13‏/09‏/2006

وجع الكتابة


إلى صديقي القاص محمد حسين بكر
الذي يرقد في المستشفى مريضا .. حزينا

الكتابة الآن أصبحت هي الشقيقة للكبرى للرخ والعنقاء والخل الوفي ،أصبحت رابع المستحيلات ,أصبح الكاتب كالساحر المسكين الذي فقد كل قدراته ، ولا يعرف كيف يرضي متفرجيه ، حتى الساذجين منهم ، أصبح على الكاتب الشاب أن يصنه معجزة مع كل نص جديد يكتبه ,أصبحت فكرة الكتابة في حد ذاتها أمرا مستغربا ، ودائما يقفز سؤال في عيون من تخبرهم بأنك تكتب " لماذا " ، وفي ظل طغيان سطوة المادة ، وانعدام القارئ ، الذي يكاد أن يتوقف عن قراءة الجرائد ، وليس الأدب ، وغياب الصفحات الثقافية في الجرائد ، وغياب المتابعة النقدية ، وغياب النشر ، وتسلط إعلام الفيديو كليب ، وغياب المشروع الوطني ، وتدني الثقافة العامة ، والبحث عن لقمة العيش ، والتسلط الذي تمارسه أجهزة الدولة الثقافية والأمنية ، يصبح وجود الكاتب ممارسا محفوفا بالمخاطر ، فكيف يوجد في مجتمع يرفضه ، ولا يقبل إنتاجه .
لا بد أنك تذكر أن وزير دفاع هتلر هو الذي قال عندما أسمع كلمة مثقف أتحسس مسدسي ، هذا يا صديقي يحدث الآن ، أصبحت وزارة الثقافة ، والمجتمع من بعدها يردد هذا , أصبح الكاتب الشاب مطاردا ، منزو في مكان لا يسمعه فيه أحد ولا يراه أحد ، الكتابة الآن أصبحت كالمعجزة ، وليس بعيدا أن تبحث عمن كان يكتبوا منذ سنوات معك فتجدهم قد هجروا مهنة الكتابة ، التي أصبحت بالنسبة لهم رفاهية ، لا تحتملها قلوبهم المجهدة ، ولا ظروفهم البائسة ، وتجدهم انخرطوا في مهن مختلفة بعيدة عن عملهم.
مشكلة الجيل الحالي أنه ورث أيديولوجيات فكرية سابقة ، أصبح عليه أن يتعامل معها ، مع أن هذه الأيديولوجيات السابقة ، تدعي التمرد على شقيقات كبريات لها سبقنها ، وبالتالي أصبح من يكتب عليه أن يتمرد على ماذا ، ليس هذا مهما ، المهم أن يتمرد .
أقول لك يا صديقي ، لو كان الأخ دون كيشوت حيا فلا بد أنه كان سينضم طوعا إلى جيل الشباب ، يحارب معهم طواحين الهواء ، خاصة بعد أن نجحت أجيال سابقة ، بجدارة ، في تفريغ الأدب من مضمونه ، واختصرته في تهاويم ، وبعد أن نجحت وزارة الثقافة في إدخال بقية المثقفين في " حظيرتها " طمعا في سفر للخارج أو منحة تفرغ ، أو جائزة صغيرة .
الأجيال التي سبقتنا حين ولدت وجدت منابر ثقافية مختلفة لها ، كانت هناك مجلات ثقافية مختلفة ، وسلاسل إبداعية مختلفة ،كان هنا كنظام في الدولة يهتم بالإبداع ، وكانت هناك حركة ثقافية مستقلة تهتم بالمثقفين والكتاب الشباب ، أما عندما ظهرنا نحن فلا توجد على الساحة إلا مجلتين لا يقرأهما أحد ، تخيل مجلتين شهريتين ، لآلاف المبدعين في مصر بأقاليمها ، أما السلاسل الإبداعية فتحولت إلى عزب أو شقق مفروشة بالتعبير العامي ، في هيئة الكتاب سلسلة تشرف عليها سيدة ، لا ينشر فيها إلا المعارف والأصدقاء ، أما سلسلة هيئة قصور الثقافة ، فقد نجحت الحكومة الفاشية في القضاء عليها ، وأصبح على جيلنا أن يبحث عن مكان للنشر آخر ، ويكون الحل هو أن ينشر على حسابه ، فكيف يفعل هذا وهو لا يجد عمله ، إذن إما أن يفعل كالمراهقات ويخبئ ما كتبه في درجه ، او أن يتوقف عن الكتابة حتى يريح وزارة الثقافة ويستريح .
جيلنا الذي يبحث عن اسم له ، مثل التسعينيات ، والثمانينات ، يخوض حربين أولاهما من أجل لقمة العيش ، الثانية من اجل نشر قصة أو قصيدة لن يقرأها أحد في مجلة لن تبيع ، جيلنا ما زال يكتب حتى يجدوا له اسما كالأجيال التي سبقته أو حتى إشعار آخر .
لكني مع ذلك لست يائسا ، أرى أن جيلنا مع شدة لطمات الحياة له أصبح أكثر وعيا ، استفاد من التجارب السابقة له مع وزارة الثقافة ، فقرر أن يصدر كتبه على حسابه ، حتى لو كان سيدفع فيها ثمن كوب شايه وسيجارته الوحيدة ، ألا ترى معي أن نشر الشباب على حسابهم أصبح ظاهرة لافتة ، استطاع جيلنا التخلص من كل الأيديولوجيات السابقة ، وبدأ يكتب ذاته ، مشاكله ، حكايات بلاده الحقيقية ، تجاوز كل التهاويم الكبرى التي صدعونا بها كثيرا ، تخلص من نظريات النقد الكبرى وبدأ بكتب كتابة حقيقية دون خوف من نقاد أصبحوا مع الزمن مثل خيال المآتة ليس أكثر ، تسألني ماذا سيفعل جيلنا ، أجيبك لا أعرف ، لكن عليك أن تنتظره
.

هناك 11 تعليقًا:

Abdou Basha يقول...

عزيزي محمد.. مش عارف تعليقي ممكن يضايق حد ولا لأ ..!؟
بس ساعات بحس ان الوسط الثقافي وسط "ملزق" مافيهوش صدق وكله تكلف .
**
كلماتك بالفعل عبرت عن بعض ما نراه .
هناك جيتو لمجموعة من البشر عرفوا بأنهم مثقفين وادباء.. وأصبح من هم خارج هذا الوسط لايعرفون كيف يميزون بين الصادق والمدعي .

مـحـمـد مـفـيـد يقول...

الرائع محمد ابو زيد
اولا كل عام وانت بخير ورمضان كريم
احييك عليالبوست الرائع الجميل المعبر منك
وارجو من الله ان يتم شفاء صديقك

Merayat يقول...

محمد..
لخصت معاناة جيلنا في سطور واعية محايدة ..
من الممكن ان نتشائم ونتفاءل في ان واحد
لان الوضع الثقافي الان مموه.. غير واضح يجعلنا تائهيم دوما
............
لك التحيات الطيبات
سلمى

قلم جاف يقول...

سلطت الضوء على معاناة جيلنا بأكمله .. وأضيف :

إننا نعاني فيما نكتب!

علشان يبقى فيه جيل من الأدباء لازم تكون فيه قاعدة ، والقاعدة بتبتدي بالهواة ولما يتمرسوا يبتدوا في الاحتراف ..

والمصيبة السودة إن محدش بيحكم على شغلك .. إن كنت تكمل ولا تبطل وتريح نفسك والناس كمان..

دة اللي بيخلي ناس كتيرة تختصرها من بدري وتبطل .. زي ما بدأت أعمل ..

أنا شخصياً مش عارف إيه معايير القصة الجيدة ، هل هي مجرد سرد ، مجرد تصوير ، عبارات طويلة ملفلفة مجعدة معقدة مكعبرة مجعلصة من عينة "تشتهينا المسافة" على رأي زميلنا المختفي أبو الليل ..

زمان كان سهل الواحد يجرب ، سهل الواحد ينشر ، سهل الناس تقراله ، سهل يحدد مساره..

ح آخد الخيط من صديقي عبده باشا .. الوسط مش بس ملزق بكل أسف ، دة شللي .. الشللية على أساس استخفاف الدم والفانلة السياسية .. دة اللي محبط ناس كتير من غير ذوي الفانلات السياسية من القصة كلها ..

أسأل الله أن يمن على صديقك بالشفاء من مرضه والعودة سالماً غانماً لقرائه ومتذوقي كتاباته ، وعلى الوسط الثقافي بالشفاء من شلليته ، وعلى الوسط الإعلامي بالشفاء من هوس الزعيق في الجنس والسياسة والدين ..

شكسبير يقول...

برافو للأمام يا بطل

LAMIA MAHMOUD يقول...

عبرت عن جيل باكمله بجد

سَيد العارفين يقول...

و ماذا تظن يا محمد في أيدينا سوي أن نشجع منا نقادا جدد ( و لا متقوليش ازاي عشان مش عارف ) انت قلت اللي كلنا بنقوله

ربنا يقوم محمد حسين بالسلامةو ما يبطلش كتابة أبداً

خالد عبد القادر يقول...

محمد

كنت ناوي اتكلم كتير

لقيت حرقة في صدري


ولعت سجارة و سكت


!

shabaskandrany يقول...

صديقى محمد هل محمد حسين بكر ه>ا ال>ى تتكلم عنة هو الاستا> محمد حسن بكر الاسكندرانى ارجوا الاجابه العاجله وهل هو مراسل موقع المصريون

محمد أبو زيد يقول...

عبده باشا
الوسط الثقافي ملزق فعلا
كفاية إنك تقعد نص ساعة بس في الاتيليه يوم التلات عشان تتاكد من ده

محمد مفيد
شكرا لك يا صديقي
وسعيد بتواصلك الدائم


سلمى
مشكلة جيلنا يجب أن يحلها بنفسه ، بعيدا عن الاعتماد على أي لوبيهات سابقة
الجيل سيصنعه فنه ، اختلافه ، تميزه



قلم جاف
لا أؤمن كثيرا بفكرة وجود معايير للكتابة الإبداعية
الكتابة هي التي تحدد معاييرها ، الأصح : هي التي تخلقها
فإذا كنت تكتب القصة فلا تتوقف كثيرا عند المعايير التقليدية ، بل اصنعها بنفسك

لميا محمود
شكرا لك يا صديقتي


سيد العارفين
الجيل يا صديقي سيكون ، وسيبقى
بك ، وبالمبدعين الحقيقيين امثالك

خالد عبد القادر
ما أجملك

شاب اسكندراني
لا ياصديقي
محمد حسين بكر قاص من القاهرة من روض الفرج تحديدا ، صدرت له مجموعة قصصية واحدة بعنوان " ارصفة البوح " بالاشتراك مع صديقين ، ويعمل صحافيا بجريدة الخميس
هو أحد الكتاب المتميزين حقا
يجري الآن عملية تغيير صمامات قلب ، وهنا كضعف في عضلةالقلب
ادعوا له بالشفاء

nael يقول...

هناك شيء عفن في مصر. محمد يعاني كثيرا.يعاني و يموت يوميا. هذا يقتلنا.. العجز يقتلنا. ويحطمنا اننا لا نملك الا القليل.. شكرا يا ابو زيد