ، أما سلسلة هيئة قصور الثقافة ، فقد نجحت الحكومة الفاشية في القضاء عليها ، وأصبح على جيلنا أن يبحث عن مكان للنشر آخر ، ويكون الحل هو أن ينشر على حسابه ، فكيف يفعل هذا وهو لا يجد عمله ، إذن إما أن يفعل كالمراهقات ويخبئ ما كتبه في درجه ، او أن يتوقف عن الكتابة حتى يريح وزارة الثقافة ويستريح .
جيلنا الذي يبحث عن اسم له ، مثل التسعينيات ، والثمانينات ، يخوض حربين أولاهما من أجل لقمة العيش ، الثانية من اجل نشر قصة أو قصيدة لن يقرأها أحد في مجلة لن تبيع ، جيلنا ما زال يكتب حتى يجدوا له اسما كالأجيال التي سبقته أو حتى إشعار آخر .
لكني مع ذلك لست يائسا ، أرى أن جيلنا مع شدة لطمات الحياة له أصبح أكثر وعيا ، استفاد من التجارب السابقة له مع وزارة الثقافة ، فقرر أن يصدر كتبه على حسابه ، حتى لو كان سيدفع فيها ثمن كوب شايه وسيجارته الوحيدة ، ألا ترى معي أن نشر الشباب على حسابهم أصبح ظاهرة لافتة ، استطاع جيلنا التخلص من كل الأيديولوجيات السابقة ، وبدأ يكتب ذاته ، مشاكله ، حكايات بلاده الحقيقية ، تجاوز كل التهاويم الكبرى التي صدعونا بها كثيرا ، تخلص من نظريات النقد الكبرى وبدأ بكتب كتابة حقيقية دون خوف من نقاد أصبحوا مع الزمن مثل خيال المآتة ليس أكثر ، تسألني ماذا سيفعل جيلنا ، أجيبك لا أعرف ، لكن عليك أن تنتظره .
تقف عبارة " ابن الإيه " في الشتائم على الحياد ، فيمكن اعتبارها سبا ويمكن عدم اعتبارها كذلك ، والفيصل في الحالتين هو الطريقة التي تقال بها ، و ربما يمكننا اعتبار المبرر وراء هذه الحالة من الحيرة هو عدم تحديد معنى " الايه " هنا ، فمن الممكن أن يقصد بها خيرا أو شرا .
غير أن عدم التحديد هذا قد يبدو في أحيان كثيرة غير ملزم في الحيرة ، فهناك بعض العبارات الصريحة في الشتم تستخدم في الحالتين ، فكلمة " عبيط " يمكن استخدامها كشتيمة ، ويمكن استخدامها للتدليل على الشفقة تجاه شخص نصفه بهذه الصفة ويمكن اعتبارها على سبيل المزاح ، ويكون دليلنا في هذا درجة تلون الصوت ، و أذكر أن أحد لاعبي الكرة المشهورين قال ذات مرة في تصريحات له ما معناه أن الجمهور غريب ، فإذا لم يعجبه لعيب يصرخ فيه إثناء المباراة " العب يا ابن الكلب " وإذا أعجبته " فإنه يقول عليه أنه " لعيب ابن كلب " أي لاعب حريف ، وفي الحالتين فاللاعب مشتوم بذات الصفة سواء لعب أم لا .
ولفظة ابن الايه ، تحتاج منا أن نفسر كلمة الايه حتى نفهم معناها، وفي كتابه " أصل الألفاظ العامية من اللغة المصرية القديمة" يقول المؤلف سامح مقار أن اللفظة القبطية "إيه" تعنى بقرة ، أو عِجل ، فكأن معنى العبارة " لو بس أمسكه إبن البقرة " واللفظة أصلها قديم من الهيروغليفية "إح" بمعنى عجل, وقد خففت الحاء إلى هاء مع تطور اللغة ، والعجل هو ذكر البقرة لذلك عند وضع تاء التأنيث نحصل على كلمة بقرة – إحت .
لكن لا شك أن " الايه " الآن تختلف اختلافا كبيرا عن الايه الفرعونية ، فنحن نستخدمها الآن في كثير من تفاصيل حياتنا ، فنقولها على سبيل الإعجاب عندما يفعل شخص شيئا جيدا " يا ابن الايه " ، وأحيانا تبدو شتيمة مهذبة ، لمن لا يريد أن يعكر لسانه بالبذاءات ، أما أشهر " إيه " فهي التي يقولها شعبان عبد الرحيم في ختام كل كوبليه في كل أغنياته ، " إييييييييييييييييييه " ،أما أجمل " إيه " فهي التي قالتها نانسي عجرم في أغنيتها " إيه ؟ قول تاني كده ، مين ؟ تقصدني أنا " .
انت حمار يا حمار ؟
مفهوم الشتيمة في السينما يظل ملتبسا ، بين اعتبار الألفاظ التي تقال شتيمة أم إحدى طرق التعبير الساخر ، مع الاحتفاظ بالحدود المجتمعية ، أشهر شتيمة ساخرة أطلقت في أحد الأعمال الدرامية هي ذلك السؤال الاستفهامي الساخر لمحمد صبحي في مسرحية تخاريف " انت حمار يا حمار ؟ " ، وهي الأشهر لأنها ربما من كثرة تداولها لم تعد كذلك ، ورغم أن السؤال يحتوي على شتيمة مبطنة بسخرية ، إلا أن ما يثير الضحك هو ذلك التناقض الجميل في السؤال والذي يرفع عن الشتيمة قبحها ليحولها إلى مجرد نكتة ليس أكثر .
أيضا هناك إفيه شهير في هذه المسرحية ، حينما يخاطب محمد صبحي وهو في زي هتلر ، هاني رمزي الذي يمثل أحد أبناء الشعب قائلا " تكلم ، تكلم بلا خوف ، تكلم يا ابن الششششششش.... عب ، وربنا أعلم باللي في ضميري " ، طبعا كلنا خمنا ما هو الذي في ضميره .
يمكننا أن نقول أن الشتيمة ارتبطت بالسينما ربما منذ بدايتها ، لأن الشتيمة غالبا مجرد رد فعل يعبر عن الغضب يظهره الإنسان في حالة استثارته ، في أحيان كثيرة ارتبطت بدراما الأحداث ، كرد فعل عنيف وحيد يملكه من لا يملك أمام من يملك ، و مثل كل شيء شهدت مفردات الشتيمة صعودا وهبوطا ، فانتشرت بشدة في أفلام فترة النكسة ،وفي أفلام السبعينيات بعد هوجة الانفتاح الاقتصادي ، وبعد ذلك في الثمانينيات في الأفلام التي اصطلح على تسميتها بأفلام المقاولات ، وعادت بعد ذلك في الأعمال الكوميدية ، غير أنها في كل فترة كانت تحمل ملامح ذلك الوقت ، فلا يمكننا اعتبار الألفاظ ، والافيهات الساخرة ، المستمدة من الفولكلور والأمثال الشعبية التي كانت تطلقها كل من ماري منيب ، وزينات صدقي شتيمة بالمعنى المتداول حاليا ، مع أن كلمة " يا موكوس " التي كانت ترددها ماري منيب تعد سبا ، إلا أننا إذا أدخلناها في سياق المثل الشعبي الذي تردده " الموكوس موكوس ، حتى لو علقوا على راسه فانوس " فإننا سنعيد النظر حتما .
" يا ابن الكلب " هي الشتيمة الصريحة التي أطلقتها فاتن حمامة في أحد أفلامها في الستينيات وقالتها بغرض الشتيمة أيضا ، والتي يستدل بها الكتاب الآن على أن أفلام زمان كانت تستعمل السباب ، ورغم أن عبارة فاتن أثارت جدلا وقتها ، وربما لا تزال ، إلا أن المضحك أن هذه العبارة الآن لم تعد كذلك ، بل قد تقال على سبيل المزاح ، وتظل عبارة الضرورة الدرامية هي المحك على كل حال ، والعبارة التي يرددها كل مخرج وكاتب سيناريو لتبرير ما كتبه ، ما لا يدركه هؤلاء الكتاب هو أنهم يشكلون ثقافة مجتمع ، وأن شبابا سيدخلون السينما وسيخرجون وهم يرددون عباراتهم بدون عيب بحجة أن نجمه المفضل في السينما قالها ، فما العيب في أن يقولها هو ،وهكذا تدخل العبارة في سياق الحديث اليومي لتتحول إلى كلمة عادية مثلها مثل غيرها ، بعد أن رفعت عن وجهها حجاب الحياء .
إذا حاولنا أن نرصد بعض العبارات ، الشتائم التي قيلت في السينما فلن نتعب كثيرا لأنها منتشرة بالفعل ، ففي فيلم يا مهلبية يا هناك العبارة الشهيرة لأحمد آدم " انا صحيح راجل واطي ... لكن مزاجي استقراطي " ، أيضا هناك صرخة نور الشريف في آخر فيلم سواق الاتوبيس للرائع الراحل عاطف الطيب " يا اولاد الكلب " ، وثمة حوار في فيلم سمك لبن تمر هندي بين معالي زايد وأحد الأشخاص حين قالت له " مش انت برضة اللي اغتصبت سعاد حسني في فيلم الكرنك " فرد عليها قائلا "يا بنتي الكلام ده ايام الشقاوة ، كلموني علشانك الواحد ما عندوش صحه لكن اكل العيش بقه " ، ويمكن اعتبار لفظة " حمار " في السينما تجيء دائما من باب المزاح ، فانتفى عنها فعل السب ، فبالاضافة إلى الافيه الشهير لمحمد صبحي الذي ذكرناه سابقا ، هناك مقولة اسماعيل ياسين في أحد الافلاام تعليقا على خسارة صديقه في سباق أحصنة " طبيعي تخسرهم على حصان لأنك واخدهم من حمار " ، ومن الافيهات التي تتراوح بين السخرية والشتيمة وصف الشاويش عطية لاسماعيل ياسين " هوه بعينه ، بغباوته ، بوشه العكر " ، اما زينات صدقي فقد وصفته في فيلم ابن حميدو بأنه " انسان الغاب طويل الناب ، والعبارة الشهيرة في فيلم هارب من الزواج " هو صحيح الحمار ممكن يتجوز حماره لكن اللى مش ممكن انه يتجوز غوريلا " ومن هذه الشتائم المقنعة أيضا وصف حسن فايق لعروسته في فيلم ليلة العيد بقوله " إيه دى؟؟؟ جايبنلى عروسة من مخلفات الحرب؟؟ " ، وربما لأن الأمثال الشعبية تحتوي الكثير من هذه الالفاظ ، فلا بد أن ملكة الامثال الشعبية في السينما ماري منيب ستكون ملكة متوجة على هذا القسم .
بالقياس إلى الأفلام الجديدة والمسرحيات والمسلسلات الحالية ، يصبح كل ما كان يقال في الماضي مجرد هزل ،وكلام عبي ، يعني عبيط على رأي محمد رضا في فيلم 30 يوم في السجن ، فقد تجاوزت الشتيمة كل الاستعارات والمجازات ، وأصبحت علانية ، لم تعد تختبئ خلف ستار الكوميديا ، بعد أن فقدت الكوميديا قيمتها وأصبحت ممتهنة ، أصبحت الشتيمة تمتد إلى الأب والأم ، و لم نعد نستغرب لأننا نجد شتائم جنسية أيضا ، ففي أحد الأفلام الجديدة نجد أحد أبطالها يصف آخر بقوله "يا للى أمك ما بتقولش لأ" ، ورغم أن أحد مخرجي هذه الأفلام برر قوله بأن وحيد حامد كتب فى فيلم "طيور الظلام" جملة "بتعرفى فرنساوي" على لسان عادل إمام وردت عليه يسرا "أنت أدري" ، وأن فاتن حمامة قالت فى أكثر من فيلم عبارة "ابن الكلب" ونور الشريف "شخر" فى فيلم "حدوتة مصرية"، و تغاضى النقاد عن كل هذا ، فالحقيقة أن خطأ الآخرين ليس مبررا لخطئنا ، وإن كان هذا يبين من جهة أخرى ، هو أن ثمة ثقافة يتم تكوينها من عبارات متداولة في أفلام تصبح مع الوقت جزءا من ثقافة المجتمع الذي ينظر إلى أبطال السينما على اعتبار أنهم صفوة المجتمع وأنهم لا تخرج منهم " العيبة " وبالتالي فما يقولونه ليس عيبا .
أفلام المقاولات استطاعت في الثمانينيات والتسعينيات أن توجد ثقافة ، ولغة ، يحلو لي ان أسميهما ثقافة ، ولغة الصنايعية ، الجمهور الأساسي لهذه النوعية من الأفلام التي كانت تهتم بتقديم أكبر قدر من اللحم على حساب أي قدر من الفن ، حفلت هذه الأفلام بلغة قاع المدينة، بلغة الحياة السفلية ، على أمل التقرب من ساكني هذه الطبقة بعد ان يتحولوا إلى السواد الأعظم من مشاهدي السينما ، فرضت أفلام المقاولات ثقافة الشتيمة ،ولا زالت حتى بعد اندثارها ، وتمكنت هذه الأفلام ومن قبلها أفلام فترة النكسة وفترة بيروت من أن تتسلل إلى مكتبة التليفزيون وأن تدخل في سباق تغيير ثقافة المجتمع ،وأن يصبح العيب عاديا ، والشتيمة هزارا ، والسينما بابا خلفيا لثقافة القاع .
صحف الشتيمة
عناوين مثيرة ، صور فاضحة ، شتائم مقنعة وعارية ، أكاذيب لا مواراة فيها ، يبدو هذا هو حال العديد من الصحف المصرية هذه الأيام ، ولا سيما التي تخصصت في الجريمة ، التي احترفت الشتيمة شعارا لها ، في الكاريكاتيرات ، او المقالات ، وفي المانشيتات ، جعلت واحدا ممن عاشوا فترة الستينيات يقول لي واصفا واحدة منها " هذه ليست صحيفة ، بل صفيحة " ، ربما يعتبر القائمون على هذه الصحف هذا السلوب هو القرب إلى قلب القارئ ، عندما يزول الحد الفاصل بين الشارع وصفحة الجريدة عندما يصبح ما يقال في الشارع هو ما يكتب ، لكن ما لا دركونه أنها في هذه الحالة لن تتحول إلى صحيفة ، ولا إلى أي شيء آخر .
الشتيمة هنا قد لا تكون بالالفظ ، بل بالكذب الصريح على القارئ ، بنشر صورة عارية ، حتى تصبح من الأشياء المألوفة بالنسبة له ، يوجد في مصر الآن اكثر من 18 جريدة ، حسب إحدى الإحصائيات ، تتخذ من موضوع الجريمة متكئا لها زادها : صور ، وفضائح المشاهير ، و العناوين المثيرة التي تجرح النظر ، المانشيتات التي تعبر " شتيمة " في حق قارئها .
عناوينها تستطيع أن تتوقعها " عمايل الفنانة المعروفة مع لاعب الكرة الصايع في نص الليل " ، " القبض على شبكة دعارة تضم طالبات في الجامعة و تقودها فنانة معروفة "، " حكاية سهرة الراقصة المشهورة في شقة رجل الأعمال الشهير " و " أكبر شبكة آداب تسقط في الاسكندرية " ، ومع التركيز على هذه النوعية من العناوين تشعر أن البلد كلها أصبحت هكذا ، و هنا يأتي رد الفعل الذي نحذر منه .
الشتيمة في هذه النوعية من الجرائد قد لا تكون باللفظ والمشكلة ليست في الشتيمة نفسها ولا في مطلقيها أنفسهم، بل في انتشارها وجعلها من الأمور العادية في حياتنا و إشاعة خطاب الشتيمة ، بحيث تصبح في نهاية الأمر كلاما عاديا متداولا ، ومن هنا يبدأ الخطر .
قبر يلمك
قديما كان العرب يستخدمون في مشاداتهم عبارات من نوعية " ثكلتك أمك " ، و " تبت يداك " و " أصبئت يا حنظلة ؟" و " خسئت " ، والملاحظ أنها كلها عبارات صلبة ، جامدة ، مستمدة من البيئة الصحراوية التي كانوا يعيشون فيها ، من قسوة الجبال والعطش والرمال، وهو الأمر نفسه الذي ينطبق على الشتائم في الصعيد ، حيث أننا نجدها مشتقة من العبارات الموجودة في البيئة المحيطة بهم ، البيئة القاسية بما فيها من جبال وصحراء وفقر مدقع ، بما فيها من حنو يزرعه نهر النيل ، والأراضي القليلة الخضراء حولهم ، في نفوسهم ، غابت الشتائم الصعيدية عن الكثيرين ، ولم يبد منها إلا الصورة الكاريكاتورية التي رسمتها المسلسلات التليفزيونية والأفلام العربية القديمة والحديثة ، ولعلنا نذكر أن محمد هنيدي في فيلم صعيدي في الجامعة الميركية كان ينادي زميله أحمد السقا بقوله " يا جزمة " ، اما أشهر شتيمة فهي تلك التي أطلقها الفنان الراحل عبدالله غيث في مسلسل ذئاب الجبل " قبر لما يلمك " ، الشتائم في الصعيد مشتقة من مفردات الحياة هناك ، ففي بعض المناطق الزراعية تشتق الشتائم منالحيوانات التي يتم التعامل معها ، أما المناطق الجبلية فهي مشتقة من الطبيعة الجبلية ، أما إذا لم يرد الصعيدي أن يشتمك فسيقول لك غاضبا " اقفل خشمك " .